جناية التوزيع العادل لرأس المال الثقافي

مفردة «أدب» بكل حمولاتها الإبداعية تراجعت مقابل كلمة «كتابة» بكل دلالاتها المجانية

تزفيتان تودروف  -  هارولد بلوم  -  تيري إيغلتون
تزفيتان تودروف - هارولد بلوم - تيري إيغلتون
TT

جناية التوزيع العادل لرأس المال الثقافي

تزفيتان تودروف  -  هارولد بلوم  -  تيري إيغلتون
تزفيتان تودروف - هارولد بلوم - تيري إيغلتون

الأدب في خطر، صرخة تحذيرية أطلقها تزفيتان تودروف، رثاءً لما تبقى من وجود اعتباري للأدب. الأدب المعبّر عن الكينونة الإنسانية، عندما كانت الأسماء الأدبية تنسج التاريخ الوجداني للبشر وتتموضع في مصاف عباقرة الكيمياء والرياضيات والفلك، وقبل أن يتأرشف أولئك الأدباء وآثارهم الخالدة في رفوف الذكرى. وقد أراد من خلال تلك الانتباهة إدانة فكرة الفصل بين الخطاب الأدبي وحركية الحياة من خلال العملية التربوية التعليمية التي شوهت الأدب واستغنت عنه. والتلويح بخطورة اضمحلال الأثر الأدبي في فهم واقع ومآل البشر، حيث جاءت نداءاته ضمن سياق ممتد في الزمان والمكان لمفكرين استشعروا منذ زمن بعيد حتمية انطفاء جذوة النصوص التأسيسية، ذات الطابع التثقيفي المعرفي، حسب إيتالو كالفينو، الكتب التي تختبئ في ذاكرة ووعي الفرد، الكتب التي تختزن الخبرة والطاقة لإعادة قراءتها. الكتب التي فهرسها هارولد بلوم في كتابه الشهير «المعتمد الغربي»، وأرخ فيها من الوجهة الغربية لعيون التراث الغربي تحت ما سمّاه «الأسفار»، قبل أن تنقلب المعادلة لصالح حركة ثقافية مضادة للنخبوي والمعياري من النصوص والرموز.
كان ت. س. إليوت قد طرح سؤاله المتشظي حول ما تبقى من قيمة للنصوص المعيارية، الاختراقية للزمان والمكان والثقافات، بما تحمله من المعاني المؤجلة، ضمن بحثه عن قوانين لعبة الكمال والخلود للآثار الأدبية الكبرى، حيث اشتغل على مفهوم المعادل الموضوعي. وذلك في إطار السجال حول حُكم القيمة. كما نبّه إلى أن الحفاظ على الطبقات الاجتماعية مهمة لا غنى عنها في عملية نقل وتناقل الثقافة، وأنه بدون «طبقة عليا» لا يمكن ضمان استمرار الثقافة الراقية. وعلى هذا الأساس تنبأ بموت النوع الأدبي الرفيع بالنظر إلى تفكك الطبقات. إذ بانهيار ذلك السلم الاجتماعي، ستتضاءل قيمة الأدب على مستوى الإنتاج والتلقي، وذلك من المنظور الكلاسيكي. وهي نبوءة صارت محل الحقيقية اليوم، إذ لا نصوص معيارية كتلك التي عرفها الإبداع الإنساني في الماضي، حيث أجهزت الدراسات النقدية الثقافية على ما تبقى من ذلك المفهوم بتدمير بُعد القيمة الأدبية لصالح التنوّع والتعدّد والتشظي، واضطراب مفهوم القيمة النوعية والجمالية. وذلك بدخول نصوص الهامش إلى فضائي: القراءة والنقد، على إيقاع ما بعد حداثي. وبذلك تساوى شكسبير مع أي كاتب مدونات اليوم في ميزان القراءة المنفلتة من معايير قيم الجمال المكرّسة.
هكذا انمسحت الخطوط الفاصلة ما بين النخبوي والجماهيري في الثقافة على إيقاع ما سمّاه هربرت ماركوز، موجة «المساواة الثقافية»، وذلك في كتابه «الإنسان ذو البعد الواحد». عندما قال بأن المجتمع المعاصر يميل إلى إلغاء امتيازات الثقافة الإقطاعية والأرستقراطية وميزاتها وإلى إلغاء مضمونها في آن، «فلئن كانت حقائق الفنون الجميلة المتعالية وجماليات الحياة والفكر وقفاً على جمهور غني ومثقف، فهذا لأن المجتمع كان مجتمع قمع». بمعنى أن المزاج الديمقراطي العام نجح في تعميم الثقافة، ومكّن كل الناس من الذهاب إلى المسرح والحفلات الموسيقية من غير اضطرار إلى تلبّس الصفات الأرستقراطية وارتداء الملابس الرسمية. وهو انقلاب في جوهر معنى الحرية الذي صار يسترفد كل نأمة في سياق زحزحة النظام الطبقي. وبذلك تابع الفن حياته على هذا المنوال في القرن التاسع عشر ومستهل القرن العشرين - بتصوره - في إطار «دقرطة وتشعيب الثقافة الرفيعة». أي إنزال ثقافة الصالون والمسرح والأوبرا من عليائها إلى أرضيتها الشعبية الديموقراطية، وإعادة وصلها بالواقع لئلا «تتعالى على التجربة اليومية وتقيِّمها». وبمقتضى ثورات المجتمع التقني ألغيت المسافة ما بين الفنون والنظام اليومي.
في ذلك السياق، تحولت الثقافة إلى قيمة ديموقراطية، في حقل التعليم على وجه الخصوص، حيث تأتت إمكانية الوصول المجاني والمتساوي إلى المعلومة. وبموجب ذلك التحول النوعي، أعيد تقسيم «الرأسمال الثقافي» بتعبير بيير بورديو. إذ صارت آداب السلوك والأفكار متاحة للجميع، بما في ذلك فرصة الحصول على الشهادة، وبالتالي اكتساب «الرأسمال الاجتماعي». بمعنى أن الثروة الثقافية أصبحت ميراثاً مشتركاً. وهو الأمر الذي أدى إلى استخدام الثقافة استخداماً اجتماعياً بغية الوصول إلى مواقع السلطة. والمفارقة هنا - بتصور بورديو - أن الرأسمال الثقافي تكمن قوته في ندرته، أي في تمركزه عند فئة طبقة، إلى أن تمكنت المجتمعات الحديثة من توزيع تلك الثروة، ففقدت تلك الطبقات قدرتها وتمايزها. بمعنى أن الثقافة صارت ملكة عامة. في كل ميادين الهيمنة الثقافية: الفن، والأدب، والإعلام، والجامعات، وصولاً إلى الشارع الذي فرض ثقافته الشعبية الملتبسة بالسوقية.
عند ذلك المفصل أصبح العالم أمام ثقافة الجماهير بكل تجلياتها وأساطيرها الحديثة. وما تلاها من مظاهر مجتمع الاستهلاك. حيث تولدت في إطار ذلك التحول ثقافة «البوب» المتأتية في الأصل من تصغير كلمة «الشعبي» (Popular)، والمتمدد في كل حقول الفن والأدب كالأغنية واللوحة والموضة، إلى أن تحالفت بشكل تلقائي مع مقتضيات الحقل التجاري، على إيقاع الدعم الهائل من وسائل الاتصال الحديثة والتداخل مع الأنظمة التقنية. وصولاً إلى عولمتها ضمن كرنفال كوكبي. كان بمثابة الإعلان عن ثقافة شعبية مقابل ثقافة النخبة، أو تلك الثقافة المعيارية المنذورة للخلود. ثقافة استهلاكية نيئة مستعجلة زائلة، معاندة لثقافة العقلانية والتأمل والتأوين داخل الزمان والمكان. وإن لم تكن تلك الهبّة الشعبية قد صنّفت تمظهراتها الصاخبة في سياق الثقافة.
وبمجرد أن أطل عصر ما بعد الحداثة تبدت الأشكال الاستهلاكية الجديدة كعنوان لها. حيث تم تفكيك الرأسمال الثقافي، وتدمير ما يُعرف بثقافة «المُثُل» من خلال تصعيد فلسفة الشك والحد من سطوة العقلانية. وبذلك برزت ثقافة الشارع بكل تمظهراتها الفاعلة في الفضاء العمومي كرد مؤجل على ثقافة الصالون بكل معانيه التربوية والتعليمية والآيدلوجية والطبقية. بمعنى أن الثقافة الشعبية في طورها ذاك كانت تمثل حالة تمرد فنية ورمزية بقدر ما هي صورة من صور التمرد الاجتماعي. وهنا يكمن السر في رغبتها لتدمير أصنام النخبة في كل الحقول الإبداعية. وقدرتها على احتلال الفضاء العام وطمس مظاهره بهويتها. فالفنون والكتابات التي كان يُنظر إليها كتيارات أدبية وفنية قاصرة، أو هدامة اجتماعياً تم استدماجها في السياسات الوطنية، وغادرت مواقعها كحركات عنف اجتماعي إلى سياق الجماليات الثقافية. وذلك عبر نظام تهجيني ساوى ما بين الآثار الأدبية الخالدة والثقافة الشعبية بشكلها السوقي.
ذلك الاضطراب المعياري الذي تدحرجت السجالات حوله من الصروح الأكاديمية إلى الفضاء العام، هو الذي جرأ قُراء وكُتّاب اللحظة على التعامل بخفة مع تلك النصوص التي ظلت لزمن على درجة من الصلابة الأدبية. حيث بدا ذلك على درجة من الوضوح في الهجوم المجاني المتكرر على ديستويفسكي ونجيب محفوظ ودانتي وغيرهم. وهي غارات تبخيسية موثقة في سجل مدونات الجيل الجديد من القراء، ومواقع التواصل الاجتماعي كـ«فيس بوك» و«تويتر»، ومنصات القراءة المشهورة مثل «غود ريد»، بما تحتويه من تقويمات قرائية استخفافية برموز أدبية كان من الصعب المس بقيمة منجزها. وذلك على إيقاع اختفاء الناقد كوسيط بين القراء والأعمال الأدبية، وضمن لحظة ديموقراطية فرضت سطوتها على كل مناحي الحياة، بما في ذلك حالة التماس مع الأدب. ومع ظهور جيل محقون بأوهام القدرة ليس على تقويم الآثار الأدبية الكبرى وحسب، بل إنتاج نصوص مستمدة من الخواطر واليوميات المعلبة في مدونات تحتفي بالعادي كاستحقاق فرداني لذات متخففة من الآيدلوجيا والبلاغة والجماليات والرصانة الأدبية. وهو مآل لا يقتصر على ميليشيا الثقافة الشبابية وحسب، بل يشمل طقس اللحظة بشكل عام.
بمقتضى ذلك الأفول التدريجي للأصول الأدبية التأسيسية، لم يعد للمعلقات السبع أي قيمة معيارية في الفضاء العام مقابل نصوص نثرية لشاب يتدرب على الكتابة، فقد صار يُنظر إلى أي شكل من أشكال الكتابة بوصفها أدباً، وذلك من المنظور الرثائي الذي أبداه تيري إيغلتون إزاء تلك التحولات الدراماتيكية. لدرجة أن مفردة «أدب» بكل حمولاتها الإبداعية تراجعت مقابل كلمة «كتابة» بكل دلالاتها المجانية. وهذا هو ما يفسر تفشي كتابة السرديات متناهية القصر، التي تضج بها مواقع التواصل الاجتماعي، إلى جانب الفلاشات الشعرية الشذرية، والأفورزمات، والبرقيات، والاستشهاد بعبارات مستلة من الأفلام، وترديد الأقوال السطحية اللاموثقة من مواقع الاقتباسات. إذ لا طاقة لكُتّاب وقراء اللحظة على إنتاج أو استقبال الأعمال الأدبية المعيارية، لولا ذلك الاستثناء القليل، ولا يمكن إعادة الاعتبار لآثار أدبية رفيعة وسط ضجيج الشارع الذي يفرض لغته وأسلوبه وقيمه. حيث يمكن أن يُسجل كل ذلك في سياق انقلاب ديمقراطية الذوق ضد ما عُرف بدكتاتورية الحداثة المفلسة، وإرهاب الأدب الطليعي. بعد تدمير سلطة المتحف والصالون وأرستقراطية الاقتناء، وحتى منطق السوق وضروراته. أي الذهاب إلى تمجيد الزائل وتضئيل قيمة الجليل.
- ناقد سعودي



أحمد مجدي: شخصية النرجسي المخادع في «الست موناليزا» استفزتني فنياً

الفنان أحمد مجدي تحدَّث عن دوره في «الست موناليزا» (صفحته على «فيسبوك»)
الفنان أحمد مجدي تحدَّث عن دوره في «الست موناليزا» (صفحته على «فيسبوك»)
TT

أحمد مجدي: شخصية النرجسي المخادع في «الست موناليزا» استفزتني فنياً

الفنان أحمد مجدي تحدَّث عن دوره في «الست موناليزا» (صفحته على «فيسبوك»)
الفنان أحمد مجدي تحدَّث عن دوره في «الست موناليزا» (صفحته على «فيسبوك»)

قال الممثل المصري، أحمد مجدي، إن حماسه للمشارَكة في مسلسل «الست موناليزا» جاء لشعوره بأنَّ العمل يقدِّم تجربةً دراميةً متكاملةً على مستويي النَّصِّ، والرؤية الإخراجية وتركيبة الشخصيات، عادّاً أنَّ هذا النوع من المشروعات هو ما يبحث عنه بصفته ممثلاً يسعى إلى الاشتباك مع شخصيات مُركَّبة ومناطق إنسانية ملتبسة.

وأضاف مجدي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أنه كان يتمنَّى منذ فترة طويلة العمل مع مي عمر، وتَحقَّق ذلك أخيراً في ظروف إنتاجية وفنية مناسبة منحته دافعاً إضافياً للدخول في التجربة بثقة وحماس، خصوصاً في ظلِّ وجود سيناريو وصفه بـ«المُحكم والمكثف» كتبه محمد سيد بشير، «حيث تتوالى الأحداث دون ترهل، ومن دون وجود شخصيات زائدة عن الحاجة، إذ يؤدي كل خط درامي وظيفةً محددةً داخل عالم متشابك تتقاطع فيه المصائر، وتتراكم فيه الدوافع النفسية»، على حد تعبيره.

وأوضح مجدي أن «العمل لا يعتمد فقط على الإثارة الظاهرية أو الصدامات المباشرة، بل يراهن بالأساس على بناء نفسي طويل المدى للشخصيات، وعلى كشف تدريجي لتحولاتهم الداخلية، ما منحني فرصةً حقيقيةً للاشتغال على التفاصيل الدقيقة في الأداء».

أحد الملصقات الترويجية للمسلسل (الشركة المنتجة)

وتحدَّث مجدي مطولاً عن شخصية «حسن»، وعدَّها من أكثر الشخصيات تعقيداً التي تعامل معها، موضحاً أنها «شخصية لا يمكن اختزالها في توصيف أخلاقي بسيط، إذ تجمع بين النرجسية الحادة، والتمركز حول الذات، والقدرة على المراوغة والخداع، لكنها في الوقت نفسه ليست شريرةً على نحو كاريكاتيري أو مباشر، وقوتها الشخصية تكمن في كونها مكتوبةً بحيث تسمح للمُشاهد أن يراها من الداخل، وأن يتتبع كيف تَشكَّلت عبر تراكمات نفسية واجتماعية طويلة، لا عبر حدث واحد حاسم».

وأشار إلى أن «حسن» يمتلك قدرةً عاليةً على تضليل الآخرين، والأهم أنَّه ينجح في تضليل المُتفرِّج نفسه في المراحل الأولى من العمل، إذ يظهر بوصفه شخصاً يبدو بريئاً، حساساً، يبحث عن الحب والاحتواء، قبل أن تبدأ الطبقات الحقيقية للشخصية في الانكشاف تدريجياً، لتظهر دوافع أكثر ارتباطاً بالمال والسيطرة وتحقيق الذات، حتى ولو جاء ذلك على حساب الآخرين، عادّاً أن هذا المسار التصاعدي في كشف الشخصية يخلق نوعاً من الصدمة النفسية المتراكمة لدى المشاهد، ويدفعه إلى إعادة النظر في أحكامه المسبقة وفي طريقة قراءته للشخصيات الدرامية، مشيراً إلى أنه على الرغم من علمه بكراهية الجمهور لشخصية «حسن» بعد مشاهدة العمل، فإنه تحمَّس لها واستفزته فنياً ليقدمها.

وأكد مجدي أن ما يطرحه المسلسل قد يبدو للبعض قاسياً أو مبالغاً فيه، لكنه يرى أن الواقع أكثر قسوةً وتعقيداً مما تسمح به الدراما التلفزيونية، خصوصاً فيما يتعلق بالعلاقات المختلة داخل الأسرة أو في البيئات التي تسودها الأنانية والعنف النفسي، موضحاً أن التجارب الإنسانية في الحياة اليومية تحمل مستويات أعلى من الألم والتشوه النفسي، لكن الدراما تضطر إلى تقديمها في إطار مشوق ومتوازن يحافظ على قابلية المشاهدة ويمنح المتلقي فرصةً للتفاعل لا النفور الكامل.

وحول منهجه في التحضير للشخصية، قال إن السؤال المركزي الذي ظلَّ يرافقه في كل جلسات النقاش مع المؤلف والمخرج هو: لماذا يتصرَّف «حسن» بهذه الطريقة؟ وما الجذور النفسية والتربوية التي أسهمت في تكوين هذا السلوك؟

أحمد مجدي تحدَّث عن الأدوار المُركَّبة (صفحته على «فيسبوك»)

وأضاف أن «كثيراً من الشخصيات النرجسية أو العنيفة تكون في الأصل نتاج خلل مبكر في منظومة التربية أو في الإحساس بالأمان والاحتواء، وهو ما حاول أن ينعكس بشكل غير مباشر في الأداء، وليس عبر خطاب مباشر أو تبرير سطحي»، متوقفاً عند العلاقة بين «حسن» وعائلته بوصفها تُشكِّل العمود الفقري لفهم الشخصية، لا سيما علاقته بأمه التي تجسِّدها الفنانة سوسن بدر.

وأشار إلى أن هذه العلاقة تحمل قدراً عالياً من الالتباس العاطفي والتوتر الصامت، وتكشف عن مناطق حساسة داخل تكوينه النفسي، فتتجاور الحاجة إلى القبول مع الرغبة في السيطرة والتمرد، لافتاً إلى أن الأداء الهادئ والمركب للفنانة سوسن بدر منح هذه العلاقة عمقاً خاصاً، وجعل المَشاهد المشتركة قائمةً على الإيحاء والتراكم أكثر من المواجهة المباشرة.

وأضاف أن العلاقة مع الأب تمثِّل بدورها منطقة جرح داخلي نادر الظهور، لكنها شديدة التأثير، إذ لا تظهر إلا في لحظات محدودة داخل العمل، تكشف عن مرارة دفينة وشعور قديم بالظلم أو الخذلان، عادّاً أن هذه اللحظات هي الأصعب أداءً، لأنَّها تتطلب كسر الصورة الصلبة التي يقدِّمها «حسن» طوال الوقت، وإظهار هشاشته الإنسانية من دون الوقوع في الميلودراما أو التبرير الأخلاقي.

وأكد مجدي أن «الرهان كان دائماً على إبقاء عنصر المفاجأة حياً داخل المشهد الواحد، وعلى ألا تُكشف أوراق (حسن) كاملة في لحظة واحدة، بل أن تتسلل تدريجياً عبر التفاصيل الصغيرة في الأداء»، مشيراً إلى أن مشاهد الأكشن أو الحركة لم تُمثِّل تحدياً كبيراً بالنسبة له، نظراً لوجود فريق متخصص ومخرج يمتلك رؤيةً واضحةً لكيفية تنفيذها، ما جعلها تسير بسلاسة وانضباط، بينما جاءت الصعوبة الحقيقية في المشاهد النفسية الدقيقة التي تتطلب تحكماً عالياً في الانفعال، وتوازناً دقيقاً بين ما يُقال وما يُخفى.

أحمد مجدي قدَّم دوراً له أبعاد نفسيه في المسلسل (الشركة المنتجة)

وأشاد مجدي بتجربته في العمل مع مي عمر، عادّاً أنها تمتلك قدرةً لافتةً على قراءة الإيقاع الدرامي للمشهد، لافتاً إلى أن التفاهم الكبير بينهما انعكس بشكل إيجابي على المشاهد المركبة التي تجمعهما.

واعترف بأن المشاهد الرومانسية تمثل له تحدياً خاصاً، ليس فقط على المستوى التقني، بل على المستوى الإنساني، نظراً للفارق بين هشاشة التعبير العاطفي في الحياة الواقعية والوضوح الذي تتطلبه الدراما التلفزيونية.

وفيما يتعلق بفكرة المنافسة في رمضان، أكد مجدي أنه لا ينظر إلى العمل الفني بوصفه سباقاً أو معركة أرقام، بل مساحة للتعبير والتواصل وطرح الأسئلة، عادّاً أن الصناعة الفنية كيان واحد يتشارك مسؤولية تطوير الذائقة العامة وبناء الثقة مع الجمهور، مؤكداً أن نجاح التجارب المتنوعة ينعكس في النهاية على قوة المشهد الفني كله، ويمنح الفنانين مساحة أكبر للتركيز على جوهر عملهم بدل الانشغال بالمقارنات.


«الفاتح صلاح الدين» يعيد نور الشريف إلى أثير رمضان

الفنان نور الشريف (فيسبوك)
الفنان نور الشريف (فيسبوك)
TT

«الفاتح صلاح الدين» يعيد نور الشريف إلى أثير رمضان

الفنان نور الشريف (فيسبوك)
الفنان نور الشريف (فيسبوك)

بعد مرور 11 عاماً على رحليه، يعيد مسلسل «الفاتح صلاح الدين» صوت نور الشريف إلى موجات الإذاعة المصرية وأثير رمضان، حيث تبثّ إذاعة «صوت العرب» المسلسل الإذاعي الأخير الذي سجله، ليذاع للمرة الأولى في الموسم الرمضاني الحالي.

واعتاد متابعو التلفزيون انتظار عمل درامي لنور الشريف كل موسم رمضاني تقريباً، حتى ارتبط نور الشريف في وجدان كثير من المصريين بدراما رمضان. ومن الأعمال الدرامية التي قدمها «لن أعيش في جلباب أبي»، و«الرحايا»، و«الدالي»، و«الحرافيش».

المسلسل أهدته إذاعة قطر لشبكة «صوت العرب»، في إطار التبادل بين شبكة «صوت العرب» والإذاعات العربية. وإلى جانب الفنان نور الشريف يشارك في البطولة نخبة من الفنانين العرب، من بينهم فهمي الخولي من مصر، وجواد الشكرجي من العراق، وهدى حسين من الكويت، ومن تونس لمياء الورتاني، ومن اليمن سالم الجَحْوشي، ومن السودان محمد السني، ومن البحرين عبد الله أحمد، ومن قطر غازي حسين، وعبد الله عبد العزيز، وفهد الباكر، وخالد الحمادي. ومن الأردن عبد المنعم جرار. والمسلسل من تأليف وإخراج أحمد فتح الله.

المسلسل الإذاعي الفاتح صلاح الدين (الهيئة الوطنية للإعلام)

وقال الناقد الفني المصري، أحمد سعد الدين، لـ«الشرق الأوسط»، إن «نور الشريف يمثل حالة من النوستالجيا للجمهور، خصوصاً في شهر رمضان الذي كان يحرص على الوجود فيه درامياً، وأحياناً في مسلسلات إذاعية، لكن مسلسل (الفاتح صلاح الدين) له طابع خاص، ولا سيما أنه يقدَّم للمرة الأولى بإذاعة (صوت العرب)، ويضم ممثلين من دول عربية مختلفة، كما يتناول قصة صلاح الدين الأيوبي، المعروف بمواقفه البطولية كرمز للفخر العربي عبر التاريخ».

ويعدّ نور الشريف (1946 - 2015) من أبرز الفنانين المصريين، قدم عدداً من الأعمال السينمائية في بداية حياته، ومن أبرز أعماله السينمائية «ضربة شمس» و«حبيبي دائماً» و«ناجي العلي» و«سواق الأتوبيس» و«غريب في بيتي» و«حدوتة مصرية» و«المصير». كما قدم للإذاعة مسلسلات مثل «سيرة ومسيرة» و«إمبراطور أبو الدهب»، كما قدم أعمالاً درامية تاريخية مهمة؛ من بينها «هارون الرشيد» و«عمر بن عبد العزيز» و«رجل الأقدار عمرو بن العاص».

ولفت الناقد الفني إلى أن هذا المسلسل «يعيد لنا الحالة الاستثنائية في الأداء التي كان يجسدها نور الشريف خلف الميكروفون أو أمام الكاميرا، والتي ارتبطت في أذهان الجمهور بحالة وجدانية أقرب للنوستالجيا، فضلاً عما يمثله من قيمة فنية كبيرة، كما أنه قدم شخصية صلاح الدين بأدء صوتي معبر للغاية عن هذا الرمز التاريخي الكبير».


وادي العقيق في المدينة المنورة... قيمة روحية وجمال طبيعي

اشتهر وادي العقيق بطِيب مائه وعذوبته (واس)
اشتهر وادي العقيق بطِيب مائه وعذوبته (واس)
TT

وادي العقيق في المدينة المنورة... قيمة روحية وجمال طبيعي

اشتهر وادي العقيق بطِيب مائه وعذوبته (واس)
اشتهر وادي العقيق بطِيب مائه وعذوبته (واس)

يُعد «وادي العقيق» بمنطقة المدينة المنورة من أهم المناطق الجغرافية والسياحية التي تتميز بجمال التضاريس وعُرفت عنه عذوبة الماء.

واكتسب «وادي العقيق» شهرته لارتباطه بسيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وسُمي «الوادي المبارك»، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «أتاني، الليلة، آتٍ من ربي فقال: صلّ في هذا الوادي المبارك».

ويُعد الوادي واحداً من عدة أودية تحمل الاسم نفسه في الجزيرة العربية، لكنه يظل أشهرها. ووفق تقرير لـ«واس»، يتكون الوادي من 3 عرصات: العرصة الكبرى التي تلي مسجد الميقات، والعرصة الوسطى أمام جبال الجماوات؛ وتحديداً أمام جماء أم خالد، والعرصة الصغرى في مجمع الأسيال عند مهبط الدجال.

اشتهر وادي العقيق بطِيب مائه وعذوبته، حتى كان بعض خلفاء بني أمية يحملون الماء إلى دمشق، وسُمي في ذلك الوقت غوطة دمشق لكثرة الأشجار فيه وشدة خضرتها. وسكن على ضفاف الوادي عدد من الصحابة؛ منهم أبو هريرة وسعيد بن العاص، وماتوا به وحُملوا إلى المدينة، ومن التابعين قصر عروة بن الزبير، وقصر سكينة بنت الحسين، ومنها قصور مشيدة إلى وقتنا الحاضر.

يُعد الوادي واحداً من عدة أودية تحمل الاسم نفسه بالجزيرة العربية (واس)

ويشهد الوادي حالياً أعمال تأهيل وتطوير، بإشراف من هيئة تطوير منطقة المدينة المنورة والجهات ذات العلاقة، حيث تمتد أعمال التأهيل والتطوير إلى قرابة 15 كيلومتراً، بدءاً من منطقة ميقات ذي الحليفة جنوب المدينة المنورة، وصولاً إلى منطقة الجرف شمالاً؛ بهدف تحقيق التوازن بين البيئة العمرانية والموارد الطبيعية، وتشمل عمليات التطوير عدة مناطق على ضفاف الوادي؛ منها قصر عروة، وتقاطع طريق السلام، وميدان الجامعة الإسلامية، وصولاً إلى المناطق الزراعية بالجرف، ضمن مشاريع تحسين المشهد الحضري في أنحاء المدينة المنورة، وتشييد المشروعات التطويرية الصديقة للبيئة بما يضفي بُعداً جمالياً لطيبة الطيبة.

ويُعد مسار وادي العقيق من أبرز الوجهات المخصصة للمشي والتنزه في المدينة المنورة؛ لما يتمتع به من موقع طبيعي مميز. ويمتد المسار بطول يقارب 1500 متر، مطلاً على وادي العقيق المعروف بـ«الوادي المبارك»، الذي ورد ذكره في السنة النبوية المطهرة؛ مما أكسبه قيمة روحية وتاريخية جعلته وجهة مفضّلة للزوار والمهتمين بالسياحتين الدينية والطبيعية.

يُعد مسار وادي العقيق من أبرز الوجهات المخصصة للمشي والتنزه في المدينة المنورة (واس)

وينسجم تصميم المسار مع الطبيعة المحيطة، إذ جُهّز بممرات مهيأة، وجلسات مُطلة على الوادي، وأشجار ظِل ممتدة على طول المسار، إلى جانب منظومة إنارة حديثة تسهم في تعزيز السلامة وإبراز جمالية الموقع في الفترات المسائية، كما يطل على عدد من المواقع التاريخية الموثقة في محيط الوادي، من بينها آثار قصريْ سعد بن أبي وقاص، وعروة بن الزبير رضي الله عنهما، إضافةً إلى شواهد ونقوش تاريخية تُجسد عمق الإرث الحضاري الذي تزخر به المنطقة.