530 مليار دولار وتدمير 40 % من البنية التحتية... خسائر سوريا في 9 سنوات

دراسة اقتصادية تكشف «أرقاماً مخيفة» عن نتائج الحرب... وتحذّر من سعي المتحاربين إلى استمرار العنف

سوريون أمام قلعة حلب في اليوم الثالث لعطلة عيد الفطر امس (أ.ف.ب)
سوريون أمام قلعة حلب في اليوم الثالث لعطلة عيد الفطر امس (أ.ف.ب)
TT

530 مليار دولار وتدمير 40 % من البنية التحتية... خسائر سوريا في 9 سنوات

سوريون أمام قلعة حلب في اليوم الثالث لعطلة عيد الفطر امس (أ.ف.ب)
سوريون أمام قلعة حلب في اليوم الثالث لعطلة عيد الفطر امس (أ.ف.ب)

بلغ إجمالي الخسائر الاقتصادية في سوريا خلال تسع سنوات من الحرب أكثر من 530 مليار دولار أميركي، ذلك بزيادة تجاوزت 130 مليارا عن أسوأ تقديرات لخبراء أممين وسوريين قبل سنتين. كما تضرر 40 في المائة من البنية التحتية ما تسبب في خسارة حوالي 65 ملياراً، وبلغ معدل الفقر 86 في المائة بين السوريين البالغ عددهم حوالي 22 مليوناً.
بشرياً، بلغ عدد الوفيات المرتبطة بالنزاع 690 ألف شخص بينهم 570 ألفا قتلوا بشكل مباشر نتيجة النزاع الذي أدى إلى خروج 13 مليونا من بيوتهم نازحين ولاجئين، في وقت يعيش 2.4 مليون طفل خارج المدارس داخل البلاد، التي تعلم ستة مناهج في «مناطق النفوذ» المختلفة. وهم حوالي 35 في المائة من الأطفال في سن الدراسة، يضاف إلى ذلك نسب عدم التحاق بالمدارس مشابهة في أماكن اللجوء خارج سوريا.
كانت هذه بعض خلاصات بحث أعده «المركز السوري لبحوث السياسات» وتعلن نتائجه في بيروت اليوم. وقال الباحث في المركز ربيع نصر لـ«الشرق الأوسط» أمس، إنه أمام هذه المؤشرات «لا يمكن الحديث عن إعادة الإعمار قبل معالجة جذور النزاع وأهمها الظلم الذي يرتبط بالظلم السياسي والظلم الاقتصادي والظلم الاجتماعي»، مضيفاً «الأهم من الإعمار، هو تجاوز النزاع. هذا يتم بعملية طويلة الأجل وتدريجية من خلال رفع المظلوميات وفتح المجال للمجتمع للمشاركة بمحو آثار النزاع وبناء مستقبل جديد».
كان مسؤولون روس تحدثوا قبل سنتين عن 400 مليار تكلفة الدمار في سوريا. ولا شك أن الأرقام الجديدة، تشكل تحديا كبيراً لأي مخطط لإعمار سوريا خصوصاً في ضوء الوضع الداخلي والأزمات الاقتصادية في العالم تحديدا مع وباء «كورونا». وقال أحد الباحثين: «هذه الأرقام تجعل من الإعمار أقرب إلى الوهم».
والتقرير، الذي أعده خبراء سوريون عبر شغل وعلاقة عميقين في الداخل السوري، جزء من سلسلة تناولت الأبعاد لآثار النزاع المسلح في سوريا بين 2011 و2019، في ضوء دراسة الوضعين الاجتماعي والاقتصادي، والأداء المؤسساتي للبلاد. ويطرح استراتيجيات بديلة للإعمار «قائمة على تفكيك اقتصادات النزاع وتطوير التوافقات الاجتماعية والتأسيس لمؤسسات عادلة وتضمينية».

- الظلم الاقتصادي
أدّى النزاع إلى ظهور اقتصادات مختلفة ومجزأة «داخل الدولة المتشظية». وأظهرت أنظمة الحوافز في الاقتصادات الجديدة أن واحدة من المصالح المشتركة القليلة، بين القوى المتنافسة على السيطرة، كانت إساءة استخدام الموارد الاقتصادية لمصلحة نخبة النزاع على حساب الأنشطة الاقتصادية الإنتاجية، حسب التقرير، الذي يقول: «إنها حوّلت المقومات الاقتصادية إلى مصادر لاستدامة العنف، من خلال تدمير جزء كبير من رأس المال، أو إعادة تخصيصه لأنشطة مرتبطة بالنزاع».
ويقدّر التقرير الخسائر الاقتصادية للنزاع حتى نهاية عام 2019 بحوالي 530.1 مليار دولار، بالمقارنة بالسيناريو الاستمراري، ما يعادل 9.7 ضعف للناتج المحلي الإجمالي لعام 2010 بالأسعار الثابتة. ويشمل هذا الرقم، الخسارة في الناتج المحلي الإجمالي البالغة 420.9 مليار والزيادة في الإنفاق العسكري بحوالي 37.8 مليار والأضرار التي لحقت بمخزون رأس المال وقدرها 64.6 مليار، إضافة إلى الإنتاج غير الرسمي للنفط والغاز، المقدر بـ9.9 مليار. وخلال الفترة ذاتها، شهد الدعم الحكومي تراجعاً مطرداً، كنسبة مئوية من الناتج المحلي بالأسعار الجارية، من 20.2 في المائة في 2011 إلى 4.9 في المائة في 2019. ونتيجة لذلك، انخفض عجز الموازنة العامة مع الدعم من خارج الموازنة من 23.6 في المائة إلى 8.8 في المائة.
ورغم انخفاض قيمة الليرة بدءا من 2011، عندما كانت 46 ليرة للدولار، شهدت موجة أخرى من الانخفاض وبنسبة 43 في المائة في سبتمبر (أيلول) الماضي مقارنة بشهر يوليو (تموز) 2018، إذ سجلت الفترة بين أكتوبر (تشرين الأول) 2019 ويناير (كانون الثاني) 2020 تسارعاً في تدهور قيمة العملة ليصل إلى 96 في المائة في 16 يناير مقارنة مع 17 أكتوبر الماضي. ويبلغ سعر الصرف حاليا حوالى 1700 ليرة للدولار الأميركي. وسجّل إجمالي العمالة انخفاضاً حاداً في أثناء النزاع من 5.184 مليون عامل إلى 3.058 مليون. وارتفع معدل البطالة من 14.9 في المائة إلى 42.3 في المائة. وفقد سوق العمل 3.7 مليون فرصة عمل، ورفعت الخسارة الضخمة لفرص العمل نسبة الإعالة الاقتصادية من 4.13 شخص لكل مشتغل في عام 2010 إلى 6.4 شخص في عام 2019.

- الظلم الاجتماعي
ارتفع عدد السكان داخل سوريا، بمعدل 0.9 في المائة في عام 2018 و1.1 في المائة في عام 2019، ليصل العدد إلى 19.584 مليون نسمة في العام 2019، وتسبّب النزاع في نزوح قسري لأكثر من 5.6 مليون شخص بحثاً عن الأمان في لبنان، وتركيا، والأردن، ودول مضيفة أخرى. ووصل عدد النازحين داخلياً بحلول أغسطس (آب) الماضي 6.14 مليون، و«هو أكبر عدد من النازحين داخلياً بسبب نزاع في العالم».
ويستمر السوريون في «فقدان ملايين السنين من التعليم»، إذ بلغ عدد الأطفال ممن يتراوح عمرهم بين 5 أعوام و17 عاماً، ممن هم خارج المدرسة، حوالي 2.4 مليون في عام 2019. ويقول الباحث: «تعتبر الحصيلة الحالية كارثية لأن ملايين الأطفال سيعانون من نقص المهارات والمعرفة، بالإضافة إلى الآثار الأخرى للنزاع. كما خلّف النزاع فقداناً في اتساق المناهج الدراسية في أنحاء سوريا، بسبب إنشاء أنظمة تعليمية مختلفة في كل منطقة بحسب القوى الحاكمة فيها، ووجود 6 مناهج دراسية مختلفة تستخدم في المدارس». وهناك عدد مشابه خارج سوريا. ويوضح: «ضاعت 24 مليون سنة تدريس على السوريين، وهذا يعقد فرص النهوض في المستقبل».
ويكشف التقرير ارتفاع معدل الوفيات الخام من 4.4 لكل ألف نسمة في عام 2010 إلى 9.9 لكل ألف نسمة في 2017 و7.0 لكل ألف في عام 2019. ويقول: «هناك 570 ألف قتيل بشكل مباشر و120 ألفا بسبب غياب المعدات والأدوية وظروف المعيشة المناسبة». وبلغ معدل الفقر الإجمالي ذروته عند 89.4 في المائة في نهاية عام 2016، وانخفض في عام 2019 إلى 86 في المائة. وأدت الأزمة الاقتصادية في لبنان إلى تفاقم الوضع الاقتصادي في سوريا. ومن المتوقع أن يؤدي «قانون قيصر» الأميركي الذي يبدأ تنفيذه في منتصف الشهر المقبل، إلى إضافة أعباء إضافية على الوضعين المعيشي والاقتصادي.
وتشترط دول أوروبية وأميركا تحقيق حل سياسي بموجب القرار 2254، فيما تطالب موسكو ودمشق برفع العقوبات الاقتصادية. ومن المقرر عقد مؤتمر للمانحين في بروكسل في نهاية الشهر المقبل لتقديم تعهدات مالية وبحث الملف السياسي. كما يبحث مجلس الأمن الدولي بعد أسابيع موضوع إيصال مساعدات إنسانية إلى سوريا عبر بوابات الحدود وسط خلاف روسي - غربي.



8 هجمات ليلية بالصواريخ والمسيّرات على «مجمع مطار بغداد الدولي»

واجهة مطار بغداد الدولي (أرشيفية - رويترز)
واجهة مطار بغداد الدولي (أرشيفية - رويترز)
TT

8 هجمات ليلية بالصواريخ والمسيّرات على «مجمع مطار بغداد الدولي»

واجهة مطار بغداد الدولي (أرشيفية - رويترز)
واجهة مطار بغداد الدولي (أرشيفية - رويترز)

تعرَّض «مجمع مطار بغداد الدولي»، الذي يضمّ «مركزاً للدعم اللوجيستي» يتبع السفارة الأميركية في العاصمة العراقية، إلى 8 هجمات بالصواريخ والمسيَّرات ليل السبت - الأحد، وفق ما قال مسؤول في «قيادة العمليات المشتركة العراقية» لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وتحدث مسؤول أمني عن «8 هجمات في أوقات متفرقة استمرّت حتى فجر اليوم (الأحد) بالصواريخ والمسيَّرات، وسقط قسم من الصواريخ في محيط وقرب (مركز الدعم اللوجيستي)، دون أن تسفر عن إصابات». وأشار إلى أن إحدى المسيَّرات «سقطت على منزل مدني بمنطقة السيدية» القريبة من المطار، مما خلَّف «أضراراً مادية».

من جهته، تحدَّث مسؤول أمني آخر عن وقوع 6 هجمات على الأقلّ. وعُثر في منطقة حيّ الجهاد القريبة من المطار، فجر الأحد، على «مركبة تحمل قاذفة صواريخ استُخدمت في هجوم» على «مركز الدعم اللوجيستي»، وفق مسؤول في الشرطة أكَّد أن المركبة كانت «متروكة في موقف خالٍ للسيارات».

إلى ذلك، أكد رئيس مجلس الوزراء العراقي القائد العام للقوات المسلحة محمد شياع السوداني، الأحد، أن الحكومة لن تقف مكتوفة الأيادي أمام جريمة استباحة الدم العراقي والتجاوز على المصالح العليا للبلد.

وقال السوداني ، خلال زيارة أجراها اليوم إلى مقر جهاز المخابرات الوطني في العاصمة بغداد حيث اطلع ميدانياً على تفاصيل الاعتداء الذي تعرض له مقر الجهاز يوم أمس وأدى الى إرتقاء أحد المنتسبين، إن «من ارتكب هذه الجريمة الغادرة، هم مجموعة جبانة استباحت الدم العراقي، وتجاوزت على مؤسسات الدولة».

وأضاف أن «من يتجرأ على الدم العراقي لا يمثل العراق، ولا تبرر أي عقيدة هذه الجريمة، ولو كانت هناك عقيدة وراء الجريمة، فهي بلا شك مشوهة وهدامة»، مؤكداً أن الحكومة تتصرف وفق منطق الحكمة والمسؤولية، لكنها لن تقف مكتوفة الأيادي أمام جريمة استباحة الدم العراقي والتجاوز على المصالح العليا للبلد.

ودعا القوى السياسية الوطنية إلى الاضطلاع بدورها، واتخاذ موقف واضح وصريح مما يحصل من اعتداءات تستهدف الدولة ومؤسساتها، وتغامر بمستقبل البلد ، مشيراً إلى أن «هناك من أعطى لنفسه الحق بتحديد قرار الحرب والسلم، لكننا نؤكد أن هذا القرار هو للدولة وحدها، وهي من تحدد وتحمي مصالح العراق».
ووفق بيان للمكتب الإعلامي لرئيس الوزارء، «أمر السوداني الجهات المعنية في الجهاز وبالتعاون مع باقي الجهات الأمنية بالاستمرار في
التحقيق الدقيق بملابسات الاعتداء، والكشف عن النتائج والإعلان للشعب العراقي عن الجهة التي تقف وراء هذا الفعل الإرهابي المشين، وعدم التردد في فضحها وتقديمها الى العدالة».

كما اجتمع السوداني برئيس الجهاز والكادر المتقدم والمسؤولين، واستمع إلى عرض أمني شامل، تضمن معطيات العمل المعلوماتية والميدانية، في إطار المهام والواجبات المناطة.

ومنذ الهجوم الذي بدأته الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، أصبح العراق إحدى الدول التي امتدت إليها الحرب، إذ تتوالى غارات على مقار لفصائل عراقية مسلحة موالية لطهران، فيما تستهدف هجمات المصالح الأميركية، كما تنفّذ إيران ضربات ضد مجموعات كردية معارضة في شمال البلاد. وتتبنى فصائل عراقية موالية لإيران منضوية ضمن ما تُعرف بـ«المقاومة الإسلامية في العراق»، يومياً هجمات بمسيّرات وصواريخ على «قواعد العدو» في العراق والمنطقة، من دون أن تحدد أهدافها في معظم الأحيان.

تصاعد ألسنة اللهب والدخان من منشأة دبلوماسية أميركية قرب مطار بغداد يوم 20 مارس 2026 (رويترز)

وفي بيانها اليومي، قالت «المقاومة الإسلامية في العراق»، فجر الأحد، إنها نفذت خلال 24 ساعة «21 عملية بواسطة عشرات الطائرات المسيّرة والصواريخ». في المقابل، أقرّ البنتاغون، الخميس الماضي، لأول مرة بأن مروحيات قتالية نفذت غارات ضد فصائل موالية لطهران.

ومنذ بدء الحرب، هاجمت فصائل مسلحة موالية لإيران السفارة الأميركية في بغداد و«مركز الدعم اللوجيستي» التابع لها في المطار. واعترضت الدفاعات الجوية معظم تلك الهجمات التي نُفّذت بصواريخ أو مسيّرات.

كذلك تعترض منذ بدء الحرب الدفاعاتُ الجوية في أربيل؛ عاصمة إقليم كردستان شمال العراق، مسيّرات في أجواء المدينة التي يستضيف مطارها قوات «التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب» الذي تقوده واشنطن منذ عام 2014، وقنصلية أميركية ضخمة.

وكانت «كتائب حزب الله» العراقية الموالية لإيران تعهّدت فجر الخميس وقف استهداف سفارة واشنطن «لمدة 5 أيام» بموجب شروط، هي «كفّ يد الكيان الصهيوني عن تهجير وقصف الضاحية (الجنوبية) في بيروت، والالتزام بعدم قصف المناطق السكنية في بغداد والمحافظات، وسحب عناصر (وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية - CIA) من محطاتهم وإيقافهم داخل السفارة».

وأكّدت أنه «في حال عدم التزام العدو، فسيكون الرد مباشراً، وبشكل مركز مع رفع وتيرة الضربات بعد انتهاء المدة». ومنذ ذاك الإعلان، لم ترصد «وكالة الصحافة الفرنسية» أي هجوم على السفارة الأميركية.

Your Premium trial has ended


مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
TT

مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)

يكتسب ملف إعادة تأهيل الخدمات الحضرية في اليمن أهمية متزايدة، في ظل مساعٍ دولية لإرساء أسس مرحلة ما بعد الصراع، بعد أكثر من عقد من الحرب التي أشعلها الحوثيون، وألحقت دماراً واسعاً بالبنية التحتية، وأضعفت قدرة المدن على توفير أبسط الخدمات.

وفي هذا السياق، أكد البنك الدولي أن «المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة» يدخل مرحلة جديدة هذا العام، تعكس التزاماً دولياً مستمراً بدعم تعافي المدن اليمنية وبناء قدرتها على الصمود.

ويشير تقرير حديث للبنك إلى أن المرحلة المقبلة من المشروع ستركز على توسيع الشراكات الدولية، وتبنِّي التقنيات الحديثة في التخطيط الحضري، وتعزيز مشاركة المجتمعات المحلية، إلى جانب تطوير أدوات دقيقة لقياس الأثر وتحسين الأداء. ويرى أن هذه التوجهات تمثل خطوة متقدمة نحو استعادة مسار التنمية المستدامة، وتهيئة المدن اليمنية لمرحلة ما بعد انتهاء النزاع.

ولا تزال المدن اليمنية تعاني من تداعيات صراع مستمر منذ أكثر من 10 سنوات، خلَّف أضراراً جسيمة في البنية التحتية، وأدى إلى تراجع حاد في مستوى الخدمات الأساسية. فقد توقفت خدمات جمع النفايات في كثير من المناطق، وتضررت شبكات الطرق الداخلية، بينما تواجه المرافق الحيوية انقطاعات متكررة في الكهرباء، الأمر الذي انعكس سلباً على الحياة اليومية للسكان.

مشروع الحفاظ على المدن التاريخية يوفر فرص عمل لآلاف الشباب اليمني (الشرق الأوسط)

وحسب تقديرات حديثة، يحتاج أكثر من 22 مليون يمني إلى مساعدات إنسانية، بينهم نحو 15 مليون امرأة وطفل، في حين يفتقر نحو ثلثي السكان إلى المياه الآمنة وخدمات الصرف الصحي. ويأتي ذلك في ظل عجز واضح في النظام الصحي عن تلبية الاحتياجات المتزايدة، ما يفاقم من هشاشة الوضع الإنساني.

كما ساهمت التغيرات المناخية في تعميق الأزمة، مع ازدياد مخاطر الفيضانات والجفاف وارتفاع درجات الحرارة، وهو ما يزيد من الضغط على البنية التحتية الضعيفة أصلاً، ويهدد استدامة أي تحسن في الخدمات، ما لم يتم إدماج حلول بيئية فعالة ضمن خطط التعافي.

نتائج ملموسة ومكاسب أولية

في مواجهة هذه التحديات، أطلق البنك الدولي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة في اليمن، بتمويل أولي قدره 150 مليون دولار، بهدف استعادة الخدمات الأساسية في المدن الأكثر تضرراً. وقد حققت المرحلة الأولى التي انتهت في عام 2020 نتائج ملموسة على الأرض. فقد تمكن نحو 3 ملايين يمني من استعادة الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية، كما وفر المشروع نحو 1.5 مليون يوم عمل، في خطوة أسهمت في دعم سبل العيش وتحريك الاقتصاد المحلي. وشملت التدخلات إعادة تأهيل نحو 240 كيلومتراً من الطرق، إلى جانب تحسين خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة لنحو 1.2 مليون مستفيد.

التغيرات المناخية فاقمت من القصور في الخدمات الحضرية بالمدن اليمنية (الأمم المتحدة)

ويُعزى نجاح المشروع إلى اعتماده نهجاً متوازناً في توزيع التدخلات بين مختلف المناطق، بعيداً عن الاعتبارات السياسية أو الجغرافية، ما عزز من شعور المجتمعات المحلية بالإنصاف. كما تميَّز بمرونة عالية في التعامل مع الظروف المتغيرة، بما في ذلك التحديات الأمنية وتصاعد النزاع، وهو ما مكَّنه من الاستمرار في تقديم الخدمات حتى في أكثر البيئات تعقيداً.

علاوة على ذلك، لعب إشراك المجتمعات المحلية دوراً محورياً في تحديد الأولويات وتصميم الحلول، الأمر الذي أسهم في تعزيز فعالية الاستجابة وضمان توافقها مع الاحتياجات الفعلية للسكان.

مرحلة جديدة

على الرغم من هذه الإنجازات، لا تزال التحديات في اليمن كبيرة؛ خصوصاً مع استمرار النزاع وتسارع النمو الحضري؛ إذ تشير التقديرات إلى احتمال تضاعف عدد سكان المدن بحلول عام 2030، ما يزيد من الضغط على الخدمات الأساسية. وفي هذا الإطار، يجري تنفيذ المرحلة الثانية من المشروع بتمويل يبلغ 195 مليون دولار، بعد إقراره في عام 2021.

وتهدف هذه المرحلة إلى توسيع نطاق الخدمات لتشمل نحو 3 ملايين شخص، من خلال تحسين خدمات المياه والصرف الصحي، وتطوير شبكات الطرق، وتعزيز إمدادات الطاقة. كما تستهدف تقليل مخاطر الفيضانات التي تهدد نحو 350 ألف شخص، عبر تطوير أنظمة تصريف مياه الأمطار وتعزيز البنية التحتية الوقائية.

صورة جوية لطريق حيوي يربط مدينة تعز بالعاصمة اليمنية المؤقتة عدن (أ.ب)

ويركز المشروع أيضاً على بناء قدرات المؤسسات المحلية التي تضررت خلال سنوات الحرب، مثل مؤسسات الأشغال العامة وصناديق النظافة وصيانة الطرق، من خلال برامج تدريبية وتقييمات فنية تهدف إلى تمكينها من قيادة جهود التعافي مستقبلاً.

كما يتضمن إدماج حلول لمواجهة آثار التغير المناخي، عبر تطوير خطط حضرية تراعي المخاطر البيئية، وتعزيز قدرة المدن على التكيف مع الكوارث الطبيعية، وهو ما يعد عنصراً أساسياً في تحقيق الاستدامة.

ويولي المشروع اهتماماً خاصاً بقطاع إدارة النفايات الصلبة الذي شهد تدهوراً كبيراً خلال سنوات النزاع؛ حيث تم توفير معدات حديثة للنظافة وتمويل برامج لتحسين جمع النفايات في عدد من المدن الرئيسية، بما يسهم في الحد من المخاطر الصحية والبيئية.


الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)

شهدت مناطق خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية في اليمن موجة جديدة من الإجراءات التي تستهدف الأنشطة الدينية والتعليمية المختلفة مذهبياً، في خطوة تعكس توجه الجماعة لإعادة تشكيل المجال الديني بما يتوافق مع رؤيتها الطائفية.

وخلال الأيام الماضية، أقدمت عناصر حوثية على إغلاق مراكز لتحفيظ القرآن وتدريس العلوم الشرعية في كلٍّ من صنعاء ومحافظة إب، وسط تنديد محلي وتحذيرات حقوقية من تداعيات هذه الانتهاكات على الحريات الدينية والنسيج الاجتماعي.

في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، أفادت مصادر مطلعة بأن مسلحين حوثيين نفذوا حملة دهم استهدفت مركز «الهُدى» في حي السنينة بمديرية معين، حيث جرى إغلاقه بشكل كامل بعد طرد الطلاب والمعلمين ومصادرة محتويات مكتبته.

استهداف حوثي متكرر لـ«مركز الشافعي» في محافظة إب (فيسبوك)

ووفقاً للمصادر، جاء هذا الإجراء على خلفية رفض إدارة المركز الانصياع لتوجيهات صادرة عن جهات تابعة للجماعة، تضمنت إخضاع المركز لإشراف ما يسمى مكتب الأوقاف وإلحاقه ببرامج التعبئة الفكرية.

وسبق أن فرض الحوثيون قيوداً على خطب المساجد والدروس الدينية، وألزموا القائمين عليها بتبني مضامين محددة تتماشى مع خطابهم العقائدي.

حملة في إب

في محافظة إب، تكررت المشاهد ذاتها، حيث اقتحم مسلحون حوثيون مركز «الشافعي» للعلوم الشرعية في منطقة «ماتر»، بعد سلسلة من المداهمات السابقة التي استهدفت مكتبته وصادرت محتوياتها. وحسب شهود عيان، فقد أُجبر الطلاب على مغادرة المركز دون أي مسوغ قانوني أو أوامر قضائية، في خطوة عدّها السكان مؤشراً على تصعيد أوسع ضد المؤسسات الدينية المستقلة.

وتعود جذور هذا الاستهداف إلى فترة سابقة، حين اقتحمت الجماعة المركز ذاته وأغلقت أبوابه مؤقتاً، قبل أن تعاود استهدافه مجدداً ضمن حملة أوسع لإغلاق ما تبقى من المراكز غير المنضوية تحت سلطتها. ويؤكد شهود أن هذه العمليات غالباً ما تُنفذ بأسلوب مفاجئ، مما يضاعف من حالة القلق بين الطلاب والعاملين في هذه المؤسسات.

مركز ديني استهدفه الحوثيون سابقاً وحوّلوه إلى مركز تدريبي في إب (فيسبوك)

وأثارت هذه التطورات موجة استياء واسعة في الأوساط المحلية، حيث يرى ناشطون يمنيون أن ما يجري يمثل انتهاكاً صريحاً لحرية التعليم والمعتقد، ويهدد بتقويض التعددية الدينية التي عُرفت بها بعض المناطق اليمنية تاريخياً. كما حذروا من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم التوترات الاجتماعية، خصوصاً في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي تعيشها البلاد.

أبعاد طائفية

يرى مختصون أن الحملة الحوثية ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً لا تقتصر على إجراءات أمنية أو تنظيمية، بل تحمل أبعاداً طائفية تهدف إلى إعادة تشكيل الهوية الدينية في المجتمع. فالمراكز المستهدَفة تنتمي إلى تيارات لا تتبنى الخطاب العقائدي للجماعة، مما يجعلها عُرضة للإقصاء ضمن سياسة ممنهجة لتوحيد المرجعية الدينية.

ويُحذر خبراء من أن إغلاق هذه المؤسسات قد يُفضي إلى نتائج عكسية، من بينها حرمان شريحة واسعة من الشباب من التعليم الديني الوسطي، وفتح المجال أمام بروز أفكار متشددة أو غير منظمة خارج الأطر التعليمية التقليدية. كما قد يسهم ذلك في تعميق الانقسامات داخل المجتمع، ويُضعف فرص التعايش بين مختلف المكونات الفكرية.