الفضاء مغلق ولا هروب للإنسان

أهلا بكم في غياهب القرن الواحد والعشرين حاملة على جناحيها حلم الإنسان بحياة أفضل

آن هاذاواي في «بين النجوم»
آن هاذاواي في «بين النجوم»
TT

الفضاء مغلق ولا هروب للإنسان

آن هاذاواي في «بين النجوم»
آن هاذاواي في «بين النجوم»

ما زال فيلم روبرت وايز «اليوم الذي توقفت فيه الأرض» When Earth Stood Still المنتج سنة 1951 أول محاولة جديرة بالحديث عن مخلوقات فضائية مسالمة تحط على الأرض.
على عكس عشرات الأفلام قبل ذلك التاريخ وبعده، لم يكن فيلم وايز، المأخوذ عن صرخة في كتاب لهاري بايتس تدعو إلى نبذ الخلافات على الأرض، حول وحوش ومخلوقات فضائية تهاجم كوكبنا لتقويضه أو سرقته. كذلك لم يكن من بين تلك التي تصور رحلات فضائية لكواكب بعيدة لأهداف علمية تنقلب نتائجها وبالا عندما تكتشف أن للكواكب الأخرى بيئتها الخاصة التي لا قدرة للإنسان على أن يعيش فوقها.
«اليوم الذي توقفت فيه الأرض» تحدث عن مركبة فضائية تحط، وخروج مخلوق (على هيئة إنسان) من المركبة (الممثل مايكل ريني) لينصح أهل الأرض بإيقاف التجاذب والتهديد بالسلاح النووي، مرددا في مشهدين أن أهل الكواكب الأخرى قلقون حيال ما يحدث فوق هذا الكوكب الذي فشل أهله في العيش فوقه بسلام.
رسالة جميلة بلا ريب، لكنها مسالمة.. ليس أن الفيلم لم يلق أي رواج، لكنه كان رواجا محدودا.. تقدير كبير من المثقفين والنقاد، وقبول عادي من الجمهور. في العام ذاته قام هوارد هوكس وكريستيان نيبي بتحقيق «الشيء من العالم الآخر» الذي صور وحشا فضائيا يحاول النيل من بعثة علمية في القطب الشمالي. أكثر منه عداوة لمخلوقات الفضاء «غزاة من المريخ» لويليام منزيز كاميرون، و«حرب العوالم» لبرايان هسكين، و«جاء من العالم الآخر» لجاك آرنولد، وكلها عرضت بعد عامين من «اليوم الذي توقفت فيه الأرض».

* فضاء مجهول ومكلف
* مرت 31 سنة على تلك الدعوة للسلام قبل أن ينجز ستيفن سبيلبرغ فيلمه «إي تي: الخارج عن الأرض» (1982)، وهو قدم، بدوره، صورة «لطيفة» عن ذلك المخلوق الخاص والبريء الآتي، خطأ، من العالم الآخر. قبله ببضع سنين قدم «لقاءات قريبة من النوع الآخر» (1977) حيث لا خوف من الفضاء وأهله. كلاهما فاز بمختلف النجاحات الممكنة لفيلم، فهذا ستيفن سبيلبرغ الذي يستطيع دمج الرسالة بالترفيه والتجاذب العاطفي وصولا إلى كل فئات المشاهدين.
لكن إذ تنقسم هذه الأفلام - أيضا - إلى أعمال تدور على الأرض وأخرى تقع خارج الأرض، فإن النجاح المبهر الذي ينجزه حاليا «بين النجوم» (Interstellar) أكبر من أن يمر عليه المرء مرورا عابرا.. ليس لأنه أنجز حتى الآن 500 مليون دولار حول الأرض فقط، بل لأنه، وكما ذكرت في مقال سابق عنه، إنجاز على المستويين الفني والتقني قل نظيره.
هو من تلك التي تسافر إلى الفضاء لبحثه وتقصيه. المغامرة بالتالي تترك الأرض وما عليها من مشكلات، حاملة على جناحيها حلم الإنسان بحياة أفضل بعيدا عما يقع لعالمه الذي وُلد فوقه. تسبر غور فضاء مجهول أو، بالأحرى، ما زال مجهولا على الرغم من تريليون من الدولارات التي صرفت على محاولة اكتشافه.
هناك شجاعة كبيرة محسوبة لكل من قام بهذه الرحلة المختلفة من قبل. تلك الأفلام، التي كان طموحها الاصطدام بـ«حضارة» مختلفة ومعادية للإنسان («الوجهة المريخ»، 2004 أو «دارك ستار»، 1974 مثلا) لاستثمارها لدى جمهور متعطش لفحوى المغامرة من تشويق ومطاردات وسلاح ليزر، ليست موضع نظر هنا لأن الأفلام المغايرة التي قدمت معالجة عميقة حول الوجود الإنساني وتأملات فلسفية في حاضره ومستقبله، لا تزيد على بضعة أعمال يتقدمها «2001: أوديسا الفضاء» لستانلي كوبريك (1968) وتشمل «سولاريس» لآندريه تاركوفسكي و«بين النجوم» لكريستوفر نولان. هناك أخرى منجزة بإتقان مثل «أفاتار» لجيمس كاميرون (2009) و«جاذبية» لألفونسو كوارون (2013)، لكن الثلاثة المذكورة هي أهم أعمال سينمائية (أميركيان وروسي) حول العالم الخارجي من زاوية وجودية.

* تأملات وجودية
* «2001: أوديسا الفضاء» كان، تحديدا، حول ذكاء الإنسان في بلوغ المستقبل وكل تحدياته واستنباط عقل افتراضي يسيطر عليه (قبل أن يسيطر ذاك على عقل الإنسان) في مقابل انهيار أخلاقياته الاجتماعية. نجاح وفشل متلازمان. صعود وهبوط متوازيان. عقل الإنسان ولّد الوحش الذي سيحاول إخضاعه. وفي الفيلم ثورتان: الأولى للقردة التي اكتشفت معنى «السلاح» والكومبيوتر (هال) الذي وجد أنه يستطيع، وقد تجاوز الذكاء الإنساني، الاستقلال عنه. كل ذلك، وسواه، من الرسالات والتفاصيل التي تحويها، تم تدجينه في عمل ممهور بإبداع تكنولوجي مبهر. الذكاء الذي يمارسه الإنسان في الفيلم متعاونا، في مطلع الأمر، مع التكنولوجيا، هو ذاته الذي مارسه المخرج متعاونا مع أفضل ما استطاعت التكنولوجيا توفيره في مجال المؤثرات البصرية.
«سولاريس» يختلف.. لديه بعض التكنولوجيا، لكن المخرج لا يريدها للإبهار.. هو نأى بنفسه عن المجاراة، ولو أن الروس حينها رددوا أن «سولاريس» هو رد على فيلم كوبريك المذكور. الهمّ في «سولاريس» همّ وجداني بالكامل.. همّ يلتقي وذاك الذي في «2001: أوديسا الفضاء» من حيث إنه يتعامل مع التقدم في الفضاء على حساب مشاعر الإنسان وحاجته للجذور. نصف الساعة الأول أرضية: العالم الذي سيطلب منه الصعود إلى الفضاء الخارجي لمعرفة أسباب انتحار علماء موجودين في مركبة تطفو، يتأمل الأرض كتأمل الفيلم لها: النباتات القصيرة والأشجار الطويلة.. النهر.. المطر.. الحياة التي يبدو حزينا لتوديعها. كذلك العائلة وطينة العلاقات الخاصة. في الفضاء لا وجود لأي شيء من هذا القبيل، بل اكتشاف لوضع يزور فيه الماضي المضمحل في غياهب البال والضمير الإنسان من جديد ليسأله عن أفعاله.
«بين النجوم» يبتعد، كحكاية عن هذين الوضعين وإن اقترب من الفيلمين المذكورين من حيث بحثه المرهف عن الحقيقة في الفضاء الشاسع. الأرض، هنا، لم تعد صالحة للحياة.. الإنسان مطالب لأن يغادرها.. الرحلة هي رحلة بحث عن مكان بديل، لكن هناك من خطط لها وهو مدرك تماما أنه ليس هناك أي كوكب بديل. الموت المطبق يكمن على الأرض وعلى ارتفاع ألوف السنوات الضوئية فوقها.
أي مشهد من أي فيلم يكتفي بتصوير مركبة تجوب ظلام الفضاء بصمت، يتعامل مباشرة والذهن البشري في الصالة. أنت لا تستطيع تحمّل مصعد يتوقف بك بين الطوابق لدقيقة.. ماذا تفعل لو كنت بين الكواكب لدهر؟ الفارق أن ذلك الظلام الفضائي يدفعك للتأمل.. هذا من قبل أن يتحوّل هذا التأمل إلى رعب.
يكفي ذلك المجهول الذي يصوره «بين النجوم» بجدارة. في الفضاء، لا تعلم ما الذي يمكن أن يحدث. لكن حتى ولو لم يقع أي حدث، فإن السكون ذاته خطر ماحق لا هروب منه.
* ميلييس سبق «ناسا»

* أي حديث عن أفلام الفضاء لا يكتمل من دون التطرق إلى «رحلة إلى القمر» كما أنجزه الفرنسي جورج ميلييس سنة 1902. السؤال حول ما إذا كان القمر مسكونا أو غير مسكون سبق هذا الفيلم بسنوات غير محصورة، لكن هذا الفيلم الذي أكد وجود مخلوقات شريرة فوق ذلك الوجه الناعم المسمّى «القمر»، سبق «ناسا» في الوصول إلى ذلك الكوكب البعيد القريب.



فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز