«سبعة أيام حُب»... رواية أحوازية تجمع بين الاستذكارات والسيرة الذاتية

تتخذ من انتفاضة 2005 الإيرانية خلفية للأحداث

«سبعة أيام حُب»... رواية أحوازية تجمع بين الاستذكارات والسيرة الذاتية
TT

«سبعة أيام حُب»... رواية أحوازية تجمع بين الاستذكارات والسيرة الذاتية

«سبعة أيام حُب»... رواية أحوازية تجمع بين الاستذكارات والسيرة الذاتية

يمزج الروائي الأحوازي محمد عامر، في روايته الثالثة «سبعة أيام حُب»، الصادرة عن دار «أروقة» في القاهرة، بين الاستذكارات والرواية المُحاذية للنص السيري التي تستمد موضوعها ومادتها الأساسية من الشخصيتين المركزيتين اللتين تناصفتا البطولة، وهما الراوي الأحوازي وسُعاد المغربية، وكلاهما يروي بضمير المتكلم الذي يتوافق كُلياً مع السيرة الذاتية التي تفحص الأنا الساردة، وتنتهك أسرارها المخبّأة، وتحاول قدر الإمكان أن تُتيح للقارئ رؤية الأوجه المتعددة لهرم كل شخصية رئيسية على انفراد.
ينفرد الهيكل المعماري لهذه الرواية ببنية زمانية متميّزة لا تتجاوز السبعة أيام، لكنها تنفتح على الماضي بتقنية استرجاعية، لتصوِّر لنا اختطاف الشيخ خزعل الكعبي عام 1925 بتواطؤ بريطاني مع رضا خان ثم اغتياله لاحقاً في طهران. كما تتخذ الرواية من انتفاضة 15 أبريل (نيسان) 2005 خلفية للأحداث التي شارك فيها الراوي مع ثُلّة من أصدقائه ومعارفه المناوئين للاحتلال الفارسي، ويمتلكون خبرة في التعاطي مع المحققين الإيرانيين الذي لا يدّخرون وسعاً لانتزاع الاعترافات من ضحاياهم بالترغيب والترهيب. وبالمقابل تقودنا شخصية سُعاد إلى طفولتها وحياتها في طنجة قبل ثلاثة عقود من الوقت الحاضر، ونتعرّف على خلفيتها الاجتماعية والثقافية وهجرتها مع أخيها الأكبر عبد الغني إلى إيطاليا، وما صادفته من مِحن كثيرة أوشكت أن تُودي بها إلى الانتحار لولا محاسن الصُدف التي أعادت إليها رُشدها.
يدخل الهاتف المحمول، ورسائله النصيّة، وصوره كوسيلة من وسائل التواصل الاجتماعي التي جمعت بين الراوي وصديقته سُعاد، وأحبّا بعضهما بعضاً من دون أن يلتقيا وجهاً لوجه. تتطوّر هذه القصة العاطفية إلى انجذاب روحي يفضي بهما إلى الزواج في اليوم الأول من وصوله إلى مدينة كيوزي كيانشانو الإيطالية.
ينجح محمد عامر في خلق موازٍ موضوعي للحُب بواسطة تقنية الاستذكارات التي تُعيده إلى سنوات السجن بسبب مشاركته في التحريض على الانتفاضة والمساهمة فيها، وهذا الانتقال السلس من فضاء الحُب إلى أجواء التمرّد يؤكد على قدرة الكاتب في إدارة النسق السردي للرواية من دون أن يشعر القارئ بأي فجوة تعيق تدفّق الأحداث بشقّيها الرومانسي والفجائعي. وبَغية توسيع الأحداث وتشظيتها، يلجأ الروائي إلى رصد قصص ثانوية تعزّز موضوعة الانتفاضة مثل قصة الأم التي تحاول إنقاذ ابنها من أيدي العناصر الأمنية الذين دهموا حي الملاشيّة في الأحواز، أو قصة محمد علي الذي اعتقل وحُكم عليه بالإعدام بسبب نشاطاته الثقافية المناهضة للاحتلال الفارسي. كما تلعب القصص الجانبية المنبثقة عن شخصية سُعاد دوراً كبيراً في توسعة النص السردي الذي تُهيمن على فصوله السبعة شخصيتا العاشق والمعشوقة.
يحتل السجن مساحة كبيرة من الفصل الثاني على الرغم من أنّ بدايته تتمحور على سفر الزوجين إلى مدينة فالنسيا الإسبانية للاستمتاع بالبحر الذي تحبه سُعاد على وجه التحديد. وثمة قصة جانبية شديدة الأهمية وهي قصة «تقي» الذي تعرّض للقصف بالأسلحة الكيمياوية في أثناء الحرب العراقية - الإيرانية، فتشوهت ملامح وجهه وتحوّل إلى شخص عنصري بغيض يكره العرب وكل ما يمتّ لهم بصلة. فلا غرابة أن يعذِّب المعتقل عبد الله بطريقة خارجة عن المألوف، الأمر الذي يدفع السجين لأن يسحبه داخل الزنزانة، ويشبعه ضرباً مبرحاً، لكنهم يصعقون عبد الله ويخرجونه إلى المجهول.
لا ينطوي الفصل الثالث على قصص جانبية كثيرة، لكنه يكشف من خلال قصة واحدة عن مسعى محمد عامر لتوظيف الأساطير الشعبية، فسلوى التي ماتت غرقاً في النهر من دون أن ينقذها أحد قِيل عنها بأنها تزوجت من «عِبيد الماء»، وهو نوع من جن البحر وفقاً للأساطير المحلية.
يمجِّد الفصل الرابع دور المرأة الأحوازية في مقاومة العدو بطريقتها الخاصة، فأم جندل هي التي أوهمت جنود الاحتلال وحرفت انتباههم حينما أشاعت قصة المصوغات الذهبية التي عثرت عليها في منطقة «الملاقط»، التي ذهبت إليها للبحث عن واحدة من أغنامها الضائعة. وحينما تقدم الرتل العسكري في اليوم الثاني فوجئ الضباط بهذا العدد الكبير من النساء اللواتي يفتشن عن الذهب في المنطقة الأثرية المحاذية للوكر، الذي يختبئ فيه حاتم، فأقفلوا عائدين إلى معسكراتهم الخلفية.
تروي سُعاد حكايتها في الفصل الخامس، فنعرف عنها كل شيء تقريباً، فقد ولدت في مدينة طنجة، وتنحدر من أبوين تربطهما آصرة القرابة. تتألف الأسرة من ثمانية أبناء، أربع بنات وهن كريمة ومروة وبثينة و«سعاد»، وثلاثة ذكور وهم عبد الغني وعبد الودود وشكري، ورجل واحد وهو داود، فهي تستكثر على الأخوة الثلاثة الأوائل كلمة رجل لأنهم لا يستحقوننا من وجهة نظرها. تفككت العائلة وهي في سنّ العاشرة. لم ترتبط سُعاد بعلاقة عاطفية مع أحد رغم أنّ جارهم المهندس كان يراقبها، وثمة شاب آخر كان يلاحقها بنظراته لكنه كان خجولاً مثل المهندس. بعد تخرجها من الجامعة يقرر أخوها عبد الغني أن يسافرا إلى إيطاليا عبر البحر، وما إن يصلا إلى هناك حتى تتلقفها المحن تباعاً. فيطردها الإخوة والأخوات باستثناء داود الذي يفتح لها غرفته المتواضعة، ويستقبلها بمحبة كبيرة. تتعرض لمحاولة اغتصاب لكنها تنجو منها بأعجوبة. تحاول العثور على عمل لكنها تفتقر إلى الأوراق الرسمية، ولا تجيد اللغة الإيطالية. يقدّمها مؤمن، وهو قريب مغربي، إلى عربي، صاحب مزرعة، يدعوها في اللقاء الثاني إلى فندق ويغتصبها بعد أن يدسَّ المخدِّر في كأس العصير. تتزوج من ريزو، وهو إيطالي في الخمسين من عمره لكنها تكتشف عنفه وقذارته فيذهب في اليوم التالي إلى السلطات المعنية، ويباشر بإلغاء معاملة الزواج وسحب أوراق الإقامة. تسافر إلى سويسرا بعد أن تجمع بعض النقود وتعمل نادلة في مقهى وتقفل راجعة إلى إيطاليا، لتتزوج زواجاً صورياً تشتري فيه الإقامة بسبعة آلاف يورو. ثم ترتبط بممدوح، وهو مستشار جزائري يعمل في السلك الدبلوماسي جاء إلى إيطاليا في إجازة قصيرة، ثم دعاها إلى باريس لتكتشف أنه متزوج ولديه بنت وولد، وقد أحبّته هي الأخرى، ولكنها لم ترِد أن تقوّض حياته الأسرية، فغادرت باريس من دون أن تترك له وسيلة للتواصل، خصوصاً وأنها تغيّر سكنها بين آونة وأخرى.
يسافر الراوي وزوجته في اليوم السادس إلى النورماندي، ويستقران في فندق «لا شابيلا»، ويستمتعان بكل لحظة تمرّ. وفي اليوم السابع يتواصل بينهما الحوار الشائق، فنفهم أنها تستمد الطاقة التي تجدّد روحها من الحُب الرومانسي الذي تعيشه مع زوجها، وسبق لها أن عاشته مع ممدوح الجزائري، وتوارت عنه في ظرف غامض، مع أنها لم تغادر مدينة كيانشانو. وبينما هي منغمسة في حوارها مع زوجها تذكرت أنها نسيت أدوات زينتها في المقهى، فاستأذنته، لكي تجلبها وتعود سريعاً. انتظرها ساعة، ولم تأتِ، وحينما يئس عاد إلى المقهى فلم يجد لها أثراً، ثم ذهب إلى الفندق فأخبروه بأنها لم تعد ثانية، وحينما لجأ إلى الشرطة استنتجوا أنها عادت من حيث أتت. ولما عاد إلى كيانشانو وجد سيدة إيطالية أخبرته بأنّ سُعاد قد استأجرت الشقة لمدة أسبوع، وقد انقضت تلك المدة أمس. عاد الراوي إلى لندن بعد سبعة أيام حُب، ولم يعرف كيف اختفت سُعاد، وإلى أي جهة ذهبت، ولماذا توارت عن ناظريه مثل حلم خاطف؟



رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان
TT

رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان

يحتفظ الكاتب السويسري نيليو بيدرمان، البالغ من العمر 22 عاماً، بذكرياتٍ غريبةٍ عن زياراته لممتلكات عائلته القديمة في طفولته. فرغم نشأته في عائلةٍ متوسطة الحال في زيوريخ، فإن والده ينحدر من عائلةٍ أرستقراطيةٍ في المجر، كانت تبيع المجوهرات للعائلات المالكة في وقتٍ ما، لكن النظام الشيوعي صادر ممتلكاتها لاحقاً.

يتذكر بيدرمان في مقابلةٍ حديثةٍ قائلاً: «كنا نسافر دائماً إلى القلاع التي كانت ملكاً لنا»، واصفاً إياها بأنها «تشبه قلاع القصص الخيالية». وقد تحوّلت إحدى هذه الممتلكات إلى مصحةٍ للأمراض النفسية، وزُيّنت جدرانها بصورٍ لأجداده، يقول: «كان الناس هناك يعرفوننا، ولم أستطع التماهي مع ذلك». ساعدت هذه التجربة بيدرمان على البدء بكتابة روايته «لازار»، التي تدور أحداثها حول عائلة أرستقراطية، عندما كان لا يزال مراهقاً.

نُشرت الرواية في ألمانيا في سبتمبر (أيلول) الماضي، وحصدت سيلاً من الإشادات النقدية («ملحمية، مأساوية، ومؤلمة، عاصفة، حالمة، ورومانسية للغاية»، كما كتب أحد النقاد في صحيفة «زود دويتشه تسايتونغ»، إحدى أكبر الصحف اليومية في البلاد).

بقيت الرواية 29 أسبوعاً على قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في ألمانيا، محولةً مؤلفها الشاب (بشكل مثير للدهشة) إلى نجم أدبي بين ليلة وضحاها، وقورنت برواية «آل بودنبروك»، الملحمة العائلية لتوماس مان عام الصادرة عام 1901. وتنشر دار «ساميت بوكس» ​​ترجمتها باللغة الإنجليزية هذا اليوم، الثلاثاء.

كيف يكتب مراهق رواية تاريخية؟

منذ الخريف، بدت وسائل الإعلام الألمانية مهووسة بسؤال كيف يمكن لمراهق أن يكتب رواية تاريخية تقليدية واسعة النطاق. قال بيدرمان، وهو يحتسي شاي الأعشاب في مقهى وسط زيوريخ: «يتوقع معظم الناس أن يكون أول كتاب للشاب عن حياته... لكن حتى لو تجاهلنا سني، فقد وجد الناس أن أسلوب الكتاب ولغته قديما الطراز، وهذا أمر مثير للاهتمام».

ساعدت الواقعية السحرية بيدرمان على كشف خيوط القصة، يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع».

يتميز بيدرمان بتواضعه الشديد في حديثه، فهو طويل القامة، هادئ الطباع، ذو شارب خفيف وقصة شعر متدلية شائعة بين شباب جيل زد السويسريين. ويقول إنه بدأ كتابة الروايات عندما كان في الحجر الصحي خلال الجائحة، ونظمت مدرسته الثانوية مسابقة كتابة حول «نهايات العالم». فازت قصته القصيرة، التي تتناول شاباً يُفكّر بالانتحار، بالجائزة الكبرى وقيمتها 200 فرنك، أي ما يُعادل 250 دولاراً أميركياً تقريباً، و«كان مبلغاً كبيراً»، مُضيفاً أنه دفعه للتفكير في مشاريع كتابة روائية أكثر طموحاً.

وكما في رواية «آل بودنبروك»، تتناول رواية «لازار» أجيالاً مُتعددة من عائلة واحدة، عائلة فون لازار، التي تحمل الرواية اسمها، التي تُواجه أحداثاً مُضطربة في المجر بين عامي 1900 و1956. تبدأ الرواية في ضيعة ريفية، مع ولادة لايوش، وهو صبي ذو بشرة «شفافة»، لبارون يُدعى ساندور وزوجته ماريا. تنقلب حياتهم، إلى جانب حياة طفلي لايوش، بيستا وإيفا، رأساً على عقب بسبب الحربين العالميتين، وتفكك الإمبراطورية النمساوية المجرية، والقمع الشيوعي.

يتميز الكتاب بنطاقه التاريخي وطابعه الصوفي أحياناً - فبغض النظر عن بشرة لايوش الشفافة، تقع ضيعة العائلة بجوار غابة تبدو سحرية تبتلع أفراد العائلة. ويبدو أن أسلوبه يستحضر الأشباح، ما دفع القراء إلى مقارنته ليس فقط برواية «مارش راديتسكي» لجون مان وجوزيف روث، بل أيضاً برواية «مائة عام من العزلة» لغابرييل غارسيا ماركيز.

أتاحت عناصر الواقعية السحرية لبيدرمان حرية أكبر في تخييل أحداث حقيقية. يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع. شعرت بالذنب، لأنني كنت أتساءل عما إذا كان مسموحاً لي حتى بتغيير تاريخ العائلة»، ويضيف موضحاً أن النبرة الصوفية منحته المسافة اللازمة «للكتابة كما أريد».

ويعتزم توم تيكوير، مخرج فيلم «اركضي يا لولا اركضي»، المشارك في ابتكار المسلسل التلفزيوني «بابل برلين»، تحويل الرواية إلى فيلم. وفي بيان أعلن فيه عن هذا التحويل، وصفها بأنها «رواية تأخذنا في رحلة عبر تقلبات الحياة - والحب - وتجعلنا سعداء بطريقة مؤثرة، بشكل مثير للقلق في وقت ذاته».

في مقابلة، قال آدم سوبوتشينسكي، محرر قسم الأدب في صحيفة «دي تسايت» الألمانية، إن الضجة التي أثيرت حول الكتاب تعود جزئياً إلى التباين بين عمر بيدرمان و«اتساع نطاق الرواية وعمق منظورها التاريخي».

وأوضح أن روايات العائلة مثل «لازار» تحظى بشعبية خاصة في ألمانيا «بالتحديد لأن العديد من العائلات هنا، لأسباب مختلفة، تشتتت أو تورطت في الحرب». وأشار إلى أن الكتاب يتناول جزئياً فترتين لا تزالان محوريتين في الهوية الألمانية: النازية والستالينية.

* خدمة «نيويورك تايمز»


الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية
TT

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

عن مؤسسة «هِم» في ويلز، صدرت ترجمة عربية لكتاب «فلنَدَع شعوب العالم تغني» عن الويلزية. ويضم الكتاب قصائد مختارات من عدة مجموعات لمينا إلفين، وهي شاعرة وكاتبة مسرحية ويلزية حائزة على جوائز، تكتب باللغة الويلزية، وتُرجمت أعمالها إلى أكثر من ثماني عشرة لغة. نشرت أربعة عشر مجموعة شعرية، وروايات للأطفال، ونصوصاً أوبرالية لملحنين بريطانيين وأميركيين، بالإضافة إلى مسرحيات للتلفزيون والإذاعة. أحدث مجموعاتها ثنائية اللغة هي: «بوندو» (2017) و«مورمور» (2012)، الصادرتان عن دار «بلوداكس بوكس»، وقد اختيرت الأخيرة ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر في خريف 2012، لتكون بذلك أول مجموعة شعرية ويلزية مترجمة إلى الإنجليزية تُختار لهذا الغرض.

* حصلت على جائزة أنيما إنترانزا الدولية للشعر الأجنبي عام 2009، وعلى العديد من الجوائز، منها جائزة كتاب العام عن مجموعتها الشعرية «أديرين باخ ميون لاو» (عصفور في اليد) عام 1990، كما وصلت إلى القائمة النهائية للجائزة نفسها عن مجموعتها «قبلة الرجل الأعمى» (كوسان دين دال) عام 2001، واختيرت مختاراتها الشعرية التي شاركت في تحريرها مع جون رولاندز ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر عام 2003).

وبرزت مينا إلفين كواحدة من أكثر الشخصيات الأدبية الويلزية تميزاً وأهمية. وهي من الشخصيات البارزة. ويطرح عملها رؤية ثاقبة لقضايا الهوية واللغة والانتماء، تمثل مزيجاً نادراً من القومية اللغوية والاتزان الشعري، خالقةً شعراً يتردد صداه على المستويين الشخصي والسياسي.

لا تقتصر مكانة إلفين الشعرية في ويلز، بل لعبت أيضاً دوراً محورياً في الشعر البريطاني على نطاق أوسع.

وُلدت مينا إلفين في ويلز عام 1952، وهي أمة غنية بتقاليدها الشفوية وتاريخها العريق في التعبير الشعري. وتشكل الثقافة الويلزية، بتأكيدها العميق على الأغنية والشعر والحفاظ على الهوية من خلال اللغة، الركيزة الأساسية لأعمال إلفين الأدبية.

ومنذ نعومة أظفارها، انغمست إلفين في إيقاعات اللغة الويلزية وجمالها. وقد أثَّر هذا الأساس اللغوي في حياتها وشعرها. في شبابها، انخرطت في النضال من أجل تكريس اللغة الويلزية في الحياة العامة، والشعر بالنسبة لها ليس مجرد جمالية، بل هو فعل مقاومة وبقاء وتأكيد على الذات.

ترجمة القصائد إلى العربية روان سكر، ولارا متّى.

ضمت هذه المختارات 31 قصيدة اختيرت من مجموعات سابقة نشرتها دار «بلوداكس بوكس». وكتبت أصلاً باللغة الويلزية، ثم تُرجمت إلى الإنجليزية، وتتُرجم لأول مرة إلى العربية.

من الكتاب:

حلقات النمو

أبصر كيف يتفتح الأطفال

بعناية الأشجار

وكيف تتفشى الاستعارات

من البني والأخضر

الجذع مركب

يحملهم على التوهج

والفرع معبر

لاقتحام السفينة

بساط الثوم البري

بحر فوار، والقراّص

ينحشر في مبرد الريح

وبرحمة،

تنحني الأغصان لرتق التداعي

لتستلّ بلسماً لتكوي اللحاء

من التقرحات تسيل الدماء،

وفي تخطو الصبية

راغبة عن المرج

ترتد الاستعارات

إلى كينونة الأشجار

وفي المقابل

تفري العوارض بصيرتنا النافذة.


«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر
TT

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

في روايته «ترف الانكفاء» (دار الآداب - بيروت)، يقدّم الكاتب والروائي السعودي وائل هادي الحفظي بطله بوصفه نتاجاً لقوى متقاطعة؛ فهو ابن الصدمة المبكرة، والوعي المفرط، وعالمٍ تحكمه الكليشيهات، والرأسمالية المُتغوّلة.

منذ البداية، لا يضع الكاتب بطله في مسارٍ حكائي تقليدي، بل يقدّمه وقد اتخذ قراراً ثورياً بهجر عمله المكتبي، والاعتزال طوعاً داخل شقته التي لا تتجاوز تسعين متراً لمدة أسبوعٍ كامل، ليجد نفسه في مواجهة اختبارٍ شاقٍ لعلاقته بنفسه وبالعالم.

في هذا الفضاء المغلق، لا يتحرّك البطل عبر أحداث، بقدر ما يتحرّك داخل وعيه نفسه، وعلاقته بالأشياء والقيم، فيقرّر أن يتخلّى عن مُنبّهه الذي «يصرخ» كل صباحٍ، بالتوازي مع تخليه عن وظيفته المكتبية، في محاولةٍ للانسحاب من إيقاعٍ قسريٍ يشبه في بنيته «عجلة الهامستر»، حيث يصبح الركض شرطاً للبقاء، ويغدو التوقف عنه مجازفةً بالحياة.

وعبر ضمير المتكلم الذي يُلازم النص، يتكشف عالم هذا البطل المشحون ضد الخارج؛ إذ يحمل داخله رفضاً متراكماً يتحول إلى نفورٍ صامت يدفعه إلى الانسحاب داخل قوقعته. وهكذا لا يواجه العالم بالتصادم معه، بل بالابتعاد عنه، حين يقرّر ترك وظيفته الآمنة، باحثاً عن أخرى وراء شاشةٍ تكفل له الحد الأدنى من البقاء. غير أن هذا الانسحاب لا يخفّف وطأة التجربة، بل يزجّ به في اختباراتٍ أكثر صخباً مع ذاته.

يُطوّع الكاتب لغة السارد بوصفها أداةً لهذا الاختبار، في محاولةٍ لضبط إيقاع وعيه المتسارع، الذي يتحول إلى مختبرٍ لتصفية الأفكار وفق منطق فرزٍ حادٍ لا يخلو من غضبٍ، يميّز بين ما يستحق البقاء وما يمكن الاستغناء عنه. ويعكس عنوان الرواية هذا المنطق بدوره، حيث يتبدّى «الانكفاء» كتعبيرٍ مشحونٍ بحساسيةٍ شعرية، تماثل حركة بطلٍ يختار الانكفاء والاكتفاء على السواء، وهو يعيد تموضعه خارج العالم، نشداناً للخلاص عبر العزلة والكتابة.الإنسان المعاصر والحجري

يترك السرد للبطل سجيته عبر تداعٍ حرٍ طليق، وفي الوقت نفسه يتخذ من التلكؤ إيقاعاً يحاكي ضيق المكان الذي يضع فيه نفسه طواعية. في هذا التوتر بين الانسياب والبطء، تبدو حمولة البطل المعرفية عبئاً عليه، إذ تمرّ عبر وعيه مصطلحات مثل «الاحتراق الوظيفي»، الذي يُشخَّص به، محمّلةً بدلالاتها المجازية والنمطية، كواحدة من سجون اللغة المُعلّبة التي نتعاطى معها، أو تعبير «سيكولوجية الإنسان الحداثي»، بوصفه محاولةً لإعادة تسمية التجربة دون فهمها. في المقابل، يصك البطل لغته الخاصة، كما في تعبير «حداً ائتمانياً للتحمّل»، حيث تُفهم المشاعر عبر قاموسٍ اقتصادي، في إشارة إلى تغلغل منطق السوق حتى في إدراك الذات.

في هذا السياق، يُجادل البطل «ماسلو» وهرمه الشهير، متسائلاً عن معنى الاحتياجات الإنسانية، بينما يحاصر نفسه داخل شقته لمدة أسبوعٍ كاملٍ، مختبراً مفهوم الاحتياج ذاته لا بوصفه نظرية مُجردة بل تجربة معاشة.

ومن هنا، يمدّ النص خيطاً بين هذا الوعي بمنطق الاستهلاكية، وصراع الإنسان الأبدي مع البقاء، فيقول: «أظن أنني، عندما أقوم بهذا الفعل الاستهلاكي، لا أفرق كثيراً عن إنسان العصر الحجري»، ليضع الإنسان المعاصر والحجري في كفتي ميزان؛ فكما كان الأول يصطاد بدافع البقاء، يبدو البطل وكأنه يعيش داخل منظومة صيدٍ من نوعٍ آخر، لا يقوم به بل يُمارس عليه. يتجلّى ذلك عبر ومضاتٍ يومية: «تساءلت إن كان اليوتيوب يعرف عن آلام ظهري وحالتي النفسية أكثر مني؟»، حيث تتحوّل الخوارزميات إلى صيادٍ حديث، يلتقط الإشارات الدقيقة للاحتياج، ويعيد توجيهها في صورة منتجات، كأن البطل بانسحابه من العالم، يُحاكي إنسان الكهف، لكن في مفارقة لافتة؛ فبينما كان الأول يصطاد ليبقى، يحاول البطل أن ينجو من كونه هدفاً للصيد داخل منظومته المعاصرة.

ماكينة خياطة

يُطل بنا النص على طفولة البطل، فتتبدّل معها اللغة والنبرة؛ حيث يستعيد العالم عبر حواس طفلٍ في الثامنة؛ من خلال صوت ماكينة خياطة الأم، ورائحة السدر، وكوب اللبن الصباحي الذي يكشف غيابه ذات صباحٍ عن موت الأم، فيصير تدريباً أول على التماهي مع لغة الأشياء، فيقول: «ما أعرفه حقاً، أنا وآلة الخياطة، هو أن أمراً ما قد حدث»، بينما يتجلّى وراء صدمة الفقد منطق التعلّق لدى الطفل في أبسط صوره: «ما أعرفه أن الأطفال لا يستطيعون العيش بدون أمهاتهم».

لا يطرح النص هنا الفقد كحدث، بل باعتباره اختلالاً كاملاً في النظام، يكفي وحده لإعادة تشكيل العلاقة بالعالم في ضوء الاستسلام لمنطقها، حيث «الحياة لا تكترث لجاهزيتك» كما يقول البطل، الذي تبدو حياته ومنطقه في الاستغناء ردّ فعلٍ لذلك الاكتشاف المبكر.

وتكشف لغة السرد تشبّعه بمحاولات فهم حياته عبر نظرياتٍ كـ«أثر الفراشة» و«الدومينو»، حيث يكفي سقوطٌ واحدٌ حتى يتبعه كل شيءٍ، ليقوده هذا الإدراك إلى سخريةٍ واعية، ومحاولاتٍ للتكيّف مع عالمٍ محكومٍ بمنطق القسوة والسوق، تجعله «يفكر بجيبه».

لا يفقد النص، الذي يحتفظ بتداعيه الحر، خيطه الداخلي بل يعيد تشكيل إيقاعه تدريجياً مع بدء تواصل البطل مع طبيبة نفسية إلكترونياً، ومن خلال مجادلاته المتقطعة معها، تبدأ ملامح أعمق للبطل في التشكل، كاشفةً عن تصوراته للحب والحياة والفقد.

غير أن هذا الانفتاح لا يكسر الدائرة، بل يعمّقها؛ فمنذ تصدير الرواية ببيت المعري: «تعبٌ كلّها الحياة، فما أعجبُ إلا من راغبٍ في ازدياد»، يتبدّى البؤس بنية وجودية مستمرة، يُعاد إنتاجها داخل الوعي، فلا تخرج المشاعر عن مدارها، بل تعود إليه في كل مرة، حيث يتجاور الحزن مع ما يبدو نقيضه، ويصدران عن المصدر نفسه: «ولا نحزن إلا من حيث نسعد».

هكذا، لا يبدو الاستغناء في النص اختياراً بسيطاً بقدر ما ينكشف بوصفه «ترفاً» له تكلفته الباهظة، على نحو ما يُحيل إليه عنوان الرواية نفسه. فكما أن الانخراط في العالم له ثمنه، فإن الانسحاب منه لا يخلو من خسائر، وبين هذين الحدّين، لا يسعى السرد إلى تبرير هذا الاختيار بقدر ما يضعه موضع مساءلة: «فكم من الخسائر كان عليك أن تتجنب حتى تعيش؟».