الرقة تخلع سواد «داعش»... صوت نسوي يعلو فوق ذكريات أليمة

قصص نجاح 4 إعلاميات سوريات بعد تحرير المدينة

جوري مطر إعلامية تراسل «وكالة أورنينا» للإنتاج الإعلامي
جوري مطر إعلامية تراسل «وكالة أورنينا» للإنتاج الإعلامي
TT

الرقة تخلع سواد «داعش»... صوت نسوي يعلو فوق ذكريات أليمة

جوري مطر إعلامية تراسل «وكالة أورنينا» للإنتاج الإعلامي
جوري مطر إعلامية تراسل «وكالة أورنينا» للإنتاج الإعلامي

تروي 4 إعلاميات من مدينة الرقة، الواقعة أقصى شمال سوريا، قصصاً وحوادث عشنها أيام سيطرة مسلحي تنظيم داعش على مسقط رأسهن سابقاً؛ مشاهد وصوراً يصعب نسيانها كادت تودي بحياة إحداهن، وتبقي ثانية خلف القضبان، وتحرم الأخريين من حياة طبيعية، حيث لازمن البيوت خشية من تعرض مسلحي التنظيم لهن. أما اليوم، فقد حققنّ نجاحات على الصعيد المهني والشخصي، وأصبحن يعملنّ في مجال الإعلام، ويتلقين التشجيع والتأييد من الأهل والأصدقاء والمحيط الاجتماعي.
بات وجود إعلاميات خلال التغطيات الصحافية في مدينة الرقة أمراً طبيعياً، منهن مصورات يقفنّ خلف عدسات الكاميرات، وأخريات يعملن مراسلات، أو بالمجال الفني والتقني، وتشغيل الإضاءة وتحضير غرف الاستديو، وقد تجاهلنّ التحديات التي يواجهنها في المجال الإعلامي، والوظيفي بشكل عام، والقيود التي تفرضها الأسرة والمجتمع على عمل الفتيات.

شجاعة إعلامية لالتقاط صورة
تروي جوري مطر، البالغة من العمر 25 سنة، وهي إعلامية تعمل مراسلة مع «وكالة أورنينا» للإنتاج الإعلامي، حادثة وقعت معها منتصف 2017، وكيف اعتقلت لمدة 3 أيام بتهمة رفع السلاح في وجه عناصر الحسبة النسائية، وكانت عبارة عن شرطة محلية تتبع تنظيم داعش. والحقيقة أنها كانت تسعى لالتقاط صورة عبر هاتفها الجوال لتوثيق آخر يوميات طرد التنظيم المتطرف من بلدها، إذ قالت: «يومها، تحايلت على عناصر الحسبة بأنني أريد تصوير الشارع الذي أمشي فيه يومياً للذكرى فقط، ولكن مسلحات الحسبة لم يقتنعنّ بالرواية، وقلن للمحقق إنني أشهرت السلاح عليهن». وبعد تحقيقات، والتأكد من صحة الصور المخزنة على هاتفها الجوال، وعدم وجود ما يثير الشك والريبة، قامت شخصية بكفالتها، ودفع غرامة مالية، وأفرج عنها شريطة عدم خروجها من المنزل من دون محرم، وقد كتبت تعهداً على نفسها بذلك.
الحادثة شجعت جوري على أن تصبح إعلامية بعد دحر التنظيم، فالتحقت بدوريات إعلامية، واكتسبت المهارة والخبرة. ولدى حديثها إلى جريدة «الشرق الأوسط»، وبالإجابة عن بداية عملها، قالت: «اختلفت طموحاتي قبل 3 سنوات عن اليوم. سابقاً، كان السواد هو المشهد الذي يتحكم بكل مفاصل الحياة. أما اليوم، فقد كُسرت تلك القيود، وأنا أعمل في مجال مهنة تقدم الخدمات لأهلي ومنطقتي».
وقد عمد عناصر «داعش» إلى بث الرعب والخوف في نفوس كل من عاشوا أيام حكمه التي استمرت قرابة 4 سنوات، والمذيعة سارة سليمان، ذات الثلاثين عاماً، كانت إحدى اللواتي تذكرن تلك اللحظات، وقد أجبرت على مشاهدة الإعدامات الميدانية التي ستبقى محفورة في ذاكرتها طوال حياتها، لتقول: «في إحدى المرات، غمر عناصر التنظيم الأراضي الزراعية بريف الرقة بالمياه، ودفعتني الدهشة لأرفع غطاء عيني، لكن عنصراً كان يراقبني، فبقي الخوف والرعب يتملكني لأيام وأسابيع؛ خفت أن يقطعوا رأسي وقتها».
وتخوض سارة اليوم أول تجربة إذاعية لها، وتعمل مذيعة ومقدمة برامج في إذاعة «بيسان إف إم» التي تبث برامجها منذ أبريل (نيسان) 2018، وقد أعربت عن سعادتها بالعمل في راديو سوري يخاطب الجمهور بلهجة ولكنة محلية فراتية، وعلقت قائلة: «أنا أتحدر من الرقة، والإذاعة رقاوية، والجمهور رقاوي، لذلك كانت لديّ رغبة وطموح إلى العمل الإذاعي لمخاطبة الجمهور، فالتنظيم عمد إلى قمع النساء والفتيات، وحرمهن من جميع حقوقهن».

كسر القوالب
تقول الإعلامية سهام المحمد إنّ الحياة الاجتماعية بمدينتها تغيرت بعد سيطرة مسلحي «داعش»، إذ لازمت الفتيات والنساء المنازل، وأصبح خروجهنّ والتنقل أمراً شبه مستحيل في وجود دوريات الحسبة اللواتي كن يقن بتفتيش النساء، وتوجيه كثير من الأسئلة حول سبب خروجهن من المنزل. تتذكر تلك الأيام، لتقول: «أتذكر والدتي وجاراتنا وقريباتي اللاتي كن يخشين على بناتهنّ، وكانت الكارثة إذا طلب مقاتل من التنظيم يد فتاة للزواج، فرفض الأهل؛ يأخذونها بالقوة، ويكون مصير أهلها أما القتل وإما السجن».
وتعمل سهام حالياً في «راديو الرشيد»، وهي إذاعة محلية تتبع المكتب الإعلامي لمجلس الرقة. ومن خلال مراجعة المواطنين، وتعامل زملائها الموظفين، تلقى استجابة ورضا لديهم، وترى أن الحياة تعود تدريجياً. وقد نقلت أنها لاقت مصاعب في بداية عملها، ذكرت منها: «واجهتني كثير من المصاعب لقلة خبرتي، وكون مجال العمل جديداً علي، وهو يتطلب تطوير مواهبي وتقديم الأفضل. كما لم ألقَ التشجيع والتأييد من محيطي الاجتماعي، لا سيما الأهل والأصدقاء».
وبعد متابعة عملها، وإصرارها وتطوير مهارتها، أثبتت للجميع أنها تستحق الاستمرارية، إذ تضيف قائلة: «أثبت شخصيتي واحترامي لدى زملائي بالعمل، وأنا أشعر بالرضا لأنني أقدم الخدمات لأبناء مدينتي؛ تغيرت النظرة، وأحاول تقديم الأفضل من خلال عملي وأدائي».
وانزلقت سوريا إلى حرب أهلية قبل 9 سنوات تسببت بسقوط مئات الآلاف من القتلى، وأحدثت دماراً هائلاً في البنى التحتية، وتعرضت مدينة الرقة، مسقط رأس الإعلامية حلا محمد، للدمار والخراب جراء العمليات العسكرية أثناء القضاء على تنظيم داعش. وتعمل حلا مصورة في «وكالة أورنينا»، ترصد عبر عدسة كاميراتها مشاهد وآثار الحرب التي لا تزال منقوشة على جدران مدينتها، إذ تقول: «بعد الخلاص من (الدواعش)، عادت ألوان الربيع إلى دوار النعيم وحديقة الرشيد وميدان الساعة. قبل سنوات، كانت هذه المناطق تذكر الأهالي بالموت والقصاص والقتل. أما اليوم، فقد خلعت الرقة سواد التنظيم». فقد عادت الشوارع والحارات إلى سابق عهدها، تعج بالناس والزبائن إثر عودة أصحابها، وتمتلئ المقاهي والساحات العامة، لتقوم حلا بتصوير وتوثيق المشاهد اليومية لسكان يعودون لمنازلهم، وباعة جوالين، قائلة: «أحاول عبر عملي تسليط الكاميرا على التغيير الذي يحدث بالرقة، حتى إن كان هذا التغيير بطيئاً غير منتظم»، وتضيف أنها تشاهد حياة جديدة يومياً: «أرى أناساً رجعوا حديثاً، وهي إشارة إلى أن مدينتي الرقة تستعيد عافيتها، والفرات الذي لم تنقطع مياهه سيعود كما كان».

مبادرات رغم التحديات
ظهرت كثير من الإذاعات والقنوات التلفزيونية والمواقع والصفحات الإخبارية الخاصة في مدينة الرقة، وتبث 5 إذاعات محلية منها برامجها عَبر مواقع الإنترنت وصفحات السوشيال ميديا، أو موجات «إف إم» مخصصة لجمهور مدينتي الرقة ودير الزور ومناطق شرق الفرات.
ونقلت جوري مطر أن كثيراً من التجارب الإعلامية حققت النجاح بالرقة، وبات الإعلاميات يغطين الموضوعات والتحديات النسائية، وانطلقن إلى مهام أوسع، مثل تغيير المفاهيم السائدة بالمجتمع، عبر العمل والتقارير الميدانية التي تعمل على إعدادها. ومن بين أبرز التحديات التي تواجه عملها «نظرة المجتمع السلبية، وعدم تقبل وجود فتاة إعلامية تحمل كاميرا وتتحرك بحرية، لذا تستغرق وقتاً كثيراً بإعداد تقرير، وإجراء مقابلات، لرفض كثيرين الظهور مع فتاة».
أما سارة سليمان، فأكدت أنها، عبر عملها، تلامس هموم ومعاناة أبناء مدينتها. وأشارت إلى أن سكان الرقة قد عانوا من ويلات الحرب، ودفعوا ثمناً كبيراً للخلاص من دم أبنائهم، حيث قالت: «أعمل بإذاعة محلية مجالها وكل عملها هموم الناس ووجعهم، ونحن نحاول أن نكون أقرب منهم من خلال البرامج المنوعة لأننا نفرح لفرحهم ونحزن لأساهم».
وعدت سهام المحمد أن القيود التي تفرضها الأسرة قد انخفضت على الفتيات الراغبات بالعمل بالمجالين الصحافي والإعلامي، وتعزو السبب إلى أنهن «أثبتن نجاحات في هذا القطاع، وغيره من مجالات العمل الوظيفي، رغم ساعات العمل الطويلة، وانعدام الأمان في بعض مجالات التغطية الإعلامية، وضرورات التنقل والسفر أحياناً».
وأكدت حلا محمد أنها اكتسبت خبرة مهنية من خلال عملها في التصوير، وتعلمت استخدام الكاميرا بشكل احترافي، إذ قالت: «العمل ممتع، وتندمج خلاله في الحياة اليومية. فمن خلال التصوير، وإعداد التقارير الخدمية والاجتماعية، وغيرها من التقارير المنوعة، تتحقق لي الفائدة ويضاف الجديد إلى خبرتي المهنية». كما عبرت عن مشاعرها في ختام حديثها، قائلة: «أن تعمل في رصد معاناة أبناء مدينتك لهو شيء يمنحك الرضا. كما أشعر بالحزن بعد تغطية وإعداد تقرير يتحدث عن أوجاعهم لأنني أحاول نقل غضبهم ومطالبهم».
يذكر أن مدينة الرقة تقع على الضفة الشرقية لنهر الفرات، وتبلغ مساحتها نحو 27 ألف كيلومتر مربع، وقد خرجت عن سيطرة النظام الحاكم في ربيع 2013، لكن عناصر تنظيم داعش أحكموا قبضتهم عليها نهاية العام نفسه، قبل أن يُطردوا على يد «قوات سوريا الديمقراطية»، بدعم من التحالف الدولي والولايات المتحدة الأميركية، في أكتوبر (تشرين الأول) 2017، ويديرها اليوم مجلس الرقة المدني الذي يعد بمثابة هيئة حكم محلية.



الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
TT

الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)

كان من الطبيعي أن تنشغل كل المؤسسات الإعلامية، على اختلاف وسائلها وأنواعها وأدواتها، بالحادثة «غير المسبوقة» في الأردن، أخيراً، بعد الاستهداف الإرهابي لكنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك. وقد راح ضحيته 9 شهداء، وأكثر من 40 جريحاً.

الأردنيون عادة في مثل الأحداث يتابعون الأخبار المتعلقة بالأحداث المحلية من وسائلهم الإعلامية، ووسط عمليات التشويش، ظلت الرواية الرسمية في المقدمة.

إلى حد كبير، يمكن اعتبار الإعلام الأردني بمختلف أنواعه ومشاربه، «إعلاماً محافظاً»؛ إذ يتمسك الصحافيون الأردنيون في مؤسساتهم بتقاليد الصياغات المهنية الخالية تماماً من جمل «الشتائم ولغة التجريح». كذلك لم يكن الإعلام الأردني منصة لحروب الآخرين السياسية، سواءً من جهة قوى سياسة من الداخل، أو تلك القوى الموجهة من الخارج، لا سيما في العقدين الأخيرين، بحسب زملاء في المهنة.

لكن هؤلاء أكدوا، في لقاءات مع «الشرق الأوسط»، أن نمط الإعلام المحافظ، المتمسك بتقاليد المهنة، أسهم إلى حد كبير في بروز ظاهرة منصّات التواصل الاجتماعي المتحرّرة من الأعباء الأخلاقية والمهنية، التي عادة ما تلتزم بها المؤسسات الإعلامية، بموجب أحكام ترخيصها، وتعريف مرجعية المسؤوليات القانونية داخلها عند وقوع الخطأ.

دور التواصل الاجتماعي

شهداء كنيسة حمود الذين سقطوا برصاص ثلاثة إرهابيين، ثبُتَ تورّطهم مع جهات خارجية وتلقيهم تعليمات من تنظيم إرهابي يُعتقد على نطاق واسع بأنه تنظيم «داعش». وذكرت مصادر إعلامية وأمنية لـ«الشرق الأوسط» أنه أعاد تشكيل خلاياه، داخل قرى في الجنوب السوري، حيث أقام أفراده في منازل، وسط مجاميع سكانية، فحوّلوا المدنيين «دروعاً بشرية» عند كشف أمرهم ومخطّطاتهم.

بعض وسائل التواصل الاجتماعي، للأسف، استُغلت لزرع الفتنة في البلاد، لكن الإرهاب اختار المكان الخاطئ لتنفيذ خطته، فمحافظة الكرك (120 كلم) جنوب عمّان، هي النموذج الأردني الأكثر وضوحاً في التآخي الإسلامي والمسيحي. وتُعتبر العادات والتقاليد في المحافظة مذيبةً للفوارق، التي قد تتسرب منها الفتنة.

وحقاً، ظلت الكرك مضرباً لأمثال العيش المشترك، مستحضرين مقولات ومواقف صهرت معادن الطوائف والمذاهب والجهات المختلفة ورفض مصطلح «الأقليات»، عند حسابات «الهوية الوطنية الأردنية». كذلك سجلت الكرك مواقف في الحزن المشترك والفرح المشترك. وعاش طويلاً الموقف الذي يروى عن شيخ دعا إلى أن «تكون الصلاة في الكنيسة والعزاء في المسجد». في صورة تؤكد أن لا وجود للحساسيات والفتن بين سكان المحافظة الواحدة.

مع ذلك ثمة من رمى على واحدة من منصّات التواصل الاجتماعي جملة من الفتاوى التي تتعلق بالعيش المسيحي - الإسلامي، وطرح أسئلة بهدف ضرب العلاقات بين فئات الشعب الواحد. لتثار أسئلة مثل: هل يجوز تعزية المسيحيين؟ وهل يجوز تهنئهم بأعيادهم الدينية؟ الأمر الذي تسبّب في إحراج لمراجع الإفتاء الرسمية، والبرامج الدينية الإعلامية، كالبرامج المخصصة لـ«فتاوى على الهواء» التي تلقى رواجاً على الإذاعات الأردنية الدينية، والتي تُصنف في استطلاعات الرأي على أنها الأكثر استماعاً» من بين ألوان الإعلام المتعدد في البلاد.

اتجاهات سياسية

محاولة زرع الفتنة تورّطت فيها اتجاهات سياسية محلية، حاولت أيضاً طرح مواضيع مثل «سيطرة الإسلام السياسي على المناهج الدراسية والمعلمين منذ سبعينات وثمانينات القرن الماضي»، والتي تسببت، برأي شخصيات محسوبة على تيار اليسار الأردني، باحتكار لون واحد لسياسات التعليم.

ولكن، في محافظة الكرك على سبيل المثال، فإن نواب المقاعد المسيحية في المجالس النيابية المتعاقبة، يفوزون بأصوات المسلمين. وظل النائب السابق والمخضرم عبد الله غانم زريقات يفوز بعدد أصوات أكثر من الأصوات المسيحية المسجلة في محاضر الناخبين في المحافظة. وكذلك النائب الحالي هيثم الزيادين، الذي حافظ على مقعده لأكثر من 12 سنة في أربعة مجالس متعاقبة. وهذا المشهد مشهد معتاد بين الأردنيين، فالمنافسة الانتخابية لا يمكن اختزالها بديانة المرشح.

الفتنة الثانية

من ناحية أخرى، نفذ سلاح الجو الملكي، الثلاثاء الماضي، قصفاً جوياً على مناطق في الجنوب السوري ضد خلايا إرهابية كانت على اتصال مع منفذي عملية كنيسة حمود.

وأكدت مصادر أردنية أن القصف استهدف مناطق لا تسيطر عليها القوات النظامية السورية. ومع تأكيد الأردن لاحترام سيادة دول الجوار، طوّرت عمّان من قواعد الاشتباك مع الإرهاب، وصارت تُنفذ مهام خارجية تحت مظلة التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، الذي خُصّصت له قواعد عسكرية للقوات المشتركة في الأردن.

قابلت الحكومة السورية الأمر باستنكار شديد وإدانة، لكن الخارجية السورية أطلقت سلسلة بيانات وتصريحات، بلغة دبلوماسية، أكدت عمق علاقات الأخوة بين البلدين، واستمرار التعاون والتنسيق المشترك. و«تفهمت» عمّان «تحفظ» الموقف الرسمي السوري.

عمان ودمشق تتجاوزان عقدة «حرب التحريض الإلكترونية» بلغة دبلوماسية

الحادثة والتفاعل

من جهة أخرى، كشف تقرير صادر عن «معهد السياسة والمجتمع» عن أن الهجوم على كنيسة حمود بمحافظة الكرك استقطب ملايين التفاعلات الرقمية خلال الأيام الأربعة الأولى. وامتد النقاش بشأنه إلى أكثر من عشر لغات، وسط تباين بين تغطيات عربية ركزت على الوحدة الوطنية والتضامن مع الأردن، ومنشورات دولية قدّمت الحدث ضمن خطابات دينية وسياسية، برز في بعضها بالمقابل توظيف متطرّف معادٍ للمسلمين.

لقد أظهر التقرير تفاوتاً واسعاً بين حجم تداول الروايات الأولى عن الهجوم وحجم نشر التصريحات الرسمية اللاحقة، خصوصاً باللغة الإنجليزية، التي استحوذت على نحو 71 في المائة من مجموع المنشورات التي ربطت الهجوم بتنظيم «داعش» عبر اللغات المرصودة.

وحمل التقرير، عنوان «من حمود إلى العالم، الرصد الإعلامي والتفاعل الرقمي العالمي مع الهجوم على كنيسة القديس جاورجيوس في الكرك». وغطّى الفترة بين 23 و26 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، يوم الحادثة والأيام الثلاثة التي تلتها حتى إعلان انتهاء القبض على المنفذين، متتبعاً التغطية الإعلامية والمواقف الرسمية والنقاشات الرقمية المرتبطة بالهجوم، الذي وقع خلال مراسم جنازة وأسفر عن تسعة شهداء وعشرات المصابين.

المهم في التقرير أن المؤسسات والمواقع الإخبارية شكلت مصدراً رئيساً للمحتوى المتداول، وأن المؤسسات الإعلامية الأردنية أنتجت معظم المحتوى العربي الأعلى تفاعلاً، وأسهمت في إبراز البعد الوطني والإنساني للحدث من خلال متابعة قصص الضحايا ومواقف عائلاتهم ومشاهد التضامن معهم.


الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
TT

الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)

بين الحين والآخر تتجدّد مخاوف ناشرين بشأن شروط تفرضها شركة «ميتا» الأميركية العملاقة على تداول المحتوى، وتتعزّز هذه المخاوف مع ملاحقات قانونية للشركة المالكة لـ«فيسبوك» و«إنستغرام» أملاً في أن ينتصر القضاء للناشرين. وخلال منتصف الأسبوع الماضي، أعلنت كبرى المجموعات الإعلامية في النرويج عزمها اتخاذ تدابير قانونية لمنع «ميتا» من تنفيذ شروطها الجديدة للاستخدام.

لقد رأت 10 مجموعات إعلامية في النرويج أن شروط الاستخدام الجديدة المرتقب دخولها حيز التنفيذ في العشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، من شأنها أن تمنح «ميتا» الحقّ في جمع مقالاتها وصورها وتسجيلاتها المصوّرة، بما فيها تلك الخاضعة لرسوم اشتراك، واستخدامها لتطوير منتجات ذكاء اصطناعي.

ونقلت وكالة «الصحافة الفرنسية» عن رئيسة «جمعية شركات الإعلام النرويجية» ليني إلتفيك فيندفلد قولها إن «ثمة مخاوف من أن تستخدم هذه الصلاحيات للاستحواذ على حقوق خاصة بالمنشورات الصحافية». وأضافت أن «(ميتا) تستغلّ استثمارات المجموعات الإعلامية لتطوير خدمات الذكاء الاصطناعي، وهذا غير مقبول وغير نزيه على صعيد المنافسة».

مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة قال لـ«الشرق الأوسط» معلّقاً إن «أدوات الذكاء الاصطناعي تطوِّر نفسها ومداركها على المحتوى المنشور في فضاء الإنترنت؛ ما يفسر سبب إعلان (ميتا) عن شروطها الجديدة».

ثم أردف «شركة ميتا تملك كنزاً؛ لأن لديها أكبر قدرة على تجميع المحتوى بسبب امتلاكها منصّات ينشر الملايين محتواهم عليها بشكل يومي»، وأشار من ثم إلى أن «شروط (ميتا) الجديدة تمسّ جوهر عمل واستمرار المؤسسات الإعلامية، حيث ينفق الناشرون أموالاً لإنتاج المحتوى الذي تستفيد منه (ميتا) من دون بذل أي جهد».

ومن ناحية ثانية، أوضح كيالي أن «الخلاف بين المؤسسات الإعلامية وشركة (ميتا) ليس جديداً، فسابقاً كان الخلاف على استغلال الشركة العملاقة للمحتوى من خلال منصاتها التقليدية لجني أرباح عبر تقديم إعلانات مموّلة داخلها أو من خلالها... أما الآن فقد تغيّر شكل الاستغلال، وتحول من الإعلانات إلى تدريب أدوات الذكاء الاصطناعي، وتقديم محتوى للمستخدمين، من دون الإشارة إلى الناشر الأصلي».

ومن ثم، أعرب كيالي عن اعتقاده أن «المؤسسات الإعلامية لن تستطيع مواجهة شركات الذكاء الاصطناعي بشكل عام... لكن من الممكن، بناءً على حوادث سابقة، أن تتوصل إلى اتفاقات مع (ميتا) في بعض الدول».

جدير بالذكر، أنه تسري شروط استخدام «ميتا» الجديدة على كلّ أصحاب الحسابات المهنية، من مجموعات إعلامية وشركات وجهات بيع. ولقد أجلت «ميتا» تنفيذ الشروط إلى20 نوفمبر الحالي «بهدف إعطاء فرصة لتفسير الشروط الجديدة للشركاء»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

من جانبه، وفي لقاء مع «الشرق الأوسط»، قال محمد الصاوي، المحاضر في الرصد والتحليل الإعلامي، إن «ما يجري بين (ميتا) والناشرين في أوروبا يتجاوز مجرّد تعديل شروط الاستخدام؛ بل هو يعكس صراعاً متصاعداً حول ملكية المحتوى الصحافي والحق في استثماره في عصر الذكاء الاصطناعي».

وتابع الصاوي شارحاً أن «التغييرات التي أعلنتها (ميتا) خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، والتي تتيح لبرامجها الآلية الوصول إلى محتوى المواقع المرتبطة بحسابات الأعمال على (فيسبوك) و(إنستغرام) أثارت مخاوف المؤسسات الإعلامية من استخدام موادها، بما فيها المحتوى المدفوع، في تطوير خدمات قد تنافسها مستقبلاً».


توجّهات آيديولوجية تغطّي على مقاربة الصحافة لاضطرابات فرنسا

جانب من التغطية التلفزيونية للأحداث (باريس 24)
جانب من التغطية التلفزيونية للأحداث (باريس 24)
TT

توجّهات آيديولوجية تغطّي على مقاربة الصحافة لاضطرابات فرنسا

جانب من التغطية التلفزيونية للأحداث (باريس 24)
جانب من التغطية التلفزيونية للأحداث (باريس 24)

ليست المرة الأولى التي تعرف فيها فرنسا حالةً من الغليان الذي يُترجَم في الشارع من خلال المظاهرات والمسيرات، ولكن أيضاً عبر الصدامات مع القوى الأمنية التي تواكبها، بشكل منهجي، حرائق السيارات واستهداف المؤسسات العامة والممتلكات الخاصة والقبض على مئات الأشخاص وتقديمهم للعدالة.

يترافق ذلك كله بحفلات التراشق السياسي بين اليمين واليسار وما يتوسطهما. وبما أن الصحافة، أكانت مكتوبة أم مسموعة ومرئية، ليست سوى صورة لحالة المجتمع وتجاذباته، فإن ما تنتجه يعكس بطبيعة الحال، من جهة، انقساماته العميقة، ومن جهة ثانية، مصالح وطموحات القوى السياسية التي تمول وتصدر الوسائل الإعلامية.

ولعل أبرز مثال على ذلك التغطية الصحافية للأحداث التي عاشتها فرنسا في الأسبوعين الأخيرين: الأولى، مع حراك طلاب المرحلتين الثانوية والجامعية الذي انطلق قبل نحو الشهر من ضاحيتين قريبتين من باريس. والثانية، مع ما صدر عنها بعد «السبت الأسود» و«الأحد الرمادي» اللذين تميَّزا بعنف استثنائي إن على صعيد الصدامات بين المجموعات المتطرفة والقوى الأمنية أو أعمال الشغب والسرقة والنهب والاعتداءات. وهذه ضربت المدن الفرنسية الثلاث الكبرى، باريس وليون ومرسيليا، ومدناً كثيرة غيرها مثل تولوز وبوردو وليموج ورين وليل.

ألسنة اللهب في الشوارع (أ.ف.ب)

مواقف الصحافة اليومية

لنأخذ كنقطة الانطلاق، لمقارنة توجهات الصحافة اليومية، ما صدر عنها يوم الاثنين الذي أعقب يومي «السبت الأسود» و«الأحد الرمادي» مع التركيز على الصحف «الوطنية» الأكثر انتشاراً، أي «لو موند»، و«ليبراسيون»، و«لوفيغارو»، و«لوبينيون»، إضافة إلى الصحيفة الأسبوعية «لو جورنال دو ديمانش» التي تصدر مرة واحدة في الأسبوع، أي يوم الأحد، كما يدل عليها اسمها.

عمّا يقوله اليمين، البداية مع صحيفة «لو فيغارو» التي تنطق باسم اليمين المحافظ. إذ تصدَّرت صفحتها الأولى صورة حريق مبنى بلدية مدينة ليموج، بوسط فرنسا، وفوقها عنوان يقول: «بعد الفوضى... العار والغضب».

وفي الصفحة نفسها افتتاحية بالغة الشدة، تشكِّل مضبَطة اتهامات للدولة واليسار وجان لوك ميلونشون، زعيم حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد والمرشح للانتخابات الرئاسية.

ومما جاء فيها: «الدولة مُهانة داخل مباني بلدياتها ومحافظاتها ومراكز شرطتها. والفرنسيون مذعورون ومستاؤون من هذا الغضب العارم الذي يشوّه بلدهم بعنفه البشع. ورجال الشرطة بلغوا أقصى طاقتهم، شجعانٌ لكنهم عاجزون عن احتواء الوضع».

وتضيف: «التجار يائسون بعد أعمال النهب. والصحافيون يتعرَّضون للتهديد والاعتداء. ومباني إذاعة (أوروبا 1) وقناة (سي نيوز) وصحيفة (لو جورنال دو ديمانش) - وكلها تتبع لرجل الأعمال فانسان بولوريه المتمترس قرب اليمين المتطرف - تتعرَّض لهجوم مباشر».

وتكمل: «في ألسنة اللهب التي اجتاحت هذا اليوم الأسود، احترق نظام كامل من القيم. وتحت الرماد تكمن عقود من الجبن والامتثال الأعمى وانعدام البصيرة. واحتقار كل سلطة تمنح الفرد شعوراً بأنه قادر على فعل كل شيء. وضغائن تاريخية واجتماعية وثقافية تغذّي النزعات الثورية. وعدالة تتساهل مع المجرم، لكنها لا ترحم المواطنين الشرفاء. وامتياز غير مفهوم تتمتع به ميليشيات اليسار المتطرف، التي تحطّم وتحرق وتقتل من دون أن تُحاسَب، وهجرة خارجة عن السيطرة، يقف جزء منها في وجه البلد الذي يستضيفه. ومدرسة جرى تفريغها من العقل والمعرفة. وحركة سياسية، من ميلونشون إلى باغايوكو، تتعمّد تأجيج الحمى الروبسبييرية» - في إشارة إلى ماكسميليان روبسبيير، رجل أحكام المقاصل إبان الثورة الفرنسية.

اتهام يميني لميلونشون

وفي الصفحات الداخلية مادة تتهم ميلونشون بـ«الغموض» في إدانة العنف، لا بل تتهمه بالمسؤولية عنه. ويتضمَّن العدد مطالبات بمزيد من التَّشدُّد البوليسي، ومقترحات اليمين، ومنها حظر حزب ميلونشون، التي أطلقها رئيس حزب «الجمهوريون» اليميني المعتدل ورئيس مجلس الشيوخ جيرار لارشيه، المنتمي إلى الحزب نفسه، وكذلك مقترح غبريال أتال، رئيس الوزراء السابق الذي دعا إلى إنزال الجيش لحفظ الأمن.

وفي السياق الآيديولوجي عينه تندرج تغطية «لو جورنال دو ديمانش»، التي صدرت صفحتها الأولى بعنوان: «الفوضى: اليسار المتطرف يدير المشهد من وراء الكواليس... أعمال شغب ذات طابع تمرّدي ويوم أشبه بنهاية العالم». وفي الداخل، خصّصت الصحيفة مادةً مطوّلةً أصحبتها بصورة لميلونشون وقادة من حزبه اليساري في أثناء مشاركتهم في مظاهرة الأحد الماضي، ومن بينهم بالي باغايوكو، عمدة مدينة سان دوني (الواقعة ضمن باريس الكبرى)، الذي قال يوماً «إن العنف يمكن أن يكون مشروعاً».

ونقلت الصحيفة عن ميلونشون تحميله القوى الأمنية «مسؤولية الفوضى» بسبب استراتيجية حفظ الأمن التي تعمل بموجبها. وبشكل عام، يتهم قادة حزب «فرنسا الأبيّة» الحكومة باللعب بورقة كسب الوقت بانتظار تفكّك الحركة المطلبية، ورهانها أيضاً على تأثير الفرصة المدرسية التي تنتهي بداية الشهر المقبل على التلامذة والطلاب، وأحياناً أخرى على تساقط الأمطار الذي قد يردع الناس عن النزول إلى الشوارع للتظاهر.

ويأخذ الحزب المذكور على الحكومة أنها تهمل المطالب المرفوعة، وتمتنع عن تقديم «حلول سياسية» مفضِّلةً عليها سياسة الهراوة أو «الردود الأمنية».

ميلونشون وحزبه في مرمى الصحافة اليمينية... وإعلام اليسار والوسط يميل لتحميل السلطات المسؤولية

الرأي الآخر

على الجانب الآيديولوجي المقابل، تتغيَّر المقاربات، الأمر الذي يبدو بارزاً في تغطية صحيفة «ليبراسيون»، المُصنَّفة يسارية، للأحداث. ففي عددها الصادر بعد يومَي الحراك، تطرح الصحيفة تساؤلات حول «استراتيجية الحفاظ على الأمن» التي تصفها بـ«غير المناسبة»، وتندِّد بعمليات التحطيم والنهب «على نطاق واسع» في حين تعبِّر عن حزنها بسبب التغطية على «آلاف الأشخاص الذين تظاهروا بطريقة سلمية».

وفي مقال مُسهب، تشرح الصحيفة تعاطي القوى الأمنية مع الحراك، الذي تعدّه «لا يتوافق» مع الوضع، لا بل يمكن اعتباره «خطيراً»، وهذا في حين وصف سيباستيان روش، العالم السوسيولوجي، ما قامت به الشرطة بـ«تعامل هواة». وأعربت الصحيفة في افتتاحيتها عن «الأسى» إزاء ردود الطبقة السياسية على الأحداث، كونها «تفكّر أولاً بالانتخابات المقبلة وكيفية تجيير ما يحصل لصالحها»، وإزاء غياب الطروحات الجدية حول التحديات التي تواجه المجتمع الفرنسي أو التي يمكن أن تعبئ الشباب لتحقيقها.

جدية «لو موند» ووقارها

ما بين اليمين واليسار تتموضع صحيفة «لو موند» المستقلة مع ميل طفيف إلى الجهة اليسرى. واللافت في تغطية هذه الصحيفة الوقورة أنها تكرّس مواد عدة لتشريح تعاطي السلطات مع الحركة المطلبية، وتتساءل عن غياب «الأجوبة السياسية» عن المطالب المرفوعة بوجه الدولة وسلطاتها بينما يشارف عهد الرئيس إيمانويل ماكرون على نهايته؛ إذ إنه سيرحل عن قصر الإليزيه بعد أقل من 200 يوم.

ورغم تنديد الصحيفة، في أكثر من مادة وتحليل، بالعنف والاشتباكات وبالمشاغبين وبمَن «يقتنص فرص المظاهرات لزرع الفوضى واللجوء إلى النهب، إلى جانب أهداف اليسار الأكثر تطرفاً»، فإنها عدَّت في مادة تحليلية أن «العنف ثمرة نظام سياسي راديكالي وسلطة مُعدمة». ما سبق غيض من فيض وصورة مصغرة عن الانقسامات السياسية في مقاربة الأحداث الخطيرة التي تعيشها فرنسا. وهذا التجاذب يظهر بقوة على شاشات التلفزيون، وفي برامجها الحوارية حيث اللغة معلّبة والحجج المسوقة معروفة سلفاً بحيث يكفي التعرّف على هوية المتكلّم لتوقّع ما سيصدر عنه من غير عناء الاستماع إليه.