القضايا المحلية وصراع الأحزاب تتصدر التغطية الصحافية البريطانية

الصحافة الأميركية تتناول المواجهة بين الرئيس أوباما والحزب الجمهوري

القضايا المحلية وصراع الأحزاب تتصدر التغطية الصحافية البريطانية
TT

القضايا المحلية وصراع الأحزاب تتصدر التغطية الصحافية البريطانية

القضايا المحلية وصراع الأحزاب تتصدر التغطية الصحافية البريطانية

طغت القضايا المحلية على التغطية في الصحافة البريطانية هذا الأسبوع، وجاءت الانتخابات التكميلية لأحد مقاعد مجلس العموم لتعكس الصراع الدائر بين الأحزاب الرئيسة، خصوصا مع صعود حزب الاستقلال البريطاني اليميني المعادي لعضوية بريطانيا في الاتحاد الأوروبي. ومن القضايا الأخرى التي حازت قسطا وافرا من التغطية جاءت معركة بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي، وهذا ما أبرزته صحيفة «الديلي تلغراف»، وكذلك التغطية التي تميزت بها صحيفة «الغارديان» حول الدور المستقبلي لولي عهد بريطانيا الأمير تشارلز عندما يصبح ملكا في النقاش الدائر حول مواضيع محلية ساخنة مثل البيئة والزراعة والفن المعماري.
وتحت عنوان «تشارلز الثالث سيتكلم بصراحة حول أفكاره»، كتبت الصحيفة تقول إن ولي العهد (الذي سيصبح تشارلز الثالث عندما يتم تتويجه) سيكون على أتم الاستعداد عندما يصبح ملكا لإعادة النظر في دور الملكية في الحياة البريطانية»، وأنه «سيتكلم بصراحة في القضايا القريبة إلى قلبه». الصحيفة استقت معلوماتها من مصادر قريبة من مكتب ولي العهد.
وعلى صفحتها الأولى وفي العدد نفسه أظهرت «الغارديان» أن هناك مزيدا من أعضاء الجناح اليميني من داخل حزب المحافظين يفكرون في الانضمام إلى حزب الاستقلال، وجاء ذلك على لسان مارك ريكليس، الذي استقال من حزب المحافظين وانضم للاستقلال وفرض انتخابات تكميلية في دائرته الانتخابية.
وفي أعداد يوم الجمعة اختارت الصحف الرئيسة صعود حزب الاستقلال والتهديد الذي قد يمثله لمعظم الأحزاب الرئيسة وإمكانية تغيير الخارطة السياسية والحزبية البريطانية في الانتخابات العامة المقبلة في مايو (أيار) المقبل.
وأظهرت الصحف فوز حزب الاستقلال بمقعد ثان في مجلس العموم بعد الانتخابات التكميلية في جنوب إنجلترا، مظهرة بذلك تواصل النجاحات التي حققها الحزب المناوئ لعضوية لاتحاد الأوروبي. وكان قد انشق مرشح حزب الاستقلال مارك ريكليس عن حزب المحافظين الحاكم في سبتمبر (أيلول)، وأعيد انتخابه في دائرة روتشستر وسترود بعد انتخابات الخميس. وأظهرت الصحف حصول ريكليس على أكثر من 16 ألف صوت مقابل حصول مرشحة حزب المحافظين كيلي تولهورست على 14 ألف صوت، وحلت مرشحة حزب العمال نوشابه خان في المرتبة الثالثة، حسب صحيفة «الغارديان»، وأن رئيس الوزراء ديفيد كاميرون قد خسر بالفعل مقعدا من مقاعد حزب المحافظين أمام حزب الاستقلال. وهناك مخاوف من أن يشجع فوز ريكليس محافظين آخرين، ممن يرغبون في خروج بريطانيا من التكتل الأوروبي، وهذا ما ركزت عليه صحيفة «الغارديان»، ومن خلال تصريحات أدلى بها ريكليس بعد فوزه بالمقعد ممثلا حزبه الجديد.
وتحت عنوان «فاراج (نايجل فاراج زعيم حزب الاستقلال): بدأنا مسيرتنا» كتبت صحيفة «الديلي تلغراف» تقول إن حزب الاستقلال قد يصبح ثالث أكبر حزب في الانتخابات العامة المقبلة في مايو المقبل، التي بدأ يهيمن عليها، أي الأحزاب، القلق مع ارتفاع مستوى الهجرة، لا سيما من دول الاتحاد الأوروبي، التي ستشكل صفعة لرئيس الوزراء ديفيد كاميرون قبيل الانتخابات العامة، وأن هناك مخاوف من أن يشجع فوز ريكليس على هجرة محافظين آخرين ممن يرغبون في خروج بريطانيا من التكتل.
وفي يوم الانتخابات التكميلية كتبت صحيفة «الديلي تلغراف» المحافظة تحت عنوان «على الاتحاد الأوروبي أن يتغير أو أننا سنضطر إلى الخروج منه»، مستندة إلى مصادر متنفذة في داخل حزب المحافظين تطلب دوما من رئيس الوزراء أن يتخذ سياسات صارمة اتجاه مسألة الهجرة.
صحيفة «الإندبندنت» ركزت في تغطيتها على الشركات الأجنبية التي تستثمر في شركات الخدمات العامة وكيف أنها تجني مئات الملايين على حساب دافعي الضرائب. وتحت عنوان «العالم يصبح ثريا من الخدمات العامة البريطانية» كتبت الصحيفة تقول بأن حكومات غربية تجني مئات الملايين من الجنيهات الإسترلينية من خلال استثماراتها في الخدمات العامة، مثل سلطات المياه والطاقة، التي تدار من قبل شركات حكومية أجنبية، وهذه تتخلص من دفع الضرائب المستحقة عليها من خلال قوانين الخصخصة وسياسات السوق.
وفي الإعلام الأميركي جاءت التغطية خلال الأسبوع الماضي ليسيطر عليها حدثان مهمان: المواجهة الساخنة جدا بين الرئيس باراك أوباما وقادة الحزب الجمهوري في الكونغرس، والعاصفة الباردة جدا التي اكتسحت شمال شرقي الولايات المتحدة.
في بداية الأسبوع، هبت عاصفة ثلجية سجلت أرقاما قياسية، وذلك لأن شهر نوفمبر (تشرين الثاني) ليس، عادة، شهرا شتويا. هبت العاصفة على الولايات حول البحيرات الـ5 الكبرى، بما في ذلك ولايات نيويورك، بنسلفانيا، ميتشيغان، ويسكونسن، أوهايو. وتقطع السبل بآلاف السيارات والشاحنات. وأعلن حاكم ولاية نيويورك حالة الطوارئ. وركزت القنوات التلفزيونية على صور الجليد وقد وصل إلى ارتفاع 30 بوصة (عادة، تترك العاصفة الجليدية أقل من 10 بوصات). ونقل تلفزيون «إيه بي سي» صورة إنسانية لامرأة عجوز وكلبها وهي لا تقدر على إخراجه من المنزل لأن الجليد تراكم على باب المنزل.
وفي بداية الأسبوع، وبصوتين فقط، هزم مجلس الشيوخ مشروع قانون لمد خط أنابيب «كيستون» للسماح لنفط الرمال النفطية في كندا بالتدفق إلى ساحل خليج تكساس، في أقصى الجنوب. وقالت صحيفة «واشنطن بوست»: «هذه المرة، تحدى قادة الحزب الجمهوري الرئيس أوباما، وأعلنوا أنهم تعبوا، وسئموا، من تردد أوباما للوصول إلى حل وسط». هذه إشارة إلى أن أوباما، والديمقراطيين والتقدميين، والمدافعين عن نظافة البيئة، ظلوا يعارضون المشروع لـ5 سنوات تقريبا.
في الجانب الآخر، قالت صحيفة «واشنطن تايمز» اليمينية: «هزيمة المشروع لا تعنى نهايته». هذه إشارة إلى أن الجمهوريين، مع بداية الكونغرس الجديد في بداية العام المقبل، سيسيطرون على مجلس الشيوخ (ظلوا يسيطرون على مجلس النواب).
وفي منتصف الأسبوع، عاد العنف إلى واجهة الصحف وأخبار التلفزيون الرئيسة.
وصف تلفزيون «سي إن إن» تفجيرا انتحاريا في كابل على مركز للشرطة بأنه ينذر بمزيد من التفجيرات عندما تنسحب قوات حلف الناتو مع نهاية العالم.
وركزت وسائل الإعلام كلها على قتل 4 حاخامات يهود (3 يحملون الجنسيتين: الأميركية والإسرائيلية)، وإصابة 8 أشخاص آخرين بجروح في هجوم على كنيس يهودي في القدس. نفذ الهجوم رجلان يحملان سواطير لحم وبنادق، ثم قتلا على يد الشرطة. وبقدر ما أدانت التعليقات الإعلامية ما حدث، بدا وكأنها ترحب بانتقام من جانب إسرائيل. وكرر الإعلام تصريحات بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء إسرائيل، وهو يتعهد بالانتقام، ثم هو يلقي باللوم على الفلسطينيين في السلطة الفلسطينية، وليس فقط على منظمات مثل حماس والجهاد الإسلامي.
ولإضافة جوانب إنسانية، ذهب تلفزيون «فوكس» اليميني إلى منازل أقرباء بعض الذين قتلوا، وغطى صلوات أقيمت في معابد يهودية في الولايات المتحدة. وطبعا، غطت كل القنوات التلفزيونية خطابا قصيرا غاضبا ألقاه الرئيس أوباما. وفي نهاية الأسبوع، كان عدد القتلى من العاصفة الثلجية زاد على 10، مع توقع فيديوهات مثيرة للفيضانات الغزيرة عندما تذوب جبال الجليد.
وفي نهاية الأسبوع، ارتفعت أكثر درجة حرارة المواجهة بين أوباما وقادة الحزب الجمهوري في الكونغرس. وفي ظاهرة نادرة تاريخيا، رفع مجلس النواب دعوى قضائية ضد الرئيس أوباما لإلغاء تنفيذ قانون الرعاية الصحية لكل الأميركيين (أوباما كير)، وذهبت كاميرات التلفزيون إلى أمام المحكمة الفيدرالية في واشنطن لتصوير الحدث التاريخي.
ويتوقع رفع قضية أخرى عن موضوع الأجانب المقيمين في الولايات المتحدة إقامات غير قانونية. ويتوقع تجمع كاميرات التلفزيون أمام مبنى المحكمة نفسه. وكان أوباما أعلن أوامر تنفيذية لتأجيل ترحيل 5 ملايين من المهاجرين غير الشرعيين. خاصة آباء الأطفال المولودين هنا، وصاروا من مواطني الولايات المتحدة، وأيضا، المقيمين الدائمين القانونيين الذين عاشوا في الولايات المتحدة لمدة 5 سنوات أو أكثر، وكذلك، الذين جاءوا إلى الولايات المتحدة وهم صغار في السن (ليس الذنب ذنبهم).
ونقل تلفزيون «سي بي إس» مناظر آلاف المتظاهرين وهم يتجمعون في مكسيكو سيتي، عاصمة المكسيك، في ذكرى اختفاء 50 طالبا يعتقد أن عصابات خطفتهم وقتلتهم. وكان مغزى «سي بي إس» أن الفوضى في المكسيك ستعني مزيدا من ملايين المهاجرين إلى الولايات المتحدة، قانونيين وغير قانونيين.



استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
TT

استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)

استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي كادر «الإخبارية السورية» وعدداً من الإعلاميين بشكل مباشر أثناء تغطيتهم سقوط مسيرة إيرانية بفعل الدفاعات الجوية، دون تسجيل إصابات.

وأوضح مراسل القناة، أنه نجا بأعجوبة من القصف الإسرائيلي بعد سقوط القذيفة المدفعية بجانبه وما ألحقته من تناثر الشظايا في المكان، إضافة لنجاة بقية الإعلاميين الذين كانوا موجودين في المنطقة المستهدفة.

وأضاف المراسل أن الجيش الإسرائيلي أطلق قذائف هاون بين قرية الصمدانية الغربية وسدّ المنطرة في ريف القنيطرة الأوسط، دون ورود معلومات عن إصابات إضافية.

وفي 11 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي عند أطراف مدخل قرية الصمدانية الشرقية، ضمن سلسلة انتهاكات مستمرة جنوب البلاد. وأقامت القوات وفق ما أفاد مراسل «الإخبارية» حاجزاً عند مفرق الصمدانية - العجرف مؤلفاً من ثلاث آليات عسكرية.

وتستمر قوات الاحتلال في اعتداءاتها وتوغلاتها داخل الأراضي السورية، ولا سيما في ريفي القنيطرة ودرعا، وتنفذ اعتداءات بحق المدنيين واعتقالات وتخريب.

الباحث السوري نوار شعبان، وصف ما جرى في القنيطرة بأنه لا يمكن التعامل معه بوصفه حادثة عابرة، بل يمثل تطوراً خطيراً، لأنه لا يتعلق فقط باعتداء عسكري، بل باستهداف مباشر لعمل إعلامي وصحافي.

وأضاف في تغريدة على منصة «إكس»، أن الإعلاميين كانوا يقومون بعملهم الطبيعي في نقل ما يجري على الأرض، وهو عمل يفترض أن يكون محمياً وفق القوانين الدولية التي تحمي الصحافيين أثناء النزاعات. مشدداً على أن استهدافهم بهذا الشكل يفتح سؤالاً كبيراً حول سلامة العمل الإعلامي في الجنوب السوري، خاصة في ظل تكرار القصف والتوغلات الإسرائيلية في ريف القنيطرة خلال الفترة الأخيرة.

صورة للقصف الإسرائيلي على موقع تجمع الصحافيين السوريين في القنيطرة (متداولة)

وطالب شعيب وزارة الخارجية السورية بإصدار بيان رسمي واضح يدين هذا الاعتداء ويستنكره، ويضعه في إطاره الصحيح كونه استهدافاً لحرية العمل الإعلامي وسيادة الأراضي السورية، معتبراً أن ترك مثل هذه الحوادث دون موقف رسمي يعني تحويلها إلى أمر اعتيادي.

عناصر من قوات الأمم المتحدة تتفقد بقايا الصاروخ في قرية الحيران بريف القنيطرة (سانا)

وكانت قوات الاحتلال الإسرائيلي قد توغلت، الثلاثاء، على الطريق الواصل بين قرية نبع الفوار في ريف القنيطرة الشمالي، وقرية حرفا في ريف دمشق الغربي.

وذكر مراسل «سانا» في القنيطرة، أن قوة للاحتلال مؤلفة من عدة آليات عسكرية توغلت على الطريق الواصل بين القريتين، ونصبت حاجزاً مؤقتاً في المنطقة، وعمدت إلى تفتيش المارة، دون ورود أنباء عن أي حالات اعتقال.

ويواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي اعتداءاته وخرقه اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 عبر التوغلات المتكررة في جنوب سوريا، والاعتداء على المواطنين بالمداهمات والاعتقالات التعسفية والتهجير القسري وتدمير الممتلكات وتجريف الأراضي الزراعية.


خطة أوروبية شاملة لتحصين المؤسسات الإعلامية

فون در لاين (تاس)
فون در لاين (تاس)
TT

خطة أوروبية شاملة لتحصين المؤسسات الإعلامية

فون در لاين (تاس)
فون در لاين (تاس)

تنعم وسائل الإعلام في بلدان الاتحاد الأوروبي منذ سنوات بدرجة عالية من الحرية والاستقلالية. وتنشط في أجواء تكاد تكون مثالية لممارسة مهنة الصحافة، التي تحميها «ترسانة» من التشريعات والقوانين المخصّصة للدفاع عن حرية الرأي والتعبير، والحفاظ على حقوق الصحافيين، وسرّية المصادر التي يستقون منها معلوماتهم.

ولكن خلال السنوات الأخيرة، أصبح الإعلام الأوروبي أحد الأهداف المركزية لما يسمّى «الحرب الهجينة» التي تشنّها الأطراف الخارجية التي تسعى لتقويض «المشروع الأوروبي»، أو إبعاده عن مساره التأسيسي، أو التأثير في مجرى أحداثه السياسية والاجتماعية، خدمة لتوجّه جيوسياسي معيّن. وفي هذا السبيل، باتت تستعين - بشكل أساسي لتحقيق أهدافها - بالفرص اللامحدودة التي تتيحها التكنولوجيا الرقمية، وما طرأ عليها من تطوّرات هائلة توّجها أخيراً الذكاء الاصطناعي، الذي بدأ يُحدِث ثورة عميقة في النشاط الصحافي، وطرائق عمل وسائل التواصل الاجتماعي والمنصّات الرقمية.

تدخلات واختراقات... روسية وأميركية

وحقاً، تفيد دراسات عدة، وضعتها أجهزة «الاتحاد الأوروبي» ومؤسّسات خاصة في الدول الأعضاء، بأن معظم البلدان الأوروبية تتعرّض منذ سنوات لاختراقات ممنهجة وموجهة عن طريق وسائل التواصل والمنصات الرقمية والمواقع الشبكية الوهمية. وتهدف هذه الاختراقات إلى نشر معلومات كاذبة وأخبار مزيّفة للتلاعب بنتائج الانتخابات، أو التحريض على اضطرابات، وأحياناً لزعزعة الأمن والاستقرار في الاتحاد الأوروبي.

أيضاً، تشير هذه الدراسات إلى أن روسيا، بمؤسساتها الرسمية وأجهزتها الاستخباراتية، تقف وراء قسم كبير من هذه التدخلات والاختراقات. وأيضاً تنشط منظمات وهيئات أميركية خاصة، تدور في فلك «المحافظين الجدد»، عن طريق التمويل المموّه لمؤسسات إعلامية ومنصّات رقمية، تملكها كلياً أو جزئياً.

ويستفاد من دراسةٍ وضعها «المركز الأوروبي لخدمات وسائل الإعلام» التابع لمفوضية «الاتحاد» أن التطورات الاجتماعية والسياسية المتسارعة التي تشهدها البلدان الأعضاء، وخاصة بعد الحرب الدائرة في أوكرانيا منذ 4 سنوات، والحرب في غزة، أحدثت تغييراً ملحوظاً في نمط استهلاك المعلومات عبر وسائل الإعلام التقليدية والرقمية على السواء. وكذلك، فإن «ظاهرة ترمب» باتت تلعب دوراً كبيراً في هذا التغيير، نظراً للحضور الإعلامي الطاغي للرئيس الأميركي دونالد ترمب على المنصات الرقمية، وتصريحاته اليومية المثيرة للجدل حول مسائل أمنية وسياسية واقتصادية على جانب كبير من الأهمية.

فيرهيين (آ ف ب)

صعود التطرف

ومع تفاقم المخاطر الناجمة عن التدخلات التي يتعرّض لها المشهد الإعلامي الأوروبي، مثل صعود الأحزاب والقوى اليمينية المتطرفة، ووقوف التيّار الذي يقوده الرئيس ترمب خصماً لـ«الاتحاد الأوروبي»، شرع «الاتحاد» في وضع خطة شاملة لتحصين المؤسسات الإعلامية في وجه التدخلات، وتعزيز شفافية مصادر تمويلها، وضمان صدقية المعلومات والأخبار التي تنشرها.

وبعد سلسلة من المشاورات المكثفة مع الدول الأعضاء، ومناقشات مديدة في البرلمان الأوروبي، دخلت الخطة حيّز التنفيذ مطلع العام الحالي، تحت إشراف النائب الأول لرئيسة البرلمان الأوروبي الألمانية سابين فيرهيين، المكلفة مراقبة تطبيق «القانون الأوروبي لضمان حرية وسائل الإعلام».

في أول تعليقات لها حول النقاش الذي دار في البرلمان الأوروبي حول القانون، قالت فيرهيين إنها شعرت بخيبة كبيرة لدى سماعها الحجج التي ساقتها بعض القوى السياسية، متجاهلة المخاطر المُحدقة التي تتعرّض لها المنظومة الإعلامية الأوروبية منذ سنوات، والوسائل التي يستخدمها خصوم المشروع الأوروبي من أجل الانقضاض عليه وتقويضه عبر المنصات الرقمية التي أصبحت المنافس الرئيسي لوسائل الإعلام على المداخيل الإعلانية. وانتقدت تعتيم هذه المنصات على بعض الأخبار التي لا تصبّ في مصلحة القوى والتيارات السياسية التي تقف وراءها.

من ناحية أخرى، قالت رئيسة المفوضية أورسولا فون در لاين، خلال تقديمها مشروع القانون أمام البرلمان الأوروبي: «الهدف من هذا القانون، الذي يُعدّ التشريع الأول من نوعه في الاتحاد الأوروبي، هو الدفاع عن مهنة الصحافة وتعددية الوسائل الإعلامية، وتمكين المواطنين الأوروبيين من اتخاذ قراراتهم على بيّنة موضوعية من الوقائع والأحداث وأوضاع النظم الديمقراطية التي يعيشون في كنفها».

ما يذكر أن من المستجدات التشريعية التي يتضمنها هذا القانون الذي يسري على جميع الدول الأعضاء في الاتحاد:

- تعزيز التدابير الرامية إلى حماية وسائل الإعلام من التدخل الخارجي.

- إلزامها الشفافية الكاملة حول ملكيتها الفعلية ومداخيلها الناجمة عن الإعلانات الرسمية.

- فرض رقابة صارمة على المنصّات الرقمية الكبرى في تعاطيها مع المواد التي تنتجها المؤسسات الإعلامية.

- حماية مهنة الصحافة من التهديدات الخارجية التي تؤثر على استقلاليتها.

- متابعة أداء الوسائل الرسمية في تغطيتها لأنشطة السلطة السياسية.

- حظر التجسس على الصحافيين أو أفراد عائلاتهم، وحماية مصادرهم.

بعض الدول الأعضاء في «الاتحاد الأوروبي»، في طليعتها المجر وتشيكيا، مدعومة من الأحزاب اليمينية المتطرفة في إيطاليا وفرنسا وألمانيا وإسبانيا، أبدت اعتراضاً شديداً على عدد كبير من أحكام هذا القانون، وحاولت عرقلة إقراره في البرلمان. ومعروف عن هذه القوى أنها تقود حملة ممنهجة على ما تسميه «الصحافة التقليدية»، المكتوبة والمرئية، وتتّهمها بالكذب والتحيّز، وتدافع عن المنصات الرقمية التي تعتبرها مصدر الأخبار الموثوقة والموضوعية.

ومن جهة أخرى، يقول كارلوس آغيلار، رئيس اللجنة الأوروبية للخدمات الإعلامية، إن «المفترض بهذا القانون أن يكون خشبة الخلاص لوسائل الإعلام، التي ما زالت تجهد لتقديم مواد إخبارية وتحقيقات موثوقة، والتي تواجه صعوبات مالية تهدد استمراريتها بعد التراجع المطّرد في مداخيلها الإعلانية لحساب منصات التواصل الرقمية». ويلاحظ أن المناظرات السياسية والمناقشات الفكرية، التي كانت سمة رئيسية في مضامين وسائل الإعلام الأوروبية، تتراجع باستمرار أمام الإقبال الكبير على المنصّات الرقمية التي تروّج للآراء والمعلومات المجهّزة بعناية، من غير إتاحة المجال للنقاش أو الجدال.

خطر إدمان المحتويات

وينبّه آغيلار إلى أن الخطورة الأساسية للمنصات الرقمية تكمن في الإدمان على محتوياتها، التي تولدها خوارزميات متطورة جداً، وأنه من المستحيل في الوقت الراهن التصدي لها بسبب جهل هذه الخوارزميات أو تعذّر الحصول عليها، وهذا أمر يشكّل أحد محاور الجدل الكبرى بين بلدان الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة التي تضغط على الأوروبيين، بفرض مزيد من الرسوم الجمركية والتهديد بعواقب أخرى، لمنعهم من إخضاع المنصات الرقمية الكبرى لضوابط الاتحاد وقواعده التجارية والأخلاقية.

في المقابل، أشدّ المدافعين عن هذا القانون الأوروبي الجديد كانت مجموعة دول الشمال، أي السويد وفنلندا والدنمارك، التي حذّرت من التأثير المتعاظم للمنصّات الرقمية في تشكيل الرأي العام الاجتماعي والسياسي، وفي نتائج الانتخابات التي تتراجع نسبة المشاركين فيها على امتداد بلدان «الاتحاد».

ويلاحظ بيتر يورغنسن، عضو البرلمان الأوروبي عن الحزب الديمقراطي السويدي، أن دونالد ترمب فاز بولايته الرئاسية الثانية بعد حملة انتخابية لم يحصل خلالها سوى على تغطية إيجابية من وسائل الإعلام التقليدية، لم تتجاوز 5 في المائة، فيما لم يكن يكفّ عن مهاجمة تلك الوسائل والصحافيين الذين يعملون فيها، ويصفهم بالكذبة والخونة وأعداء الوطن.

أيضاً، من أهم المستجدات في هذا القانون «سجلّ الشفافية» الذي يُلزم جميع وسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية، والمنصّات والمواقع الرقمية، بالكشف عن هوية مالكيها ومداخيلها من الإعلانات الرسمية والخاصة. ويلحظ عقوبات مالية وتشغيلية في حق تلك التي تتخلّف عن ذلك، أو تتلاعب بالمعلومات التي تقدمها.

ومن الأدوات التي يستحدثها القانون «تشات يوروب» (Chat Europe)، وهي منصة رقمية جديدة مخصّصة لعرض الأحداث الأوروبية وشرحها بواسطة مواد صحافية تقليدية، و«تشات بوت» (chatbot) مولّد بالذكاء الاصطناعي، وقادر على الإجابة عن الأسئلة والاستفسارات التي يطرحها عليه المستخدمون. وتغذّي هذه المنصة تحقيقات وتحليلات وأشرطة فيديو تنتجها وسائل الإعلام المنضوية في هذا المشروع الذي تتولى تنسيقه وكالة الصحافة الفرنسية (أ.ف.ب)، ويهدف إلى مساعدة المواطنين في بلدان الاتحاد على متابعة أنشطة المؤسسات والأجهزة الأوروبية ومعرفة طرائق عملها، وكيف تؤثر قراراتها على حياتهم اليومية.


«يوتيوب» تعيد تنظيم العلاقة بين صُناع المحتوى والمعلنين

شعار "يوتيوب" (د ب آيه)
شعار "يوتيوب" (د ب آيه)
TT

«يوتيوب» تعيد تنظيم العلاقة بين صُناع المحتوى والمعلنين

شعار "يوتيوب" (د ب آيه)
شعار "يوتيوب" (د ب آيه)

أطلقت منصة «يوتيوب» أدوات جديدة تستهدف تنظيم العلاقة بين صُناع المحتوى والمعلنين، عن طريق تسهيل إبرام صفقات العلامات التجارية ودمج الطرفين في منصة واحدة، ما يسهل عملية اكتشاف فرص التعاون وبناء الروابط بين الطرفين.

وذكرت «يوتيوب» أن هذا المسار سيضمن حقوق الطرفين، ويعزز الوصول إلى المحتوى المناسب، وكذلك حماية المعلنين من التورط مع «محتوى مزيف أو عنيف» يضرّ بعلامتهم.

يذكر أن «يوتيوب» كانت قد أعلنت عبر بيان صحافي صادر عن الشركة المالكة - أي «غوغل» - بنهاية مارس (آذار) الحالي، عن تحديث شامل لبرنامج «شراكات منشئي المحتوى»، من خلال عرض فرص التعاون المحتملة على العلامات التجارية بناءً على مقاطع الفيديو ذات الصلة والمؤهلة التي ينشرها المنشئون، مؤسسات أو أفراد. وفي المقابل، يعمل «مركز شراكات المنشئين» على تجميع فرص المحتوى المدعوم كافة والمشاريع الجاري تنفيذها في منصة واحدة للمنشئ.

خبراء حاورتهم «الشرق الأوسط» رأوا أن المنصة تتيح فرصاً جديدة أمام الناشرين، من خلال تسهيل التواصل مع المعلنين الباحثين عن محتوى موثوق وقيم، كما أنها توفر فرصة للناشرين كمصدر مستدام وواضح للربح.

وأفاد حاتم الشولي، المشرف على تحرير الإعلام الرقمي في قناة «الشرق للأخبار»، قال إن «يوتيوب» بشكل عام، ومن قبل هذه الخطوة، تدعم المحتوى الطويل على حساب المحتوى السريع، وهي فرصة لصُناع المحتوى. وأضاف: «تعتمد سياسة يوتيوب الربحية على وقت المشاهدة، لكن فكرة (المحتوى الجاد) فهي موضوع نسبي، إذ لا يوجد لدى المنصة تعريف واضح. أما إذا تكلمنا عن المحتوى الإخباري، مثلاً، فـ(يوتيوب) تدعم بقوة المحتوى الذي يناقش الأخبار، أكثر من الأخبار ذاتها كونها آنية وتتغير مع الوقت، أي تميل إلى التحليلات والنقاشات المطولة نسبياً».

في سياق متصل، وفقاً لبيان «يوتيوب» فإن المنصة ستعتمد على أدوات الذكاء الاصطناعي في طرح توصيات البرنامج، «وهذه التوصيات ستقدم للعلامات التجارية مقترحات عن المحتوى المناسب لها، وفي الوقت نفسه تضمن مدى ملاءمة المحتوى للعلامة، بحيث لا تقع في فخ التزييف أو المحتوى العنيف الذي قد يضر باسم الجهة المعلنة».وهنا تعليقاً على مدى نجاح الذكاء الاصطناعي بالتمييز بين المحتوى الأصلي والمزيف، قال الشولي إن «الذكاء الاصطناعي يُمكن أن يلعب دوراً في تنقيح المحتوى الملائم للعلامات التجارية، لكن لا يمكن الاعتماد عليه بشكل كامل». وأوضح: «مثلاً يستطيع كشف المشاهد العنيفة وخطاب الكراهية والتزييف العميق إلى حد ما، لأنه الآن بات متاحاً من خلال أدوات الذكاء الاصطناعي ذاتها التي تنتج المحتوى مثل (جيميني) من (غوغل)... فهو يصمم المحتوى بالذكاء الاصطناعي وأيضا يكشف كل ما هو بالذكاء الاصطناعي».

غير أن الشولي حذَّر من أن «هناك محتوى من الصعب تصنيفه، حتى مع المراجعة اليدوية الذاتية. وهذه معضلة تواجهها (يوتيوب) منذ سنوات، لا سيما وأن بعض الفيديوهات قد تتماشى مع طرف، بينما تختلف مع طرف آخر... وعليه من الصعب إيجاد قاعدة واضحة لتصنيف مقاطع الفيديو تحت تسميات مثل (الإرهاب) أو (خدش الحياء)، وهو ما تحاول (يوتيوب) دوماً عدم البت فيه، لترك مجال لصُناع المحتوى من جهة، وخيار التحكم بالمحتوى من جهة أخرى».

من جهة أخرى، عدّ الشولي أن «يوتيوب» تعد من أفضل الفرص لصُناع المحتوى القيم مثل المؤسسات الصحافية، وتابع: «على مدار السنوات وتغير المنصات، أثبتت (يوتيوب) أنها المنافس الأول في عالم الفيديوهات، فهي لا تدخل فقّاعات الترند إلا بحذر، فمع تصاعد نجم (سناب شات) ومن ثم (إنستغرام) وأخيراً (تيك توك)، بقيت (يوتيوب) في الصدارة ومع الوقت والسنوات الأخيرة عاد الجمهور إلى (يوتيوب) بكثافة أكبر، وهذا دليل على أهمية المحتوى الأصيل. ثم أن طول الفيديو، بحسب محتواه، أثبت أنه من عوامل نجاح القصص، ولهذا اعتقد أن استهلاك المحتوى سيبقى متصاعداً في (يوتيوب) ومُلهماً لصُناع المحتوى الأصيل والطويل معاً حتى يتغير شكل صناعة المحتوى الرقمي كلياً وننتقل مستقبلاً إلى الفيديوهات تحت الطلب VOD».

«يوتيوب» أوضحت من جانبها أن «المنصة الجديدة ستتضمن تحسين مطابقة الصفقات والتواصل، حيث سيتمكن المنشؤون المشاركون في برنامج (شركاء يوتيوب) من تلقي اتصالات مباشرة من العلامات التجارية بشأن فرص الصفقات المحتملة. كذلك سيتمكن المنشؤون من مشاركة بيانات القناة والجمهور مع المعلنين والعلامات التجارية ومنصات الطرف الثالث».

وفي هذا الجانب، قال فادي رمزي، مستشار الإعلام الرقمي والمحاضر في الجامعة الأميركية بالقاهرة، إن «منصات التواصل الاجتماعي باتت تتبنى استراتيجيات جديدة تتجاوز مجرد ملاحقة الترند... وأن الاعتماد الكلي على المحتوى الرائج لم يعد نموذجاً ربحياً مستداماً في الوقت الراهن».

واستشهد رمزي بتقرير معهد «رويترز» للصحافة والإعلام الرقمي لعام 2026، الذي كشف عن تحولات جذرية في توجهات غرف الأخبار العالمية، إذ «أظهرت دراسة أن 82 في المائة من غرف الأخبار تعتزم زيادة استثماراتها وتركيزها على (الصحافة التوضيحية) التي تقدّم تحليلاً لما وراء الأحداث، بينما يخطط 72 في المائة منها لتعزيز الاهتمام بـ(القصص الإنسانية)».

ووفق رمزي فإن «تحديثات (يوتيوب) الأخيرة تأتي لتعزز مفهوم صناعة (المحتوى العميق) وربطه مباشرة بالمعلنين، مما سيخلق بيئة تدعم المحتوى المتخصص والأصيل، الذي لا يندثر بانتهاء الموجات الرائجة». وأشار إلى أن «المنظومة الإعلامية هذا العام تشهد تكاملاً بين صُناع المحتوى، والمنصات التقنية نحو إنتاج محتوى رصين يحقق القيمة المهنية والاستدامة الاقتصادية في آن واحد».