أحلام إردوغان السلطانية.. وتهشيم جمهورية أتاتورك

رئاسته تكلف الأتراك مليار دولار.. وتثير غضب المعارضة

أحلام إردوغان السلطانية.. وتهشيم جمهورية أتاتورك
TT

أحلام إردوغان السلطانية.. وتهشيم جمهورية أتاتورك

أحلام إردوغان السلطانية.. وتهشيم جمهورية أتاتورك

ينشغل الأتراك، والعالم، هذه الأيام بمتابعة أخبار «القصر الأبيض» الذي انتقل إليه رئيس الجمهورية التركي رجب طيب إردوغان الشهر الماضي. والسبب في ذلك، ليس القصر بحد ذاته، بل النقاش الذي انطلق من فخامة هذا المبنى ليصل إلى أحلام إردوغان «السلطانية» وعزمه تهشيم جمهورية أتاتورك مؤسس الجمهورية العلمانية، انطلاقا من الرمزية التي اختارها الرجل القوي في البلاد، عندما قرر أن يتخذ قصرا من قطعة أرض اشتراها أتاتورك لبناء مزرعة تحولت بعد وفاته إلى محمية تحمل اسمه «غابات أتاتورك». ويعد هذا القصر أكبر القصور الرئاسية في العالم، حيث يحتوي على 1000 غرفة وقاعة، وتبلغ مساحته 280 ألف متر مربع، أي أكبر من البيت الأبيض الأميركي بـ30 مرة، ومن قصر فرساي الفرنسي بأربع مرات.
يقول مسؤول تركي سابق لـ«الشرق الأوسط» إن إردوغان كان يعمل في رئاسة الوزراء، وعينه على رئاسة الجمهورية، وربما لهذا يناديه خصومه بـ«السلطان».. فإردوغان رسم كل شيء، لصالح وصوله إلى الرئاسة؛ ففي البداية رفع ولاية الرئيس من 5 إلى 7 سنوات، ثم سعى إلى تعديل الدستور لتحويل النظام رئاسيا، وهو مشروع لم يتخل عنه، وإن كان أرجأه إلى ما بعد الانتخابات البرلمانية المقبلة في عام 2015.
وأعد إردوغان كل شيء فيما خص رئاسة الجمهورية على مقاسه، فهو أوصى على طائرة خاصة للرئاسة قبل 4 سنوات، وتعمد أن يكون موعد تسليمها في موعد تسلمه منصب الرئيس. وقالت صحيفة «سوزجو» المعارضة إنه تم تحديث طائرة من طراز «Airbus A330» جذريا بناء على طلب إردوغان لاستخدامها بعد تسلم منصب رئيس الجمهورية، لافتة إلى أن إردوغان أصدر أوامره بتجهيز هذه الطائرة في عام 2010 أي قبل انتخابات الرئاسة بـ4 أعوام. وذكرت الصحيفة أن الطائرة أضيفت إليها غرفة عمل وغرفة نوم، وزودت بنظام مضاد للصواريخ، وأن إردوغان لم يكتف بالطائرة (Airbus A319CJ) التي اشتراها من إيطاليا عام 2005 عندما كان رئيسا للوزراء.
وكان إردوغان قد اتخذ أكثر من خطوة مثيرة للجدل، فهو بعد شرائه الطائرة، حول مشروع «القصر الأبيض» الذي بني لصالح مجلس الوزراء ومن موازنته، إلى مقر إقامة له، بالإضافة إلى عدد آخر من القصور التاريخية التي حولت إلى مقرات لإردوغان في مدينة إسطنبول. ويقال إن رغبة إردوغان كانت في مغادرة قصر تشانقايا واستبدال قصر جديد به كإشارة إلى الانتقال من نظام إلى نظام، خصوصا أنه يحمل مشروعا لتحويل النظام السياسي إلى نظام رئاسي يمتلك فيه إردوغان صلاحيات أكبر. ويقال أيضا إنه أراد تسميته «القصر الأبيض» (آك سراي) تماهيا مع الاسم المختصر لـ«حزب العدالة والتنمية» «آك بارتي»، لكن الاسم تغير بعد الانتقادات إلى «قصر رئاسة الجمهورية».
ومن المفارقات أيضا، أن معظم هذه المشاريع نفذت من موازنة رئاسة الوزراء عندما كان إردوغان يتولاها، ثم استفاد منها عندما أصبح رئيسا للبلاد. وكشفت مصادر تركية معارضة أن إردوغان زاد مخصصات رئاسة الجمهورية في الموازنة الجديدة لعام 2015 ضعفين. لكن رئاسة الجمهورية أعلنت عن زيادة ميزانيتها ومخصصاتها للعام المقبل 2015 بنسبة 49 في المائة مقارنة مع ميزانية العام الحالي. وذكر بيان صادر عن رئاسة الجمهورية أن ميزانية الرئاسة في عام 2014 بلغت نحو 266 مليونا و500 ألف ليرة تركية، وأن المخطط يشير إلى رفع الميزانية للعام المقبل 2015 بنسبة 49 في المائة، لتصل إلى 397 مليون ليرة (نحو 200 مليون دولار).
وكان إردوغان قد اتخذ أكثر من خطوة مثيرة للجدل، فهو بعد شرائه طائرة خاصة تسلمها مع وصوله إلى الرئاسة، حول مشروع «القصر الأبيض» الذي بني لصالح مجلس الوزراء ومن موازنته، إلى مقر إقامة له، بالإضافة إلى عدد آخر من القصور التاريخية التي حولت إلى مقرات لإردوغان في مدينة إسطنبول. ويقال إن رغبة إردوغان كانت في مغادرة قصر تشانقايا واستبداله قصر جديد به كإشارة إلى الانتقال من نظام إلى نظام، خصوصا أنه يحمل مشروعا لتحويل النظام السياسي إلى نظام رئاسي يمتلك فيها إردوغان صلاحيات أكبر. ويقال أيضا إنه أراد تسميته بالقصر الأبيض «آك سراي» تماهيا مع الاسم المختصر لـ«حزب العدالة والتنمية» «آك بارتي»، لكن الاسم تغير بعد الانتقادات إلى «قصر رئاسة الجمهورية».
وسخر الكاتب جنكيز تشاندار في صحيفة «راديكال» من تشييد المبنى الرئاسي الجديد، مشبها إياه بقصر الزعيم الروماني الراحل نيكولاي تشاوشيسكو في بوخارست. وقال تشاندار إن «التشابه المعماري بين القصر الأبيض وقصر تشاوشيسكو في بوخارست لا يعطي رسائل خير من زاوية الهوية السياسية لتركيا الجديدة أو للنظام في تركيا». وأضاف: «يقول البعض إن هندسة القصر الجديد خليط من العثمانية والسلجوقية. لكن الحقيقة أنها هندسة هجين لا تمت بصلة لهما، وهي تهدف للعودة إلى ما قبل قصر تشانقايا مقر أتاتورك وخلفائه، وإلغاء المرجعية الأتاتوركية. هندسة القصر الجديد تعكس بشكل واضح خصائص الأنظمة التوتاليتارية التي يمكن رؤيتها في القصور الرئاسية التي بناها موسوليني وهتلر وفي الأنظمة الشيوعية».
ورأى الكاتب التركي طارق توروس أن إردوغان يبالغ في الإسراف، معتبرا ألا حاجة لهذا القصر الجديد. وأشار إلى أن الدولة تمتلك بالفعل الكثير من القصور، فهناك «قصر (تشانقايا) الرئاسي المشيد على أرض تبلغ مساحتها 438 ألف متر مربع، وهناك قصر (هوبر) بإسطنبول، ومساحة أرضه تصل إلى 34 هكتارا، وهناك قصر الضيافة في شاطئ أوكلك المطل على بحر إيجه بمدينة مارماريس بنسيجه الطبيعي الخلاب، ومساحته تبلغ 16 ألف متر مربع»، موضحا أن إردوغان أضاف إلى هذه القصور، قصر «بيلربيي» على مضيق البوسفور من أجل الاجتماعات والمشاورات، وهو يضم 5 قصور؛ اثنان منها صغيران، بالإضافة إلى القصر الكبير الذي يقع على شاطئ البحر مباشرة ويتكون من 24 غرفة، كما أضاف (إردوغان) قصر السلطان وحيد الدين الواقع في غابة مساحتها 50 ألف متر مربع (المطل على مضيق البوسفور أيضا) ليكون مكتب أعمال، وبعد ذلك أضاف القصر الأبيض».
وإذ كشف توروس عن أنه في رئاسة الجمهورية 718 موظفا فقط، وفقا لما أدلى به الأمين العام لرئاسة الجمهورية فخري قاصرجا في جلسات مناقشة الميزانية بالبرلمان، قال توروس: «لو وزعنا 718 موظفا على عدد الغرف في القصر الأبيض لحصل كل موظف على أكثر من غرفة».
كما رأى الكاتب طورخان بوزكورت أن التصريحات التي أدلى بها إردوغان حول القصر الأبيض وقال فيها إن القصر ليس إسرافا، «ليست مقنعة»، مشيرا إلى أنه يتم صرف 1.1 مليار ليرة تركية (نحو 500 مليون دولار) في السنة من أجل الإيجارات فقط، وهذا يعادل تقريبا ما أنفق على القصر. وقال: «حن نخصص مبنى لمنصب رئاسة الجمهورية الشرفي من جهة، ونحاول تلبية حاجة المباني اللازمة لمواصلة تقديم الخدمات العامة عن طريق الاستئجار من جهة أخرى. فإذا لم يكن هذا إسرافا في الموارد فما هو إذن؟»، وسأل: «ما دام مبنى رئاسة الوزراء غير كاف، وتغلق الطرق والشوارع حين يستقبل أصحاب الفضيلة من الشخصيات الرسمية، فلماذا تم نقل رئاسة الجمهورية إلى أفخم مبنى في العالم؟ ففي الوقت الذي يعيش فيه رئيس الجمهورية في قصره فرحا فخورا، تظل الدولة تستأجر مقرات، ذلك أن المؤسسات التابعة لرئاسة الوزراء والوزارات والدوائر الريفية والبلديات تقدم خدماتها في مبان مستأجرة».
وأثار نواب المعارضة كذلك موضوع تراخيص البناء والإسكان الخاصة بالقصر. وتساءل محمد جونال نائب حزب الحركة القومية عن مدينة أنطاليا: «هل هناك ترخيص للسماح بالبناء على هذه الأرض؟ ومن أين تم الحصول عليها؟»، وقال: «قمت بنفسي بتوجيه هذه الأسئلة، إلا أنهم لم يجيبوا عنها بشكل جاد، وكيف لإردوغان الذين يلقب بـ(رجل الشعب) أن يقيم في قصر يضم ألف غرفة، وأصبح له قصر في كل مكان؟ لقد بدأ عهد السلاطين والقصور»، معتبرا أنه «ليس من الممكن أن يتم تشييد مقر لرئاسة الجمهورية من ميزانية رئاسة الوزراء من الناحية القانونية».
وقال أوكتاي فورال نائب رئيس الكتلة البرلمانية لحزب الحركة القومية: «هل ترتبون في قصر ذي ألف غرفة ليالي مثل التي في قصص ألف ليلة وليلة؟ أصبح هذا القصر الذي بني بطريقة غير قانونية رمزا جديدا لتركيا كما هو رمز للتكبر والتباهي بما يصرف عليه من ضرائب الشعب، ومقولة (تركيا الجديدة) رمز لبناء قصر غير قانوني بملايين من الدولارات ومطالبة العاملين بالحد الأدنى للأجور أن يكتفوا بما يكفي فقط لشراء السميط (الكعك(».
ولم يكن الوسط المحيط بإردوغان موفقا كثيرا في الدفاع عن المشروع، فقد قال بدوره المتحدث الرسمي باسم الحكومة التركية نائب رئيس الوزراء بولنت آرينج، خلال رده على أسئلة نواب المعارضة في لجنة مناقشة ميزانية العام المالي الجديد 2015 بالبرلمان: «إذا قلتم إنه ليس من المعقول صرف كل هذا المبلغ، فيمكننا مناقشة ذلك، نعم فالمبلغ ليس بالقليل، لأن القصر أنشئ على طراز خاص وبمواد أنتجت خصيصا له، باستخدام عمالة محترفة ودقيقة، كل هذه الأمور صحيحة، لكنها مكلفة وباهظة، أنا أيضا أرفض الإسراف، فقد كنت أسأل عن المياه التي تجري دون فائدة، إبان فترة رئاستي للبرلمان، ولم أستخدم السكن الحكومي، وهذا هو اختياري الشخصي.. لو كنت أنا رئيس الجمهورية كيف كنت أتصرف؟ ولكن لا داعي ولا معنى للحديث عن شيء لم يحدث، أما الرقم فهو مرتفع فعلا، ويمكن مناقشته».
بدوره، دافع نائب رئيس حزب العدالة والتنمية الحاكم محمد علي شاهين، في لقاء تلفزيوني عن المشروع، معتبرا أن «مثل هذه البنايات تعتبر هيبة للدولة ورمزا لرونقها، وليس المبلغ الذي أنفق على القصر، مهما كان، بالأمر المهم». وقال شاهين: «مبارك على دولتنا قصر رئاسة الجمهورية الجديد، وكما تعلمون أن مثل هذه البنايات تعتبر هيبة للدولة، وليس من المهم على الإطلاق المبلغ الذي أنفق على القصر، لأنه شيد من أجل دولتنا وأمتنا وشعبنا». وأضاف: «رجب طيب إردوغان الذي يعتبر أول رئيس منتخب من قبل الشعب هو الذي يستخدم هذا القصر الأبيض، وربما سيتم اختيار رئيس آخر غيره في انتخابات 2019 ليستخدم هو هذا القصر بدلا من إردوغان، ولهذا فالقصر ليس ملكا لرؤساء الجمهورية، وهو ملك الشعب وحده».
أما وزير المالية التركي محمد شيمشك، فقد قال إن الخطوط الجوية التركية هي التي اشترت الطائرة الرئاسية الجديدة لرئيس الجمهورية رجب طيب إردوغان، مؤكدا أنه لم يتم حتى الآن دفع أي شيء من ميزانية الدولة للطائرة. وأضاف شيمشك، ردا على أسئلة نواب المعارضة خلال مناقشة الميزانية الجديدة بالبرلمان، أنه سيتم دفع المبلغ خلال هذا العام من رئاسة الوزراء، مضيفا أن التكلفة الإجمالية لأسعار الشراء وصلت إلى 185 مليون دولار.
ولم يقتصر النقاش حول القصر على الداخل التركي؛ إذ نال الموضوع حقه من النقاش في الصحف العالمية، فرأت صحيفة «ديلي تلغراف» البريطانية، أن قصر الرئاسة التركي الجديد «يتجاوز عظمة وبهاء قصر ملك فرنسا لويس الرابع عشر». وأجرت الصحيفة في مقال نشر على صفحتها الأولى مقارنة بين كل من قصر الرئاسة التركي الجديد وقصر «فرساي» في فرنسا، فأشارت إلى أن القصر الأبيض أكبر من الأخير 4 مرات»، معتبرة أنه بذلك أفقد قصر الملك لويس الرابع عشر ملك فرنسا هيبته ورونقه.
أما صحيفة «دي فيلت» الألمانية فقد نشرت خبرا بعنوان: «تكلفة إردوغان للأتراك مليار دولار»، تناولت فيه المبالغ التي أنفقتها الحكومة التركية لإنشاء قصر رئاسة الجمهورية. وأعادت الصحيفة إلى الأذهان أن الحكومة التركية أعلنت في مستهل إنشاء القصر الجمهوري الجديد أن تكاليفه ستكون 250 مليون دولار، إلا أنها بلغت الضعفين، لافتة إلى أن إجمالي التكاليف سيصل إلى 615 مليون دولار. ومن المتوقع أيضا تخصيص ميزانية بقيمة 178 مليون دولار لمصاريف رئاسة الجمهورية، فضلا عن أنه تم صرف 185 مليون دولار لشراء طائرة جديدة من طراز «A330 - 200»، وإجمالي هذه التكاليف يصل إلى 978 مليون دولار. وأشارت إلى أن هذا لا يشمل تكاليف الترميم للقصرين المخصصين لرئاسة الجمهورية الذي يقع أحدهما على مضيق البوسفور بإسطنبول والآخر على بحر إيجة.
يقول مسؤول تركي سابق لـ«الشرق الأوسط» إن إردوغان كان يعمل في رئاسة الوزراء، وعينه على رئاسة الجمهورية، وربما لهذا يناديه خصومه بـ«السلطان».. فإردوغان رسم كل شيء، لصالح وصوله إلى الرئاسة؛ ففي البداية رفع ولاية الرئيس من 5 إلى 7 سنوات، ثم سعى إلى تعديل الدستور لتحويل النظام رئاسيا، وهو مشروع لم يتخل عنه، وإن كان أرجأه إلى ما بعد الانتخابات البرلمانية المقبلة في عام 2015.
وأعد إردوغان كل شيء فيما خص رئاسة الجمهورية على مقاسه، فهو أوصى على طائرة خاصة للرئاسة قبل 4 سنوات، وتعمد أن يكون موعد تسليمها في موعد تسلمه منصب الرئيس. وقالت صحيفة «سوزجو» المعارضة إنه تم تحديث طائرة من طراز «Airbus A330» جذريا بناء على طلب إردوغان لاستخدامها بعد تسلم منصب رئيس الجمهورية، لافتة إلى أن إردوغان أصدر أوامره بتجهيز هذه الطائرة في عام 2010 أي قبل انتخابات الرئاسة بـ4 أعوام. وذكرت الصحيفة أن الطائرة أضيفت إليها غرفة عمل وغرفة نوم، وزودت بنظام مضاد للصواريخ، وأن إردوغان لم يكتف بالطائرة (Airbus A319CJ) التي اشتراها من إيطاليا عام 2005 عندما كان رئيسا للوزراء.
وكان إردوغان قد اتخذ أكثر من خطوة مثيرة للجدل، فهو بعد شرائه الطائرة، حول مشروع «القصر الأبيض» الذي بني لصالح مجلس الوزراء ومن موازنته، إلى مقر إقامة له، بالإضافة إلى عدد آخر من القصور التاريخية التي حولت إلى مقرات لإردوغان في مدينة إسطنبول. ويقال إن رغبة إردوغان كانت في مغادرة قصر تشانقايا واستبدال قصر جديد به كإشارة إلى الانتقال من نظام إلى نظام، خصوصا أنه يحمل مشروعا لتحويل النظام السياسي إلى نظام رئاسي يمتلك فيه إردوغان صلاحيات أكبر. ويقال أيضا إنه أراد تسميته «القصر الأبيض» (آك سراي) تماهيا مع الاسم المختصر لـ«حزب العدالة والتنمية» «آك بارتي»، لكن الاسم تغير بعد الانتقادات إلى «قصر رئاسة الجمهورية».
ومن المفارقات أيضا، أن معظم هذه المشاريع نفذت من موازنة رئاسة الوزراء عندما كان إردوغان يتولاها، ثم استفاد منها عندما أصبح رئيسا للبلاد. وكشفت مصادر تركية معارضة أن إردوغان زاد مخصصات رئاسة الجمهورية في الموازنة الجديدة لعام 2015 ضعفين. لكن رئاسة الجمهورية أعلنت عن زيادة ميزانيتها ومخصصاتها للعام المقبل 2015 بنسبة 49 في المائة مقارنة مع ميزانية العام الحالي. وذكر بيان صادر عن رئاسة الجمهورية أن ميزانية الرئاسة في عام 2014 بلغت نحو 266 مليونا و500 ألف ليرة تركية، وأن المخطط يشير إلى رفع الميزانية للعام المقبل 2015 بنسبة 49 في المائة، لتصل إلى 397 مليون ليرة (نحو 200 مليون دولار).



بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.