الطهاة في الهند... كلٌ يطبخ على قناته

الطهي على الإنترنت يعيش أفضل أيامه ومدارسه تنتعش

TT

الطهاة في الهند... كلٌ يطبخ على قناته

مع التزام الناس في منازلهم بسبب فيروس كورونا، وعلى غرار كثير ممن يفضلون طهي الطعام في المنازل، يعرض العديد من الطهاة ومحترفي مهنة الطهي - ممن أغلقت مطاعمهم أو تقلصت لديهم طلبات الطعام إلى المنازل - دورات الطهي عبر شبكة الإنترنت مع الملايين الذين شرعوا في صقل مهارات الطهي لديهم بالاستفادة من تلك الدورات.
ومن الحالات التي يمكن الاستشهاد بها على المستوى العالمي وتتعلق بالطهاة الكبار من أمثال غوردن رمزي، وأنتوني بوروفسكي، وتايلر فلورنس، الذين يواصلون العرض على الإنترنت مع تقديمهم مختلف المهارات المكتسبة في الطهي عبر الدورات، والعروض عبر منصات التواصل الاجتماعي المتنوعة، من شاكلة قنوات «يوتيوب» على سبيل المثال، مع المزيد مما يقدمونه لتعليم الناس فنون الطهي. إلى جانب عدد من التطبيقات المجانية والمدفوعة التي يمكن للجميع الاستفادة منها في تحديث مهارات الطهي في المطبخ بصرف النظر تماما عن مستوى الخبرة.
وهناك أمر مماثل لذلك يحدث في الهند، والتي تحتل المركز الأول بين أولئك الذين يتابعون مقاطع الفيديو ذات الصلة بالطهي وفقا لمعدلات المشاهدة على موقع يوتيوب لمشاركة مقاطع الفيديو، والذي يدرج الطعام بين أفضل خمس فئات من أكثر المواد شيوعا وتداولا على قنواته. وتصدرت ربات البيوت، والطهاة الهواة، والطهاة المحترفون في الهند تلك القوائم كأفضل بعض المساهمين بالمحتويات الجيدة في عالم الطهي على الصعيد العالمي.
ومن تداعيات تفشي الوباء المستجد في المنازل اندفاع الصغار والشباب وحتى الكبار إلى داخل المطابخ. وبعض الطهاة يتقدمون ببعض النصائح الاستثنائية البسيطة لمعاونة هؤلاء الطهاة غير المؤهلين، مع وصفات الطهي التي تستلزم جهدا أدنى ومكونات أقل.
مع أن العالم قيد الإغلاق، وفي حين توافرت بعض البقالة، والفواكه، والخضراوات في بعض المدن في جميع أرجاء العالم، فإنها نادرة الوجود في مدن أخرى. ويقول خبير الطهي المخضرم تشاندري بهات: «أعتقد أنه من المهم أن يكون الطعام لذيذا ولا بد من وجود بعض التنوع لنزع الكآبة التي تفرضها حالة الإغلاق الراهنة».
وفي كل يوم، يشارك الشيف الهندي البارز رانفير برار مقاطع الفيديو التي تصور الوصفات المريحة وسهلة الإعداد على منصات التواصل الاجتماعي الخاصة به تحت وسم [كتاب الطهي خلال الإغلاق مع الشيف برار – [ #RBLockdownCookbook ]. ومما يُضاف إلى ذلك، فإنه يستضيف جلسة للدردشة مع المتابعين لمدة 45 دقيقة يوميا - تحت وسم [الزم بيتك مع الشيف برار – [ #BeHomeWithRB ] - على منصة «إنستغرام لايف» مع عدد من المشاهير والشخصيات البارزة من أمثال الموسيقار شانكار ماهاديفان، والشيف فينيت بهاتيا، والشيف سانجيف كابور.
وعلى نحو مماثل، كان للشيف فينيت بهاتيا دور مؤثر في تعريف العالم أجمع بالمأكولات الهندية من خلال سلسلة مطاعمه ومؤلفاته. أما الآن، ومع احترام فروض التباعد الاجتماعي إثر الإغلاق بسبب وباء كورونا، يستعين الشيف الهندي المقيم حاليا في لندن بمنصة «إنستغرام» في مواصلة مهمته في تقديم الأطباق الهندية اللذيذة.
واستنادا إلى أوقات المشاهدة، فإن اثنتين من أفضل عشر قنوات لفنون الطهي في يوتيوب على مستوى العالم تنطلقان من الهند. وعلى نحو مماثل، فإن أربع قنوات من أفضل عشر لفنون الطهي في يوتيوب على مستوى قارة آسيا تخرج أيضا من الهند، الأمر الذي يجعل منشئو محتوى الطهي المحلي في الهند هم من أبرز المساهمين في ذلك المجال على مستوى قارة آسيا وعلى صعيد العالم أجمع. يقول غوتام أناند، مدير المحتوى وعمليات آسيا والمحيط الهادي في يوتيوب: «تزدهر مقاطع الفيديو الخاصة بالطعام والطهي على يوتيوب، مع محتوى الطهي وحده من بين أفضل عشر فئات الأكثر مشاهدة على مستوى العالم».
ويصف الشيف سارانش غويلا برنامجه الحواري على منصة «إنستغرام لايف»، بعنوان «صباحكم مع غويلا»، بأنه من الجهود المتواضعة لمحاولة نشر الفرح والبهجة في الأوقات العصيبة مع تعزيز شعاره الذي يقول «معزول ولست بمفردي». ويستضيف الشيف غويلا البرنامج بالبث الحي المباشر من داخل مطبخه رفقة عدد من الشخصيات الشهيرة من مختلف مناحي الحياة - من الشيف سانجيف كابور وإلى براجاكتا كولي صانعة محتوى يوتيوب المعروفة - حيث يتحدثون عن كيفية تعامل كل منهم مع الأوضاع الراهنة، وماذا يأكلون يوميا، والكثير من ذلك. وفي مقابلة شخصية أجريت مؤخرا، ونشرها الشيف غويلا، قال: «تدور الفكرة حول بداية اليوم بملاحظة إيجابية، حتى يمكن للناس قضاء بقية اليوم بحالة من السعادة والمرح قدر الإمكان».
ونقلت سانجانا باتيل، المخرجة الإبداعية والطاهية التنفيذية لدى سلسلة مطاعم «لا فولي»، دروس الطهي والمعجنات إلى منصة «إنستغرام» لمشاركة الوصفات يوما بيوم بهدف مساعدة الناس على الاستمرار في ممارسة الطهي المنزلي. وقامت السيدة باتيل بنفسها، وبمساعدة من الشيف ذهبية مختار، في نقل الدروس والتقنيات الأساسية فضلا عن الموضوعات المتقدمة من عالم المعجنات وصناعة الشوكولاته والمخبوزات.
تقول الشيف باتيل: «يغطي منهجنا عدة موضوعات لصناعة الشوكولاته، والمعجنات، والمخبوزات، والخبز، والوصفات العالمية، والإقليمية، والدورات المناسبة لمختلف النظم الغذائية وطرق تزيين الأطباق». وأضافت الشيف باتيل تقول: «تشتمل دورة (ماستر كلاسيس) على فن تزجيج الطعام، وأسس المعجنات الهندية، وصناعة الشوكولاته البلجيكية، وأساسيات العجائن المخمرة، والمخبوزات الصحية، والسفريات، وكعك الشاي».
وتمتد فصول الطهي الدراسية بين 3 إلى 6 ساعات، اعتمادا على درجة صعوبة المحتوى المقدم. وللاشتراك في أي من هذه الدورات، يحتاج المرء إلى زيارة موقع [ www.theclassroombylafolie.com ]، وسوف تصل إليه رسالة تخبره بالمشاركة في الدورة عبر الإنترنت من خلال تطبيق «زووم».
وقالت الشيف غاياتري شارما إنها افتتحت قناة يوتيوب منذ عام 2008 لتشجيع الناس على إعداد الأطعمة محلية الصنع. وركزت جهودها على الفيديوهات التعليمية المخصصة بصورة أساسية للطلاب الذين يعيشون في نُزُل الشباب والذين لا يتقنون فنون الطهي. ومن الناحية الشخصية، فإن صلصة الطماطم هي المفضلة لديها، مع دروس حول بيتزا الخبز، وحلوى الراسغولا، قد لاقت أصداء طيبة لدى الشباب والنساء على حد سواء.
ولا يتعلق الأمر بالمحترفين فقط من الطهاة، وإنما طهاة المنازل أيضا الذين يحصلون على قدرهم المعتبر من التقدير للمدونات، ومقاطع الفيديو الخاصة بالطهي من المنزل.
ومن أمثلة ذلك، هناك نيشا مادوليكا، 54 عاما، من مدينة نويدا، وغيتاري شارما، 40 عاما من مدينة مومباي، وكلتاهما من ربات البيوت، وهما من بين الذين أدرجهم موقع يوتيوب على قائمة «أفضل الطهاة». وتقدم نيشا مادوليكا وصفاتها باللغة الهندية لتقديم الوصفات النباتية اللذيذة في دروس الفيديو الخاصة بها، ولقد حازت على أكثر من 40 مليون مشاهدة حتى الآن.
تقول المدونة شيترا سيندهيل، المقيمة في بنغالورو، على موقعها [www.chitrasfoodbook.com]، والذي نشرت عليه كتابا جمعته عن وصفات الطهي النباتي الهندي أثناء الإغلاق: «ألاحظ أن العديد من العائلات يرجعون حاليا إلى الوصفات القديمة من زمان أجدادنا أثناء الإغلاق. ونظرا لأن الناس الذين ينتمون إلى شرائح عمرية مختلفة يواصلون الطهي بنشاط الآن، فإنني أركز جهودي على الوصفات النباتية المناسبة لوجبات الغداء والعشاء معا».
وأضافت شيترا سيندهيل تقول: «تسبب الإغلاق العام في جعل الفتيان والشباب يفهمون مدى الجهد المبذول في المنزل من أجل إعداد حتى أيسر الأطباق، وألاحظ أنهم شرعوا تدريجيا في إظهار اهتمامهم بالطهي».
يرفع الشيف الهندي رامكي شعار «طبخة واحدة في وعاء واحد» مع المزيد من الرقة والتواضع الجم. ومع ذلك، فإن معاونة مجتمع من المشاركين يضم نحو 100 ألف متابع على الإنترنت من عشاق الطهي والطعام ليس بالأمر الهين. حيث تنقسم ساعات الاستيقاظ للشيف رامكي بين العروض على الإنترنت لأجل المتابعين على منصات «فيسبوك» ويوتيوب، فضلا عن ورش العمل، وطهي وجبات «الوعاء الواحد» البسيطة لنفسه في وعاء الضغط الخاص على موقد التسخين بالتحريض.
في أوقات الأزمات يكون البقاء على قيد الحياة هو مفتاح النجاة. ويعتبر الإغلاق العام من المناسبات الفريدة للغاية بالنسبة إلى كثير من الناس الذين كانوا يعتمدون بصورة كبيرة على تناول الطعام في المطاعم أو عبر خدمات التوصيل إلى المنازل. والهدف من وراء ذلك يكمن في تمكين الناس من الطهي داخل المنزل باستخدام كل ما بحوزتهم في غرف المؤن المنزلية.
يعتبر معهد ميكا - المعروف سابقا باسم معهد مودرا للاتصالات في مدينة أحمد آباد الهندية - واحدا من أول المعاهد البارزة التي شهدت ارتفاعا ملحوظا في عدد الأشخاص المسجلين في مختلف الدورات الدراسية عبر الإنترنت. وتقول السيدة أنيتا باسالينغابا، مسؤولة برامج الدراسة على الإنترنت في معهد ميكا: «هناك زيادة كبيرة في الاستفسارات وحالات الالتحاق بمختلف برامج المعهد عبر الإنترنت. ولقد شهدت البرامج الحالية على الإنترنت ارتفاعا في حالات الحضور وأعلى نسب المشاركة، حيث أصبح أغلب المتعلمين الجدد يعملون الآن من منازلهم».


مقالات ذات صلة

«البصلي»... طعم البحر الذي عبر الأجيال

مذاقات مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)

«البصلي»... طعم البحر الذي عبر الأجيال

في قلب جدة التاريخية، وعلى مقربة من سوق السمك، يقف مطعم البصلي للأسماك شاهداً على حكاية لم تبدأ مشروعاً تجارياً، بل حياة يومية تشكّلت حول البحر.

مذاقات «لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

في قلب حي مصر الجديدة بالقاهرة، الذي يجمع بين العراقة والرقي، يقع واحد من أهم المطاعم العائلية ذات التاريخ الطويل، هو مطعم Le Chantilly «لو شانتييه»

نادية عبد الحليم (القاهرة)
مذاقات «خوفو» الأول في الشرق الأوسط... و«كورو» الأفضل في السعودية

«خوفو» الأول في الشرق الأوسط... و«كورو» الأفضل في السعودية

فاز «خوفو»، الواقع بمنطقة الجيزة في مصر، بجائزة أفضل مطعم في مصر ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

جوسلين إيليا (لندن)
مذاقات سارة كنج تحضّر أطيب منقوشة في ستراسبورغ (إنستغرام)

سارة كنج: زعتر جدتي كان رفيقي في غربتي

تسجّل اللبنانية سارة كنج في مدينة ستراسبورغ الفرنسية إنجازاً. فهي استطاعت أن تصنع أطيب منقوشة زعتر فيها. وبالتالي تحوّلت إلى عنوان يقصده أهالي هذه المدينة.

فيفيان حداد (بيروت)
مذاقات البيض بالشيري توميتو

الطماطم الكرزية... كيف تستخدم في الطهي؟

تتميز الطماطم الكرزية بقشرة رقيقة، ونكهة غنية بالعصارة وحلوة المذاق، سواء تناولتها طازجة أو مطبوخة، هي مكون مرن يرحب بإضافته لعدد كبير من الأطباق.

نادية عبد الحليم (القاهرة)

أكلات «تُخاصم» موائد المصريين في أوائل رمضان

معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
TT

أكلات «تُخاصم» موائد المصريين في أوائل رمضان

معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)

لا تبدو بعض الأكلات الشعبية المصرية قادرة على الصمود أمام زحف الأيام الرمضانية الأولى بموائدها العامرة وعزائمها التي تتبارى فيها الأسر احتفاءً بكرم الشهر الفضيل، فلا شيء يعلو فوق حضور «المحشي»، و«الملوخية»، وأطباق اللحوم والدواجن، بما تتيحه «الميزانية»، في استقبال عزيز لمدفع «الإفطار» بعد ساعات الصيام الطويلة.

في هذا السياق، تنزاح بعض الأطباق اليومية بامتياز مثل «الكشري» إلى الهامش، رغم مكانته الراسخة كأحد أكثر الأطباق شعبية في مصر، لينحسر مؤقتاً لصالح «الشهية» الرمضانية في مطلعها، فكما يرتبط «الفسيخ» بشم النسيم، و«الكعك» بالعيد، يرتبط «الكشري» عند كثيرين بنهايات شهر رمضان لا ببدايته، وكأن لكل موسم أطباقه، وشهيته الخاصة.

وحسب تعبير فاطمة القاضي، مُعلمة وربّة أسرة في الخمسين من عمرها، فإنه «في الثقافة الرمضانية المصرية لا يُنظر إلى الطعام بوصفه سداً للجوع وكسراً للصيام فحسب، بل تعبيراً عن الكرم و(اللمة)، لذلك لا يشتهي الصائمون في بدايات الشهر أطباقاً مثل الكشري أو الأسماك، ربما لارتباطها بالعطش، بينما يستقبل الناس أذان المغرب بالعصائر والطواجن والمقبلات، وعلى رأسها السمبوسك التي ترتبط بشكل خاص في المائدة المصرية بشهر رمضان».

وتضيف القاضي لـ«الشرق الأوسط»: «مع ضغط الأكل الدسم وساعات الطهي المرهقة في الأيام الأولى، نبدأ مع النصف الثاني من رمضان البحث عن أكلات أخف، وقد نكسر الروتين بطبق من السمك كنوع من التغيير».

الكشري ليس من الأطعمة المفضلة في بداية الشهر الفضيل بمصر (الشرق الأوسط)

ولا يبدو ارتباط بعض الأطعمة بالعطش مجرد انطباع عابر، بل يتصل بذاكرة جسدية متراكمة لدى الصائمين، فالكشري، بما يحويه من عدس وحمص وصلصة الطماطم التقليدية «المسبكة»، والبصل المُحمّر، يُنظر إليه كوجبة «حارة» بعد ساعات الصيام، بينما يرتبط السمك، خصوصاً المُملَّح والمُتبل بالثوم، بالعطش الممتد لساعات بعد تناوله، لذلك مع الأيام الأولى من رمضان، حين يكون الجسد لا يزال في طور التكيّف مع نظام الصيام، يميل كثيرون إلى تجنّب ما قد يُضاعف الإحساس بالجفاف في اليوم التالي، فتتقدّم الأطباق الغنية بالمرق والطواجن إلى الواجهة.

إقبال لافت على الأسماك في النصف الثاني من رمضان بمصر (فيسبوك)

وتنعكس تلك «الذائقة» الرمضانية أيضاً على حركة السوق؛ فيقول كمال السيد، أحد العاملين في محل لبيع الكشري بشارع جامعة الدول العربية بمحافظة الجيزة (غرب القاهرة): «بات من المألوف أن تُغلق محلات بيع الكشري خلال النصف الأول من شهر رمضان؛ لأن الناس عادة تعزِف عن تناول الكشري في مطلع الشهر، فيما نعاود العمل مع النصف الثاني منه، ليكون الكشري أحياناً وجبة سحور سريعة، وأحياناً يطلب منا القائمون على موائد الرحمن إمدادهم بالأرز أو المكرونة لوجبات الإفطار، لذلك تتغير ملامح نشاطنا خلال الشهر».

مصريون يلجأون للأسماك بعد الاعتماد على اللحوم في الأيام الأولى من رمضان (فيسبوك)

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «هناك محلات كشري تُغلق خلال شهر رمضان بأكمله، حسب قدرة صاحب المحل على تحمّل إجازة بأجر مدفوع للعاملين بها، خصوصاً في المطاعم الكبرى، ويستغل بعضهم أيام الإغلاق تلك كفرصة سنوية لصيانة المحل وتجديده استعداداً للموسم الأكبر للإقبال على الكشري، الذي يبدأ مع صلاة العيد مباشرة»، موضحاً: «الكشري في العيد الصغير يعد طقساً احتفالياً للإفطار، بعد شهر من الصيام والاشتياق».


«البصلي»... طعم البحر الذي عبر الأجيال

مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
TT

«البصلي»... طعم البحر الذي عبر الأجيال

مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)

في قلب جدة التاريخية، وعلى مقربة من سوق السمك، يقف مطعم البصلي للأسماك شاهداً على حكاية لم تبدأ مشروعاً تجارياً، بل حياة يومية تشكّلت حول البحر، وانتقلت من الأب إلى الأبناء، جيلاً بعد جيل.

قبل نحو سبعة وسبعين عاماً، أسّس والد عائلة البصلي مطعماً صغيراً لا يتجاوز طوله مترين ونصف المتر، في منطقة كانت تعيش على إيقاع الصيد والتجارة. لم يكن الاسم مخططاً له، بل خرج من تفاصيل المكان: سوق السمك، وحبة بصلة، واسم «البصلي» الذي التصق بالموقع قبل أن يصبح علامة يعرفها أهل جدة وزوارها.

كبر المطعم، لكن روحه بقيت كما هي. ومع مرور السنوات، تحوّل من مساحة ضيقة إلى عنوان ثابت في ذاكرة المدينة، في حين ظلّ البحر حاضراً في كل طبق يُقدَّم.

تعلُّم بالممارسة... لا بالوصفات

انتقلت المهنة داخل العائلة عبر الحضور اليومي في المكان، لا عبر وصفات مكتوبة أو تعليمات جاهزة. نبيل حامد، الذي تسلّم إدارة المطعم منذ أكثر من عشرين عاماً، تعلّم المهنة كما عاشها من سبقوه: من اختيار السمك في السوق، إلى تنظيفه، وطريقة طهيه، وتبديل الزيت، وحتى ترتيب الأطباق. كانت الخبرة تُبنى خطوة بخطوة، وتتراكم مع الوقت.

يقول إن الوصفات بقيت كما هي، وإن الاسم لم يتغير؛ لأن الزبائن يأتون بحثاً عن «طعم زمان»، الطعم الذي لم تحكمه موضة، ولم يتبدّل مع تغيّر الأذواق.

مرّ المطعم بمحطات دقيقة، خصوصاً مع التحوّل الذي شهدته جدة التاريخية، وانتقالها من منطقة تجارية إلى فضاء تراثي وثقافي وسياحي مسجل في قائمة «يونيسكو» للتراث العالمي. في تلك المرحلة، كان التحدي الأساسي هو كيفية الاستمرار من دون فقدان العلاقة بالمكان أو بالناس الذين اعتادوا عليه. ومع تزايد الإقبال وامتداد طوابير الانتظار، تبلورت قناعة بأن المطعم أصبح جزءاً من تجربة جدة التاريخية نفسها.

مطعم محلي ومحطة سياحية

ومع هذا الحضور المتراكم، لم يعد مطعم البصلي وجهة لأهالي جدة أو زوارها من داخل المملكة فقط، بل أصبح جزءاً من خريطة السياحة في المدينة، ومحطة تُدرج ضمن برامج زيارة جدة التاريخية. فكما تُزار الأسواق القديمة والمعالم، بات المطعم حاضراً في خطط كثير من القادمين إلى الحي.

الترانزيت الذي لم يكتفِ بالانتظار

ضمن هذا السياق، يروي نبيل حامد قصة مسافر بريطاني من أصول هندية، كان يمر عبر مطار جدة في رحلة ترانزيت لا تتجاوز خمس ساعات. سمع عن «البصلي» قبل وصوله، فقرّر أن يخرج من المطار، يتجه مباشرة إلى جدة التاريخية، يتناول وجبته، ثم يعود ليكمل رحلته.

قال لي: «عندي ساعتان فقط، وجئت خصيصاً لأجرب المطعم»، يذكرها كواقعة تعبّر عن تحوّل المكان إلى وجهة يُقصد لها، حتى في الرحلات العابرة.

اعتراف عالمي جاء بصمت

هذا الحضور لم يكن محلياً فقط. ففي عام 2025، نال مطعم البصلي جائزة أفضل مطعم سمك من مجلة Time Out العالمية، بعد زيارات متكررة قام بها فريق التقييم من دون تعريف مسبق، وفق آلية تعتمد على التجربة الفعلية والتصويت.

وبالنسبة للعائلة، جاءت الجائزة تتويجاً لمسار طويل حافظ فيه المطعم على طعمه وهويته، من دون أن يسعى إلى الشهرة.

جائزة تايم آوت العالمية التي حصل عليها مطعم البصلي لعام 2025 (الشرق الأوسط)

قديم وجديد... بلا قطيعة

اليوم، يعمل «البصلي» بصيغتين: مطعم قديم حافظ على شكله وروحه، وتجربة أحدث استوعبت الإقبال المتزايد. لم يكن التوسع رغبة في الانتشار، بقدر ما كان محاولة لتخفيف الضغط عن المكان الأصلي، مع الإصرار على أن يبقى الطعم واحداً.

نسبة كبيرة من الزبائن اليوم من خارج السعودية، إلى جانب عائلات جدة التي تؤكد، في كل زيارة، أن النكهة لم تتغير. بعضهم يقطع عشرات الكيلومترات، بل يزور المطعم مرات عدة في الأسبوع؛ بحثاً عن مذاق لا يجده في مكان آخر.

مأكولات بحرية يقدمها مطعم البصلي باهتمام دقيق بالتفاصيل (الشرق الأوسط)

السمك... التفاصيل تصنع الفارق

حين يُسأل نبيل حامد عن سر الاستمرارية، لا يتحدث عن التسويق، بل عن التفاصيل: نوعية السمك، نظافته، طريقة التعامل معه منذ خروجه من البحر وحتى وصوله إلى الطبق. ويؤكد أن الحضور اليومي في المطعم، ومتابعة الفريق، وسماع الملاحظات، كلها جزء من فلسفة العمل.

تحضير السمك الطازج داخل مطعم البصلي (الشرق الأوسط)

الماضي... أساس المستقبل

لا يرى «البصلي» المستقبل بعيداً عن الماضي. فالطعم الذي بقي لعقود هو ما منح المطعم شرعيته اليوم، وهو ما يدفعه للتفكير في أي خطوة قادمة بحذر، من دون أن يفقد المكان جذوره.

في مطعم البصلي، لا يُقدَّم السمك بوصفه وجبة فقط، بل بوصفه حكاية عائلة، وذاكرة مدينة، ودليلاً على أن بعض الأماكن تصبح جزءاً من السياحة... لأنها بقيت صادقة مع نفسها.


«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر
TT

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

في قلب حي مصر الجديدة بالقاهرة، الذي يجمع بين العراقة والرقي، يقع واحد من أهم المطاعم العائلية ذات التاريخ الطويل، هو مطعم Le Chantilly «لو شانتييه» الذي يقدم أطباقاً سويسرية ببعض اللمسات الأوروبية المتنوعة.

فيه يمكنك أن تستمتع بمذاقات مختلفة، يجمع بينها المطبخ السويسري الذي يتمتع بتاريخ يعكس التنوع اللغوي والثقافي والجغرافي لسويسرا.

ولا تقتصر خصوصية «لو شانتييه» على هذا الثراء في النكهات والمكونات، لكنه يُعد كذلك وجهة لاستعادة ذكريات رواده، واستدعاء لحظات دافئة من الماضي، فالمطعم الذي أُنشئ في نهاية عشرينات القرن الماضي يُعد من معالم الحي الهادئ.

داخل المطعم تلتقي بزبائن من مختلف الأعمار والفئات، بعضهم من كبار السن الذين اعتادوا تناول الإفطار من قائمة المعجنات والمخبوزات الموجودة في السلة، برائحتها المميزة، وأبرزها الباتيه و«لاوجن كرواسون» بالسالمون المدخن والجبن الأبيض، أو «حلومي بريس» التي تجمع بين خبز الشيباتا، والروكا، والريحان، والطماطم، والجبن الحلومي.

في «لو شانتييه» قد يفضل البعض اختيار أحد أنواع الكيك الذي يشتهر المكان بتقديمه ساخناً في الصباح، مثل «ماربل كيك»، أو «بسكويت كيك» أو «إنجلش كيك» بالـ«دراي فروت»، فضلاً عن الباتيه والكرواسون بالجبن أو سادة، وذلك مع القهوة في الصباح الباكر في منطقة «الأوبن إريا» الملحق بها تراس؛ ليستمتعوا بالشمس مع قراءة الصحف المتوفرة يومياً فيها باللغات الفرنسية، والإنجليزية، والعربية.

وينتظرهم كذلك الـcold cuts بأنواعها، مثل «كروك شانتييه» وهو خبز التوست الأسمر أو الأبيض باللحم الرومي المدخن مع الطماطم والفلفل وغراتين بالجبن مع البطاطس والسلطة الخضراء بالذرة، فضلاً عن ساندوتشات اللحم المدخن بصوص الفلفل، والتركي بالزعتر.

تقول مديرة المطعم السيدة جميلة لـ«الشرق الأوسط»: «(لو شانتييه) من أقدم المطاعم، بل الأماكن الموجودة على الإطلاق في حي مصر الجديدة، وهو وجهة لأبناء العائلات العريقة التي لا يزال معظمهم يعرف بعضهم الآخر». وتتابع: «حتى هؤلاء الذين هاجروا منذ عشرات السنوات فإنهم حين يعودون لزيارة مصر يأتون إلينا لطلب نفس الأطباق القديمة التي كانوا يطلبونها قبل؛ فقد حافظ المطعم على (كلاسيكيته) وأصالته وجودة الطعام بشهادة الضيوف».

دفء الأجواء

وتتابع بابتسامة: «بعض الزوار كانوا صغاراً إلى حد أنهم كانوا يشبون ليختاروا طلباتهم المفضلة من ثلاجة عرض الحلويات المخصصة (للتيك آواي)، الآن صاروا يصطحبون أحفادهم».

غالباً ما تعكس مطاعم المطبخ السويسري ثقافة جبال الألب الهادئة والدافئة؛ ولعل ذلك ما يفسر لنا بقاء هذا المطعم في وجدان أبناء حي مصر الجديدة؛ حيث يتميز بأجواء الترحاب والدفء المنزلي، مع عناصر ديكور ريفية مثل الأثاث الخشبي والمدافئ والأعمال الفنية المستوحاة من الجبال، وفي ظل هذه الأجواء الهادئة والمريحة يتناول رواد الطعام أطباقهم على مهل، كما لو كانوا في المنزل.

تنوع الأطباق

يقدم Le Chantilly قوائم متنوعة من الطعام، ما بين الإفطار والغداء والعشاء مع مجموعة واسعة من الجبن، بما في ذلك «فوندو الجبن السويسري».

ومن أشهر أطباقه شرائح الفيليه المشوية التي تقدم بطريقة «جنيفواز» بزبدة «الكافيه دي باري»، وتقدم مع السلطة المكونة من الخس بالمستردة، والخضراوات السوتيه والبطاطس. وكذلك يقدم طبق «فيل إسكالوب» مشوي بصوص المشروم الكريمي، مع «الجرين نودلز»، و«سكالوب بتلو» محشو بالجبن واللحم البقري المدخن.

ولعشاق البطاطس بنكهاتها المختلفة، فإن «لو شانتييه» هو وجهتهم؛ حيث تُعد مكوناً منتشراً بكثرة في المطبخ السويسري، وتُستخدم بشكل خاص في طبق «روشتي»، وهو طبق شعبي يُؤكل في جميع أنحاء سويسرا، لكنك يمكنك الاستمتاع به في القاهرة داخل هذا المطعم مع شرائح البتلو بصوص المشروم الكريمي، التي تقدم مع بطاطس «روشتي» أو شرائط المكرونة الخضراء.

أما محبو الدجاج فتنتظرهم قائمة طويلة، منها «جريلد تشيكن بريست»، «تشيكن ستروغانوف»، صدور الدجاج المحشوة بالجبن واللحم البقري المدخن، «جريلد تشيكن» التي يعلوها جبن الموتزاريلا الذائبة، وتقدم مع نودلز بالزبدة والخضراوات، إضافة إلى أنواع الحساء المختلفة.

السيدة جميلة (إدارة المطعم)

«السلمون ستيك»، «جريلد» أو «فريد فيش فيليه» مع صوص الليمون، «جريلد سلمون فيليه» مع صوص الشبت الكريمي، «ريد سي شريمب»، هي أطباق تنتظر عشاق المأكولات البحرية في المطعم.

والرائع أن المطبخ يتيح لك المزج بين اللحوم والدجاج أو الأسماك في طبق واحد، في تجربة طعام مختلفة، على سبيل المثال يمكنك اختيار طبق «بيف ميداليون» مع صوص الفلفل مع «التشيكن كوردون بلو»، أو الدجاج المشوي مع صوص المشروم الكريمي، أو «جريلد بيف فيليه» يعلوه الجمبري «البترفلاي» والـ«هيرب بتر صوص».

«الطعام الصحي»

يجد محبو «الطعام الصحي» ترحيباً داخل المطعم أيضاً عبر قائمة من السلطات المميزة ذات النكهات المتنوعة والدريسنج الشهي، ومنها «فيجي حلومي تشيز سالاد» وتتكون من جرجير، خضار مشوي، جبنة حلومي مشوية يعلوها الريحان، تقدم مع «الفيردي دريسنج».

وأيضاً، «كينوا سالاد» وتتكون من ميكس خس، كينوا، الطماطم الشيري، خيار، مكعبات البصل، نعناع وفاكهة الموسم، والإيطاليان دريسنج، أو «شيف سالاد»، وهو طبق غني من السلطات مع شرائح الدجاج والجبن واللحم البارد بصوص «ثاوزند آيلاند».

أما إذا كنت من هواة سلطات «السي فود» فينتظرك «سلمون كراب سالاد» ويتكون من «سلمون مدخن» يقدم على شرائح الكابوريا المتبلة بصوص ميكس الخس، الجزر والـ«ريد بينز»، أو «سويت كورن» تقدم مع «مايو ليمون دريسنج».

ويعيش المطعم مع المصريين في كل مناسباتهم السعيدة مثل الكريسماس من خلال تقديم أفخر أنواع الشوكولاتة والحلوى التي تتخذ أشكال بابا نويل وعربة الغزالة وغير ذلك، كما يقدم الكنافة والقطائف في رمضان، والكعك والبسكويت في عيد الفطر، وفق جميلة.

وتلفت: «يركز المطعم على الضيافة وتجربة تناول طعام مختلفة معاً، منذ اللحظة الأولى يفتح لك باب المحل عامل بأسلوب خاص يسوده التهذيب، وكذلك الجرسونات أيضاً».

وبالرغم من أن «لو شانتييه» مطعم عتيق، فإنه على العكس من المطاعم المماثلة يسمح بتوصيل الأطباق إلى المنازل، بل إنه من مطاعم الـ«كاترينج» حيث يرحب بتقديم الطعام للمناسبات والتجمعات الكبيرة مثل الحفلات، والمؤتمرات، وغيرهما. وذلك في مختلف أنحاء مصر «من الإسكندرية (شمال مصر) إلى أسوان (جنوبها)».