الفضاء مغلق ولا هروب للإنسان

أهلا بكم في غياهب القرن الواحد والعشرين حاملة على جناحيها حلم الإنسان بحياة أفضل

آن هاذاواي في «بين النجوم»
آن هاذاواي في «بين النجوم»
TT

الفضاء مغلق ولا هروب للإنسان

آن هاذاواي في «بين النجوم»
آن هاذاواي في «بين النجوم»

ما زال فيلم روبرت وايز «اليوم الذي توقفت فيه الأرض» When Earth Stood Still المنتج سنة 1951 أول محاولة جديرة بالحديث عن مخلوقات فضائية مسالمة تحط على الأرض.
على عكس عشرات الأفلام قبل ذلك التاريخ وبعده، لم يكن فيلم وايز، المأخوذ عن صرخة في كتاب لهاري بايتس تدعو إلى نبذ الخلافات على الأرض، حول وحوش ومخلوقات فضائية تهاجم كوكبنا لتقويضه أو سرقته. كذلك لم يكن من بين تلك التي تصور رحلات فضائية لكواكب بعيدة لأهداف علمية تنقلب نتائجها وبالا عندما تكتشف أن للكواكب الأخرى بيئتها الخاصة التي لا قدرة للإنسان على أن يعيش فوقها.
«اليوم الذي توقفت فيه الأرض» تحدث عن مركبة فضائية تحط، وخروج مخلوق (على هيئة إنسان) من المركبة (الممثل مايكل ريني) لينصح أهل الأرض بإيقاف التجاذب والتهديد بالسلاح النووي، مرددا في مشهدين أن أهل الكواكب الأخرى قلقون حيال ما يحدث فوق هذا الكوكب الذي فشل أهله في العيش فوقه بسلام.
رسالة جميلة بلا ريب، لكنها مسالمة.. ليس أن الفيلم لم يلق أي رواج، لكنه كان رواجا محدودا.. تقدير كبير من المثقفين والنقاد، وقبول عادي من الجمهور. في العام ذاته قام هوارد هوكس وكريستيان نيبي بتحقيق «الشيء من العالم الآخر» الذي صور وحشا فضائيا يحاول النيل من بعثة علمية في القطب الشمالي. أكثر منه عداوة لمخلوقات الفضاء «غزاة من المريخ» لويليام منزيز كاميرون، و«حرب العوالم» لبرايان هسكين، و«جاء من العالم الآخر» لجاك آرنولد، وكلها عرضت بعد عامين من «اليوم الذي توقفت فيه الأرض».

* فضاء مجهول ومكلف
* مرت 31 سنة على تلك الدعوة للسلام قبل أن ينجز ستيفن سبيلبرغ فيلمه «إي تي: الخارج عن الأرض» (1982)، وهو قدم، بدوره، صورة «لطيفة» عن ذلك المخلوق الخاص والبريء الآتي، خطأ، من العالم الآخر. قبله ببضع سنين قدم «لقاءات قريبة من النوع الآخر» (1977) حيث لا خوف من الفضاء وأهله. كلاهما فاز بمختلف النجاحات الممكنة لفيلم، فهذا ستيفن سبيلبرغ الذي يستطيع دمج الرسالة بالترفيه والتجاذب العاطفي وصولا إلى كل فئات المشاهدين.
لكن إذ تنقسم هذه الأفلام - أيضا - إلى أعمال تدور على الأرض وأخرى تقع خارج الأرض، فإن النجاح المبهر الذي ينجزه حاليا «بين النجوم» (Interstellar) أكبر من أن يمر عليه المرء مرورا عابرا.. ليس لأنه أنجز حتى الآن 500 مليون دولار حول الأرض فقط، بل لأنه، وكما ذكرت في مقال سابق عنه، إنجاز على المستويين الفني والتقني قل نظيره.
هو من تلك التي تسافر إلى الفضاء لبحثه وتقصيه. المغامرة بالتالي تترك الأرض وما عليها من مشكلات، حاملة على جناحيها حلم الإنسان بحياة أفضل بعيدا عما يقع لعالمه الذي وُلد فوقه. تسبر غور فضاء مجهول أو، بالأحرى، ما زال مجهولا على الرغم من تريليون من الدولارات التي صرفت على محاولة اكتشافه.
هناك شجاعة كبيرة محسوبة لكل من قام بهذه الرحلة المختلفة من قبل. تلك الأفلام، التي كان طموحها الاصطدام بـ«حضارة» مختلفة ومعادية للإنسان («الوجهة المريخ»، 2004 أو «دارك ستار»، 1974 مثلا) لاستثمارها لدى جمهور متعطش لفحوى المغامرة من تشويق ومطاردات وسلاح ليزر، ليست موضع نظر هنا لأن الأفلام المغايرة التي قدمت معالجة عميقة حول الوجود الإنساني وتأملات فلسفية في حاضره ومستقبله، لا تزيد على بضعة أعمال يتقدمها «2001: أوديسا الفضاء» لستانلي كوبريك (1968) وتشمل «سولاريس» لآندريه تاركوفسكي و«بين النجوم» لكريستوفر نولان. هناك أخرى منجزة بإتقان مثل «أفاتار» لجيمس كاميرون (2009) و«جاذبية» لألفونسو كوارون (2013)، لكن الثلاثة المذكورة هي أهم أعمال سينمائية (أميركيان وروسي) حول العالم الخارجي من زاوية وجودية.

* تأملات وجودية
* «2001: أوديسا الفضاء» كان، تحديدا، حول ذكاء الإنسان في بلوغ المستقبل وكل تحدياته واستنباط عقل افتراضي يسيطر عليه (قبل أن يسيطر ذاك على عقل الإنسان) في مقابل انهيار أخلاقياته الاجتماعية. نجاح وفشل متلازمان. صعود وهبوط متوازيان. عقل الإنسان ولّد الوحش الذي سيحاول إخضاعه. وفي الفيلم ثورتان: الأولى للقردة التي اكتشفت معنى «السلاح» والكومبيوتر (هال) الذي وجد أنه يستطيع، وقد تجاوز الذكاء الإنساني، الاستقلال عنه. كل ذلك، وسواه، من الرسالات والتفاصيل التي تحويها، تم تدجينه في عمل ممهور بإبداع تكنولوجي مبهر. الذكاء الذي يمارسه الإنسان في الفيلم متعاونا، في مطلع الأمر، مع التكنولوجيا، هو ذاته الذي مارسه المخرج متعاونا مع أفضل ما استطاعت التكنولوجيا توفيره في مجال المؤثرات البصرية.
«سولاريس» يختلف.. لديه بعض التكنولوجيا، لكن المخرج لا يريدها للإبهار.. هو نأى بنفسه عن المجاراة، ولو أن الروس حينها رددوا أن «سولاريس» هو رد على فيلم كوبريك المذكور. الهمّ في «سولاريس» همّ وجداني بالكامل.. همّ يلتقي وذاك الذي في «2001: أوديسا الفضاء» من حيث إنه يتعامل مع التقدم في الفضاء على حساب مشاعر الإنسان وحاجته للجذور. نصف الساعة الأول أرضية: العالم الذي سيطلب منه الصعود إلى الفضاء الخارجي لمعرفة أسباب انتحار علماء موجودين في مركبة تطفو، يتأمل الأرض كتأمل الفيلم لها: النباتات القصيرة والأشجار الطويلة.. النهر.. المطر.. الحياة التي يبدو حزينا لتوديعها. كذلك العائلة وطينة العلاقات الخاصة. في الفضاء لا وجود لأي شيء من هذا القبيل، بل اكتشاف لوضع يزور فيه الماضي المضمحل في غياهب البال والضمير الإنسان من جديد ليسأله عن أفعاله.
«بين النجوم» يبتعد، كحكاية عن هذين الوضعين وإن اقترب من الفيلمين المذكورين من حيث بحثه المرهف عن الحقيقة في الفضاء الشاسع. الأرض، هنا، لم تعد صالحة للحياة.. الإنسان مطالب لأن يغادرها.. الرحلة هي رحلة بحث عن مكان بديل، لكن هناك من خطط لها وهو مدرك تماما أنه ليس هناك أي كوكب بديل. الموت المطبق يكمن على الأرض وعلى ارتفاع ألوف السنوات الضوئية فوقها.
أي مشهد من أي فيلم يكتفي بتصوير مركبة تجوب ظلام الفضاء بصمت، يتعامل مباشرة والذهن البشري في الصالة. أنت لا تستطيع تحمّل مصعد يتوقف بك بين الطوابق لدقيقة.. ماذا تفعل لو كنت بين الكواكب لدهر؟ الفارق أن ذلك الظلام الفضائي يدفعك للتأمل.. هذا من قبل أن يتحوّل هذا التأمل إلى رعب.
يكفي ذلك المجهول الذي يصوره «بين النجوم» بجدارة. في الفضاء، لا تعلم ما الذي يمكن أن يحدث. لكن حتى ولو لم يقع أي حدث، فإن السكون ذاته خطر ماحق لا هروب منه.
* ميلييس سبق «ناسا»

* أي حديث عن أفلام الفضاء لا يكتمل من دون التطرق إلى «رحلة إلى القمر» كما أنجزه الفرنسي جورج ميلييس سنة 1902. السؤال حول ما إذا كان القمر مسكونا أو غير مسكون سبق هذا الفيلم بسنوات غير محصورة، لكن هذا الفيلم الذي أكد وجود مخلوقات شريرة فوق ذلك الوجه الناعم المسمّى «القمر»، سبق «ناسا» في الوصول إلى ذلك الكوكب البعيد القريب.



«جحيم العابرين» يصل إلى صالات السينما السعودية في نوفمبر

بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
TT

«جحيم العابرين» يصل إلى صالات السينما السعودية في نوفمبر

بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)

أعلنت «استوديوهات MBC»، الذراع الإنتاجية لـ«مجموعة MBC»، اكتمال المراحل الأخيرة من فيلم «جحيم العابرين»، المقتبس من رواية تحمل الاسم نفسه للكاتب السعودي أسامة المسلم، تمهيداً لعرضه في صالات السينما السعودية اعتباراً من 19 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، على أن يصل لاحقاً إلى عدد من المدن العربية.

وصُوّرت جميع مشاهد الفيلم في السعودية، وتولت إخراجه المخرجة السعودية هناء العمير، فيما كتب أسامة المسلم السيناريو المقتبس من روايته، ويشارك في بطولته أضواء بدر، وباسل الصلي، ومحمد علي، وشجاع نشاط، وعزيز غرباوي.

وينتمي «جحيم العابرين» إلى سينما التشويق والغموض والرعب، مستنداً إلى الأسلوب الذي عُرف به المسلم في أعماله الأدبية، والقائم على مزج الفانتازيا بالإثارة النفسية، وتقديم شخصيات وأحداث غامضة ضمن حبكة متسارعة.

وتبدأ أحداث الفيلم على طريق منعزلة، عندما تصادف فتاة تقود سيارتها بمفردها شاباً تعطلت مركبته، فتقرر مساعدته وإيصاله إلى أقرب محطة، رغم شعورها بالقلق تجاه الموقف. وسرعان ما تتحول الرحلة في عتمة الليل إلى سلسلة من الأحداث الغريبة والمخيفة، لتدخل الشخصيتان في مواجهة متصاعدة مع مخاطر تضع إمكانية نجاتهما موضع تساؤل.

يأتي الفيلم ضمن شراكة أعلنت عنها «استوديوهات MBC» وأسامة المسلم قبل نحو عامين، تستهدف تحويل عدد من روايات الكاتب السعودي إلى أعمال درامية وسينمائية.

ويحمل الفيلم بصمة المنتج محفوظ الزهراني، فيما تولى سفيان الفاني إدارة التصوير، وتولت شركة «Aflam Production» التنفيذ، وهو من إنتاج «استوديوهات MBC»، وإخراج هناء العمير، وقصة وسيناريو أسامة المسلم.


«غودزيللا» حمل رسالات سياسية استغنت السينما عنها لاحقاً

من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)
من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)
TT

«غودزيللا» حمل رسالات سياسية استغنت السينما عنها لاحقاً

من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)
من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)

في عام 1954، وبينما كانت سفينة مدنية تمخر عباب البحر، فوجئ الركاب بوحش يخرج من تحت الماء. وحش ضخم ما لبث أن هاجم السفينة وأطاح بها وبمن فيها، قبل أن يغوص مجدداً في أعماق البحر.

تحرّكت القوات البحرية للتحقيق في الحادث، وأخذت تجمع شهادات بعض من شاهدوه في قرى الساحل، قبل أن يعاود الوحش ظهوره، مطيحاً بمزيد من السفن ومنتقلاً إلى اليابسة، حيث تسبّب في مقتل ضحايا كثيرين. لم يكن هناك ريب في أن مدينة طوكيو ستكون الهدف التالي لهذا الوحش الذي لم تنفع معه جميع الأسلحة. وكان الدمار الذي لحق بطوكيو شبيهاً بذلك الذي لحق بمدينتَي هيروشيما وناغازاكي، خصوصاً أن الوحش كان ملوّثاً بالإشعاع النووي.

قال أحد المسؤولين حينها: «إذا لم تقضِ عليه القنبلة النووية، فكيف سنقضي نحن عليه؟».

سؤال وجيه، لكن ذلك لم يوقف محاولات اليابانيين التصدّي للوحش والقضاء عليه... أو هكذا خُيّل لهم.

«غودزيللا» الأول: الوحش في المدينة (توهو كومباني)

تميُّز

ورد كل ما سبق في فيلم «غودزيللا» الذي أخرجه حينها إيشيرو هوندا. وقد عاد الوحش للظهور 38 مرّة في أفلام يابانية، ثم أميركية - يابانية. وسيحطّ الفيلم الـ39 خلال أيام على الشاشات تحت عنوان «غودزيللا ناقص صفر» (Godzilla Minus Zero)، وسنراه في الشهر الثالث من العام المقبل في فيلم يجمعه مجدداً بكينغ كونغ، عنوانه «Godzilla x Kong: Supernova».

باتت أفلام غودزيللا منذ سنوات عدَّة تقدّمه وحشاً كارثياً يهدّد السلامة البشرية بقوّته الطاغية. وما بات يغيب عن معظم تلك الأفلام هو التعامل مع الدوافع التي وفّرها الفيلم الأول وبعض الأفلام التي تبعته في الخمسينات والستينات؛ وهي أن الوحش لم يكن ليظهر على السطح لولا التجارب النووية التي أجراها الروس والأميركيون، بموافقة اليابان، في البحار القريبة.

بذلك حمل «غودزيللا» وتوابعه الأولى رسائل سياسية تحذّر من مغبّة السلاح النووي. وهو أمر شاركت هوليوود في إثارته في الستينات عبر أفلام لا علاقة لها بالوحوش، مثل «على الشاطئ» لستانلي كرامر، و«دكتور سترانجلف» لستانلي كوبريك، و«لعبة الحرب» لبيتر ووتكنز.

ما ميّز سلسلة «غودزيللا» عن تلك الأفلام الهوليوودية هو أنها دمجت سينما الوحوش الجوراسية بالرسالة السياسية. لاحقاً، جرى تخفيف الرسالة السياسية والدفع باتجاه التقليل من التحذير من الويلات النووية، لصالح إنتاجات ضخمة تحتفي بالوحش بوصفه مصدر خطر بذاته فقط؛ بقوّة بدنية طاغية سيفشل البشر في التصدّي لها، قبل أن يعود إلى أعماق البحر ويتنفّس الناس الصعداء، بانتظار فيلمه المقبل.

وكان على الفيلم المقبل، تبعاً للتقاليد، أن يكون أكبر، والخطر أشدّ. فلمَ لا يُجمع هذا الوحش الأسطوري مع وحش آخر من النوع نفسه وبالضخامة نفسها، مثل كينغ كونغ؟

سبق كينغ كونغ غودزيللا في الظهور على الشاشة، إذ اكتشفه فيلم «كينغ كونغ» لماريون س. كوبر سنة 1933. فيه نتابع سفينة تبحث عن قبيلة على جزيرة مخفية، فتكتشف وجود وحوش ما قبل التاريخ، وفي مقدّمتها تلك الغوريلا الضخمة التي تقع في حب بطلة الفيلم (فاي راي). وعندما يُقبض عليه ويُنقل إلى نيويورك للمتاجرة به، يفكّ قيوده وينطلق باحثاً عن الفتاة الشقراء التي أحبّها من النظرة الأولى، ليحملها إلى سطح مبنى الإمباير ستايت، مواجهاً الطائرات الحربية التي تهاجمه، قبل أن يقضي عليه حبّه.

الفيلم المقبل من السلسلة «غودزيللا ناقص صفر» (روبوت كوميونيكاشن)

استلهام حادثة حقيقية

كان «كينغ كونغ» الأصلي، في الواقع، رومانسياً في الباطن وتشويقياً في الظاهر. وما يجمعه مع «غودزيللا» هو تلك النبرة الحزينة عن حال وحش كان يفضّل البقاء مجهولاً، لولا قيام الإنسان بانتشاله من بيئته.

بدأ الجمع بين «غودزيللا» و«كينغ كونغ» سنة 1963 بفيلم آخر لإيشيرو هوندا، هو «King Kong vs. Godzilla». لكن المخرج، إذ استعار كينغ كونغ من الغرب ليجمعه مع ندّه الشرقي، حافظ على النبرة السياسية وأدان، عبر حكايته، المتاجرة بالوحشين، كما فعل «كينغ كونغ» الأول.

لاحقاً، عندما اندفعت هوليوود لإنتاج «غودزيللا» الخاص بها سنة 1989، بفيلم من إخراج رولاند إيميريش، استغنت عن المعاني التي تداولتها السلسلة اليابانية لصالح الإبهار التقني. وتكرّر ذلك في «غودزيللا» هوليوودي آخر سنة 2014، عبر فيلم لغارث إدواردز. ولم تمضِ إلا بضع سنوات حتى بدأ الجمع بين الوحشين الضخمين على الطريقة الهوليوودية، في فيلمين أخرجهما آدم وينغارد، هما «غودزيللا ضد كينغ كونغ» (2021)، و«غودزيللا ضد كونغ: الإمبراطورية الجديدة» (2023). هذا مع العلم أن السينما اليابانية نفسها جمعت كذلك بين بطلها غودزيللا ووحوش جوراسية أخرى، ضمن الفحوى نفسه الملائم للفيلم الأول من السلسلة.

لكن لا شيء مما يُنتج حالياً يشابه، في فحواه وغاياته، نسخة هوندا سنة 1954. ففيها أمانة في ضمّ البعد السياسي إلى الحكاية الخيالية. وبداية الفيلم، حيث تتعرّض سفينة الصيد لغضب الوحش، تلتقي مع حادثة فعلية لسفينة صيد يابانية تعرّض بحّارتها لإشعاع نووي، بفعل تجربة نووية أجرتها الولايات المتحدة قبل 3 سنوات من إنتاج الفيلم.

مضى «غودزيللا»، كما قدّمه هوندا، إلى أبعد من مجرّد ربط الحادثة ببداية الفيلم؛ فالوحش الذي أُوقظ من سباته في أعماق المحيط بدا غير قادر على استيعاب ما أيقظه. بات الإنسان عدوّاً له. وأكثر من ذلك، يدمّر معظم طوكيو في ثورته، مذكّراً بما حاق بمدينتَي ناغازاكي وهيروشيما. وعندما يعود إلى حيث أتى، يترك بصمته لنا لنتذكّر.

إنها رسالة بالغة الأهمية، ضاعت في طيّات الرغبة في استغلال غودزيللا كوحش مخيف فقط. فالأفلام اللاحقة، في العقدين الأخيرين على الأخص، أبقت على الوحش وأهملت رسالته، في الوقت الذي كان يمكن لها أن تنجز الاثنين معاً، كما فعلت الأفلام الأولى. لم يهتمّ صانعو أفلام «غودزيللا» الحديثة إلا بكيفية تحويل الوحش إلى مصدر مادي، شأنه شأن كل السلاسل الأخرى، من «باتمان» إلى «جوراسيك بارك»، ومن «كوكب القردة» إلى «سبايدر مان» و«ستار وورز».


شاشة الناقد : «المواطن أسامة» و«القضية رقم صفر»... الإنسان بين الحرب وأزماته النفسية

«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)
«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)
TT

شاشة الناقد : «المواطن أسامة» و«القضية رقم صفر»... الإنسان بين الحرب وأزماته النفسية

«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)
«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)

مخرج «المواطن أسامة» أحمد حسّونة (حسابه الشخصي)

المواطن أسامة

(جيد)

* إخراج: أحمد حسّونة

* فلسطين (2026) | النوع: تسجيلي

الكاميرا التي تصوّر «كاميرا مان» فلسطينياً ينتقل في الشوارع العارية من الحياة وبين المباني المدمّرة تقول كل شيء عن المصوّر وغزّة. هناك نوع من الإخراج المباشر للواقع لا يحتاج إلى تقنيات عالية، ولا إلى إدخال عناصر تكمّل ما يهدف المخرج إلى إيصاله للمشاهدين.

كل شيء في «المواطن أسامة» واضح. هو عن رجل وكاميرا وأسرته وعلاقاته بالبشر الآخرين. كذلك هو عن غزّة وما كابدته من دمار وإبادة نتج عنهما مقتل قرابة 200 مصوّر وصحافي، من بين العدد الهائل الذي تجاوز 70 ألف ضحية. نشاهد المصوّر الصحافي أسامة العشّي تلازمه أصوات القصف ومشاهد الدمار. أسامة محمّل بالحزن على الواقع وبالخوف على سلامة عائلته. لا يذكر الكثير عن سلامته، لكن الفيلم يوحي دوماً بأنها مهدّدة في أي لحظة. قيمة الفيلم هي أنه لا يطلب منّا أن نشاهد ما يفعله الإسرائيليون بالفلسطينيين، بل أن نشاهد كيف يعيش الفلسطينيون حياتهم، من خلال متابعة شخص واحد لا يريد التوقّف عن عمله.

لا يصف المخرج حسّونة العدوان بالكلام، ولا يهتم بإيراد شهادات ضحايا الوضع أو بتصوير مشاهد العنف لذاتها. هذا كلّه ظهر في أفلام أخرى. رغم ذلك، لا يفتر تأثير الفيلم على مشاهديه؛ لأن موضوعه هو إنسان عليه أن يعمل لينقل إلى العالم صورة، وعليه أن يُعنى بتأمين الطعام والماء لأسرته والتعامل مع ظروف النزوح.

هذا فيلم تسجيلي عارٍ من الإضافات التقنية والتدخّلات الفنية التي نراها في أفلام تسجيلية أخرى. لذا فهو، مثل «صوت هند رجب»، ولو كان بعيداً عنه أسلوباً وموضوعاً، يعرض الحالة جيّداً، ولا يطلب لنفسه أكثر من ذلك.

القضية رقم صفر

(جيد)

* إخراج: كاظم فيّاض

* لبنان/الإمارات (2026) | النوع: دراما نفسية

هناك لقطة خاطفة في الدقائق الأخيرة من الفيلم تصوّر المحامي، محور الفيلم، بكاميرا بعيدة، وهو يتحدّث بصوت عالٍ وحادّ. المشكلة هي أن أحداً ليس موجوداً حوله. اللقطة التالية تعود إلى ما سبقها، حيث يواجه المحامي أسئلة عن الأزمة التي يعاني منها، ما يكشف سرّاً دفيناً يتجاوز الوضع الراهن ليعود إلى أمس بعيد.

في أساسه، «القضية رقم صفر» دراما نفسية ذات عقدة تبحث في العلاقة بين الإنسان ووالديه، وبينه وبين فكرة الموت، باعتبار الحياة فخّاً فُرض عليه العيش فيه. شخصيات الفيلم مجتمعة في مكان واحد، ومتنافرة في الأفكار والمواقف في كل اتجاه.

الطريقة التي صاغ بها المخرج رؤيته هذه مثيرة للاهتمام؛ إذ تدخلنا في واقع، ثم تأخذ هذا الواقع وتدمجه بالخيال، قبل أن تطيح به أيضاً. ليس تنفيذ هذا سهلاً، وفي البال صنع «ثريلر» منه، خصوصاً أن الأحداث تقع غالباً داخل مكان واحد. وعندما تنتقل إلى أماكن أخرى، تبقى في الداخل، باستثناء مشهد واحد يقع في الشارع. فيلم كاظم فيّاض، وهو فيلمه الثاني بعد «يوسف» الذي قدَّمه قبل 3 سنوات، دراما داكنة مع موجات من الكوميديا السوداء، تتجلّى في الفصل الثاني، من أصل 4، عندما يبدو أن جميع من في مكتب المحاماة يعانون من فوضى التواصل. ويتّضح السبب في ذلك في الفصلين التاليين، حيث يُكشف عمّا تؤول إليه أحوال كل هذه الشخصيات. للأسف، هناك بعض التكرار في مشاهد الفصل الرابع، وإن كان لا يؤثر على سياق الفيلم إلا بقدر محدود.

«القضية رقم صفر» عمل جادّ ومختلف عمّا يتوقّعه معظمنا. القصّة نفسها يمكن أن تُروى بأكثر من وسيلة أو أسلوب، لكن اختيار المخرج لوسيلته يعكس رغبته في ذلك الاختلاف ورؤيته الخاصّة لما يطرحه. فيلم طموح بأسلوب يحتاج من المشاهد إلى بعض المثابرة قبل الوصول إلى قاع أزمات أبطاله. والتمثيل ممتاز من الجميع بلا استثناء، ويعود ذلك إلى إدارة محكمة وعلاقة هندسية يرسمها المخرج جيّداً بين المكان واللقطة والشخصية.