أفكار وابتكارات ستغيّر العالم

طابعات لمنازل رخيصة وثلاجات شمسية وطائرات صديقة للبيئة

منازل مطبوعة من شركة «آيكون»
منازل مطبوعة من شركة «آيكون»
TT

أفكار وابتكارات ستغيّر العالم

منازل مطبوعة من شركة «آيكون»
منازل مطبوعة من شركة «آيكون»

فيما يلي، ستتعرّفون إلى الفائزين بجائزة الأفكار التي ستغيّر العالم، ومنها: تصميم طابعة ثلاثية الأبعاد تبني الجدران لعمارة قليلة الكلفة ستساهم في تخفيض أسعار المنازل؛ محرّك كهربائي للطائرات يقضي على الانبعاثات خلال الرحلات ويخلّص صناعة الطيران من العبء المالي الناتج عن الوقود الباهظ؛ ثلّاجة تعمل بالطاقة الشمسية تحرّر المستخدمين الذين يعيشون في المناطق النائية من واجب رحلاتهم اليومية إلى الأسواق البعيدة وتحدث تحوّلًا في اقتصادات منازلهم.

أطعمة ومنازل واتصالات
> إطعام ونقل الفقراء. «فود ريسكيو هيرو» Food Rescue Hero (بطل الإنقاذ الغذائي). أدركت شركة «فود ريسكيو هيرو» العام الماضي أنّ منصّتها التي نجحت في نقل أكثر من 5 ملايين كيلوغرام من الطعام من الحاويات إلى الأمعاء الخاوية، يمكن أنّ يتمّ توظيفها أيضًا للمساعدة في نقل الناس. اليوم، وبالإضافة إلى توصيل طعام طازج ومغذ، ستبدأ هذه المنصّة غير الربحية والتي تتخذ من بيتسبرغ مقرًا لها، بنقل أصحاب الدّخل المحدود إلى مواعيد الطبيب والعمل وحتّى إلى مراكز التصويت.
> منازل مطبوعة بالأبعاد الثلاثية. «طابعة آيكون فولكان 2 الثلاثية الأبعاد» Icon Vulcan II 3D printer. تقدّم شركة «آيكون» طابعة جديدة ثلاثية الأبعاد قادرة على بناء جدران منزل صغير خلال 24 ساعة واختزال مدّة البناء بمقدار النصف والمساعدة في تخفيض الكلفة. في وقت سابق من هذا العام، طبعت الشركة الناشئة منزلًا بالأبعاد الثلاثة داخل حي للمشرّدين بالقرب من مدينة أوستن.
خلال العمل، ضخّت الطابعة أثناء دورانها ذهابًا وإيابًا مادّة خاصّة تصنعها «آيكون» في طبقات صناعة الجدران بدل المادّة العازلة والكسوة والتركيبة المستخدمة في المنزل التقليدي، وساهمت أيضًا في تقليل كلفة اليد العاملة. (تجدر الإشارة إلى أنّ بناء الأسس والسقف والنوافذ وغيرها من أجزاء المنزل تمّ بالطريقة التقليدية). وكشف جايسون بيارد، الرئيس التنفيذي لـ«آيكون» أنّ شركته «بدأت أيضًا بتجارب أولية لإدراج الأنظمة الميكانيكية والكهربائية والسمكرية في الطابعة». ومن مزاياها:
- تستخدم الطابعة الكميّة المحدّدة من المادّة المطلوبة، أي أنّها لا تنتج مخلّفات.
- تتميّز مادّة «لافاكريت» الزهيدة التي تصنعها «آيكون» بقدرتها على الصمود في وجه كوارث الطبيعة كالأعاصير والحرائق.
- تتمتّع هذه الآلة بالمتانة الكافية للعمل في المناطق النائية. تعمل «آيكون» اليوم على مشروع بناء أوّل حي بالطباعة الثلاثية الأبعاد في العالم في ريف المكسيك.
- تتيح الطابعة فرصة تخصيص تصميم المنازل. في أوستن، طبعت «آيكون» ثلاثة منازل في وقت واحد ولكلّ واحد منها تصميم مختلف.
> «واي - فاي للجميع» من «فياسات» Viasat... يفتقر حوالى أربعة مليارات شخص حول العالم إلى الإنترنت يتركّز معظمهم في المناطق الريفية والنائية التي ترتفع فيها كلفة بناء البنى التحتية المطلوبة للاتصالات اللاسلكية. وفي مسعى منها لتغيير هذا الوضع، تستخدم شركة «فياسات» المتخصصة بخدمات النطاق العريض في مدينة كارلسباد في كاليفورنيا، نقاط واي - فاي ساخنة متصلة بقمر صناعي.
وأطلقت الشركة العام الفائت أوّل خدمة واي - فاي مجتمعية في أكثر من 3000 موقع في المكسيك، وأتاحت لـ1.8 مليون شخص التواجد على مسافة 5 أو 10 دقائق سيرًا من أقرب نقطة ساخنة. قبل ذلك، كان هؤلاء يضطرون إلى الاكتفاء بالاتصالات الهاتفية بسبب محدودية الخدمات الخلويّة رغم أنّهم يملكون هواتف ذكية حديثة. تبيع «فياسات» هذه الخدمة للمستهلكين بـ50 سنتًا لكلّ ساعة من خدمة النطاق العريض، وتتيح لهم التواصل مع الأقارب عبر تطبيق «سكايب» والتحقّق من أحوال الطقس أو القيام بواجباتهم المنزلية.

علاج قلب المواليد
> علاج قلوب الخدّج (المولودين الجدد). يعتبر جهاز «أمبلاتزر بيكّولو أوكلودر» Amplatzer Piccolo Occluder حلًا عظيمًا لمرضى صغار جدًا، حيث إنه يُستخدم لعلاج المواليد الخدّج (المبتسرين) الذين يعانون من عيب خلقي في القلب يُعرف بـ«القناة الشريانية السالكة» patent ductus arteriosus (PDA) يصيب حوالي 12000 مولود في الولايات المتحدة سنويًا. (عيب خلقي يصيب القلب عند بعض المواليد حيث تظل القناة الشريانية التي تربط بين الشريان الرئوي والشريان الأبهر مفتوحة ولا تغلق تلقائيا).
قبل الولادة، تحتوي قلوب جميع الأطفال على ثقب يسمح للدمّ بتجاوز الرئتين (اللتين لا تُستخدمان أثناء وجود الطفل في الرحم). وفي الوضع الطبيعي، يُقفل هذا الثقب فورًا بعد الولادة. ولكن في حالة تشوّه القناة الشريانية السالكة، يبقى الثقب مفتوحًا، فيعاني الأطفال الذين ولدوا مبكرًا من صعوبة في التنفس، ويواجهون أحيانًا خطر الوفاة. ويعتمد العلاج التقليدي لهذه الحالة على وضع الأطفال الذين ولدوا بوزن أقلّ من كيلوغرام واحد على أجهزة التنفس الصناعي على أمل أن يقفل الثقب وحده، ويمكن إخضاعهم لعلمية جراحية خطرة في بعض الحالات.
يقدّم «بيكّولو» الجديد والذي حاز على تصريح إدارة الغذاء والدواء الأميركية خيارًا آخر يتمثّل بجهاز صغير بحجم حبّة البازلّاء، يصل إلى القلب بواسطة قسطرة تدخل عبر شريان في رجل الطفل. وبعد وصوله إلى القلب، يبتكر الـ«أوكلودر» حاجزًا يصحّح تدفّق الدمّ بشكل آني. وصرّح وايم ستيجنك، مدير عام قسم التسويق في شركة «آبوت» أنّ «بعضًا من الأطفال الذين عولجوا بواسطة الجهاز الجديد تمّ فصلهم عن جهاز التنفس الصناعي بعد أيّام قليلة من هذا الإجراء».
وبهذا تقفل القناة الشريانية السالكة الموجودة بين القلب والرئتين لدى المولودين الجدد العاديين بشكل طبيعي. ويضيف ستيجنك أنّ «الصعوبة تكمن في ضعف الأطفال المولودين مبكّرًا ودقّة قلوبهم التي تشبه الهلام بطراوتها». ولكن إجراء «بيكّولو» غير تدخّلي، إذ يصل «بيكّولو» إلى القلب بواسطة قسطرة تدخل من فخذ الطفل، وتتحرّك عبر أنبوب بوضعية مضغوطة، ومن ثمّ يتمدّد عندما يصل إلى مكانه الصحيح. ويساوي قلب الطفل الخديج حجم حبّة بازلاء خضراء كبيرة. ولأنّ «بيكّولو» مصنوع يدويًا من مادّة «معدنية مرنة» فهو يشبه حبّة البازلّاء الخضراء حجمًا.

ثلاجة «شمسية» وطائرات كهربائية
> ثلّاجة تعمل بالطاقة الشمسية. وهي ثلّاجة «يومّا» العاملة بالطاقة الشمسية Youmma Solar Fridge. يعيش أكثر من نصف مليار شخص في أفريقيا دون كهرباء الأمر الذي يحول دون استخدامهم لثلاجة عادية. ولكنّ علامة تجارية تحمل اسم «يومّا» أطلقت ثلًاجة جديدة زهيدة تستخدم القليل من الطاقة التي يكفي لتوليدها لوحٌ شمسي واحدٌ يوضع على سطح المنزل.
ويقول أندريه مورييسين، مدير قسم المنتج في علامة «يومّا» التجارية التابعة لشركة «نيديك غلوبال أبلاينس» ومقرّها البرازيل: «أعدنا تصميم النظام بكامله لتحقيق أقصى حدّ من الفعالية والتوفير». أُطلقت الثلّاجة العاملة بالطاقة الشمسية العام الماضي في كلّ من أوغندا وكينيا، وهي اليوم تساعد العائلات التي تستخدمها في توفير ما يقارب نصف مصاريفها الأسبوعية التي كانت تنفقها على الطعام، فضلًا عن مساعدتها للنساء (اللواتي لا زلن يتحمّلن عبء الطهو وحدهنّ في معظم الدول النامية) على توفير ساعات كنّ يمضينها يوميًا في السابق في الذهاب إلى متاجر البقالة للتبضع.
> إلكترونيات قابلة للصيانة: «رايت تو ريبير» Right to Repair (الحقّ في التصليح). يتخلّص الأميركيون من أكثر من 400000 هاتف خلوي يوميًا وينتج المستهلكون في جميع أنحاء العالم أكثر من 53 مليون طنّ متري من النفايات الإلكترونية سنويًا التي تنتهي بمعظمها في مكبّات القمامة حيث تتسرّب المواد الكيميائية «الأبدية» إلى التربة والمياه. لذا تضغط حملة «رايت تو ريبير» التي تقودها مجموعات أبحاث الصالح العام، وشركة «آي فيكسيت» ومنظمة «ريبير.أورغ» على مشرّعي الولاية لتقديم قوانين لتمكين المستهلكين لتعديل أو صيانة أجهزتهم وآلاتهم (بدل التخلّص منها)، في ظلّ منع صانعي الأجهزة من تعديل المنتجات ابتداء من الهواتف الذكية إلى الجرّارات الزراعية.
طائرات كهربائية... «ماغني إكس»: في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حلّقت طائرة مائية صغيرة في أجواء مدينة فانكوفر في أوّل رحلة تجارية لطائرة كهربائية في العالم. شكّل هذا التحليق لخطوط «هاربور إير» الجويّة الخطوة الأولى نحو هدفها تشغيل أسطول من الطائرات الكهربائية التي لا تنتج انبعاثات كربونية.
وبالنسبة لـ«ماغني إكس»، MagniX الشركة الناشئة التي طورت نظام الدفع الكهربائي الذي يشغّل الطائرة، فقد شكّلت هذه الرحلة نقطة تحوّل، فقد واظبت الشركة خلال عقد ونيّف على الترويج لنظرية تقول إنّ كلّ رحلة بمسافة أقلّ من 1000 ميل يمكن تشغيلها بالطاقة الكهربائية وبصفر انبعاثات. وتشير التوقعات إلى أنّ الانبعاثات الكربونية ستتضاعف ثلاث مرّات بحلول عام 2050 وستستهلك ما يقارب ربع ميزانية العالم المتبقية من الكربون. وربما تكون الطائرات الكهربائية المتوفرة حالياً صغيرة في الحجم، ولكنّها قادرة على العمل في آلاف المطارات الإقليمية.
- «فاست كومباني»
خدمات «تريبيون ميديا»



مخاطر المسؤولية والقرار الطبي في أنظمة الذكاء الاصطناعي الطبية

حين يتكلم النظام ويصمت الطبيب
حين يتكلم النظام ويصمت الطبيب
TT

مخاطر المسؤولية والقرار الطبي في أنظمة الذكاء الاصطناعي الطبية

حين يتكلم النظام ويصمت الطبيب
حين يتكلم النظام ويصمت الطبيب

في غرفة الطوارئ الحديثة، قد يسبق الذكاء الاصطناعي الطبيب أحياناً إلى قراءة الأشعة أو تقدير خطر التدهور السريري خلال ثوانٍ. ومع ذلك، يبقى السؤال الأول الذي يحمله المريض - بصمت - أبسط بكثير من كل الحسابات الخوارزمية: هل رآني أحد فعلاً؟

هذه المفارقة تختصر التحول الذي يعيشه الطب اليوم. فالأنظمة الذكية قد تبلغ دقة تنبؤية غير مسبوقة، لكنها لا تدرك السياق الإنساني الذي يمنح القرار الطبي معناه الأخلاقي... قد يكون القرار صحيحاً إحصائياً، لكنه يبدو بارداً إنسانياً، لأن الطريق الذي أوصل إليه لم يُصمَّم أصلاً لاحتواء هشاشة الإنسان لحظة المرض.

ولهذا لم يعد السؤال المطروح في الطب المعاصر هو مدى ذكاء الخوارزمية، بل كيف صُمِّم النظام الذي يسمح لها بالمشاركة في القرار السريري.

هندسة القرار

وهم «الضمير الاصطناعي»

يتكرر في النقاش العام سؤال جذاب إعلامياً: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يمتلك ضميراً؟ لكن السؤال - رغم انتشاره - يقود النقاش في الاتجاه الخطأ. فالآلة لا تحمل نية، ولا تشعر بالندم، ولا تختبر التردد الأخلاقي الذي يسبق القرار الطبي الصعب... إنها نظام رياضي يحسّن احتمالات ويتعلم أنماطاً ضمن أهداف يحددها البشر مسبقاً.

الضمير ليس خاصية برمجية يمكن إضافتها عبر تحديثٍ تقني، بل تجربة إنسانية مرتبطة بالمسؤولية وتحمل العواقب. ومنذ أبقراط وابن سينا، لم يكن الطب مجرد حساب احتمالات، بل علاقة أخلاقية يتحمل فيها الطبيب تبعات قراره أمام إنسان حي، لا أمام نموذج بيانات.

حين يصبح الخطأ غير مرئي

المشكلة الحقيقية في الذكاء الاصطناعي الطبي لا تظهر عندما يخطئ النظام، بل عندما لا نعرف أنه بدأ يخطئ.

وفي دراسة حديثة نُشرت مطلع عام 2026 في مجلة الطبيعة للطب الرقمي (Nature Medicine)، قادها الباحث الدكتور مارشال تشينغ (Marshall Chin) من كلية الطب في جامعة شيكاغو بالولايات المتحدة، حذّر الباحثون من ظاهرة تُعرف بـ«انجراف النماذج السريرية» (Model Drift)، حيث تتراجع دقة أنظمة الذكاء الاصطناعي تدريجياً مع تغيّر خصائص المرضى أو البيئات الصحية دون أن يلاحظ الأطباء ذلك فوراً.

وأظهرت الدراسة أن الأنظمة قد تستمر في إعطاء توصيات تبدو موثوقة، رغم أن الواقع السريري الذي دُرّبت عليه لم يعد موجوداً بالكامل. وهنا يتحول الخطأ من حادثة واضحة إلى انحراف صامت داخل منظومة القرار.

الخطر إذن ليس في فشل الخوارزمية، بل في نجاحها الظاهري أثناء فقدانها الدقة الفعلية.

القيم الخفية داخل الأنظمة الذكية

وفي تحليل نُشر عام 2026 في مجلة الذكاء الاصطناعي لمجلة (نيو إنغلاند) الطبية (NEJM AI)، ناقش باحثون بقيادة الدكتورة سوتشي سريا (Suchi Saria) من جامعة جونز هوبكنز كيف تحمل أدوات الذكاء الاصطناعي السريرية ما أسموه «القيم الضمنية المدمجة» فالخوارزمية لا تتنبأ فقط، بل تعكس أولويات جرى اختيارها مسبقاً أثناء التصميم:

- هل الهدف تقليل مدة بقاء المريض في المستشفى؟

- أم خفض التكلفة التشغيلية؟

- أم تقليل المخاطر القانونية على المؤسسة؟

هذه القرارات لا تظهر للطبيب أو المريض، لكنها تحدد اتجاه القرار الطبي بصمت. وعندما تُزرع القيم داخل النظام دون شفافية، تتحول التقنية إلى سياسة علاجية غير معلنة.

من تحسين الأداء إلى هندسة الحدود

لهذا السبب، لم يعد السؤال العلمي اليوم كيف نجعل الذكاء الاصطناعي أكثر دقة فحسب، بل كيف نجعله أكثر أماناً حين يفشل. ويدعو الاتجاه البحثي الأحدث في 2026 إلى تصميم أنظمة قادرة على الاعتراف بحدودها، بحيث يستطيع النظام أن يقول: لا أعلم عندما يرتفع مستوى عدم اليقين.

ويشمل ذلك:

- مراقبة الأداء بمرور الزمن لا عند الإطلاق فقط.

- جعل التوصيات قابلة للتفسير السريري.

- وإبقاء القرار النهائي ضمن مسؤولية بشرية واضحة.

فالذكاء الاصطناعي قد يتفوق في سرعة الحساب، لكنه لا يقف أمام المريض لتحمل نتائج القرار.

الطب داخل المعادلة

الإنسان في مركز المعادلة

دخل الذكاء الاصطناعي الطب بالفعل، ولم يعد النقاش يدور حول ما إذا كان ينبغي استخدامه، بل حول الشروط التي يجب أن يُستخدم ضمنها. فإذا صُمِّمت الأنظمة الصحية حول الكفاءة وحدها، فإنها تميل تدريجياً إلى اختصار الإنسان في رقم. وإذا بُنيت حول خفض التكلفة فقط، فقد يُعاد تعريف المريض كأنه مؤشر اقتصادي داخل منظومة تشغيلية واسعة. أما عندما يُصمَّم الذكاء الاصطناعي لحماية الحكم السريري البشري، فإنه يتحول إلى أداة تعزز الطبيب بدل أن تستبدل دوره الأخلاقي.

التحول الحقيقي إذن لا يحدث داخل الخوارزمية، بل في الفلسفة التي تحكم تصميمها. فالطب لم يكن يوماً سباقاً نحو القرار الأسرع، بل نحو القرار الأكثر مسؤولية.

* الطب لم يكن يوماً سباقاً نحو القرار الأسرع بل نحو القرار الأكثر مسؤولية*

التصميم الأخلاقي... الطب في عصر الخوارزميات

تشير الاتجاهات البحثية الحديثة في حوكمة الذكاء الاصطناعي الطبي خلال عام 2026 إلى مفهوم يُعرف بـ«التصميم الأخلاقي المسبق» (Ethics-by-Design)، وهو توجه تعمل عليه فرق بحثية في معهد الإنترنت بجامعة أكسفورد بقيادة الباحث البروفسور لوتشيانو فلوريدي (Luciano Floridi)، حيث تُدمج مبادئ المساءلة والشفافية وحدود القرار منذ مرحلة بناء النظام، لا بعد وقوع الخطأ. والفكرة بسيطة لكنها عميقة: الأخلاق لا تُضاف بعد التشغيل، بل تُبنى داخل (architecture) هندسة القرار نفسه.

وعندما يصبح النظام قادراً على كشف عدم اليقين، وتنبيه الطبيب إلى حدوده، وإبقاء الإنسان داخل دائرة المسؤولية، فإن الذكاء الاصطناعي لا يقلل إنسانية الطب - بل يحميها.

السؤال الذي سيحدد مستقبل الطب

لم يعد الذكاء الاصطناعي احتمالاً مستقبلياً في الممارسة الطبية، بل أصبح جزءاً من البنية اليومية لاتخاذ القرار السريري. والسؤال الحقيقي لم يعد ما إذا كانت الآلة قادرة على التفكير، بل ما إذا كنا قد صممنا الأنظمة التي تستخدمها بطريقة تحمي المعنى الإنساني للطب.

فالذكاء الاصطناعي لا يحتاج إلى ضمير، لأنه لا يعيش عواقب قراراته، ولا يقف أمام المريض حين تسوء النتائج. ما يحتاج إليه حقاً هو تصميمٌ يضع حدوداً واضحة بين التوصية والمسؤولية، وبين الحساب والحكم السريري.

تشير تجارب الأنظمة الطبية الذكية التي يجري تطويرها عالمياً في عام 2026 إلى أن مستقبل الطب لن يتحدد بمدى تطور الخوارزميات، بل بقدرتنا على إبقاء الإنسان داخل دائرة القرار، لا على هامشها.

ولهذا قد لا يكون السؤال الأهم في السنوات المقبلة: كم أصبح النظام ذكياً؟بل السؤال أبسط من ذلك... وأكثر جوهرية: هل أصبح الطب أكثر إنسانية بحكم التصميم؟


التحرير الجيني يمنح أملاً في علاج نهائي لارتفاع الكوليسترول

التحرير الجيني يمنح أملاً في علاج نهائي لارتفاع الكوليسترول
TT

التحرير الجيني يمنح أملاً في علاج نهائي لارتفاع الكوليسترول

التحرير الجيني يمنح أملاً في علاج نهائي لارتفاع الكوليسترول

في تطور علمي واعد يستكشف العلماء طريقة جديدة وجريئة لمحاربة أمراض القلب، تعتمد على تقنية تحرير الجينات التي قد تقدم يوماً ما حلاً دائماً لمشكلة ارتفاع الكوليسترول. لكن الباحثين يشددون على أن هذا النهج لا يزال في مراحله المبكرة، ويفصله سنوات عن الاستخدام الواسع، وأن على المرضى الاستمرار في تناول أدويتهم الموصوفة حالياً.

«كريسبر» لتعديل خلايا الكبد

تعتمد التجارب على تقنية «كريسبر» (CRISPR) الشهيرة التي تعدل الحمض النووي «دي إن إيه» في خلايا الكبد لخفض مستويات كوليسترول البروتين الدهني منخفض الكثافة الضار(LDL). ويعتبر هذا النوع من الكوليسترول المسؤول عن تراكم اللويحات في الشرايين، ما يؤدي إلى النوبات القلبية، والسكتات الدماغية.

وأصدرت شركتان هما «كريسبر ثيرابيوتكس» CRISPR Therapeutics و«فيرف ثيرابيوتكس» Verve Therapeutics دراستين صغيرتين تشيران إلى أن هذا النهج يمكن أن يقلل مستويات الكوليسترول بشكل كبير بجرعة واحدة فقط.

كيف تؤثر الجينات على الكوليسترول؟

يحتاج الجسم إلى كمية معينة من الكوليسترول، لكن الكمية الزائدة منه ضارة. ورغم أن النظام الغذائي يلعب دوراً، فإن الكبد هو المصدر الأساسي لإنتاج الكوليسترول. وتلعب الجينات دوراً حاسماً في تحديد مدى كفاءة الجسم في التعامل معه.

طفرات جينية نادرة لـ«المحظوظين»

ووجد الباحثون أن بعض الأشخاص المحظوظين يحملون طفرات جينية نادرة تعطل جينات معينة، ما يمنحهم مستويات منخفضة للغاية من الكوليسترول، ومناعة شبه كاملة ضد أمراض القلب. فعلى سبيل المثال، الأشخاص الذين لديهم طفرات تعطل جين ANGPTL3، أو جين PCSK9 لديهم مستويات منخفضة جداً من الكوليسترول الضار، والدهون الثلاثية. وقد ألهمت هذه التجارب الطبيعية العلماء محاولة تكرار هذا التأثير الوقائي باستخدام تقنية «كريسبر».

التجارب الأولية: نتائج واعدة

في دراسة «كريسبر ثيرابيوتكس» تلقى 15 بالغاً يعانون من مخاطر شديدة لارتفاع الكوليسترول حقنة واحدة تحتوي على أدوات التحرير الجيني التي تستهدف الكبد لتعطيل جين ANGPTL3. وفي غضون أسبوعين شهد المشاركون الذين تلقوا أعلى جرعة انخفاضاً في مستويات الكوليسترول الضار، والدهون الثلاثية إلى النصف.

وبالمثل أعلنت شركة «فيرف ثيرابيوتكس» أن التحرير الذي استهدف جين PCSK9 أنتج تخفيضات مماثلة في الكوليسترول الضار.

تحذير الخبراء

وكانت النتائج واعدة، لكن الخبراء يحذرون من أن تحرير الجينات لا يزال في مراحله المبكرة جداً. وقال الدكتور لوك لافين طبيب القلب الوقائي في كليفلاند كلينك في الولايات المتحدة إنه بعد مشاركته في تأليف دراسة واعدة نُشرت في مجلة نيوإنغلاند الطبية «the New England Journal of Medicine». في 5 فبراير (شباط) 2026 يريد الناس حلاً جذرياً لا مجرد حل مؤقت. وأضاف أنه بعد نشر الدراسة تلقى سيلاً من الاستفسارات من مرضى يأملون في المشاركة في التجارب المستقبلية، مما يعكس الرغبة الشديدة في التخلص من عبء تناول الأدوية اليومية.

جوانب السلامة وتغييرات غير مرغوب فيها في الجينوم

في حين أن الأفراد الذين لديهم هذه الجينات معطلة بشكل طبيعي لا تظهر عليهم آثار ضارة، يؤكد الخبراء على ضرورة إجراء المزيد من الأبحاث للإجابة عن أسئلة السلامة الحرجة.

وأشار الدكتور جوزيف وو من جامعة ستانفورد، الذي لم يشارك في الدراسة، إلى أن الجسيمات المستخدمة لنقل أدوات «كريسبر» يمكن أن تهيج الكبد. كما أن التأثيرات طويلة المدى لا تزال غير معروفة، ولا يوجد تأكيد كافٍ على أن التحرير الجيني يصيب الهدف المقصود بدقة دون التسبب في تغييرات غير مرغوب فيها في أماكن أخرى من الجينوم.

من جانبه قال الدكتور كيران موسونورو من جامعة بنسلفانيا المؤسس المشارك لشركة «فيرف» إن بعض المشاركين في دراسة سابقة للشركة تمت متابعتهم لمدة عامين مع استمرار انخفاض الكوليسترول لديهم. وفي الفئران أثبتت الدراسات أن هذه التعديلات استمرت مدى الحياة. ومع ذلك فإن هذه البيانات الأولية لا تغني عن الحاجة إلى دراسات أكبر تمتد لسنوات عديدة على البشر.

خطوات لصحة القلب

في الوقت الحالي تؤكد جمعية القلب الأميركية على أهمية الالتزام بالاستراتيجيات المثبتة لصحة القلب والوقاية من الأمراض:

*النظام الغذائي: تناول طعام صحي غني بالفواكه، والخضراوات، والحبوب الكاملة، والدهون الصحية.

*النشاط البدني: ممارسة الرياضة بانتظام، لتعزيز الكوليسترول الجيد (HDL).

*الوزن والنوم: الحفاظ على وزن صحي، والحصول على قسط كافٍ من النوم.

*الفحوصات: التحكم في ضغط الدم، وسكر الدم، وتجنب التدخين.

وبخصوص الكوليسترول تحديداً يجب على البالغين الأصحاء استهداف مستوى كوليسترول ضار (LDL) أقل من 100 ملغم/ديسيلتر. أما الذين يعانون من أمراض القلب، أو ارتفاع الكوليسترول فيجب أن يستهدفوا مستوى 70 ملغم/ديسيلتر أو أقل.

تناول الأدوية

وتظل أدوية الستاتين مثل «ليبيتور» Lipitor و«كريستور» Crestor، أو بدائلها العامة الرخيصة، الخيار الأول الفعّال والآمن لخفض الكوليسترول. كما تتوفر أدوية إضافية للحالات التي لا تستجيب بشكل كافٍ للستاتين، أو لمن لا يستطيعون تحملها.

وتستهدف دراسات التحرير الجيني في الوقت الراهن المرضى الأكثر عرضة للخطر، والذين فشلت معهم العلاجات التقليدية.

وإلى أن تثبت الأبحاث الجديدة فعاليتها وسلامتها على المدى الطويل، يحث الأطباء المرضى على عدم التخلي عن العلاجات الحالية المتوفرة. يخلص الدكتور لافين إلى القول: «هذا علم مثير، لكن في الوقت الحالي تناول دواءك».


علماء يكتشفون بكتيريا عمرها 5 آلاف عام مقاومة لمضادات حيوية حديثة

عُثر على البكتيريا في كهف الجليد سكاريسوارا برومانيا (أرشيفية - رويترز)
عُثر على البكتيريا في كهف الجليد سكاريسوارا برومانيا (أرشيفية - رويترز)
TT

علماء يكتشفون بكتيريا عمرها 5 آلاف عام مقاومة لمضادات حيوية حديثة

عُثر على البكتيريا في كهف الجليد سكاريسوارا برومانيا (أرشيفية - رويترز)
عُثر على البكتيريا في كهف الجليد سكاريسوارا برومانيا (أرشيفية - رويترز)

اكتشف علماء أن بكتيريا احتُجزت داخل كهف جليدي لمدة خمسة آلاف عام تُظهر مقاومة لعدة مضادات حيوية حديثة.

ووفق تقرير نشرته شبكة «فوكس نيوز»، عُثر على هذه البكتيريا في كهف الجليد سكاريسوارا في رومانيا، حيث حفر الباحثون لبّاً جليدياً بعمق 25 متراً يمثل نحو 13 ألف عام من التاريخ المتجمّد.

ونُشرت نتائج البحث في مجلة «Frontiers in Microbiology».

ولمنع التلوّث، حُفِظت عينات الجليد بعناية ونُقلت إلى المختبر، وهي لا تزال متجمّدة. ومن داخل الجليد، عزل العلماء سلالة من البكتيريا تُعرف باسم «Psychrobacter SC65A.3».

وعلى الرغم من أن عمر هذه السلالة يعود إلى آلاف السنين، فقد تبيّن أنها تقاوم عشرة مضادات حيوية تُستخدم على نطاق واسع اليوم لعلاج العدوى الخطيرة.

وشملت هذه الأدوية، حسب الدراسة، ريفامبيسين وفانكوميسين وسيبروفلوكساسين.

وقالت كريستينا بوركاريا، كبيرة العلماء في معهد الأحياء في بوخارست التابع للأكاديمية الرومانية، في بيان صحافي: «المضادات الحيوية العشرة التي رصدنا مقاومة لها تُستخدم على نطاق واسع في العلاجات الفموية والحقنية لمعالجة مجموعة من الالتهابات البكتيرية الخطيرة في الممارسة السريرية».

اختبر الباحثون السلالة القديمة في مواجهة 28 مضاداً حيوياً تنتمي إلى 10 فئات دوائية، وحددوا أكثر من 100 جين مرتبط بمقاومة المضادات الحيوية.

وأضافت بوركاريا: «دراسة ميكروبات مثل Psychrobacter SC65A.3 المستخرجة من ترسّبات كهوف جليدية عمرها آلاف السنين تكشف كيف تطوّرت مقاومة المضادات الحيوية طبيعياً في البيئة، قبل وقت طويل من استخدام المضادات الحيوية الحديثة».

وأشار الباحثون إلى أن النتائج تشير إلى أن مقاومة المضادات الحيوية كانت موجودة في الطبيعة قبل زمن طويل من تطوير الأدوية الحديثة.

كما أظهرت السلالة مقاومة لأدوية تشمل تريميثوبريم وكليندامايسين وميترونيدازول، وهي تُستخدم لعلاج التهابات الرئتين والمسالك البولية والجلد والجهاز التناسلي.

قيود الدراسة

لفت الباحثون إلى أن الدراسة فحصت سلالة بكتيرية واحدة فقط من عينة واحدة في كهف واحد، ولا يوجد دليل على أن هذا الميكروب القديم يُصيب البشر حالياً أو ينتشر بينهم.

كما لفت خبراء إلى أن «Psychrobacter» بكتيريا بيئية لا تملك «حدود مقاومة» سريرية للمضادات الحيوية، وهي أرقام فاصلة واضحة يستخدمها الأطباء لتحديد ما إذا كانت البكتيريا تُعد رسمياً مقاومة لمضاد حيوي معين.

ولأن هذه البكتيريا البيئية لا توجد لها معايير اختبار سريرية معتمدة، فلا يمكن تفسير مقاومتها المقاسة في المختبر بالطريقة نفسها التي يصنّف بها الأطباء الجراثيم الخطيرة المقاومة للمضادات في المستشفيات.