مناهضو التطعيم يعزّزون حضورهم في المجتمع الأميركي بدعم من ترمب

بينما ينتظر العالم اللقاح لمواجهة جائحة «كوفيد ـ 19»

مناهضو التطعيم يعزّزون حضورهم في المجتمع الأميركي بدعم من ترمب
TT

مناهضو التطعيم يعزّزون حضورهم في المجتمع الأميركي بدعم من ترمب

مناهضو التطعيم يعزّزون حضورهم في المجتمع الأميركي بدعم من ترمب

في الوقت الذي تتسابق شركات الأدوية والمختبرات العلمية على تطوير لقاح لفيروس «كوفيد - 19» قد يحمل الأمل في إنهاء تأثيرات هذه الجائحة التي ضربت سبل عيش معظم شعوب العالم وإنقاذ أرواح الملايين، يرفض الألوف من معتقدات وأديان ودول مختلفة تلقي اللقاح الموعود.
وفي الولايات المتحدة يرفض عدد كبير من الأميركيين تلقي اللقاح لتجنب فيروس الجائحة، ويكثّفون جهودهم، مع مجموعات سياسية ومدنية وحركية – يعضها مسلّح – من رافضي قرارات إغلاق البلاد. ويتظاهر هؤلاء للمطالبة بوقف سياسة التباعد الاجتماعي وإعادة فتح الاقتصاد، في خطوة يرى البعض أنها تلتقي مع شعارات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الساعي جاهدا لوقف تلك الإجراءات، على أمل تحسين ظروف الاقتصاد الأميركي، وذلك قبل موعد الانتخابات الرئاسية والعامة المقرّرة في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، للفوز بولاية ثانية.

ظاهرة رفض اللقاح ليست طارئة أو حديثة، إذ لطالما شهد العالم الصراع بين المؤمنين بالعلم والتقنيات الحديثة وتأثيراتها على سبل حياة البشر من جهة، وأصحاب المعتقدات والعديد من الجماعات المتدينة التي تشدد على أن للعلم حدوداً لا يمكنه تجاوزها.
بيد أن الأمر لا يعفي من طرح التساؤل عن تجذّر هذه الظاهرة في بلد يعتبر أكبر وأهم وأكثر الدول المتطورة علميا كالولايات المتحدة... البلد الذي كان ولا يزال سبّاقا في اكتشاف الأدوية والعقاقير واللقاحات، التي خرجت من مختبراته وشركات الأدوية فيه لعلاج البشرية.
إن الحركة المناهضة للقاح أو التطعيم وخصوصا للأطفال، قديمة قدم ظهور اللقاح أو التطعيم نفسه، رغم نتائجه المذهلة وتوفره. ولقد صنّفت منظمة الصحة العالمية تلك الحركات بأنها واحدة من بين أكبر 10 تهديدات للصحة في العالم عام 2019. ويشمل هذا التصنيف: الرفض التام للتطعيم وتأخير اللقاحات أو التشكيك بقبولها واستخدامها، أو استخدام لقاحات معينة دون غيرها. وتتناقض الحجج التي يقدمها المناهضون للتطعيم مع الإجماع العلمي الساحق حول سلامة اللقاحات وفعاليتها.

- ادعاءات وأسباب وحيثيات
يناقش مناهضو التطعيم بأن ترددهم في قبوله يقوم على عوامل رئيسية، بينها: انعدام ثقة الشخص باللقاح أو بمقدم الرعاية الصحية وقلة إحساسهم بالراحة، أو أنهم لا يشعرون بالرضى ولا يرون حاجة إلى اللقاح وقيمته. وهذا الرفض وجد منذ اختراع التطعيم، وسبق تاريخ صياغة مصطلحي «لقاح» و«تطعيم» بحوالي 80 سنة. لا، بل إن الحركات المضادة للتطعيم تعود على الأقل إلى العام 1796. عندما اخترع البريطاني إدوارد جينر لقاح الجدري. لكن العديد من الخبراء يقولون إن السبب الحالي يمكن إرجاعه إلى العام 1982. عندما بثّت شبكة «إن بي سي» الأميركية فيلما وثائقياً أثار جدلا في بريطانيا، يربط بشكل مزعوم بين لقاح السعال الديكي (الشهقة)، وهو مرض قاتل يمكن أن يسبب مشاكل في الرئة، ونوبات عند الأطفال الصغار. ورغم انتقاد الأطباء الشديد للفيلم لافتقاره إلى الدقة بشكل خطير، فإن الخوف كان قد انتشر، وأخذت تتشكل مجموعات مناهضة للتطعيم، فأوقفت العديد من الشركات إنتاج اللقاح، مفضلة الخسارة على الصداع.
وفي العام 1998، نشر أندرو ويكفيلد، اختصاصي أمراض الجهاز الهضمي البريطاني، دراسة في دورية «لانسيت» الطبية، ربطت بين اللقاح ضد الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية... ومرض التوحّد. وثبت لاحقاً بطلان ما زعمته هذه الدراسة. غير أن بعض الآباء اعتبر أن الإجابة كانت واضحة - رغم أن معظمهم لم يعرف تلك الأمراض، لأن اللقاحات ببساطة كانت قد قضت عليها - لكنهم كانوا يعرفون التوحّد.
لكن، رفض اللقاحات غالباً ما كان يؤدي إلى تفشي الأمراض والوفيات التي كان يمكن تجنبها أو الوقاية منها باللقاحات. واعتمد مناهضو اللقاح الإلزامي على المشاعر المضادة للقاح، أو القلق من أنه ينتهك الحريات المدنية أو يقلل من ثقة الجمهور في التطعيم، أو الشك في الاستفادة من صناعة الأدوية.

- رافضو اللقاح من الحزبين
في أي حال، لم تقتصر الحركة المضادة للقاحات في الولايات المتحدة على حزب سياسي واحد. بل كان من بين المنتقدين منظمة «الدفاع عن صحة الطفل» الليبرالية والسياسي الديمقراطي روبرت كينيدي الابن. واليوم، ثمة، عدد من خبراء البيئة يشتبهون في أن شركات الأدوية الكبرى تساهم في حملات ترويج هدفها الإسراع في تطوير لقاحات للفيروسات التاجية (الكورونا) الخطرة غير المؤكدة بعد - بحسب رأيهم - كجزء من صفقة مربحة لشركات إنتاج الدواء. وهذا، رغم المخاطر المعروفة للملوثات البيئية.
في المقابل، يعارض العديد من المحافظين المناهضين للقاحات دعوات الحكومة للتحصين لأنهم ببساطة لا يثقون بـ«جهاز الحكومة الكبير»... أو «الدولة العميقة». وهؤلاء، في هذا ينسجمون مع أيديولوجيتهم المحافظة الداعية إلى خفض حجم الدولة والقطاع العام ورفض تدخلها في حياة الناس. وعلى سبيل المثال دعت مجموعة تسمى «التكساسيون من أجل خيار التطعيم» حاكم ولاية تكساس إلى التعهد بألا يجبر أي شخص على الحصول على لقاح ضد فيروس «كوفيد - 19» قبل الذهاب إلى العمل أو المدرسة. كذلك دعت مجموعة يمينية تدعى «خيار الصحة» وأخرى تدعى «ملائكة الحرية» في ولاية كاليفورنيا التي يهيمن عليها الديمقراطيون، في منشورات على موقع «فيسبوك» إلى التصدي لإجبار السكان على التطعيم، وشككت الجماعتان في أوامر «البقاء في المنزل» وإغلاق متاجر الأسلحة، واتهمتا الحكومة والمسؤولين برفض «الاعتراف بالأوامر الخطأ»، وبالاعتداء على الإعلان الدستوري الثاني. بل ترى «ملائكة الحرية» أن حمل الأسلحة قد يكون ضرورياً للحماية من الشغب والنهب خلال فترة تفشي الجائحة، علما بأن مبيعات السلاح في الولايات المتحدة سجلت ارتفاعا قياسيا منذ بدء انتشارها.
وفي حين تسعى المجموعات المناهضة للقاحات الآن لتغيير اسمها إلى «مدافعين عن الحرية الطبية»، يترافق ذلك مع الاحتجاجات التي اقتصرت حتى الآن على بضع مئات من الأشخاص، انطلقت ضد التباعد الاجتماعي في ولاية ميشيغان أولا، وامتدت لاحقا إلى ولايات تكساس وكولورادو ونيفادا وماريلاند وويسكونسن وكاليفورنيا وأماكن أخرى.
غير أن إدارات الشرطة في عدد من الولايات ألغت في وقت لاحق تصاريح مستقبلية للاحتجاجات لتلك المجموعات، بحجة انتهاكها قواعد التباعد الاجتماعي التي أصدرها حكامها.
وينقل موقع الأخبار التابع لمؤسسة «كايسر» الصحية عن الدكتور ديفيد غورسكي عالم الأورام، قوله إن الذراع المحافظة لحركة مكافحة اللقاح تعد حليفا طبيعيا لأولئك الذين يقودون مسيرات «إعادة فتح أميركا»، وكلاهما لديه شكوك حول سلطة الحكومة.
ويضيف غورسكي إن منتقدي اللقاحات، على سبيل المثال، دافعوا منذ فترة طويلة عن الادعاء الكاذب بأن اللقاحات تسبب مرض التوحّد، وأن مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها حاولت إخفاء هذه المعلومات. ولا يخفى أن الرئيس ترمب كان قد ربط في بعض الأحيان بين اللقاحات والتوحّد، لكنه عاد ووافق على ضرورة التطعيم ضد وباء الحصبة، الذي عاد وانتشر بقوة عام 2019 في الولايات المتحدة. واليوم ثمة توقعات متشائمة بالنسبة لهذا المرض الشديد العدوى، إذ يُعتقد عادة أن معدل اللقاح لتحقيق «مناعة القطيع»، وهو المصطلح الذي يصف المعدّل الأمثل لحماية السكان بالكامل، هو 95 في المائة. ووجدت مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها أن معدل التطعيم لحقن الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية في رياض الأطفال خلال العام الدراسي 2017 - 2018 انخفض على المستوى الوطني إلى 94.3 في المائة، للعام الثالث على التوالي.

- تصاعد قوة الرافضين للقاح
كان توجيه السؤال عما إذا كان المرء يتلقى التطعيم خجولاً في البداية، إلا أن أحدا لم يكن يتوقع أن يزدهر في نهاية العقد الثاني من القرن الـ21 في الولايات المتحدة، رغم كل التقدم العلمي والطبي الذي تحققه. وفي حين تواجه العائلات خيارات صعبة لإعادة أطفالهم إلى المدارس، يزداد الشعور بمدى نمو الحركات المناهضة للقاح خلال العقود الماضية وتأثيرها على المجتمع الأميركي.
يقول البعض إن نمو هذه الحركات هو نتاج ثانوي أيضا لشائعات ومعلومات مضللة عبر الإنترنت، ضد شركات الأدوية والصيدليات الكبرى، وافتتاناً ببعض الشخصيات الشهيرة المناهضة للتطعيم، كجيني مكارثي وجيم كاري وأليسيا سيلفرستون ومغني «الراب» كيفين غيتس والسياسي روبرت كينيدي. والآن يدعم هؤلاء الرئيس ترمب على «تويتر» في تنظيم مظاهرات في عواصم الولايات «لإعادة فتح أميركا»، وخطاب إدارته المناهض للعلم، الذي عززه انسحابها من اتفاقية المناخ. وفي تحقيق لصحيفة «النيويورك تايمز»، يقول الدكتور بول أوفيت، خبير الأمراض المعدية في مستشفى الأطفال بمدينة فيلادلفيا (ولاية بنسلفانيا): «لقد أصبح العلم مجرد صوت آخر بعدما فقد منصته».
والآن، وبينما ينضم العديد من منتقدي اللقاح نفسه إلى مكافحة أوامر «البقاء في المنزل» وإغلاق الأعمال التي تهدف إلى وقف انتشار الفيروس القاتل، يقترب عدد الوفيات في الولايات المتحدة من 90 ألف شخص، بل هناك ترجيحات تتحدث عن احتمال وصول العدد إلى نحو 250 ألفا إذا ما تجدد انتشار الجائحة في الخريف المقبل. ويقول بيتر هوتز أستاذ طب الأطفال والفيزيولوجيا الجزيئية وعلم الأحياء الدقيقة في كلية بايلور للطب في مدينة هيوستن (ولاية تكساس)، «هذه مجرد طبقة جديدة من الطلاء للحركة المضادة للقاحات في أميركا، ووسيلة استغلالية بالنسبة لهم لمحاولة الحفاظ على أهميتهم». ويضيف أن تلك الجماعات المناهضة للقاحات تستغل المشاعر المعادية للحكومة التي أثارها المتظاهرون الذين يميلون إلى المحافظين لتعزيز قضيتهم... و«لسوء الحظ، قد تنجح استراتيجيتهم». أما الدكتورة جنيفر ريتش، عالمة الاجتماع في جامعة كولورادو بمدينة دنفر، التي تدرس سلوك العائلات المقاومة للقاحات: «إن مجرد القول بأن هؤلاء الآباء جهلة أو أنانيون لهو حكم سطحي».

- انتكاسة للمعارضين عام 2019
في المقابل، تعرض منتقدو اللقاحات لانتكاسات كبيرة في الولايات المتحدة خلال العام الماضي، إذ عززت العديد من الولايات قوانين التحصين استجابة لتفشي الحصبة التي تسبب بها رافضو اللقاحات. وشدّدت ولاية كاليفورنيا، كبرى الولايات الأميركية، قوانينها الإلزامية من اللقاحات في عام 2019 رغم الاحتجاجات، التي ألقى خلالها النشطاء المناهضون للقاحات الدم على أعضاء مجلس شيوخ الولاية، واعتدوا على واضعي قانون اللقاح، ما أدى إلى تعليق المجلس أعماله التشريعية.
وبالتالي، رغم ذلك، أقدمت الغالبية العظمى من الآباء والأمهات الأميركيين على بتطعيم أطفالهم... وتكاثرت المجموعات التي يقودها هؤلاء لمواجهة المشاعر المضادة للتحصين. وألغت خمس ولايات الإعفاءات لأسباب دينية أو فلسفية، وسمحت فقط بالاستثناءات لأسباب الطبية.
ووفق الأدلة العلمية، منعت فعالية حملات التطعيم الواسعة النطاق مليونين إلى ثلاثة ملايين حالة وفاة كل سنة في جميع أنحاء العالم بسبب التطعيم، وهذا، مع إمكانية منع 1.5 مليون حالة وفاة إضافية كل سنة إذا استخدمت جميع اللقاحات الموصى بها. فلقد ساعدت حملات التطعيم في القضاء على مرض الجدري، الذي قتل في يوم من الأيام طفلاً من بين 7 أطفال في أوروبا، ومن ثم، قضت على شلل الأطفال تقريبا. وفي مثال أكثر تواضعا، انخفضت الإصابات الناجمة عن «المستديمة النزلية» (Hib)، وهو سبب رئيسي لالتهاب السحايا الجرثومي والأمراض الخطيرة الأخرى لدى الأطفال، بأكثر من 99 في المائة في الولايات المتحدة منذ اعتماد اللقاح عام 1988. وتشير التقديرات العلمية، أيضاً، إلى أن التطعيم الكامل، منذ الولادة وحتى سن المراهقة، لجميع الأطفال الأميركيين الذين ولدوا في عام معين... من شأنه أن ينقذ حياة 33 ألف شخص ويمنع 14 مليون إصابة.
في المقابل يجادل البعض بأن هذا الانخفاض في الأمراض المعدية، هو نتيجة لتحسين نظام الصرف الصحي والنظافة الصحية، وليس التطعيم، أو أن هذه الأمراض كانت في انخفاض بالفعل قبل إدخال لقاحات محددة. غير أن هذه الادعاءات غير مدعومة ببيانات علمية، إذ تميل حالات الإصابة بالأمراض التي يمكن الوقاية منها باللقاحات إلى التذبذب بمرور الوقت حتى إدخال لقاحات محددة، ما أدى إلى خفض معدل الإصابة إلى ما يقرب من الصفر.

- خرافات ونظريات مؤامرة
مع هذا، يواصل مناهضو اللقاح الترويج لخرافات ونظريات مؤامرة ومعلومات خاطئة التي تربط بين اللقاحات وبعض الأمراض. ويعتمد هؤلاء على تكتيكات لتعزيز البحث غير ذي الصلة باعتباره تجميعاً نشطاً للعديد من الدراسات البحثية المشكوك فيها أو ذات الصلة في محاولة لتبرير حجج كامنة وراء ادعاءات مشكوك فيها.
وعلى سبيل المثال، يشدد مناهضو اللقاح على «متلازمة موت الرضّع المفاجئة»، وهي الأكثر شيوعا عند الأطفال، عندما يتلقون العديد من اللقاحات في وقت واحد وفي سن معينة. ونظرا لتعذّر تحديد سبب هذه المتلازمة بشكل كامل، سرّت مخاوف بشأن ما إذا كانت اللقاحات، خاصة اللقاحات المضادة للخانوق (الدفتيريا) والكزاز (التيتانوس)، من العوامل المسببة المحتملة. ومع هذا، أثبتت دراسات علمية عديدة منذ العام 2003. أن لا وجود لأي دليل يدعم وجود علاقة سببية بين التطعيم وموت الأطفال المفاجئ، لا بل أظهرت أدلة متزايدة على أن التطعيم قد يحمي الأطفال من الموت المفاجئ.
أيضاً، أثبتت الدراسات العلمية أيضا أن اللقاحات وسيلة فعالة من حيث الكلفة والوقاية لتعزيز الصحة، مقارنة بكلفة معالجة الأمراض الحادة أو المزمنة. وقُدّر التوفير الذي تحققه اللقاحات الروتينية الشائعة الاستخدام للأطفال في الولايات المتحدة، خلال عام 2001. ضد سبعة أمراض، بأكثر من 40 مليار دولار لكل مجموعة ميلاد سنوية من التكاليف الاجتماعية الشاملة... بما في ذلك 10 مليارات دولار في التكاليف الصحية المباشرة، ووفّرت نسبة فوائد اجتماعية بـ16.5 مليار دولار.


مقالات ذات صلة

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

حصاد الأسبوع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة

راغدة بهنام (برلين)
حصاد الأسبوع اوربان (آ ب)

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل.

«الشرق الأوسط» (برلين)
حصاد الأسبوع مضيق هرمز.... شريان حيوي لصادرات العراق ((ايبا)

العراق: حكومة بلا صلاحيات حرب... واقتصاد أسير لـ«مضيق هرمز»

بالكاد تمكّنت القوى السياسية العراقية الأسبوع الماضي من إتمام ثاني استحقاق دستوري بعد إجراء الانتخابات البرلمانية أواخر العام الماضي والمتمثل في انتخاب رئيس

حمزة مصطفى ( بغداد)
حصاد الأسبوع مسعود بارزاني (آ ب)

الكتل «المكوناتية» العراقية... والتعايش مع كسر «التوافقية»

> وسط الأجواء المعقدة، فإنه مع عجز كل من القوى الشيعية والكردية العراقية عن حسم مصير منصبي رئيس الحكومة والجمهورية خلال المدة المقرّرة، وهي شهر بعد إجراء


قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.