«سبعة أيام حُب»... رواية أحوازية تجمع بين الاستذكارات والسيرة الذاتية

تتخذ من انتفاضة 2005 الإيرانية خلفية للأحداث

«سبعة أيام حُب»... رواية أحوازية تجمع بين الاستذكارات والسيرة الذاتية
TT

«سبعة أيام حُب»... رواية أحوازية تجمع بين الاستذكارات والسيرة الذاتية

«سبعة أيام حُب»... رواية أحوازية تجمع بين الاستذكارات والسيرة الذاتية

يمزج الروائي الأحوازي محمد عامر، في روايته الثالثة «سبعة أيام حُب»، الصادرة عن دار «أروقة» في القاهرة، بين الاستذكارات والرواية المُحاذية للنص السيري التي تستمد موضوعها ومادتها الأساسية من الشخصيتين المركزيتين اللتين تناصفتا البطولة، وهما الراوي الأحوازي وسُعاد المغربية، وكلاهما يروي بضمير المتكلم الذي يتوافق كُلياً مع السيرة الذاتية التي تفحص الأنا الساردة، وتنتهك أسرارها المخبّأة، وتحاول قدر الإمكان أن تُتيح للقارئ رؤية الأوجه المتعددة لهرم كل شخصية رئيسية على انفراد.
ينفرد الهيكل المعماري لهذه الرواية ببنية زمانية متميّزة لا تتجاوز السبعة أيام، لكنها تنفتح على الماضي بتقنية استرجاعية، لتصوِّر لنا اختطاف الشيخ خزعل الكعبي عام 1925 بتواطؤ بريطاني مع رضا خان ثم اغتياله لاحقاً في طهران. كما تتخذ الرواية من انتفاضة 15 أبريل (نيسان) 2005 خلفية للأحداث التي شارك فيها الراوي مع ثُلّة من أصدقائه ومعارفه المناوئين للاحتلال الفارسي، ويمتلكون خبرة في التعاطي مع المحققين الإيرانيين الذي لا يدّخرون وسعاً لانتزاع الاعترافات من ضحاياهم بالترغيب والترهيب. وبالمقابل تقودنا شخصية سُعاد إلى طفولتها وحياتها في طنجة قبل ثلاثة عقود من الوقت الحاضر، ونتعرّف على خلفيتها الاجتماعية والثقافية وهجرتها مع أخيها الأكبر عبد الغني إلى إيطاليا، وما صادفته من مِحن كثيرة أوشكت أن تُودي بها إلى الانتحار لولا محاسن الصُدف التي أعادت إليها رُشدها.
يدخل الهاتف المحمول، ورسائله النصيّة، وصوره كوسيلة من وسائل التواصل الاجتماعي التي جمعت بين الراوي وصديقته سُعاد، وأحبّا بعضهما بعضاً من دون أن يلتقيا وجهاً لوجه. تتطوّر هذه القصة العاطفية إلى انجذاب روحي يفضي بهما إلى الزواج في اليوم الأول من وصوله إلى مدينة كيوزي كيانشانو الإيطالية.
ينجح محمد عامر في خلق موازٍ موضوعي للحُب بواسطة تقنية الاستذكارات التي تُعيده إلى سنوات السجن بسبب مشاركته في التحريض على الانتفاضة والمساهمة فيها، وهذا الانتقال السلس من فضاء الحُب إلى أجواء التمرّد يؤكد على قدرة الكاتب في إدارة النسق السردي للرواية من دون أن يشعر القارئ بأي فجوة تعيق تدفّق الأحداث بشقّيها الرومانسي والفجائعي. وبَغية توسيع الأحداث وتشظيتها، يلجأ الروائي إلى رصد قصص ثانوية تعزّز موضوعة الانتفاضة مثل قصة الأم التي تحاول إنقاذ ابنها من أيدي العناصر الأمنية الذين دهموا حي الملاشيّة في الأحواز، أو قصة محمد علي الذي اعتقل وحُكم عليه بالإعدام بسبب نشاطاته الثقافية المناهضة للاحتلال الفارسي. كما تلعب القصص الجانبية المنبثقة عن شخصية سُعاد دوراً كبيراً في توسعة النص السردي الذي تُهيمن على فصوله السبعة شخصيتا العاشق والمعشوقة.
يحتل السجن مساحة كبيرة من الفصل الثاني على الرغم من أنّ بدايته تتمحور على سفر الزوجين إلى مدينة فالنسيا الإسبانية للاستمتاع بالبحر الذي تحبه سُعاد على وجه التحديد. وثمة قصة جانبية شديدة الأهمية وهي قصة «تقي» الذي تعرّض للقصف بالأسلحة الكيمياوية في أثناء الحرب العراقية - الإيرانية، فتشوهت ملامح وجهه وتحوّل إلى شخص عنصري بغيض يكره العرب وكل ما يمتّ لهم بصلة. فلا غرابة أن يعذِّب المعتقل عبد الله بطريقة خارجة عن المألوف، الأمر الذي يدفع السجين لأن يسحبه داخل الزنزانة، ويشبعه ضرباً مبرحاً، لكنهم يصعقون عبد الله ويخرجونه إلى المجهول.
لا ينطوي الفصل الثالث على قصص جانبية كثيرة، لكنه يكشف من خلال قصة واحدة عن مسعى محمد عامر لتوظيف الأساطير الشعبية، فسلوى التي ماتت غرقاً في النهر من دون أن ينقذها أحد قِيل عنها بأنها تزوجت من «عِبيد الماء»، وهو نوع من جن البحر وفقاً للأساطير المحلية.
يمجِّد الفصل الرابع دور المرأة الأحوازية في مقاومة العدو بطريقتها الخاصة، فأم جندل هي التي أوهمت جنود الاحتلال وحرفت انتباههم حينما أشاعت قصة المصوغات الذهبية التي عثرت عليها في منطقة «الملاقط»، التي ذهبت إليها للبحث عن واحدة من أغنامها الضائعة. وحينما تقدم الرتل العسكري في اليوم الثاني فوجئ الضباط بهذا العدد الكبير من النساء اللواتي يفتشن عن الذهب في المنطقة الأثرية المحاذية للوكر، الذي يختبئ فيه حاتم، فأقفلوا عائدين إلى معسكراتهم الخلفية.
تروي سُعاد حكايتها في الفصل الخامس، فنعرف عنها كل شيء تقريباً، فقد ولدت في مدينة طنجة، وتنحدر من أبوين تربطهما آصرة القرابة. تتألف الأسرة من ثمانية أبناء، أربع بنات وهن كريمة ومروة وبثينة و«سعاد»، وثلاثة ذكور وهم عبد الغني وعبد الودود وشكري، ورجل واحد وهو داود، فهي تستكثر على الأخوة الثلاثة الأوائل كلمة رجل لأنهم لا يستحقوننا من وجهة نظرها. تفككت العائلة وهي في سنّ العاشرة. لم ترتبط سُعاد بعلاقة عاطفية مع أحد رغم أنّ جارهم المهندس كان يراقبها، وثمة شاب آخر كان يلاحقها بنظراته لكنه كان خجولاً مثل المهندس. بعد تخرجها من الجامعة يقرر أخوها عبد الغني أن يسافرا إلى إيطاليا عبر البحر، وما إن يصلا إلى هناك حتى تتلقفها المحن تباعاً. فيطردها الإخوة والأخوات باستثناء داود الذي يفتح لها غرفته المتواضعة، ويستقبلها بمحبة كبيرة. تتعرض لمحاولة اغتصاب لكنها تنجو منها بأعجوبة. تحاول العثور على عمل لكنها تفتقر إلى الأوراق الرسمية، ولا تجيد اللغة الإيطالية. يقدّمها مؤمن، وهو قريب مغربي، إلى عربي، صاحب مزرعة، يدعوها في اللقاء الثاني إلى فندق ويغتصبها بعد أن يدسَّ المخدِّر في كأس العصير. تتزوج من ريزو، وهو إيطالي في الخمسين من عمره لكنها تكتشف عنفه وقذارته فيذهب في اليوم التالي إلى السلطات المعنية، ويباشر بإلغاء معاملة الزواج وسحب أوراق الإقامة. تسافر إلى سويسرا بعد أن تجمع بعض النقود وتعمل نادلة في مقهى وتقفل راجعة إلى إيطاليا، لتتزوج زواجاً صورياً تشتري فيه الإقامة بسبعة آلاف يورو. ثم ترتبط بممدوح، وهو مستشار جزائري يعمل في السلك الدبلوماسي جاء إلى إيطاليا في إجازة قصيرة، ثم دعاها إلى باريس لتكتشف أنه متزوج ولديه بنت وولد، وقد أحبّته هي الأخرى، ولكنها لم ترِد أن تقوّض حياته الأسرية، فغادرت باريس من دون أن تترك له وسيلة للتواصل، خصوصاً وأنها تغيّر سكنها بين آونة وأخرى.
يسافر الراوي وزوجته في اليوم السادس إلى النورماندي، ويستقران في فندق «لا شابيلا»، ويستمتعان بكل لحظة تمرّ. وفي اليوم السابع يتواصل بينهما الحوار الشائق، فنفهم أنها تستمد الطاقة التي تجدّد روحها من الحُب الرومانسي الذي تعيشه مع زوجها، وسبق لها أن عاشته مع ممدوح الجزائري، وتوارت عنه في ظرف غامض، مع أنها لم تغادر مدينة كيانشانو. وبينما هي منغمسة في حوارها مع زوجها تذكرت أنها نسيت أدوات زينتها في المقهى، فاستأذنته، لكي تجلبها وتعود سريعاً. انتظرها ساعة، ولم تأتِ، وحينما يئس عاد إلى المقهى فلم يجد لها أثراً، ثم ذهب إلى الفندق فأخبروه بأنها لم تعد ثانية، وحينما لجأ إلى الشرطة استنتجوا أنها عادت من حيث أتت. ولما عاد إلى كيانشانو وجد سيدة إيطالية أخبرته بأنّ سُعاد قد استأجرت الشقة لمدة أسبوع، وقد انقضت تلك المدة أمس. عاد الراوي إلى لندن بعد سبعة أيام حُب، ولم يعرف كيف اختفت سُعاد، وإلى أي جهة ذهبت، ولماذا توارت عن ناظريه مثل حلم خاطف؟



طارق الطيب: تقديس الطيب صالح يضر بالأدب السوداني

طارق الطيب
طارق الطيب
TT

طارق الطيب: تقديس الطيب صالح يضر بالأدب السوداني

طارق الطيب
طارق الطيب

تكتسب التجربة الأدبية للكاتب الروائي طارق الطيب خصوصية لافتة بسبب تعدد روافدها الإنسانية والثقافية، فقد وُلد في القاهرة لأب سوداني، وفي سن 25 عاماً يمَّم شطر الغرب، وتحديداً النمسا التي يقيم بها منذ 42 عاماً.

في عام 1992، صدرت روايته الأولى «مدن بلا نخيل» ثم تعددت مؤلفاته، ومن أبرزها «الرحلة 797 المتجهة إلى فيينا»، و«أطُوف عارياً»، و«نهارات فيينا»، و«الجمل لا يقف خلف إشارة حمراء»، و«بيت النخيل»... هنا حوار معه حول روايته الجديدة وعالمه الأدبي.

* في روايتك الجديدة «رأيت ما لا يجوز لك»، يبدو أن البطل على استعداد لتحويل الشعار الثقافي القديم «قتل الأب» من حالة مجازية تشير إلى رغبة كل جيل أدبي في تجاوز من سبقوه، إلى حالة فعلية من خلال هاجس إنهاء حياة والده فعلاً... ألم تكن قاسياً في تجسيد السلطة الأبوية؟

- فكرة قتل الأب أدبياً وفلسفياً ترمز في مضمونها إلى فكرة تمرّد نابع من سلطة الأب أو جبروته، وهي أيضاً تعبير عن عِصيان للتقاليد ومخالفة للأصول والجذور المتوارثة. الأب في روايتي تلك هو رجل واهن لا حول له ولا قوة ومصاب بألزهايمر.

من يقرأ العمل بلا اجتزاء، سيتبيّن له أن العلاقة بين الابن بلال والأب تتبع مبدأ (وبالوالدين إحساناً)؛ علاقة في مُنتهى اللطف واللين والمحبّة من الابن، يُحضّر للأب ألبومات الصور القديمة ليسحبه نحو الذكريات المبهجة، ويتذكر دوماً المعاملة الحنون من أبيه له وهو طفل صغير.

فكرة ضيق الابن بـ«حالة» أبيه وبعجزه هو عن التصرف لا جحود فيها، بل هو يتمنّى أن يأتي أبوه إلى هذا البرزخ الذي يستعيد فيه كلّ شخص عافيته وشبابه.

* بدا لبعض القراء أنك تنحاز لموقف الابن وتمنحه كل المبررات في مشاعر الجحود ضد والده؟

- الجحود هو إنكار المعروف وعدم الاعتراف بالفضل، والعكس في الرواية هو الموجود.

الابن يبوح لنا بحقيقة مشاعره تجاه حالة أبيه، بلال لا يتمنّى أن يكون أبوه في هذا الوضع المُحزن، يعترف بضعف طاقته كابن. لم يَظهر منه خلال الرواية بالكامل أي لفظ يدلّ على جحوده بأبيه، بل إنّه حين يحكي نتعاطف معه بالقدر نفسه الذي نتعاطف فيه مع الأب.

* هل يمكن القول إن السلطة الأبوية هنا تشير إلى سلطة الاستبداد السياسي أو المجتمعي عموماً؟

- لا توجد سلطة أبوية في الرواية ولا صراع أجيال. الرواية تدور ببساطة حول أب مريض بمرض مُرهِق والابن يحاول التخفيف عنه بكل الطرق الممكنة، فكأنّ الأدوار تبدّلت وصار هو الأب، حيث يحاول أن يعوّضه عن تلاشي عالمه القديم من ذاكرته.

حين أصبح بلال في البرزخ مع الموتى - الأحياء، ورأى بنفسه هناك بهاء الحياة ونعيمها وأدرك أن كلّ مريض قد برأ من مرضه؛ تمنى أن يأتي أبوه إلى هذا المكان.

مَن سيتجاوز هذه النقطة المهمة ويتسرّع في القراءة سيخِلَ بفكرة النص؛ فكرة أمنية بلال في استحضار أبيه إلى مكان يبرأ فيه من ألزهايمر ويتعافى.

* لك العديد من التصريحات التي تنتقد فيها «تقديس» البعض للطيب صالح وتحويله «صنماً» وفق تعبيرك... هل يمثل لك هذا الكاتب السوداني الشهير نوعاً من «السلطة الأبوية» التي أردت أن تتمرد عليها مبكراً؟

- الكاتب الكبير الطيب صالح أكتب عنه دوماً كلّ ما يليق به كقامة عظيمة شامخة. ويبدو أيضاً أن قراءة تصريحاتي مبتورة من الأصل، فانتقادي يتعلّق بمحاولة البعض اعتبار الطيب صالح نبياً أو قديساً لن يأتي من بعده من يمكن أن يكون جديراً بالتفرّد والإبداع الجديد والمميّز.

فكرتي بوضوح التي عبَّرت عنها مراراً أن الطيّب صالح سيبقى دوماً مصدرَ إلهامٍ لكثيرٍ من الأدباء في كلّ مكان، وهذا أمر جيّد وطبيعيّ لكاتب فريد من طراز الطيّب صالح، أمّا مسألة كونه سقف الرواية السودانية؛ فهذا شأنٌ ضارٌّ تَسبّب فيه الناقد المتساهل أولاً ثمّ القارئ المتسرّع ثانياً بتحويل الأديب الكبير إلى «صنم».

هذا الأمر للأسف ليس في صالح الأدب السودانيّ برُمّته ويغلق الباب من البداية بفرضيّة: «لا أدبَ سودانياً بعد الطيّب صالح»، ولا أعرف من أين يأتون بهذا اليقين؟!

* هل تشعر أن البعض لا يزال يختصر الأدب السوداني في شخص الطيب صالح، على نحو يبخس التجارب والأجيال التالية حقها؟

- سبق أن أكدت كذلك على أنه يكاد لا يخلو أيّ نقد عن كاتب سودانيّ من الوقوف عند ناصية الطيّب صالح والبدء منها أو الانتهاء بها، وهذا يدلّ على إجْحاف في براعة وتميُّز الكتابات السودانيّة التي تسبَح في عالم آخر بعيد تماماً عن سِكَة الطيّب صالح.

معظم النقاد يتساهلون في قراءة الأدب السودانيّ الجديد ويراوغون باستيعاب كتابات الطيّب صالح ويصوغونها بإفراط كمرجعيّة لكلّ أدب سودانيّ بَعده.

* أديب سوداني مولود في القاهرة ويعيش في فيينا... هل تتكامل أم تتصارع عناصر الهوية في تكوينك؟

- الهويّة تتبدّل كل لحظة باستيعاب المزيد من اللّغات أو المعارف أو القناعات، فهي لا تمحو قديماً لتنسخ جديداً، هي حاملة متغيّرات على أصل ثابت لا يتغيّر. الهويّة كائن حيّ يعيش ويتزوّد ويتلاقح ويتجدّد ليضيف ويُثبت وجوده الأصليّ وجذره الذي لا يفنى.

هويتي مكونة من عناصر متعدّدة لا تتعارض على الإطلاق، بل تضيف إلى جذر هوّيتي الثابت. الهوية الصماء المغلقة على نفسها التي لا تقبل التلاقح والانفتاح تتجه نحو العدم وإلى عدم القدرة على الإنتاج ولا حتى التفرد.

ميلادي في القاهرة ونشأتي منحاني نِعماً كثيرة. وجود الأب السوداني منحني بلداً كاملاً يمتزج بهوّيتي. فيينا درَستُ فيها وتخرّجتُ وعملتُ بجامعاتها الكبرى وعشت فيها لاثنتين وأربعين سنة وتزوجتُ من أهلها. أضاف كلّ ذلك لي ولهوُيتي التي أعتزّ بها.

إنها نِعمة كبيرة أن يكون للإنسان كلّ هذه الروافد الثقافيّة والإنسانيّة المؤتلفة، ثم يبحث فيها عن التناقض ويعزّزه فيشقى!

* كيف انعكست تجربتك الشخصية ما بين شمال وادي النيل وجنوبه، إلى جانب الحياة في الغرب، على تجربتك الإبداعية، فيما يتراءى لك؟

- بعد ربع قرن من الحياة في مصر انتقلتُ إلى النمسا وأقمتُ فيها حتى الآن (42 سنة)، حملتُ معي كلّ هذا الخزين الحياتي بحُلوه ومُرّه.

معرفتي العميقة بالحياة في النمسا سواء في فيينا أو في الريف كانت ضروريّة للحياة قبل الكتابة. كتبتُ عن النمسا من خلال معرفتي الوطيدة باللغة الألمانيّة وبالعادات والتقاليد وتحديداً النَّسَق الاجتماعي الوسط أوروبي، هذه المعرفة مكّنتني من الكتابة من كثب من الداخل عن الداخل.

كتبتُ بتفاصيل دقيقة عن أبطال وبطلات من عالمنا في الجنوب، عن أحوالهم هناك وعن انتقالهم إلى فيينا. ظهرت هذه الأصداء في رواياتي: في قصة حب في «بيت النخيل»، أيضاً في قصة علاقة مستحيلة، لكنها نجت ونجحت في «الرحلة 797 المتجهة إلى فيينا»، كتبت عن الفنان المضطهد في كلّ مكان عاش فيه في «وأطوف عارياً».

كذلك، كتبت عن غرائبيّة تحقق الأمنيات حين تأتي بالخطر والرعب في «لهو الإله الصغير»، في كلّ هذه الروايات ضَفّرتُ أفريقيا بأوروبا من خلال خبرة شخصيّة وتجربة فنيّة ضروريّة لكتابة الرواية، باختصار لا يمكن تجاوز تاريخ حياة الكاتب وتأثُّره بالبيئة عندما يكتب.

* أصداء العلاقة بين الشرق والغرب... كيف تسللت إلى نصوصك، وماذا كان عنوانها العريض برأيك؟

- تسلّلتْ العلاقة في نصوصي ببساطة «في» الشرق والغرب، وليس «بين» الشرق والغرب؛ فالعيش في النمسا لأكثر من أربعة عقود لا بد أن يأتي بحصيلته الفنيّة: عشتُ في وسط البلاد، حيث درَستُ بجامعة فيينا العريقة ثم درّستُ فيها.

كما عشتُ في شمالها، في مدينة كريمس وأقمتُ في بيتنا في الريف في أقصى الشمال، وكذلك أقمت في جنوبها. وبما أنهم يعدّونني كاتباً نمساويّاً نشطاً بينهم، منحوني وسام الجمهوريّة النمساويّة وعيّنوني سفيراً ثقافيّاً.(النص كاملاً على الموقع الإلكتروني)

ومنحوني منحة «إلياس كانتّي» الكبرى وجعلوني أمثّل النمسا في العديد من بلدان العالم وقدّموا لي الكثير غير ذلك.* تحاضر في ثلاث جامعات غربية في مجال شديد الجفاف هو الاقتصاد، وفق الانطباع السائد على الأقل، هل يتكامل التدريس الجامعي أم يتنافر مع تجربتك الإبداعية عموماً؟

- يظنّ أغلب الناس أن الاقتصاد مادّة جافّة لا علاقة لها بالأدب، في حين يرون أن مِهناً أخرى أكثر قرباً من الأدب أو أكثر جدارة أو قدرة على الكتابة فيه. أرى، على العكس، أن العلوم الاقتصادية من أقرب العلوم إلى الأدب، فهي قمّة التعامل العقلانيّ مع الموارد المحدودة أو السلع النادرة والقدرة على اتخاذ القرارات بعد تحليل دقيق من أجل إيجاد حلول لمشكلاتنا الاقتصادية. والاقتصاد يتضمّن مواضيع عديدة: من حروب واحتلال واحتكار وتسليح وفساد وأزمات بيئيّة وديكتاتوريّات ومصالح عالميّة شريرة... وغيرها، كلّ هذا يدخل بيسر من بوّابة الاقتصاد إلى ميدان الأدب.

الإلهام عبر الاقتصاد يتسلّل أيضاً بكل بساطة إلى حياتي كأديب، وإلى روحي كإنسان يحاول أن يفهم العالم ويكتبه. دراستي للاقتصاد في جامعة فيينا كانت في قسم فلسفة الاقتصاد، مع دراسة إلزاميّة موازية للعلوم الاجتماعية من أجل دراسة تعايش البشر وعلاقاتهم الاجتماعية والتغيّر الاجتماعي والقوانين والأنماط التي تحكم الحياة المجتمعية ودراسة المعايير والقيم والأدوار والتفاعلات والتوقّعات التي تشكّل سلوكهم.

تخصّصتُ فيما بعد بموضوع «أخلاق الاقتصاد» وكتبتُ أطروحتي عن «نقل الأخلاق»، أظنُّ أنه ليس هناك ما هو أقرب من ذلك إلى الأدب.


الجميلات يواجهن غزاة البحر

الجميلات يواجهن غزاة البحر
TT

الجميلات يواجهن غزاة البحر

الجميلات يواجهن غزاة البحر

مدينة مصرية قديمة تحتشد بالجميلات القويات البارعات في الحفاظ على الحضارة، لكنهن يجدن أنفسهن فجأة في قلب مشهد كابوسي يبدو فيه كل ما شيدته أياديهن من أسباب للخلود مهدَّداً بسبب غزو قادم من البحر يهدد جميع فئات المجتمع بعواقب كارثية.

يفتتح الكاتب المصري مصطفى الشيمي أحداث روايته «آرو... تراتيل النار»، الصادرة عن دار «الشروق» بالقاهرة، والذي يخالف النقوش الموجودة على نقوش معبد هابو، حيث خلّد النساخ كلمات رمسيس الثالث «وصلوا إلى الشاطئ لكن ذريتهم لم تفعل»، معلناً نهاية الغزاة من شعوب البحر، لكن على خلاف إرادة الفرعون تنجو امرأة غازية في بيت كاهن وتترك ذريتها على هذه الأرض.

يولد الطفل ميري بعينين مغلقتين وحواس خامدة فلا يدرك الحياة إلا حين تفتح أمه جفنيه بقطرتين من زيت التمساح ليجد نفسه المنوط به إحياء ديانة إخناتون ومجابهة فرعون وجنوده، ولا يملك في يده سوى معجزة واحدة هي صبغة الألوان.

من مستنقعات مدينة ثونيوس إلى معابد طيبة، تشق الرواية جسد مصر القديمة بتاريخها الممزوج بالأسطورة، وتتبع رحلة عائلة استثنائية على حافة زمن يتداعى وعالم توشك قواعده القديمة على السقوط، عبر لغة جزلة تتدفق بسلاسة وقدرة على التخييل لجعل القارئ يرى تفاصيل الأزمنة البعيدة بأنهارها ومعابدها وشخصياتها التي تجمع بين الصلابة والهشاشة في آن واحد.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«كان كل شيء يبدو مثالياً في مدينة (ثونيوس)، الضوء ينساب كالشلال على الوجوه وفي أول النهار، البيوت طينية مطلية بالأبيض ومسقوفة بالنخيل أو القصب من طابق أو عدة طوابق، مزينة بجداريات من حياة الفلاحين ومواسم الحصاد وصيد الأسماك.

فجأة دوّى صوت البوق من أحد أبراج المراقبة، وظل الجندي ينفخ فيه بلا توقف، مشيراً إلى البحر بجنون. لم يطل الغموض فعندما اقترب الجنود من مواقعهم على حافة الميناء رأوا ما رأى في قلب البحر: أسطول هائل من السفن لا تُرى ألوانها ولا تميّز أعلامها من بعيد، لكنها لم تكن سفناً تجارية لم يحتج أحد إلى تفسير إنه الغزو...

صاح قائد الجند:

- إنهم أبناء البحر!

ليست أول مرة يغزون مدن وادي النهر العظيم أو ممالك البحر الأخضر، سفنهم مصنوعة بهيئة ضيقة تساعدها على شق البحر بسرعة بالغة، إضافة إلى مجاديفها وأشرعتها القوية.(النص كاملاً على الموقع الإلكتروني)

داخل كل سفينة مجموعة من رماة الأسهم والرماح حتى السفن البيضاوية التي احتوت غالباً على النساء والأطفال والبضائع والحيوانات كانت قادرة على اصطياد السفن التجارية أيضاً. بداخلها نساء شرسات في القتال. التجار الذين فضَّلوا البقاء آمنين على الأرض راقبوا الجنود وهم يُغرقون سفنهم التجارية أمام أعينهم لاستعمالها متاريس حربية، دون أن يستطيعوا الاعتراض. الأمان والبقاء على قيد الحياة هو كل ما أرادوه، هل الأمان بالبقاء على هذه الأرض المنذرة بالفناء؟ أليس الهاربون المغامرون أكثر حكمة؟».


مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
TT

مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)

أعلنت المؤسسة العامة للحي الثقافي في قطر «كتارا» أسماء الفائزين بجائزتها للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة لعام 2026، خلال حفل استضافته دار الأوبرا بالعاصمة الدوحة، مساء الخميس، وشهد تتويج 14 كاتباً وناقداً من 9 دول عربية، وسط حضور مصري تصدر النتائج بـ4 جوائز، فيما حصدت السعودية جائزتين.

وسجَّلت هذه الدورة من جائزة «كتارا» للرواية العربية رقماً قياسياً بلغ 2610 مشاركات، وهو أعلى عدد منذ تأسيسها عام 2014، بينها 1488 رواية غير منشورة و245 مشاركة من دول الخليج.

السعودية تحصد جائزتين

في فئة الروايات المنشورة، فازت الكاتبة السعودية مها اليمني عن روايتها «يداي لا ترتجفان»، إلى جانب المصرية سمر نور عن «آشا الجعران والقمر»، والسوداني مهند الدابي عن «حصار الغزالة واو».

أما فئة الروايات غير المنشورة، فشهدت فوز السعودي ناصر الشريف عن روايته «الصوت الذي لم يبلغه زرياب»، والجزائرية سارة سلتي عن «قد نلتقي»، والفلسطينية هدى المشهراوي عن «للموت يوم آخر».

وتبلغ قيمة كل جائزة في الفئتين 30 ألف دولار، مع ترجمة الروايات الفائزة إلى الإنجليزية، وطباعة الأعمال غير المنشورة.

الدكتور خالد السليطي يُسلِّم خلف آل خلف الفائز في فئة الروايات القطرية المنشورة جائزته (كتارا)

النقد الروائي وروايات الفتيان

في فئة الدراسات التي تُعنى بالبحث والنقد الروائي، فاز 3 نقاد، وهم: الدكتورة أمل إرحيم من فلسطين عن دراستها «الرواية العربية المعاصرة وفتنة السينما... رواية مصائر: كونشرتو الهولوكوست والنكبة أنموذجاً»، والدكتور حميد الكتاني من المغرب عن «الرّوايةُ العربيةُ علَى عتبةِ التطوّرِ دراسة في التّحْقيبِ من منظورِ المصطلحِ النقدي التصنيفي»، والدكتور محمود فرغلي من مصر عن «تمثّلات البيئة في الرواية: قراءة إيكولوجية في أعمال زهران القاسمي».

وتبلغ قيمة كل جائزة في هذه الفئة 30 ألف دولار، كما تتولى لجنة الجائزة طبع الدراسات الفائزة ونشرها وتسويقها.

أما في فئة رواية الفتيان، ففاز كل من: خديجة تلي من الجزائر عن روايتها «خيّاط طولقة»، والدكتورة منال الجراش من اليمن عن «نظارة شمسية»، وهاني القط من مصر عن «مملكة الحجر»، وتبلغ قيمة كل جائزة 15 ألف دولار لكل فائز، وستتم طباعتها ونشرها.

وفي فئة الرواية التاريخية غير المنشورة فازت نهى فهيم من مصر عن روايتها «غروب ألكازار»، بينما فاز في فئة الرواية القطرية المنشورة خلف آل خلف عن روايته «العهد والميثاق».

الدكتور خالد السليطي يُكرِّم نهى فهيم الفائزة في فئة الرواية التاريخية غير المنشورة (كتارا)

من تكريم الرواية إلى صناعة ثقافية

قال الدكتور خالد السليطي، مدير عام «كتارا»، إن ارتفاع عدد المشاركات يعكس اتساع حضور الجائزة لدى الكُتَّاب العرب، مشيراً إلى أن المؤسسة تعمل على تطوير منظومة للنشر والترجمة والترويج للأعمال الروائية.

وربط السليطي بين تجربة الجائزة والاحتفاء بـ«الأسبوع العالمي للرواية»، الذي يمتد من 13 إلى 20 أكتوبر (تشرين الأول)، بعد مبادرة تقدَّمت بها «كتارا» إلى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، بدعم من المنظمة العربية «الألكسو».

من جانبه، أكد محمد ولد أعمر، مدير عام «الألكسو»، أهمية الاستثمار في الكتاب والترجمة، وتوسيع فرص وصول الأدب العربي إلى القراء خارج المنطقة، مبيناً أن الجائزة تسهم في دعم الإنتاج الروائي وتطوير الصناعات الثقافية.

وتشير نتائج الدورة إلى اتساع المشاركة الجغرافية في الجائزة، مع حضور كُتَّاب من الخليج والمشرق والمغرب العربي. كما يبرز العدد الكبير للروايات غير المنشورة إتاحة المسابقة فرص النشر أمام أصحاب المخطوطات الذين لم تصل أعمالهم بعد إلى الدُّور.