الانتخابات التونسية: الهدوء الحذر مع تصاعد فرص الدورة الثانية

إقبال بنسبة 54 %.. و90 ألف رجل أمن بين جيش وشرطة لتأمين العملية

مرشح الرئاسة التونسية الباجي قائد السبسي بعد ادلائه بصوته في الانتخابات الرئاسية أمس (أ.ب)
مرشح الرئاسة التونسية الباجي قائد السبسي بعد ادلائه بصوته في الانتخابات الرئاسية أمس (أ.ب)
TT

الانتخابات التونسية: الهدوء الحذر مع تصاعد فرص الدورة الثانية

مرشح الرئاسة التونسية الباجي قائد السبسي بعد ادلائه بصوته في الانتخابات الرئاسية أمس (أ.ب)
مرشح الرئاسة التونسية الباجي قائد السبسي بعد ادلائه بصوته في الانتخابات الرئاسية أمس (أ.ب)

خيمت أجواء من الهدوء العام على الشارع التونسي أمس في يوم كان من المفترض أن يكون تاريخيا ويمر في ظروف غير عادية، حيث كان من المنتظر أن يتوجه 5,3 مليون تونسي لانتخاب رئيسهم بشكل مباشر لأول مرة في تاريخ البلاد.
وتوافد الناس على مراكز الاقتراع بشكل تدريجي وغير كثيف، أثار مخاوف في النصف الأول للنهار، حيث لم تتجاوز نسبة الإقبال الـ20 في المائة، لكن شيئا فشيئا بدأت نسبة الإقبال بالتزايد مما طمأن المتابعين، لكن رغم ذلك لم تفُق نسبة الإقبال 54 في المائة.
وبعد دقائق من الإعلان عن نسبة المشاركة قال فريق مرشح الرئاسة التونسية الباجي قائد السبسي إنه متقدم في انتخابات الرئاسة بفارق 10 نقاط على الأقل. ولم تعلن السلطات النتائج الرسمية بعد. ولكن من المتوقع أن يأتي السبسي ومنافسه المنصف المرزوقي في صدارة المتنافسين في أول انتخابات رئاسية حرة تشهدها تونس منذ انتفاضة عام 2011.
ولكن حملة الرئيس التونسي المنتهية ولايته صرحت بأن الفارق بين المرزوقي والسبسي «ضئيل جدا» وسيتنافسان بالتالي في دورة ثانية.
وأكد مدير الحملة عدنان منصر للصحافيين أنه «في أسوأ الأحوال ستكون النتيجة تعادلا (بين المرزوقي والسبسي) وفي أفضلها سنتقدم بنسبة تتراوح بين 2 و4 في المائة من الأصوات»، مضيفا: «سنذهب إلى دورة ثانية بفرص كبيرة».
وقال مهدي جمعة رئيس الحكومة غير الحزبية التي تقود تونس منذ مطلع 2014 وحتى إجراء الانتخابات العامة: «هذا يوم تاريخي، إنها أول انتخابات رئاسية في تونس بمعايير ديمقراطية متقدمة». وصرح للصحافيين إثر خروجه من مكتب اقتراع بالعاصمة تونس: «الانتخابات الرئاسية هي مرحلة من مراحل استكمال المنظومة الديمقراطية المبنية على الاختيار الحر». ورغم أن جمعة دعا شباب تونس إلى المشاركة «بكثافة (في الانتخابات الرئاسية) لاختيار مستقبلهم»، قائلا: «يجب أن يقرروا أن يراقبوا وأن يحاسِبوا»، فإن نسبة المشاركة في أوساط الشباب كانت ضعيفة جدا.
وكانت نسب مشاركة الشباب «المحبط» من السياسة والسياسيين، وفق باحثين اجتماعيين، ضعيفة في الانتخابات التشريعية الأخيرة التي شهدتها تونس في الـ24 من الشهر الماضي.
ومرت الانتخابات الرئاسية في تونس أمس في ظروف أمنية هادئة لم تشهد حوادث أو مصادمات، وخصصت الداخلية أكثر من 50 ألف عنصر أمن لتأمين العملية في كامل تراب الجمهورية، كما أعلن الجيش عن تخصيص أكثر من 30 ألف عنصر لتأمين مراكز الاقتراع، وتولي نقل الصناديق وحراسة وتأمين مراكز فرز الأصوات.
وتوزع الناخبون على 11 ألف مكتب اقتراع موزعة بين تونس والخارج، وانطلق التصويت بداية من الساعة الثامنة صباحا وحتى السادسة مساء.
أما في الخارج فتجري عملية الاقتراع في 43 دولة، انطلقت بداية من يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) في كمبيرا بأستراليا، ويقفل آخر مكتب اقتراع اليوم الاثنين في الساعة الثانية صباحا بسان فرنسيسكو في الولايات المتحدة الأميركية. ويشارك في انتخابات الخارج 389240 ناخبا موزعين على 399 مكتب اقتراع.
وتقدم لهذا الاستحقاق 27 مرشحا يمثلون مختلف التوجهات السياسية، كما يتضمن هذا العدد نسبة مهمة من المرشحين المستقلين. وقد انسحب إلى حد الآن 5 مرشحين، لكن أسماءهم ستبقى على ورقة الاقتراع، لأن هذه الانسحابات تمت بعد الآجال وبعد أن تمت عملية الطبع والتوزيع.
وفي حالة عدم تحصل أي مرشح على أغلبية 50 في المائة + صوت واحد، يتم اللجوء إلى دورة ثانية، يشارك فيها فقط المرشحان الحائزان على المرتبة الأولى والثانية في الدورة الأولى. وقد منح المشرع الهيئة أجلا أقصاه يوم 31 ديسمبر (كانون الأول) المقبل لإجراء الدورة الثانية، غير أنه من الممكن إجراؤها قبل هذا الموعد إذا لم يكن حجم الطعون كبيرا أو تم الفصل في الطعون بشكل سريع.
وبتنظيم الانتخابات الرئاسية لسنة 2014 تكون تونس قد استكملت المسار الانتقالي الذي بدأ بعد سقوط نظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي.
والمثير في الأمر أنه وحتى دقائق قبل دخول مراكز الاقتراع لم يكن بعض الناخبين متأكدين من خيارهم. روضة سيدة في الأربعين من عمرها قالت لـ«الشرق الأوسط»: «الصراحة أنا حائرة حتى الآن، والأكيد أني لن أصوت على الباجي أبدا؛ هو سيعيد لنا جماعة بن علي، والمرزوقي محسوب على النهضة، كما أنه لم يفعل شيئا لتونس، أخذ فرصته وأضاعها. قد لا أجد خيارا غير حمة الهمامي، على الأقل أهوَن».
ما إن أكملت روضة كلماتها حتى التفت إليها زوجها شكري، وهو مهندس معماري، وقال ضاحكا: «والله غريب أمرك، في انتخابات 2011 اخترت النهضة، والآن تفكرين في التصويت لحمة الهمامي! أنا أساسا متعجب وأشك في أنك فاهمة للآيديولوجيات الموجودة في تونس، وماذا تريدين أساسا!». فنظرت إليه زوجته دون أي تعليق ودعته للتوجه إلى المكتب، قائلة: «دعنا نكمل هذه المهمة لنستريح».
ورجل الأعمال عبد الغني خضيرة (رجل أعمال) الذي توجه مع عائلته وابنه الشاب منذ الصباح إلى مركز الاقتراع، قال في رد على سؤال «الشرق الأوسط» إنهم يرون أن دورهم «تاريخي ومهم وأنهم سعداء بالتصويت للسبسي، ويتمنون أن يترشح من الدور الأول». وأضاف: «السبسي رجل دولة يمتلك الخبرة والكفاءة، وعلى الأقل سيعيد هيبة الدولة التونسية، ويوقف حالة التسيب والفوضى التي تعيشها البلاد».
أما نوال صالح، وهي ربة بيت، أتت بصحبة زوجها وأطفالها، فتحفظت عن الإفصاح عمن انتخبته، لكنها بدت غير راضية عن الأجواء العامة، وقالت: «أشعر بأسف لأن التونسيين لم يدركوا بعد أهمية صوتهم، وأذكر جيدا انتخابات 2011، كانت وكأنها يوم عيد، الكل سعداء، كل مراكز الاقتراع مزدحمة، وسمعنا وقتها حتى الزغاريد، لا أعرف لماذا الكل متخوف الآن!»، واستدركت: «أظن أن الأمن هو الهاجس الأول، ولهذا الناس قلقون على مصيرهم».
ومر يوم الانتخابات الرئاسية في تونس في هدوء عكس تردد الناخبين، ولم تسجل أي صدامات بين مؤيدي مرشح وآخر. ومن المآخذ على هذه الحملة الرئاسية التي أثارت جدلا في الأوساط السياسية والإعلامية ارتفاع عدد المرشحين للرئاسة والذي بلغ 27، انسحب منهم 5 لكن بعد تأكيدات تسجيلهم، مما جعلهم يبقون في القائمة رغم إعلان الانسحاب.
هذا العدد الكبير وحسب الخبراء شتت الناخبين، خصوصا أن برامجهم لم تكن واضحة ومباشرة رغم الحملات، كما أنه جعل بعض المرشحين وأحزابهم يركزون على العمل على «الاستقطاب الثنائي»، وكذلك «المال السياسي»، وهي الظواهر التي طغت على الانتخابات التونسية.



اليمن يضغط دولياً لمحاصرة مصادر تمويل وتسليح الحوثيين

موالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء (إ.ب.أ)
موالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

اليمن يضغط دولياً لمحاصرة مصادر تمويل وتسليح الحوثيين

موالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء (إ.ب.أ)
موالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء (إ.ب.أ)

تسعى الحكومة اليمنية إلى نقل التنسيق مع المملكة المتحدة من مستوى الدعم السياسي والدبلوماسي إلى إجراءات أكثر تأثيراً في مواجهة الميليشيات الحوثية، تشمل تصنيف الجماعة منظمة إرهابية، وتجفيف مصادر تمويلها وتسليحها، وتشديد الرقابة على التقنيات والمكونات التي تستخدمها في تطوير قدراتها العسكرية، بالتزامن مع تحركات دولية مرتقبة لحشد الدعم الاقتصادي والإنساني لليمن.

وجاءت هذه الملفات خلال لقاء رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط ستيفن دوتي، الذي بحث معه تطورات الأوضاع اليمنية والتهديدات التي تمثلها الجماعة الحوثية على الأمن الإقليمي والملاحة الدولية، إلى جانب الترتيبات الجارية لعقد مؤتمر دولي لدعم اليمن نهاية الشهر الحالي.

وأكد العليمي أن حماية الملاحة الدولية لا يمكن تحقيقها بمعزل عن إنهاء مصادر التهديد الحوثية، داعياً إلى دعم قدرات الدولة اليمنية في حماية أراضيها ومياهها الإقليمية، ومشدداً على ضرورة اقتران المواقف السياسية والقانونية بإجراءات عملية تستهدف شبكات التمويل والتسليح والتهريب التي تمد الجماعة بقدراتها العسكرية.

رشاد العليمي يطلب دعماً بريطانياً أوسع لمواجهة الحوثيين (سبأ)

وطالب رئيس مجلس القيادة اليمني المملكة المتحدة بدور أكثر فاعلية في حشد موقف دولي لتصنيف الحوثيين منظمة إرهابية، واتخاذ الإجراءات اللازمة لحظر الجماعة وفق القانون البريطاني، مؤكداً أن استمرار التعامل مع تهديداتها دون تدابير رادعة يترك مصادر قوتها خارج دائرة الاستهداف.

تهديد يتجاوز اليمن

وضع العليمي أمام الوزير البريطاني صورة التصعيد الحوثي، مشيراً إلى استهداف مطارَي عدن والريان المدنيين، والهجمات المتواصلة على مدينة تعز، وما تتعرض له أحياؤها السكنية والمنشآت المدنية والأسواق والمدارس والمنازل من قصف، فضلاً عن الاعتداءات على الأعيان المدنية في السعودية وتهديد الممرات المائية وخطوط الملاحة الدولية.

وربط رئيس مجلس القيادة اليمني بين أمن المنطقة واستعادة مؤسسات الدولة اليمنية قدرتها على بسط سلطتها، عادَّاً أن دعم الحكومة في هذا الاتجاه يمثل الضمانة المستدامة لحماية الممرات البحرية والاستقرار الإقليمي.

الحوثيون دفعوا بعشرات الآلاف من مسلحيهم لاقتحام محافظة تعز (إ.ب.أ)

كما أثار العليمي ملف الانتهاكات الحوثية لحقوق الإنسان، في ضوء وفاة موظف في المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان أثناء احتجازه، وما وصفه باستمرار الاعتقال التعسفي لأكثر من 70 شخصاً من موظفي الأمم المتحدة، إلى جانب تعطيل المبادرات الرامية إلى تخفيف المعاناة الإنسانية.

وفي الجانب الاقتصادي والإنساني، أطلع الوزير دوتي رئيس مجلس القيادة اليمني على زيادة الدعم البريطاني لمواجهة تداعيات الأزمة الإنسانية في اليمن، مؤكداً استمرار مساندة بلاده للقيادة السياسية والحكومة في المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية والإنسانية.

وتناول اللقاء التحضيرات لعقد مؤتمر دولي لدعم اليمن نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، والجهود المبذولة لإنجاحه وتوجيه الاستجابة نحو الاحتياجات الاقتصادية والإنسانية المتفاقمة.

وثمّن العليمي المواقف البريطانية الداعمة لليمن، خصوصاً دور لندن بوصفها حاملة القلم بشأن الملف اليمني في مجلس الأمن، كما أشاد بالدعم السعودي عبر مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية والبرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، بما في ذلك الاستجابة للاحتياجات الإنسانية في تعز والمحافظات الأخرى.


الحصار الحوثي على تعز يرفع أسعار السلع 5 أضعاف

عبوات بنزين معروضة للبيع في أحد شوارع مدينة تعز المحاصرة من قبل الحوثيين (رويترز)
عبوات بنزين معروضة للبيع في أحد شوارع مدينة تعز المحاصرة من قبل الحوثيين (رويترز)
TT

الحصار الحوثي على تعز يرفع أسعار السلع 5 أضعاف

عبوات بنزين معروضة للبيع في أحد شوارع مدينة تعز المحاصرة من قبل الحوثيين (رويترز)
عبوات بنزين معروضة للبيع في أحد شوارع مدينة تعز المحاصرة من قبل الحوثيين (رويترز)

​ضاعف الحصار الذي يفرضه الحوثيون على مدينة تعز اليمنية معاناة مئات الآلاف من سكانها، بعدما ارتفعت أسعار السلع الأساسية إلى 5 أضعاف مستوياتها المعتادة، وسط استمرار إغلاق الطرق المؤدية إلى المدينة، وتعثر الجهود الإنسانية الرامية إلى فتح ممر آمن لإيصال المساعدات، في وقت تتسع فيه موجة النزوح من مناطق القتال غرب البلاد وجنوبها.

وقالت المنظمة الدولية للهجرة، إن التصعيد العسكري الأخير والقتال الناتج عنه تسببا في ارتفاع حاد لأسعار المواد الأساسية في تعز؛ حيث زادت تكلفتها ما بين 3 و5 أضعاف، نتيجة قطع طرق الوصول إلى المناطق المحيطة بالمدينة، الأمر الذي جعل حتى المواد الغذائية الضرورية بعيدة عن متناول كثير من العائلات.

وأضافت المنظمة أن أكثر من 300 ألف شخص اضطروا إلى الفرار من منازلهم مع تصاعد القتال في غرب اليمن، وأن معظم عمليات النزوح وقعت خلال الشهرين الماضيين، وسط صعوبات متزايدة تواجه الأسر في العثور على مأوى وتأمين احتياجاتها الأساسية، بالتزامن مع قيود تعرقل وصول وكالات الإغاثة إلى المتضررين.

الحوثيون يفرضون حصاراً على مدينة تعز منذ 4 أسابيع (إعلام محلي)

وقال رئيس بعثة المنظمة الدولية للهجرة، عبد الستار إيسويف، إن العائلات اليمنية تجد نفسها، بعد سنوات من الصراع، مضطرة إلى النزوح مجدداً، وغالباً لا تملك سوى الملابس التي ترتديها، مؤكداً حاجتها العاجلة إلى المأوى والغذاء والمياه النظيفة والرعاية الصحية.

وحذر إيسويف من أن نقص التمويل قد يترك آلاف العائلات دون المساعدة التي تحتاج إليها بشدة، في وقت تزداد فيه الاحتياجات الإنسانية مع اتساع رقعة المواجهات والنزوح.

ومنذ مطلع أكتوبر (تشرين الأول)، نزح أكثر من 43 ألف شخص من مديرية المضاربة والعارة في محافظة لحج، وهو أعلى عدد مسجل في مديرية واحدة على مستوى اليمن، وفق المنظمة. وفي المقابل، تزداد حركة النزوح داخل محافظة تعز، بينما تتجه عائلات كثيرة إلى مدينة عدن التي تستضيف حالياً أكثر من 56 ألف نازح.

وفي محاولة لتخفيف التداعيات الصحية للأزمة، تشغِّل المنظمة 5 فرق طبية متنقلة في 4 محافظات، هي مأرب ولحج وعدن وتعز، بينها فريقان في الأخيرة، لتقديم خدمات الرعاية الصحية الأولية والاستشارات الطبية والصحة الإنجابية، إلى جانب معالجة سوء التغذية الحاد والتطعيم والإحالات الطبية وخدمات الصحة النفسية والحماية والرعاية الطارئة.

وقدمت الفرق الخمسة نحو ألف استشارة طبية خلال الأسبوع الماضي، في المناطق التي تعاني نقصاً في الخدمات أو تتأثر بالأزمات الإنسانية.

45 مليون دولار للاحتياجات العاجلة

في ظل اتساع الاحتياجات، قالت المنظمة الدولية للهجرة إن الاستجابة الإنسانية لا تزال بحاجة إلى تمويل إضافي، رغم المساهمات التي تلقَّتها لتوسيع نطاق تدخلاتها، محددة احتياجاتها بنحو 45 مليون دولار خلال الأشهر الستة المقبلة.

ويُفترض أن يغطي التمويل المطلوب المساعدات المنقذة للحياة، بما فيها المأوى والمساعدات النقدية الطارئة والمواد الأساسية غير الغذائية والحماية والرعاية الصحية والمياه النظيفة والصرف الصحي، فضلاً عن تنسيق مواقع النزوح وتتبع حركة السكان.

موجة نزوح مستمرة جرَّاء استهداف الحوثيين التجمعات السكنية (إعلام محلي)

وتأتي هذه التدخلات ضمن خطة الاستجابة لأزمة اليمن التي تستهدف الأسر النازحة والمجتمعات المضيفة، إلى جانب خطة الاستجابة الإقليمية للمهاجرين في القرن الأفريقي واليمن، المعنية بمساعدة المهاجرين القادمين من القرن الأفريقي عبر الأراضي اليمنية.

ورغم أن الحوثيين يفرضون الحصار على مدينة تعز، ويواصلون استهداف التجمعات السكانية في أريافها ومناطق غرب لحج، اكتفت المنظمة الدولية للهجرة بدعوة جميع أطراف النزاع إلى حماية المدنيين والعاملين في المجال الإنساني، وضمان وصول المساعدات بصورة آمنة ودون عوائق؛ خصوصاً إلى المناطق التي يصعب الوصول إليها في محافظة تعز.

استهداف القرى

في سياق متصل، أفادت مصادر حكومية يمنية «الشرق الأوسط» باستمرار تدفق الفارين من مناطق سيطرة الحوثيين في غرب محافظة لحج ومناطق التماس مع تعز، نتيجة استمرار استهداف القرى السكنية بالقذائف الصاروخية والطائرات المُسيَّرة؛ خصوصاً في مديريتي المقاطرة والمضاربة.

أكثر من 300 ألف نازح يمني جرَّاء العدوان الحوثي المستمر منذ سبتمبر الماضي (إعلام محلي)

وذكرت المصادر أن الحوثيين، بعد إغلاق الطرق المؤدية إلى أرياف محافظة تعز، صعَّدوا استهداف التجمعات السكانية في أطراف مديرية المقاطرة، بالتزامن مع مواصلة إطلاق القذائف والطائرات المُسيَّرة على قرى مديرية المضاربة، التي تشهد أطرافها مواجهات متواصلة مع القوات الحكومية منذ أكثر من شهر.

وتضيف هذه التطورات ضغوطاً جديدة على السكان في المناطق الريفية؛ حيث يتزامن إغلاق الطرق واستهداف القرى مع ارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع فرص الحصول على الغذاء والمياه والخدمات الصحية، في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الوصول إلى المتضررين.


«كرامات» مصطنعة في صنعاء لتوسيع التجنيد الحوثي

مقبرة لقتلى الميليشيات الحوثية في أحد أحياء العاصمة المختطفة صنعاء (فيسبوك)
مقبرة لقتلى الميليشيات الحوثية في أحد أحياء العاصمة المختطفة صنعاء (فيسبوك)
TT

«كرامات» مصطنعة في صنعاء لتوسيع التجنيد الحوثي

مقبرة لقتلى الميليشيات الحوثية في أحد أحياء العاصمة المختطفة صنعاء (فيسبوك)
مقبرة لقتلى الميليشيات الحوثية في أحد أحياء العاصمة المختطفة صنعاء (فيسبوك)

​لجأت الميليشيات الحوثية إلى أساليب دعائية لاستقطاب مزيد من المقاتلين إلى صفوفها، عبر رش العطور وروائح المسك والعنبر والعود على قبور قتلاها، قبل تنظيم زيارات للسكان إليها، في محاولة لتصوير الروائح المنبعثة منها بوصفها «كرامات» دينية، وإضفاء هالة من القداسة على الموتى، بما يخدم حملات التعبئة والتجنيد، ويقدم الانخراط في جبهات القتال بوصفه طريقاً إلى منزلة استثنائية.

وكشفت مصادر مطلعة في صنعاء، لـ«الشرق الأوسط»، عن صدور تعليمات من زعيم الجماعة إلى أتباعه، تقضي بتوفير العطور ورشها على قبور عدد من قتلاها؛ خصوصاً المنتمين إلى سلالته المزعومة، قبل تنظيم زيارات ميدانية للسكان إلى المقابر، يُجبَر كثيرون، بينهم طلاب مدارس، على المشاركة فيها ضمن الفعاليات السنوية التي تقيمها الجماعة تحت اسم «أسبوع الشهيد».

وحسب المصادر، تتعمد الجماعة استغلال الروائح المنبعثة من القبور، بعد إغراقها بالعطور، للترويج لروايات عن «كرامات» مزعومة، وإيهام الزوار بأنها دليل على منزلة استثنائية لقتلاها، في مسعى للتأثير على مشاعر ذويهم وتوظيف المعتقدات الدينية للسكان؛ خصوصاً الشباب وصغار السن، ودفعهم إلى الالتحاق بجبهات القتال.

تربويون وطلاب يمنيون أجبرهم الحوثيون على تنظيم زيارة لمقابر قتلاهم (إكس)

وخصصت ما تسمى «مؤسسة الشهداء» و«الهيئة العامة لرعاية الشهداء»، التابعتان للجماعة، أموالاً لشراء العطور ورشها على قبور القتلى، في مقابر استحدثتها خلال السنوات الماضية في أحياء متفرقة من صنعاء، بينها عصر والجراف ومسيك، في مديريات معين والثورة وآزال.

وسبقت هذه التحركات أعمال تزيين وتوسعة لعدد من المقابر، تمهيداً لتنظيم الزيارات والفعاليات الدعائية المرتبطة بالمناسبة. وأوضحت المصادر أن هذه الممارسات ظلت خلال السنوات الماضية محصورة إلى حد بعيد في صعدة، المعقل الرئيسي للجماعة، قبل أن تتجه الجماعة إلى تعميمها في صنعاء ومدن أخرى، بالتزامن مع تصعيد حملات التجنيد، لتعويض خسائرها البشرية في جبهات القتال.

وتسعى الجماعة، من خلال هذه الأنشطة، إلى تحويل مقابر قتلاها إلى منصات للتعبئة الآيديولوجية واستقطاب مقاتلين جدد، وتوظيف مشاهد الموت ومآسي الأُسَر لتسويق القتال في صفوفها، وتصوير القتلى بوصفهم نماذج يُحتذى بها، بينما لا تحصد عائلاتهم -وفقاً للمصادر- سوى الفقد والتشرد وتفاقم الأعباء الاجتماعية والإنسانية.

استياء من استغلال المقابر

أثارت هذه الممارسات موجة من السخرية والاستياء في أوساط سكان صنعاء، الذين اعتبروا رش العطور على القبور ثم تقديم روائحها بوصفها «كرامات» محاولة للتضليل والاستخفاف بعقول المواطنين، واستغلال الحزن الذي تعيشه أُسَر القتلى، لتحويل المقابر إلى أدوات دعائية تخدم حملات التجنيد والتحشيد.

وقال تربوي، أُجبر مع طلاب مدرسة حكومية في صنعاء، قبل أيام، على زيارة إحدى مقابر الجماعة، إن مشرفين حوثيين حاولوا إقناع الزوار بوجود روائح طيبة تنبعث من بعض القبور، وقدموا ذلك بوصفه دليلاً على ما وصفوه بـ«الكرامات».

جانب من زيارات قيادات حوثية لمقابر قتلاهم في ريف صنعاء (إعلام حوثي)

وأضاف أن المشرفين تعمدوا لفت انتباه الطلاب والزوار إلى تلك الروائح، في محاولة لترسيخ روايات الجماعة حول قتلاها، والتأثير على قناعات الأجيال الصغيرة. وقال: «من المعيب جداً أن تتحول قبور القتلى إلى وسيلة لخداع الناس والتأثير على عقولهم، عبر خرافات مصطنعة تخدم أهدافاً ترمي إلى استدراج مزيد من المقاتلين إلى الجبهات».

من جهته، يقول ناصر -وهو صاحب متجر في صنعاء- إن الميليشات الحوثية لم تكتفِ بمصادرة حياة السكان وفرض الضغوط عليهم؛ بل امتدت ممارساتها إلى استغلال المقابر ومآسي الأُسَر لتسويق مشروعها القتالي، وإقناع الشباب وصغار السن بأن الالتحاق بصفوفها غاية تستحق التضحية بالحياة.

وأضاف أن الجماعة تنفق الأموال على سكب العطور وتزيين القبور وتنظيم الفعاليات الدعائية حولها، بدلاً من توجيهها إلى رعاية أسر القتلى، وتعويض الأطفال الذين فقدوا آباءهم في حروبها. وقال: «من السهل سكب العطور على القبور، ولكن الأصعب هو مواجهة أُسَر القتلى بحقيقة ما خسرته».