كيف فقدت فرنسا أسلحتها أمام الوباء؟

أوكلت تصنيع الأقنعة وأجهزة الفحص إلى شركات في الخارج

عمال يصنعون أقنعة طبية في بلانتيل عام 2005 (غيتي)
عمال يصنعون أقنعة طبية في بلانتيل عام 2005 (غيتي)
TT

كيف فقدت فرنسا أسلحتها أمام الوباء؟

عمال يصنعون أقنعة طبية في بلانتيل عام 2005 (غيتي)
عمال يصنعون أقنعة طبية في بلانتيل عام 2005 (غيتي)

عندما أعلن الرئيس إيمانويل ماكرون مراراً «الحرب» على فيروس «كورونا» في مارس (آذار)، تعهد بأن توفر فرنسا الدعم إلى العاملين بمجال الصحة «في الصفوف الأمامية» بـ«الأدوات والحماية».
ومع ذلك، كانت الحقيقة أن فرنسا تقف دون دفاعات تقريبا. وتركت السياسات المتخبطة التي انتهجتها الحكومة تجاه موجات أوبئة سابقة، المخزون الوطني الضخم من أقنعة الوجه مستنفدا تقريباً. إضافة لذلك، وعهد المسؤولون مهمة تصنيع الكمامات إلى جهات إمداد بالخارج، رغم تنامي التحذيرات منذ مطلع الألفية الجديدة بخصوص ارتفاع مخاطر وقوع أوبئة عالمية.
وترك ذلك فرنسا، على عكس ألمانيا منافستها على قيادة أوروبا، معتمدة على مصانع أجنبية وعاجزة عن تعزيز قدرتها المحلية على إنتاج الأقنعة الواقية للوجه ومعدات الاختبار وأجهزة التنفس الصناعي، بل وحتى أجهزة قياس الحرارة وأدوية تخفيف أعراض الحمى التي لا تحتاج لوصفة طبيب لشرائها. اليوم، ومع شروع فرنسا في تخفيف أحد إجراءات الإغلاق الأكثر صرامة على مستوى العالم، تعيد البلاد النظر في تعويلها على سلاسل الإمداد العالمية منخفضة التكلفة وسريعة الإنتاج. وحتى هذه اللحظة، لا تملك فرنسا ضمانات على قدرتها تأمين قدر كاف من الإمدادات خلال الأسابيع المقبلة، لحماية مواطنيها من موجة ثانية من الفيروس.
في هذا الصدد، شرح لوي غوتييه، المدير السابق للأمانة العامة لشؤون الدفاع والأمن الوطني، وهي وحدة قوية داخل مكتب رئيس الوزراء تتولى تنسيق جهود الاستجابة للأزمات الكبرى، خلال مقابلة أجريت معه أنه: «في أوقات الأزمات، لم يعد باستطاعتنا الانتقال من منطقة إنتاجية إلى أخرى للحصول على المنتجات الأساسية لنا. اليوم، أصبح من الضروري إعادة النظر في مسألة المخزونات الاستراتيجية وتأمين الإمدادات. ويتعين إعادة ابتكار نموذج جديد».
جدير بالذكر أن فرنسا أقرت منذ فترة بعيدة أن الأقنعة الواقية أداة لا غنى عنها في جهود مواجهة أي وباء. ومع ذلك، توقفت الحكومة عن تخزين الأقنعة خلال العقد الماضي، لأسباب تتعلق بالميزانية. في الوقت ذاته، انهار الإنتاج الداخلي مع انتقال الصناعة الدوائية الفرنسية إلى الخارج.
في هذا الصدد، قال وزير الصحة أوليفييه فيران، أمام البرلمان في مارس إن فرنسا قرّرت أنه «لم يعد من الضروري الاحتفاظ بمخزونات ضخمة داخل البلاد، بالنظر إلى أن المصانع قادرة على العمل بسرعة كبيرة للغاية، خاصة في الصين»، إلا أن نطاق وسرعة تفشي فيروس «كورونا» شكلا تحدياً لهذا المنطق. وبينما لا تزال تترنح تحت وطأة تفشي الوباء داخل أراضيها، تلقّت الصين، أكبر دولة مصنعة لأقنعة حماية الوجه على مستوى العالم، عددا هائلا من طلبات الشراء. أما الهند، وهي واحدة من كبريات الدول المصدرة للأدوية، ففرضت حظراً مؤقتاً على صادراتها خوفاً من حدوث نقص لديها. ومع انهيار سلسلة الإمداد العالمية، خسر مسؤولو الصحة الفرنسية وقتاً ثميناً بينما تهافتت الحكومة الوطنية ـ وكذلك المدن ـ على شراء الإمدادات مباشرة من الصين وغيرها. ونظّمت الحكومة عمليات نقل جوي لأقنعة قادمة من الصين حظيت بتغطية إعلامية واسعة، الأمر الذي كشف النقاب عن يأسها واعتمادها الشديد على الخارج.
من جهته، قال ماكرون في خطاب ألقاه أخيرا: «سيتعين علينا إعادة بناء استقلال فرنسا الزراعي والصحي والصناعي والتكنولوجي»، ويرى الكثير من النقاد أن وقوف فرنسا دونما دفاع في وجه الفيروس جاء بمثابة نتيجة منطقية لعملية إفراغ القاعدة التصنيعية الفرنسية، في تحول أدى إلى تعميق التفاوتات وإثارة مظاهرات عنيفة، مثل تلك التي قادتها «حركة السترات الصفراء».
جدير بالذكر في هذا الصدد أنه في مطلع الألفية الجديدة، كانت ألمانيا متفوقة قليلاً على فرنسا في مجال تصنيع وتصدير معدات اختبار تفاعل «البوليمراز» المتسلسل، الأوسع نطاقاً اليوم من حيث الاستخدام في رصد الفيروس ومعدات العلاج بالأكسجين، تبعاً لما تكشفه بيانات صادرة عن الأمم المتحدة. إلا أنه بحلول عام 2018، كان لدى ألمانيا فائض تجاري بقيمة 1.4 مليار دولار فيما يخص أجهزة اختبار تفاعل البوليمراز المتسلسل، بينما واجهت فرنسا عجزاً بقيمة 89 مليون دولار.
وفي الوقت الذي تمكنت ألمانيا من تعبئة صناعتها بسرعة لمحاربة الوباء، أصيبت فرنسا بالشلل. ولم تتمكن فرنسا من إجراء اختبارات على نطاق واسع لافتقارها إلى مسّاحات القطن والكواشف، وهي عناصر منخفضة التكلفة لكنها محورية من حيث أهميتها وجرى تحويل إنتاجها إلى آسيا. في هذا الصدد قال فيليب أغيون، العالم الاقتصادي المدرّس في هارفارد: «تخلّت فرنسا عن تصنيع الكثير للغاية منذ بداية القرن ـ واليوم تدفع ثمن ذلك».
وفي دراسة لم تنشر بعد، توصل أغيون وخبراء اقتصاديون في جامعة بروكسل الحرة إلى أنه بوجه عام، سجّلت الدول التي تملك قدرة تصنيع معدات الاختبار والأدوات المتعلقة بها، مثل ألمانيا والنمسا، عدد وفيات بنسبة أقل أثناء فترة الوباء عن غيرها من الدول. أما فرنسا، فقد واجهت نقصا حتى في السلع الأساسية، ونفدت أجهزة قياس الحرارة من الصيدليات، وتراجعت إمدادات «باراسيتامول»، المسكّن شائع الاستخدام، على نحو خطير لدرجة أجبرت السلطات على فرض قيود على بيعه.
وكان آخر مصنع أوروبي ينتج هذا العقار في فرنسا، قرب مدينة ليون، لكنه أغلق أبوابه عام 2008، تبعاً لما ذكرته الأكاديمية الوطنية الفرنسية للصيدلة. وتحذر الأكاديمية من جانبها منذ فترة طويلة من اعتماد فرنسا المتنامي على شركات إنتاج أدوية أجنبية، مشيرة إلى أن ما بين 60 في المائة إلى 80 في المائة من المكونات الدوائية الفاعلة داخل أوروبا مستوردة من الخارج، مقارنة بـ20 في المائة فقط منذ ثلاثة عقود.
في هذا السياق، قالت ماري كريستين بيليفي، عضو الأكاديمية: «لم تبذل الحكومة أية جهود لوقف هذا الأمر».
وفي الواقع، جرى إطلاق تحذيرات لسنوات. ففي أعقاب تفشي وباء «سارس» في آسيا عام 2003، حلل مسؤولون فرنسيون المخاطر التي تواجهها البلاد عبر سلسلة من التقارير وبنوا مخزوناً وطنياً من أقنعة حماية الوجه ومعدات حمائية أخرى صنّعها موردون محليون، بما يتوافق مع التقليد المتوارث من عهد شارل ديغول القائم على الحفاظ على صناعة دفاعية محلية قوية تصدر أيضاً طائرات «رافال» مقاتلة وغواصات وكاسحات ألغام وفرقاطات إلى العالم.
وفي عام 2006، أوصت خطة حكومية لمواجهة الأوبئة بسلسلة من الإجراءات، منها بناء مخزونات من الأقنعة الواقية. وبعد عام، وقع وزير الصحة الفرنسي على عقد لمدة خمس سنوات لشراء 180 مليون قناع سنوياً، كان من المقرر أن تنتجها شركة «باكو دالوز»، أكبر مصنع للأقنعة في فرنسا آنذاك، داخل مصنع في بلينتل، على بعد 280 ميلاً من باريس. وتكشف تفاصيل العقد، الذي حصلت «ذي نيويورك تايمز» على نسخة منه عن التفكير الاستراتيجي للحكومة آنذاك. وأشار العقد إلى أن الاستعانة بمورد محلي سيعين فرنسا على تجنب «الاعتماد حصرياً على الواردات التي قد تتعرض لتعطيل حال تفشي وباء».
ونص العقد على تجديد الحكومة لمخزوناتها من الأقنعة، مع وصول المخزونات الأقدم لتاريخ انتهاء صلاحيتها، وحال تفشي وباء بمقدور الحكومة الاستحواذ على إنتاج المصنع.
من جانبه، قال جان جاك فوان، المدير السابق للمصنع، إن الحكومة أمرت بـ«احتكار كامل إنتاج مصنع بلينتل». وبحلول عام 2008، أصدرت الحكومة تقريراً يشير للمرة الأولى إلى الأوبئة باعتبارها تهديدا وطنيا محتملا، ووضعها في المرتبة الرابعة بعد الإرهاب والحروب السيبرانية والهجوم بصواريخ بالستية. وحذر التقرير من أنه: «في غضون 15 عاماً، يبدو تفشي الوباء أمراً ممكن الحدوث». وأضاف أن الوباء قد يكون فتاكاً ومعدياً بدرجة هائلة، وقد ينتشر في شكل موجات تمتد لأسابيع أو شهور.
ومع ذلك، سرعان ما شرع سياسيون في انتقاد سياسات تخزين أقنعة للوجه والأدوية باعتبارها إهداراً للأموال. وبعد إنفاق حوالي 383 مليون يورو عام 2009 على شراء 44 مليون جرعة مصل ضد إنفلونزا «إتش1 إن1»، اشتعلت فضيحة سياسية بعدما جرى تطعيم أقل عن 9 في المائة فقط من أبناء الشعب الفرنسي.
* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

دراسة: فيروسات «كورونا» في الخفافيش تطور طرقاً جديدة لإصابة البشر

صحتك فيروسات «كورونا» التي تحملها الخفافيش تطور طرقاً جديدة لإصابة البشر (رويترز)

دراسة: فيروسات «كورونا» في الخفافيش تطور طرقاً جديدة لإصابة البشر

كشفت دراسة حديثة أن فيروسات «كورونا» التي تحملها الخفافيش تطور طرقاً جديدة لإصابة البشر حيث أصبحت قادرة على إصابة الخلايا البشرية عبر أكثر من مسار.

«الشرق الأوسط» (نيروبي)
صحتك صورة توضيحية لفيروس «كوفيد - 19» (أرشيفية - رويترز)

باحثون: مضاد اكتئاب شائع يخفف من إجهاد «كوفيد» طويل الأمد

عقار فلوفوكسامين المضاد للاكتئاب، وهو عقار شائع الاستخدام وغير مكلف، حسن على نحو ملحوظ نوعية الحياة لدى البالغين المصابين «بكوفيد طويل الأمد».

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ سُجّل نحو 840 ألف وفاة بكورونا في شهادات الوفاة خلال عامي 2020 و2021... لكن فريقاً من الباحثين قدّر أن ما يصل إلى 155 ألف وفاة إضافية غير معترف بها ربما حدثت خلال تلك الفترة خارج المستشفيات (رويترز)

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

أظهرت دراسة جديدة أن حصيلة الوفيات في المراحل الأولى من جائحة كورونا كانت أعلى بكثير من الأرقام الرسمية في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك مكملات فيتامين «د» تبدو واعدة في تقليل خطر الإصابة بـ«كوفيد طويل الأمد» (أرشيفية- رويترز)

دراسة: مكملات فيتامين «د» قد تساعد في تخفيف أعراض «كوفيد طويل الأمد»

تشير دراسة حديثة إلى أن مكملات فيتامين «د» قد توفر مؤشرات جديدة تساعد الباحثين على فهم الأعراض التي تستمر لدى بعض المصابين بعد التعافي من «كوفيد-19».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم عاملون مختبريون يفحصون عينات فيروس «كوفيد» ميدانياً

دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى

الفيروسات تتطور بشكل عادي لدى الحيوانات، إلا أنها تتطور بشكل جذري عند إصابتها الإنسان.

كارل زيمر (نيويورك)

«البنتاغون» تبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
TT

«البنتاغون» تبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)

‌قال مسؤول أميركي إن رسالة بريد إلكتروني داخلية لوزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) احتوت على خيارات أمام الولايات المتحدة لمعاقبة أعضاء في حلف شمال الأطلسي تعتقد ​أنهم لم يدعموا العمليات الأميركية في الحرب مع إيران، بما في ذلك تعليق عضوية إسبانيا في الحلف، ومراجعة موقف الولايات المتحدة بشأن مطالبة بريطانيا بجزر فوكلاند.

وذكر المسؤول، الذي اشترط عدم الكشف عن هويته للتحدث عن محتوى الرسالة، أن الخيارات السياسية مفصلة في مذكرة تصف خيبة الأمل إزاء ما يُنظر إليه على أنه تردد أو رفض من جانب بعض أعضاء الحلف لمنح الولايات المتحدة حقوق الوصول والتمركز ‌العسكري والعبور ‌الجوي في إطار حرب إيران، وفقاً لما نقلته وكالة «رويتر» للأنباء».

وأشار إلى أن ​الرسالة ‌وصفت ⁠حقوق الوصول ​والتمركز العسكري والعبور ⁠الجوي بأنها «مجرد الحد الأدنى المطلق بالنسبة لحلف شمال الأطلسي»، وأضاف أن الخيارات كانت متداولة على مستويات عالية في البنتاغون.

وذكر المسؤول أن أحد الخيارات الواردة في الرسالة يتضمن تعليق عضوية الدول «صعبة المراس» من مناصب مهمة أو مرموقة في حلف الأطلسي.

وانتقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشدة أعضاء حلف شمال الأطلسي لعدم إرسال أساطيل بحرية للمساعدة في فتح مضيق هرمز، الذي أُغلق ⁠أمام الملاحة البحرية العالمية عقب اندلاع الحرب ‌الجوية في 28 فبراير (شباط).

كما أشار ترمب ‌إلى أنه يفكر في الانسحاب من ​الحلف. وتساءل ترمب خلال مقابلة مع ‌«رويترز» في أول أبريل (نيسان) قائلاً: «ألم تكونوا لتفعلوا ذلك لو ‌كنتم مكاني؟»، رداً على سؤال حول ما إذا كان انسحاب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي مطروحاً.

وقال المسؤول إنه مع ذلك فإن رسالة البريد الإلكتروني لا تشير إلى أن الولايات المتحدة ستفعل ذلك. كما أنها لا ‌تحتوي على اقتراح لإغلاق القواعد الأميركية في أوروبا. ولكن المسؤول رفض الإفصاح عما إذا كانت الخيارات تتضمن ⁠سحب الولايات المتحدة لبعض ⁠قواتها من أوروبا، وهو ما يتوقعه الكثيرون.

ورداً على طلب للتعليق بشأن رسالة البريد الإلكتروني، قالت المتحدثة باسم البنتاغون كينجسلي ويلسون: «مثلما قال الرئيس ترمب، على الرغم من كل ما فعلته الولايات المتحدة لحلفائنا في حلف الأطلسي، فإنهم لم يقفوا إلى جانبنا».

وأضافت ويلسون: «ستضمن وزارة الدفاع أن تكون لدى الرئيس خيارات موثوقة لضمان ألا يكون حلفاؤنا مجرد نمر من ورق (قوة ظاهرية بلا تأثير حقيقي)، بل أن يقوموا بدورهم. ليس لدينا أي تعليق آخر على أي مداولات داخلية بهذا الشأن».

ويقول محللون ودبلوماسيون إن الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران أثارت تساؤلات جدية ​حول مستقبل حلف الأطلسي ​الذي تأسس منذ 76 عاماً، وأثارت قلقاً غير مسبوق من أن الولايات المتحدة قد لا تمد يد العون لحلفائها الأوروبيين إذا تعرضوا لهجوم.


بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
TT

بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)

وسط استمرار الحرب في أوكرانيا وازدياد تداخل المواقف السياسية في هذا الملف، أثارت تصريحات للأمير البريطاني هاري جدلاً، خصوصاً بعد تعليقه على دور الولايات المتحدة في النزاع. وسرعان ما جاءت ردود فعل رسمية، حيث رفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب تلك التصريحات وشكّك في صفة تمثيل هاري لبلاده.

فقد انتقد ترمب تصريحات الأمير هاري بشأن الصراع الأوكراني، مؤكداً أنه «لا يتحدث باسم المملكة المتحدة»، وذلك وفقاً لما نقلته صحيفة «إندبندنت».

وجاءت هذه التصريحات عقب خطاب حماسي ألقاه هاري خلال مشاركته في منتدى كييف الأمني يوم الخميس، دعا فيه «القيادة الأميركية» إلى «الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية»، مشدداً على أهمية الدور الأميركي المستمر في حفظ الأمن العالمي.

وفي مداخلة نادرة له حول قضايا دولية، أوضح هاري أنه لا يتحدث بصفته سياسياً، بل «جندي يُدرك معنى الخدمة»، في إشارة إلى خلفيته العسكرية.

ورداً على هذا الخطاب، الذي ألقاه الأمير خلال زيارة مفاجئة لأوكرانيا، قال ترمب للصحافيين: «أعلم أمراً واحداً، وهو أن الأمير هاري لا يتحدث باسم المملكة المتحدة، هذا أمر مؤكد. بل أعتقد أنني أتحدث باسم المملكة المتحدة أكثر منه».

وأضاف ترمب بنبرة لافتة: «لكنني أُقدّر نصيحته كثيراً».

ثم وجّه سؤالاً قال فيه: «كيف حاله؟ وكيف حال زوجته؟ أرجو إبلاغها تحياتي».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

وتأتي زيارة الأمير هاري المفاجئة، وهي الثالثة له إلى أوكرانيا منذ اندلاع الحرب عام 2022، بعد أيام قليلة من اختتام جولة قام بها في أستراليا برفقة زوجته ميغان ماركل.

وفي كلمته، شدد هاري على أن للولايات المتحدة دوراً محورياً في هذا الملف، قائلاً: «للولايات المتحدة دور فريد في هذه القضية، ليس فقط بسبب قوتها، بل لأنها كانت جزءاً من ضمان احترام سيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها عندما تخلت عن أسلحتها النووية».

وأضاف: «هذه لحظة للقيادة الأميركية، لحظة لأميركا لتُظهر قدرتها على الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية، ليس بدافع الإحسان، بل انطلاقاً من دورها الدائم في تعزيز الأمن العالمي والاستقرار الاستراتيجي».


تقرير يكشف: إزالة الألغام من مضيق هرمز قد تستغرق 6 أشهر

سفن وقوارب تظهر في مضيق هرمز (رويترز)
سفن وقوارب تظهر في مضيق هرمز (رويترز)
TT

تقرير يكشف: إزالة الألغام من مضيق هرمز قد تستغرق 6 أشهر

سفن وقوارب تظهر في مضيق هرمز (رويترز)
سفن وقوارب تظهر في مضيق هرمز (رويترز)

في ظلِّ تصاعد التوترات العسكرية في الشرق الأوسط وتزايد المخاوف من تداعياتها على الاقتصاد العالمي، تتجه الأنظار إلى مضيق هرمز بوصفه أحد أهم الممرات الحيوية لتدفق الطاقة. وفي هذا السياق، يبرز تحذير جديد من وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) يكشف عن تحديات معقَّدة قد تطيل أمد الاضطرابات في هذا الشريان الاستراتيجي، مع ما يحمله ذلك من انعكاسات سياسية واقتصادية واسعة.

فقد أفاد تقرير نقلته صحيفة «إندبندنت» بأن عملية تطهير مضيق هرمز بالكامل من الألغام التي يُعتقد أن إيران زرعتها قد تستغرق ما يصل إلى ستة أشهر.

وذكرت صحيفة «واشنطن بوست»، نقلاً عن ثلاثة مصادر مطلعة، أن مسؤولاً في وزارة الدفاع الأميركية قدَّم هذا التقدير إلى المشرِّعين خلال جلسة مغلقة عُقدت في الكونغرس يوم الثلاثاء.

ويشير هذا التقييم إلى احتمالية استمرار التداعيات الاقتصادية لفترة طويلة، إذ يُعدّ مضيق هرمز شرياناً تجارياً حيوياً لنقل النفط عالمياً، حيث كان يمرّ عبره نحو 20 في المائة من إمدادات النفط العالمية قبل اندلاع الحرب، علماً بأنه يخضع حالياً لحالة من الحصار المتبادل بين الولايات المتحدة وإيران.

وقد انعكست هذه التطورات سريعاً على أسعار الوقود، إذ بلغ متوسط سعر البنزين في الولايات المتحدة، يوم الأربعاء، نحو 4.02 دولار للغالون، مقارنة بـ2.98 دولار قبل يومين فقط من الهجوم المفاجئ الذي شنَّته الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران.

ولا تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الاقتصادي فحسب، بل تمتد إلى المشهد السياسي الداخلي في الولايات المتحدة، حيث قد يؤثر استمرار اضطراب الملاحة في المضيق سلباً على فرص الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي المقبلة. وتشير استطلاعات الرأي إلى أن الحرب لا تحظى بتأييد غالبية الأميركيين، كما يُحمّل أكثر من نصف الناخبين الرئيس دونالد ترمب مسؤولية كبيرة عن ارتفاع أسعار البنزين.

وفي ردّه على هذه التقارير، وصف المتحدث باسم البنتاغون، شون بارنيل، ما ورد في صحيفة «واشنطن بوست» بأنه «غير دقيق»، دون تقديم تفاصيل إضافية.

في المقابل، أفاد ثلاثة مسؤولين، فضَّلوا عدم الكشف عن هوياتهم، بأن المشرّعين اطّلعوا على معلومات استخباراتية تُشير إلى أن إيران ربما زرعت أكثر من 20 لغماً بحرياً في مضيق هرمز ومحيطه. ووفقاً لهذه المعلومات، جرى نشر بعض الألغام من خلال قوارب، بينما زُرعت أخرى باستخدام تقنيات توجيه تعتمد على نظام تحديد المواقع العالمي (GPS)، الأمر الذي يزيد من صعوبة اكتشافها والتعامل معها.

ولا يزال من غير الواضح حتى الآن كيف ستتعامل القوات الأميركية مع هذه الألغام، رغم أن بعض المسؤولين أشاروا إلى إمكانية استخدام الطائرات من دون طيار والمروحيات كجزء من عمليات الإزالة المحتملة.

وبحسب ما أوردته شبكة «سي إن إن»، فقد بدأت القوات الإيرانية في زرع الألغام داخل هذا الممر المائي الحيوي منذ شهر مارس (آذار)، وذلك عقب اندلاع الحرب التي شنَّتها الولايات المتحدة وإسرائيل.

وتشير تقديرات وكالة الاستخبارات الدفاعية إلى أن إيران تمتلك أكثر من خمسة آلاف لغم بحري، وهي ألغام قد تكون ذات فاعلية كبيرة في بيئة مضيق هرمز، نظراً لضحالة مياهه وضيق ممراته الملاحية، ما يزيد من تعقيد عمليات إزالتها ويُضاعف من المخاطر المحتملة على حركة الملاحة الدولية.