آن الأوان لاقتسام ثروة الدوري الإنجليزي الممتاز مع الدوريات الأدنى الفقيرة

إصرار الأندية الكبرى على الحصول على نصيب الأسد من «عائدات البث» أضر بكرة القدم في إنجلترا

الدوري الإنجليزي الممتاز حل محل دوري الدرجة الأولى في موسم 1992- 1993 وتمكن مانشستر يونايتد من إحراز اللقب الأول للبطولة
الدوري الإنجليزي الممتاز حل محل دوري الدرجة الأولى في موسم 1992- 1993 وتمكن مانشستر يونايتد من إحراز اللقب الأول للبطولة
TT

آن الأوان لاقتسام ثروة الدوري الإنجليزي الممتاز مع الدوريات الأدنى الفقيرة

الدوري الإنجليزي الممتاز حل محل دوري الدرجة الأولى في موسم 1992- 1993 وتمكن مانشستر يونايتد من إحراز اللقب الأول للبطولة
الدوري الإنجليزي الممتاز حل محل دوري الدرجة الأولى في موسم 1992- 1993 وتمكن مانشستر يونايتد من إحراز اللقب الأول للبطولة

حتى قبل أن تواجه كرة القدم أزمة هائلة بسبب تفشي فيروس «كورونا»، كان مسؤولون بارزون في كرة القدم يناقشون ضرورة أن يتقاسم الدوري الإنجليزي الممتاز الثروات الهائلة التي يحصل عليها مع الدوريات الأخرى بشكل أكثر إنصافاً. وبات هناك إجماع الآن على ضرورة تقاسم الثروات بطريقة عادلة؛ خصوصاً في ظل المعاناة الشديدة لعديد من الأندية التاريخية.
وبذلت أندية الدوري الإنجليزي الممتاز جهوداً حثيثة من أجل استئناف الموسم، حتى تتمكن من الحصول على ما تبقى من عائدات البث التلفزيوني؛ لكن من المؤكد أن عائدات البث التلفزيوني التي تقدر بالمليارات، سوف تنخفض كثيراً عندما تعود الحياة لطبيعتها في نهاية المطاف. ويجب التأكيد على أن الوضع الذي كان سائداً قبل تفشي الوباء –حصول الأندية الكبرى على 93 في المائة من عائدات البث التلفزيوني الحالية التي تصل إلى 8.65 مليار جنيه إسترليني، خلال الفترة بين عامي 2019 و2022، ودفع معظمها للاعبين في صورة مرتبات سخية، وتوجيه الفتات للأعمال الجيدة– هو وضع غير قابل للاستمرار بعد انتهاء الأزمة الحالية.
وأعرب بعض المشككين عن دهشتهم عندما أكد رئيس رابطة الدوريات الأدنى من الدوري الإنجليزي الممتاز، ريك باري، بكل صراحة، أنه تجب إعادة النظر بشكل كامل في الأمور المالية المتعلقة بكرة القدم. ووصف الأموال التي تدفعها رابطة الدوري الإنجليزي الممتاز للأندية التي تهبط لدوري الدرجة الأولى بأنها «شر يجب القضاء عليه»؛ لكن المهتمين بمجال كرة القدم ما زالوا يتذكرون جيداً أن باري كان هو أول رئيس تنفيذي للدوري الإنجليزي الممتاز، وهو من نفذ فكرة انفصال الدوري الإنجليزي الممتاز عن دوري الدرجة الأولى، وهو من قام في عام 1992 بتطبيق فكرة دفع أموال للأندية التي تهبط من الدوري الإنجليزي الممتاز، حتى تعيد تدعيم صفوفها وتتمكن من المنافسة على الصعود مجدداً!
لكن دعوة باري للإصلاح المالي التي باتت أكثر إلحاحاً في الوقت الحالي، ليست حالة «فقدان ذاكرة» أو نسيان للعمل الذي قام به هو شخصياً في وقت سابق من حياته المهنية، فعندما تم تعيينه رئيساً لرابطة الدوريات الأدنى من الدوري الإنجليزي الممتاز، كان من المفهوم تماماً أن يُذكِّر الجميع بأنه دائماً ما كان يطالب بالتوزيع العادل للأموال والعائدات بين الدوريات المختلفة!
وفي وقت مبكر من عام 1995، وبينما كانت الأندية الـ72 التي تلعب في الدوريات الثلاثة الأدنى من الدوري الإنجليزي الممتاز لا تزال تعاني من تداعيات الانفصال عن الدوري الإنجليزي الممتاز، وتشعر بالغضب من حرمانها من 50 في المائة من عائدات البث التلفزيوني، اقترح باري بعض الأفكار لإصلاح هذا الخلل.
وبالنظر إلى الجولة الثانية من صفقات عائدات البث التلفزيوني التي بدأت في عام 1997، توصل باري إلى اتفاق مع أندية الدوري الإنجليزي الممتاز لبيع الحقوق بالاشتراك مع الدوريات الثلاثة الأدنى، على أن يحصل الدوري الإنجليزي الممتاز على 80 في المائة من العائدات، في حين تحصل الدوريات الثلاثة الأدنى على 20 في المائة؛ لكن الدوريات الأدنى من الدوري الإنجليزي الممتاز رفضت ذلك الاتفاق، وهو ما تسبب في حدوث خلاف داخلي كبير في ذلك الوقت.
وكانت الأندية الكبرى فيما يعرف الآن بـ«تشامبيونشيب» أو دوري الدرجة الأولى، غاضبة للغاية من إضاعة هذه الفرصة الثمينة لزيادة عائدات البث التلفزيوني بالمشاركة مع أندية الدوري الإنجليزي الممتاز، وأدى الأمر في نهاية المطاف إلى إحداث بعض الإصلاحات التي كان من بينها تعيين ريتشارد سكودامور رئيساً تنفيذياً لرابطة الدوريات الأدنى من الدوري الإنجليزي الممتاز في عام 1997.
وقام سكودامور بعمل جيد، أهَّله للانتقال لرئاسة رابطة الدوري الإنجليزي الممتاز، ليساعده على النمو والتطور على المستوى العالمي، وبالتالي زيادة عائدات البث التلفزيوني. وكان سكودامور يقاتل أيضاً من أجل استقلال الدوري الإنجليزي الممتاز وتفوقه، وعمل بكل قوة على مواجهة نفوذ الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم كهيئة حاكمة للمسابقة، كما عمل على تعزيز الفجوة بين الدوري الإنجليزي الممتاز وبين الدوريات الأدنى.
وعلاوة على ذلك، أصبح سكودامور خبيراً في المعارك السياسية، بعدما أظهر قوة كبيرة في مواجهة استفسارات الحكومة أو طلبات الإحاطة من قبل نواب البرلمان بشأن الدوريات المختلفة في كرة القدم الإنجليزية والصفقات التجارية. ودفع الدوري الإنجليزي الممتاز للقيام بعديد من الأعمال الجيدة، وأكد أمام استجوابات الحكومة أن الدوري الإنجليزي الممتاز يساهم في عديد من البرامج المجتمعية، ويمول المرافق الشعبية، ويقدم أموالاً «للتضامن» مع الدوريات الأدنى.
وفي ظل التدقيق في الأرقام والحسابات في هذه الأوقات العصيبة، وخصم الأموال التي تصل قيمتها إلى 273 مليون جنيه إسترليني، والتي يدفعها الدوري الإنجليزي الممتاز للأندية التي تهبط لدوري الدرجة الأولى، وُجد أن إجمالي ما يدفعه الدوري الإنجليزي الممتاز للدوريات الأدنى يصل إلى 6.8 في المائة من عائدات البث التلفزيوني!
وقبل الأزمة الحالية بسبب تفشي فيروس «كورونا»، لم يكن النقاش حول مشاركة الأموال بشكل أكثر عدالة يقتصر على الدوريات الأدنى من الدوري الإنجليزي الممتاز فقط؛ حيث بدأت بعض أندية الدوري الإنجليزي الممتاز نفسها –والتي تواجه احتمال الهبوط لدوري الدرجة الأولى– تطالب هي أيضاً بتغيير قواعد تقاسم عائدات البث التلفزيوني. وربما يتمثل الأمر المثير للدهشة في أن بعض الأندية الكبرى تدعم بالفعل تغيير القواعد المنظمة لتوزيع الأموال.
إن الحجة التي كانت تستخدم دائماً ضد أي رغبة في إعادة توزيع الأموال –والتي كانت تقول إن الأندية الكبرى يجب أن تحصل على نسبة أكبر من العائدات، حتى تتمكن من التعاقد مع أفضل اللاعبين ومنافسة الأندية الكبرى على المستوى الأوروبي– لم تعد موجودة؛ بسبب النجاح الكبير الذي يحققه الدوري الإنجليزي الممتاز في الوقت الحالي، والدليل على ذلك أن عائدات البث التلفزيوني التي يحصل عليها الدوري الإنجليزي الممتاز تتجاوز ضعف ما يحصل عليه أغنى الدوريات الأوروبية الأخرى، وهو الدوري الألماني الممتاز. وبالتالي، يمكن لأندية الدوري الإنجليزي الممتاز بسهولة أن تدفع أكثر من 20 في المائة من عائدات البث التلفزيوني، وتظل متفوقة على الدوريات الأوروبية المنافسة!
وقد قررت أندية دوري الدرجة الثالثة في إنجلترا تقليل عدد المباريات المتبقية من الموسم الجاري، وتدرس أندية دوري الدرجة الثانية القيام بالأمر نفسه، في الوقت الذي يشكك فيه كثيرون في قدرة هذه الأندية على الاستمرار في ظل الأزمة الحالية.
وتقول هذه الأندية إنه من غير المنطقي أن تحصل على قروض من الحكومة لمواجهة الأزمة الحالية؛ لأنها ستضطر إلى تسديد تلك الديون، في الوقت الذي ستقل عائداتها بشكل كبير خلال الموسم المقبل، إذا أقيمت المباريات من دون جمهور. لكن إذا كانت هذه الأندية تعلم أنه اعتباراً من عام 2022 سوف تحصل على أموال أكبر من عائدات البث التلفزيوني المشتركة بين الدوري الإنجليزي الممتاز والدوريات الأدنى، فيمكنها حينئذ الاقتراض ووضع خطط تمكنها من البقاء على قيد الحياة.
وقبل الانتخابات العامة في بريطانيا، حصل الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم على وعد من حزب المحافظين بالحصول على 730 مليون جنيه إسترليني لاستثمارها على مستوى القاعدة الشعبية على مدى السنوات العشر القادمة؛ لكن يبدو أن الأمر أصبح موضع شك الآن. ومع ذلك، فإن الحاجة إلى وجود مرافق رياضية لائقة للأشخاص للحفاظ على لياقتهم البدنية والنفسية، ستكون أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى خلال الفترة المقبلة.
إن الإصرار المروّع والجشع من جانب بعض الأندية التي تريد أن تحصل على نصيب الأسد من عائدات البث التلفزيوني، قد أضر بكرة القدم على مدار سنوات، وفي ظل الأزمة الهائلة التي نواجهها حالياً، فإن كرة القدم تواجه تحدياً كبيراً لكي تعود إلى المسار الصحيح مرة أخرى.


مقالات ذات صلة


نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
TT

نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)

أعلنت «نقابة الصحفيين» المصرية تضامنها مع أعضائها الذين قدم ضدهم المدير الفني لمنتخب مصر لكرة القدم، حسام حسن، ومدير المنتخب إبراهيم حسن بلاغات تتضمن اتهامات بنشر أخبار كاذبة و«تحريض الجماهير» على خلفية تناول 3 من النقاد الرياضيين أداء المنتخب خلال الفترة الماضية.

وأعربت «نقابة الصحفيين» المصرية أنها تتابع ببالغ الاستياء ما تم تداوله بشأن قيام الكابتن حسام حسن (المدير الفني للمنتخب الوطني) والكابتن إبراهيم حسن (مدير المنتخب) بتقديم بلاغات ضد الزملاء: أبو المعاطي زكي، وأحمد عبد الباسط، ومحمد المهدي، وذلك على خلفية نشرهم أخباراً ومعلومات تخص الشأن الرياضي.

وأكدت النقابة في بيان نشره النقيب خالد البلشي على صفحته بموقع «فيسبوك» تضامنها الكامل مع الزملاء، وتمسكها بحقهم في ممارسة عملهم الصحافي بحرية ومسؤولية، وأنها تُدين هذه الممارسات التي من شأنها تصعيد الأزمة، وتحويل الخلاف المهني إلى نزاع قانوني.

«نقابة الصحفيين» المصرية (فيسبوك)

وشددت النقابة على أن «النقد الرياضي ليس جريمة، بل هو حق أصيل، وأن تقييم أداء الأجهزة الفنية والقرارات المتعلقة بالمنتخبات الوطنية جزء من الدور، الذي تضطلع به الصحافة الرياضية، مع الالتزام بأصول المهنة ومواثيقها» وأكد البيان أن ما يقوم به الصحافيون الرياضيون هو جزء أصيل من العمل الصحافي، وهم أحد أعمدة الرياضة المصرية، وقد كانوا دائماً السند الحقيقي للمنتخبات الوطنية في مختلف المحافل.

وعدَّت النقابة تقديم بلاغات ضد أعضائها الثلاثة بسبب نشر أخبار أو آراء نقدية، حتى إن كانت مخالفة للرأي العام، أو لوجهة نظر الأجهزة الفنية، يمثل خروجاً عن السياق العام للعلاقة بين الجهاز الفني للمنتخب، والصحافة الرياضية. ولفتت إلى أن القانون ومواثيق الشرف الصحافي تؤكد أن الأصل في التعامل مع أي خلاف مهني هو «حق الرد»، وليس اللجوء الفوري للتقاضي.

وأضافت النقابة أن الأولى بحسام وإبراهيم حسن، إذا كان لديهما اعتراض على ما نُشر أو أُذيع، أن يقدما روايتهما والحقائق التي يستندان إليها، أو يتقدما بشكوى إلى «نقابة الصحفيين» بصفتها الجهة المهنية المعنية بفحص الشكاوى المتعلقة بالعمل الصحافي.

وليست هذه هي الواقعة الأولى التي يتقدم فيها حسام حسن وشقيقه إبراهيم حسن ببلاغات أو شكاوى ضد الصحافيين والإعلاميين؛ فقد سبق أن تقدما بشكاوى ضد إعلاميين بسبب تناول بعض التفاصيل الفنية المرتبطة بأداء المنتخب، وكان المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، برئاسة المهندس خالد عبد العزيز، قد قرر في أغسطس (آب ) الماضي حفظ الشكوى المقدمة من الكابتن حسام حسن، المدير الفني لمنتخب مصر، ضد بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، بشأن ما تضمنته من تناول لأخبار عدَّها تعدياً على حرمة حياته الخاصة، في واقعة مصوَّرة في مكان عام، ورأى المجلس تدخله ضد وسائل الإعلام في هذه الحالة يمثل مساساً بحرية الصحافة والإعلام المكفولة وفق الأطر القانونية والدستورية.

فيما قرر المجلس في سبتمبر (أيلول) الماضي، اتخاذ إجراءات حيال التناول الإعلامي المتعلق بالحياة الخاصة بأسرة الكابتن حسام حسن، المدير الفني للمنتخب الوطني.

حسام حسن خلال إحدى المباريات (الاتحاد المصري لكرة القدم)

وبينما يُبدي الناقد الرياضي المصري أسامة صقر اختلافه مع بيان النقابة، يفسر ذلك بأن المخالفات ليست مرتبطة بالصحافة والجرائد المقروءة وإنما ببرامج فضائية أو رقمية يطرح خلالها البعض وجهات نظرهم. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «النقابة أصدرت بياناً لدعم زملائنا الصحافيين، وإذا كان هؤلاء الصحافيون اختاروا نشر الأخبار محل الجدل في برامجهم الفضائية التي يتكسبون منها، فلماذا لم يعبّروا عن رأيهم في جرائدهم أو مواقعهم الإلكترونية الصحافية؟».

وتابع أنه «يجب أن تكون هناك ضوابط لنشر الأخبار والمعلومات، وفي ظل الشد والجذب الذي يحدث لم نصل إلى أصل الموضوع؛ هل هذه الأخبار والمعلومات حقيقية أم كاذبة؟ يجب وضع آليات وضوابط لحسم هذه المسألة، فإن لم تكن لدى الصحافي أو الإعلامي معلومة كافية وموثقة ومؤكدة لا ينشرها، ونحن نرى حالياً المعركة الدائرة بين محمود الخطيب ومدحت شلبي للأسباب نفسها وهي عدم التيقن من حقيقة الخبر». فيما طلب الناقد الرياضي المصري، سعد صديق، من المدير الفني لمنتخب مصر حسام حسن، التنازل عن كل القضايا وفتح صفحة جديدة مع النقاد الرياضيين.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «أتمنى منه التركيز في مهمته مع منتخب مصر لأن اتهامه للزملاء قرار غير موفق وعليه أن يكون أكثر هدوءاً في تعاملاته، وأن يعمل على لمّ الشمل مع الإعلام وكذلك مع عدد من اللاعبين على رأسهم محمد الشناوي حارس مرمى نادي الأهلي».


هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
TT

هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)

لم يكد الحِبر الذي كُتب به قرار تحويل بطولة كأس الأمم الأفريقية إلى نظام السنوات الأربع يجفّ حتى خرج رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي ليفجّر مفاجأة من العيار الثقيل، مُعلناً رغبة «الاتحاد» في التراجع والعودة إلى النظام التقليدي التاريخي: إقامة البطولة كل عامين.

هذا التحول الدراماتيكي يعكس صراعاً مكتوماً بين الرغبة في الحفاظ على الهوية الأفريقية الشعبية، والضغوط المالية والروزنامات الدولية التي تفرضها الأندية الأوروبية والاتحاد الدولي «فيفا».

أبعاد القرار... زلزال في الرأس الأخضر يخلط أوراق الأجندة الدولية

تأتي تصريحات موتسيبي، التي أطلقها، اليوم الجمعة، خلال «المؤتمر الاستراتيجي للاتحاد الأفريقي لكرة القدم» بجزيرة «سال» في الرأس الأخضر، بحضور رئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو، ونخبة من خبراء اللعبة، لتؤكد أن القرار القارّي ليس مجرد تنظيم مواعيد، بل هو مسألة استراتيجية ترتبط بمداخيل الاتحادات الوطنية التي تعتمد على هذه البطولة كمصدر تمويل رئيسي لتطوير اللعبة والمنشآت.

ويبدو أن التراجع السريع نحو نظام العامين يكشف عن مراجعة عميقة للتوجه السابق للاتحاد الأفريقي، إذ كان الهدف من ذلك التغيير استيعاب نظام جديد لإقامة بطولة دوري الأمم الأفريقية سنوياً لتملأ الأجندة الدولية، وهو ما قال موتسيبي حينها إنه سيكون أكثر ربحية للمؤسسة القارية والاتحادات التابعة لها. فالتفكير في إلغاء نظام السنوات الأربع يوضح أن «الكاف» استشعر خطورة غياب «الكان» لفترات طويلة على الشغف الجماهيري والقيمة التسويقية للمسابقة القارية الأولى، مفضلاً التمسك بخصوصية قارتهم وعدم التنازل عن إرثهم الكُروي تلبية لرغبات أندية القارة العجوز.

رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي يتابع قمة صن داونز والأهلي المصري من مدرجات ملعب «لوفتوس فيرسفيلد» بجنوب أفريقيا 19 سبتمبر 2026 (رويترز)

تاريخ البطولة... من 3 منتخبات في الخرطوم إلى قمة التنافس القاري

لفهم عمق هذا الإرث، يجب العودة بالذاكرة إلى شتاء عام 1957، حين انطلقت الشرارة الأولى للبطولة في العاصمة السودانية الخرطوم بمشاركة 3 منتخبات فقط هي مصر، والسودان، وإثيوبيا، عقب تأسيس الاتحاد الأفريقي.

ومنذ تلك النسخة التي تُوّج الفراعنة بلقبها الأول، تحولت البطولة إلى تظاهرة ثقافية ورياضية تُعبر عن استقلال الشعوب الأفريقية وتماسكها القاري، حيث استمرت تلعب بانتظام شديد كل عامين، مقدمةً للعالم أساطير كُروية حفرت أسماءها في السجلات العالمية.

وطوال عقود، صمد هذا الموعد الثابت أمام كل التحديات السياسية والاقتصادية، ليصبح بمثابة «الأولمبياد الأفريقي»، الذي لا يمكن لعشاق الساحرة المستديرة في القارة العيش من دونه.

خريطة الأبطال والدول المشارِكة... صراع العمالقة على عرش السمراء

عبر تاريخها الطويل، شهدت البطولة تحولات جذرية في عدد الدول المشارِكة، إذ قفز العدد من 3 منتخبات ليصبح 8 في السبعينيات، ثم 12، و16، وصولاً إلى النظام الحالي الذي يضم 24 منتخباً يتنافسون في نهائيات شرسة تقام على ملاعب القارة.

وتتربع مصر على عرش الأرقام القياسية كأكثر الدول فوزاً باللقب برصيد 7 كؤوس، يليه منتخب الكاميرون «الأسود غير المروَّضة» بـ5 ألقاب، ثم غانا بـ4 ألقاب، وتأتي نيجيريا وساحل العاج في المراتب التالية بـ3 ألقاب لكل منهما، في خريطة تنافسية تعكس تقلب موازين القوى الرياضية بين شمال القارة وغربها ووسطها.

لوائح وقوانين اللعبة... تطور تنظيمي يواكب معايير الاحتراف العالمي

لم يقتصر التطور على عدد المنتخبات، بل امتد إلى القوانين المنظِّمة وتوقيتات المسابقة، فبعد عقود من إقامة البطولة في شهريْ يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) وسط الموسم الكُروي الأوروبي، مما كان يثير أزمات حادة مع الأندية الكبرى التي تضم النجوم الأفارقة، اتجه «الكاف»، في السنوات الأخيرة، إلى ترحيل البطولة لتقام في فصل الصيف تماشياً مع الأجندة الدولية، وإن كانت بعض النسخ تعود للشتوية لظروف الطقس الاستوائي.

وتخضع المسابقة راهناً لأحدث قوانين الاتحاد الدولي، بما في ذلك تطبيق تقنية الفيديو المساعد «VAR» منذ الأدوار الأولى، ونظام المجموعات الست التي يتأهل منها المتصدر والوصيف وأفضل أربعة ثوالث إلى دور الستة عشر، وهي حزمة من القوانين التي نقلت «الكان» من العشوائية التاريخية إلى قمة الاحترافية التنظيمية العالمية.


لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
TT

لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)

انطلقت في العاصمة البريطانية لندن، أعمال قمة «أسبوع القادة الرياضي» (Leaders Week London) الممتدة على مدار يومين في معقل نادي تشيلسي الإنجليزي «ستامفورد بريدج»، وسط حضور استثنائي يضم أكثر من 100 متحدث من كبار الرؤساء التنفيذيين والمستثمرين وصناع القرار في قطاع الرياضة والأعمال حول العالم.

وتأتي نسخة هذا العام لتناقش ملفات ساخنة تُعيد رسم خريطة الاقتصاد الرياضي العالمي، وفي مقدمتها تدفقات رؤوس الأموال الجريئة، والتحولات الرقمية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، بجانب القفزات التجارية غير المسبوقة التي تشهدها الرياضة النسائية.

ثقل سعودي في المشهد الرياضي الدولي

وتتجه أنظار المراقبين والمشاركين في القمة نحو المشاركة السعودية الحيوية، التي تجسد العمق الاستراتيجي للمملكة كقوة تحولية في صناعة الرياضة العالمية. ويبرز اسم صندوق الاستثمارات العامة (PIF) كأحد أهم محاور النقاش في أروقة القمة، نظراً للدور المحوري الذي يلعبه الصندوق في صياغة نماذج استثمارية مستدامة عابرة للقارات.

وتأتي هذه المشاركة في وقت نجحت فيه الرياضة السعودية في فرض نفسها كمركز جذب رئيسي للأحداث الرياضية الكبرى عالمياً، تماشياً مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030» التي وضعت القطاع الرياضي كأحد الروافد الأساسية لتنويع الاقتصاد، وبناء الشراكات الدولية، وتعزيز جودة الحياة.

إعادة تعريف «اقتصاد الرياضة» والاستثمار الجريء

وتشهد جلسات القمة نقاشات موسعة حول صعود صناديق الثروة السيادية ومجموعات الملكية الخاصة، حيث يستعرض قادة قطاع المال والرياضة آليات تقييم الأندية والبطولات وتطوير البنية التحتية للمسابقات.

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن النموذج السعودي في الاستثمار الرياضي، والقائم على الموازنة بين الاستحواذات الدولية النوعية وتطوير المواهب المحلية، بات يشكل مرجعية دراسية في كيفية تحويل الرياضة من مجرد نشاط ترفيهي إلى قطاع اقتصادي منتج ومستدام.

الذكاء الاصطناعي ومستقبل البث الرقمي

المحور التقني لم يغب عن الأجندة؛ حيث تفرد القمة مساحات واسعة لبحث دمج الذكاء الاصطناعي في تحليل الأداء الرياضي وتخصيص تجربة المشجعين. وتناقش الجلسات كيف يمكن للأندية والاتحادات الكبرى الاستفادة من البيانات الضخمة لتعزيز الإيرادات التجارية وتطوير البث الرقمي عبر منصات العرض المباشر للمستهلك (DTC)، وهي خطوة تسعى من خلالها المؤسسات الرياضية إلى جذب الأجيال الجديدة التي باتت تفضل المحتوى الرقمي التفاعلي والقصير على حساب البث التلفزيوني التقليدي.

استدامة مالية ونمو تاريخي للرياضة النسائية

وفي سياق متصل، تسلط القمة الضوء على «الانفجار التجاري» للرياضة النسائية، وميلاد عهد جديد يعتمد على فصل الحقوق التجارية والرعايات للأندية النسائية عن فرق الرجال. ويبحث المجتمعون سبل الحفاظ على وتيرة هذا النمو التاريخي، وتطوير البنى التحتية الإدارية والفنية لتواكب القيمة السوقية المتصاعدة للبطولات النسائية حول العالم.

وتختتم القمة أعمالها ببحث التوسع الجغرافي للمسابقات الكبرى، وبناء الشراكات العابرة للحدود، في وقت يجمع فيه خبراء المال والرياضة على أن لغة الاستثمار الرياضي باتت المحرك الأساسي للدبلوماسية الناعمة وبناء الجسور الاقتصاديّة بين شرق العالم وغربه.