«المعركة المجهرية»... صراع مناعي في عالم لا نراه

نزال العصر بين «كورونا المستجد» والإنسان

أنواع الأجسام المضادة
أنواع الأجسام المضادة
TT

«المعركة المجهرية»... صراع مناعي في عالم لا نراه

أنواع الأجسام المضادة
أنواع الأجسام المضادة

كان مولوداً فيروسياً صغيراً في غرفة الحضانة الرئوية، لم تهنأ به والدته أبدا، كل ما يحدث في الجوار هو هزات قوية من السعال المتواصل الذي كان يضرب أرجاء الرئة في محاولات للتخلص من كل المواليد الجدد. الكحة الأولى أوصلته إلى القصبة الهوائية، الكحة الثانية أوصلته إلى الحنجرة، أما الكحة الثالثة فقد كانت كفيلة بخروجه من الفم محملاً برذاذ الإفرازات التنفسية.
ينطلق سريعاً في التيار الهوائي المضطرب محاولا ركوب أي موجه هوائية تضمن له البقاء عالقاً في الجو ومتشبثاً بالجزيئات الفيروسية الأخرى من حوله، كلهم في ذرة الرذاذ يستنجدون ويترقبون أي إنسان عابر يستنشقهم من جحيم المطبات الهوائية المضطرب إلى نعيم الجيوب الأنفية الرطب.
-- انتصار التيجان
بعد هذه الرحلة، استقرت ذرة الرذاذ المحملة بالفيروسات في الجيب الأنفي رقم ثمانية هناك تحت البطانة الرطبة، نزل الجميع ليطمئنوا أن الهبوط لم يكن على مقبض أحد الأبواب ولكنها كانت غارة ناجحة على جسم جديد، اختبأ الجميع خلف أهداب الغشاء المخاطي واطمأنوا أنهم بخير، فأعادوا ترتيب الصفوف وانقسموا إلى ثلاث مجموعات: في المجموعة الأولى انطلقت «التيجان الذهبية» بقوة واندفاع لتستقر على لسان المزمار ولكنها ذهبت مع البلعوم إلى المعدة لتلقى حتفها في العصارة المعوية.
وفي المجموعة الثانية كانت «التيجان الفضية» أكثر ترتيباً وانتظاماً وانطلقت نحو اللوزتين، حيث السطح الدافئ الرطب، ولكن عطسة لم تكن بالحسبان طردتها من الجسم، أما المجموعة الثالثة فكانت تضم «التيجان النحاسية» الأكثر عدداً والأكثر ترقباً، فقررت الانطلاق مع أول عملية شهيق وشقت طريقها بنجاح إلى الممرات المتفرعة للرئتين لتستقر عميقاً هناك في الحويصلات الهوائية.
تعالوا نروي قصة هذا المولود، فيروس «كورونا» المسمى بالفيروس التاجي لوجود خُطّافات بروتينية على سطحه التي تعطيه شكل التاج وتعمل على تشبثه في خلايا الحويصلات الهوائية، وهو ما يحدث في دورة حياة هذا الفيروس، إذ سرعان ما ترسو ملايين التيجان متشبثة على سطح الخلايا، لتفرغ مادتها الوراثية داخل ملايين الخلايا، ويختطف الفيروس كل الإمكانات المادية في الخلية، ليستخدمها بكل قوة ليتكاثر ويكوّن مئات الملايين من النسخ الفيروسية.
نحن في اليوم الخامس من التقاط العدوى، تتكاثر الفيروسات وتتضاعف ملايين المرات داخل خلايا الرئة، وعندما يصل العدد إلى حد الاكتظاظ لم يعد غشاء الخلية قادراً على تحمل المزيد من الألم، لتنفجر الخلية التنفسية مخلفة دماراً هائلاَ في الجوار، وفي تلك اللحظة تتسرب جزيئات الفيروس الوليدة لتنتشر في المخاط الذي يغطي الأنسجة ثم تغزو مجموعات جديدة من الخلايا لتتضاعف أكثر وأكثر.
-- معركة مناعية
خلّف ذلك الانفجار استثارة التهابية في الجوار كانت على أنواع ثلاثة من الشظايا المناعية (الاستجابة المناعية):
- الشظية الأولى، كانت تحمل تحذيراً لمركز ضبط الحرارة في الدماغ وترفعها، معلنة حالة الطوارئ القصوى في الجسم ومنذرة عن وجود جسم غريب (الحمى أولى علامات المرض).
- الشظية المناعية الثانية لم تسقط بعيداً ولكنها وقعت في الشعيرات الدموية المحيطة بالحويصلات وبدأت تلك الأخيرة بسحب كميات كبيرة من سوائل الدم إلى منطقة الالتهاب، ليرتفع الضغط في المنطقة ويتسبب في انفجار أعداد أخرى من الحويصلات فتتعطل وظيفتها التنفسية ويبدأ السعال الجاف (ثاني الأعراض).
- الشظايا المناعية الثالثة اعتقلت مجموعة من الرهائن الفيروسية وانطلقت بها سريعا إلى غرف الاستجواب والتحقيق هناك في الجهاز المناعي، وعندما يصل الأسرى إلى مركز التحكم، يستجيب الجهاز المناعي على الفور بإرسال جنود من قوات الطوارئ العشوائية من كريات الدم البيضاء إلى موقع الالتهاب ويعلن عن بدء معركة مجهرية ضد الفيروس، وعندما ينفضح أمر الفيروس مع وصول الدفعات الأولى من القوات العشوائية، يقوم الفيروس بحيلة ذكية بتجنيد القوات العشوائية في معسكره!
يبادر الفيروس بالهجوم ويغرز في أسطح هؤلاء الجنود أسهماً من بروتيناته فتنقلب المعركة إلى (مناعية - مناعية) بدلاً من (فيروسية - مناعية) ثم تحدث عاصفة من السيتوكينات التي تتسبب بموت الملايين من الخلايا البريئة (هنا تبدأ أعراض الأزمة التنفسية الحادة)، تستمر الفوضى لمدة خمسة أيام من الحمى العنيفة والعطاس المستمر، وسيلان الأنف وصعوبة التنفس والإعياء الشديد والشعور بالألم والسعال الجاف الذي يضرب في كل ناحية.
في تلك الأثناء، تنجح عمليات الاستجواب في الغرف المظلمة من مركز التحكم المناعي ويعترف الفيروس بتسلسله الجيني كاملاً، سرعان ما يقوم الجهاز المناعي بتمزيق الفيروس وتحميل قطع منه على ظهر (الأجسام المضادة)، هذه القطع تعمل كالرادار الموجه الذي يطلق رصاص الأجسام المضادة مباشرة إلى فيروسات كورونا تحديداً ولا يمكن أن يخطئها.
في اليوم الخامس من المرض، يبدأ الجهاز المناعي بتجهيز خطوط إنتاج خمسة لتصنيع الأجسام المضادة وإرسال أعداد غفيرة من هؤلاء الجنود الانتحاريين إلى أرض المعركة هناك في الرئة، وهنا تبدأ مرحلة التعافي بعد عشرة أيام من ذلك الهبوط المشؤوم في الجيوب الأنفية.
-- سلاح مضاد
أهم خطوط الإنتاج في المصانع المناعية هو سلاح الأجسام المضادة IgM وهو الجسم الخماسي الذي يستطيع الالتصاق بخمسة فيروسات في آن واحد ثم يطلق حزامه الناسف ليلقى حتفه مع الفيروسات الخمسة، ويتعرض للالتهام من قبل كريات الدم البيضاء و«البكتريوفيج» (ملتهمات البكتريا). ولأنه أول الأجسام المضادة إنتاجاً فإنه يقاتل في المعركة لمدة خمسة أيام من مرحلة التعافي وعند فحص الدم فإنه في النتائج المخبرية يعطينا الدلالة أن الإصابة بالفيروس حديثة. أما السلاح الثاني فهو الجسم المضاد IgG الثنائي (له رأسان ومحدد التصويب) ويستمر الجسم في تصنيعه لمدة ثلاثة أسابيع ويدل على الإصابة القديمة في الفحوصات المخبرية.
في مئتين من مرضى كورونا المستجد رصد ظهور الأجسام المضادة IgM بعد خمسة أيام وكان ظهور الأجسام المضادة IgG بعد أربعة عشر يوما من بداية ظهور الأعراض، أي أن الجهاز المناعي يتمكن في خمسة أيام من تصنيع الأجسام المضادة، أما في مختبرات الأبحاث فيتطلب الأمر خمسة أشهر من التجارب المضنية للوصول لنموذج مبدئي من اللقاح الذي من الممكن أن يكون واعدا للدخول في التجارب السريرية.
في اليوم الخامس عشر من الإصابة، يعلن الفيروس الاستسلام وتنتهي معركة قاسية مع الفيروس بانتصار ترسانة الدفاعات المناعية على الفيروس الكوروني الدخيل بعد أن خلّف آثارا من سوائل الرئة والصديد والالتهاب الحاد، ويرفع بعد ذلك الجهاز المناعي حالة الطوارئ ويطلق رايات النصر وأهازيج الاحتفال، ويرسل نسخاً من طريقة تصنيع الأجسام المضادة إلى سجل الأمراض المعدية هناك في الذاكرة المناعية، إذ لا ندري فلربما عاود الفيروس الكرّة في المستقبل القريب، حينها سيكون انقضاض الأجسام المضادة عليه في ثوانٍ وليس في أيام.
أخيرا، ما زالت الدراسات قائمة على كورونا المستجد لمعرفة ما إن كانت حماية الأجسام المضادة محدودة بوقت العدوى فقط، أم أنها ستدوم لسنوات، أم أن المناعة ستكون مدى الحياة؟
- باحث سعودي في علم الفيروسات


مقالات ذات صلة

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

الولايات المتحدة​ سُجّل نحو 840 ألف وفاة بكورونا في شهادات الوفاة خلال عامي 2020 و2021... لكن فريقاً من الباحثين قدّر أن ما يصل إلى 155 ألف وفاة إضافية غير معترف بها ربما حدثت خلال تلك الفترة خارج المستشفيات (رويترز)

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

أظهرت دراسة جديدة أن حصيلة الوفيات في المراحل الأولى من جائحة كورونا كانت أعلى بكثير من الأرقام الرسمية في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك مكملات فيتامين «د» تبدو واعدة في تقليل خطر الإصابة بـ«كوفيد طويل الأمد» (أرشيفية- رويترز)

دراسة: مكملات فيتامين «د» قد تساعد في تخفيف أعراض «كوفيد طويل الأمد»

تشير دراسة حديثة إلى أن مكملات فيتامين «د» قد توفر مؤشرات جديدة تساعد الباحثين على فهم الأعراض التي تستمر لدى بعض المصابين بعد التعافي من «كوفيد-19».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم عاملون مختبريون يفحصون عينات فيروس «كوفيد» ميدانياً

دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى

الفيروسات تتطور بشكل عادي لدى الحيوانات، إلا أنها تتطور بشكل جذري عند إصابتها الإنسان.

كارل زيمر (نيويورك)
صحتك اللقاح يُعطى عن طريق الأنف عبر رذاذ أنفي (أرشيف - أ.ب)

لقاح أنفي قد يحمي من «كورونا» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي في آنٍ واحد

طوَّر باحثون أميركيون لقاحاً جديداً قادراً على الوقاية من عدة فيروسات في آنٍ واحد، بما في ذلك «كوفيد-19» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

التطعيم يحمي الأم ووليدها

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)

عادات يومية تحد من حصوات الكلى

حصوات الكلى من المشكلات الصحية الشائعة (جامعة يوتا)
حصوات الكلى من المشكلات الصحية الشائعة (جامعة يوتا)
TT

عادات يومية تحد من حصوات الكلى

حصوات الكلى من المشكلات الصحية الشائعة (جامعة يوتا)
حصوات الكلى من المشكلات الصحية الشائعة (جامعة يوتا)

كشفت دراسة أميركية، أن بعض العادات اليومية البسيطة يمكن أن تؤدي دوراً كبيراً في الوقاية من حصوات الكلى وتقليل خطر تكرارها.

وأوضح الباحثون أن الدراسة تقدم دليلاً عملياً يمكن تطبيقه بسهولة من خلال النظام الغذائي اليومي، إلى جانب استخدام بعض الأدوية، ونُشرت النتائج، الاثنين، في دورية «Annals of Internal Medicine».

وتُعد حصوات الكلى من المشكلات الصحية الشائعة، وتحدث نتيجة ترسّب الأملاح والمعادن داخل الكلى، مكوّنة كتلات صلبة قد تسبب ألماً شديداً عند تحركها في المسالك البولية.

وترتبط هذه الحالة بعدة عوامل، مثل قلة شرب المياه، واتباع نظام غذائي غني بالملح والبروتين الحيواني، إضافة إلى بعض الاضطرابات الأيضية. ورغم إمكانية علاجها، فإن تكرارها يُعد تحدياً كبيراً، مما يجعل الوقاية عبر تعديل نمط الحياة والتغذية أمراً أساسياً لتقليل خطر عودتها.

وأجرى الفريق مراجعة شاملة لنتائج 31 دراسة سريرية، شملت في معظمها البالغين، للخروج بتوصيات واضحة للحد من تكرار حصوات الكلى.

ووجد الباحثون أن النظام الغذائي يلعب دوراً محورياً في الوقاية، حيث تبين أن اتباع نظام يحتوي على مستويات طبيعية أو مرتفعة من الكالسيوم مع تقليل الصوديوم والبروتين الحيواني قد يساعد في خفض خطر تكرار الحصوات، خاصة تلك المكوّنة من أوكسالات الكالسيوم أو فوسفات الكالسيوم.

وتشمل الأطعمة الغنية بالكالسيوم الحليب ومشتقاته مثل اللبن الزبادي والجبن، والخضراوات الورقية الداكنة مثل السبانخ والكرنب والبروكلي، إضافة إلى المكسرات والبذور مثل اللوز وبذور السمسم، والأسماك التي تحتوي على العظام مثل السردين والأنشوجة.

في المقابل، تشمل الأطعمة الغنية بالصوديوم والبروتين الحيواني التي يُنصح بتقليل تناولها، الأطعمة المصنعة والمعلبة والمخللات والوجبات المالحة، إضافة إلى اللحوم الحمراء واللحوم المصنعة.

خطوات وقائية

كما أظهرت النتائج أن زيادة تناول السوائل تعد من أهم الخطوات الوقائية؛ إذ تساعد على تخفيف تركيز المعادن في البول، مما يقلل فرص تكوّن الحصوات مجدداً.

وأضاف الباحثون أن بعض العلاجات الدوائية قد تكون فعالة أيضاً، ومن أبرزها مدرات البول من نوع «الثيازيد»، التي تقلل إفراز الكالسيوم في البول، والعلاج القلوي (Alkali therapy)، الذي يساهم في تعديل درجة حموضة البول، بالإضافة إلى دواء «ألوبورينول»، المستخدم خصوصاً في الحالات المرتبطة بارتفاع حمض اليوريك.

وأشار الباحثون إلى أن هذه الإجراءات قد توفر فائدة ملموسة، رغم أن قوة الأدلة المتاحة لا تزال محدودة، مؤكدين ضرورة إجراء مزيد من الدراسات لتقييم فاعلية هذه العادات على المدى الطويل.

كما لفت الفريق إلى أن الدراسة تعزز إمكانية استخدام أدوية موجودة بالفعل مثل «الثيازيد» و«ألوبورينول»، مما يتيح تحسين الوقاية من حصوات الكلى دون الحاجة لعلاجات جديدة مكلفة.


هل تساعد مشروبات المغنسيوم حقاً على النوم؟

المغنسيوم يُعد عنصراً أساسياً لدعم النوم (بيكسلز)
المغنسيوم يُعد عنصراً أساسياً لدعم النوم (بيكسلز)
TT

هل تساعد مشروبات المغنسيوم حقاً على النوم؟

المغنسيوم يُعد عنصراً أساسياً لدعم النوم (بيكسلز)
المغنسيوم يُعد عنصراً أساسياً لدعم النوم (بيكسلز)

مع تزايد مشكلات النوم في العصر الحديث، يبحث كثيرون عن حلول طبيعية تساعدهم على الاسترخاء والنوم بشكل أفضل، بعيداً عن الأدوية التقليدية. وفي هذا السياق، برزت مشروبات المغنسيوم كخيار شائع يُروَّج له على نطاق واسع بوصفه وسيلة بسيطة وفعّالة لتحسين جودة النوم والتخفيف من الأرق. لكن، ورغم هذا الانتشار، يبقى السؤال الأهم: إلى أي مدى تستند هذه المشروبات إلى أساس علمي حقيقي؟

مشروبات المغنسيوم للنوم هي منتجات تحتوي على مسحوق المغنسيوم، وغالباً ما تُخلط بمكونات مهدئة أخرى، مثل الأحماض الأمينية والأعشاب. ويُقصد تناولها قبل النوم للمساعدة على الاسترخاء ودعم نوم هانئ. وعلى الرغم من تسويقها كوسيلة لتحسين اضطرابات النوم، بل وحتى التخفيف من حالات مثل الأرق، فإنه من الضروري فهم فوائدها وحدود تأثيرها، وفقاً لما أورده موقع «هيلث».

لماذا يرتبط المغنسيوم بالنوم؟

يُنصح كثيراً باستخدام مكملات المغنسيوم كخيار طبيعي لتحسين جودة النوم، وذلك نظراً للدور الحيوي الذي يؤديه هذا المعدن في تنظيم العمليات العصبية المرتبطة بالنوم؛ إذ يرتبط المغنسيوم بمستقبلات محددة في الجهاز العصبي المركزي، ويُسهم في تنشيط حمض «غاما-أمينوبيوتيريك» (GABA)، وهو ناقل عصبي مسؤول عن تهدئة نشاط الدماغ وتنظيم النوم. ويساعد هذا الناقل العصبي على تعزيز النوم العميق والمستمر.

كما يدعم المغنسيوم إنتاج هرمون الميلاتونين، الذي ينظّم دورة النوم والاستيقاظ، وقد يُسهم أيضاً في خفض مستويات هرمون الكورتيزول المرتبط بالتوتر، وهو ما ينعكس إيجاباً على جودة النوم.

ما الذي تُظهره الأبحاث فعلياً؟

يُعدّ المغنسيوم عنصراً أساسياً لدعم النوم، وقد يُسهم تناول مكملاته — بما في ذلك مشروبات النوم — في تحسين جودة النوم لدى بعض الأشخاص.

وتشير دراسات إلى أن الأفراد الذين يحصلون على كميات كافية من المغنسيوم، سواء من الغذاء أو المكملات، يميلون إلى الإبلاغ عن نوم أفضل جودة، كما تقل لديهم احتمالات النوم لفترات قصيرة (أقل من سبع ساعات) مقارنةً بمن يعانون من نقصه. وقد ارتبط انخفاض مستويات المغنسيوم بقِصر مدة النوم وتدني جودته.

كما أظهرت بعض الأبحاث أن مكملات المغنسيوم قد تساعد في تقليل القلق وتحسين حالات الأرق، خاصة لدى الأشخاص الذين يعانون من انخفاض مستوياته. فعلى سبيل المثال، بيّنت دراسة أُجريت عام 2025 أن الأشخاص المصابين بالأرق الذين تناولوا 250 ملليغراماً من «بيسغليسينات المغنسيوم» قبل النوم بـ30 إلى 60 دقيقة، ولمدة أربعة أسابيع، شهدوا تحسناً ملحوظاً في أعراض الأرق مقارنةً بمن تناولوا دواءً وهمياً.

ومع ذلك، وعلى الرغم من هذه النتائج الواعدة، لا تزال هناك حاجة إلى مزيد من الدراسات لتحديد الجرعات المثلى، وأفضل أشكال المغنسيوم، وكذلك الفئات التي يمكن أن تستفيد منه بشكل أكبر. كما ينبغي الانتباه إلى أن اضطرابات النوم قد تكون ناجمة عن أسباب متعددة، لا يمكن علاجها جميعاً من خلال مكملات المغنسيوم وحدها.

هل لشكل المغنسيوم تأثير؟

تتوفر مكملات المغنسيوم بأشكال مختلفة، ويتميّز بعضها بقدرة أعلى على الامتصاص من غيره، وهو ما قد يؤثر في مدى فاعليته.

ومن بين الأشكال الشائعة المستخدمة في المكملات، بما في ذلك مشروبات النوم، غليسينات المغنسيوم، وسترات المغنسيوم، وبيسغليسينات المغنسيوم، وإل-ثريونات المغنسيوم. وتشير الدراسات إلى أن هذه الأنواع تُمتص بكفاءة أعلى مقارنةً بأشكال أخرى، مثل أكسيد المغنسيوم، مما قد يجعلها أكثر فاعلية في دعم وظائف الجسم، بما في ذلك تحسين النوم.


دراسة: طعام قد يخلّص الجسم من الجسيمات البلاستيكية الدقيقة

الجسيمات البلاستيكية النانوية تُعدّ أصغر حجماً من الجسيمات البلاستيكية الميكرونية (رويترز)
الجسيمات البلاستيكية النانوية تُعدّ أصغر حجماً من الجسيمات البلاستيكية الميكرونية (رويترز)
TT

دراسة: طعام قد يخلّص الجسم من الجسيمات البلاستيكية الدقيقة

الجسيمات البلاستيكية النانوية تُعدّ أصغر حجماً من الجسيمات البلاستيكية الميكرونية (رويترز)
الجسيمات البلاستيكية النانوية تُعدّ أصغر حجماً من الجسيمات البلاستيكية الميكرونية (رويترز)

في ظلّ تزايد القلق العالمي بشأن تلوّث الغذاء والبيئة بالبلاستيك، برزت تساؤلات عديدة حول مدى تعرّض الإنسان لهذه الجسيمات الدقيقة وتأثيرها في صحته. وقد أثار جدلاً واسعاً ما يُتداول حول إمكانية ابتلاع الإنسان أسبوعياً كمية من البلاستيك تعادل وزن بطاقة ائتمان. ورغم أن هذه الفرضية لا تزال محل نقاش علمي، فإن دراسات حديثة بدأت تكشف عن مؤشرات لافتة حول طرق محتملة قد تساعد الجسم على التخلّص من جزء من هذه الجسيمات.

وفي هذا السياق، تشير نتائج جديدة إلى أن بعض الأطعمة، لا سيما المخمّرة، قد تؤدي دوراً في دعم الجسم للتخلّص من الجسيمات البلاستيكية الدقيقة، وليس مجرد التخفيف من آثارها، وذلك وفقاً لما نقلته صحيفة «نيويورك بوست».

لطالما استُخدمت الأطعمة الغنية بالبروبيوتيك — وهي الأطعمة التي تحتوي على بكتيريا نافعة مُنتِجة لحمض اللاكتيك — عبر آلاف السنين لتعزيز دفاعات الأمعاء ومساعدتها على مقاومة السموم والمواد الضارة.

وانطلاقاً من هذا الدور، سعت دراسة حديثة أجراها «المعهد العالمي للكيمتشي» إلى التعرّف على سلالات بكتيريا حمض اللاكتيك الموجودة في أحد أشهر الأطعمة الكورية الغنية بالبروبيوتيك، وهو «الكيمتشي». ولم يقتصر هدف الدراسة على تحديد الأنواع الأكثر فائدة لصحة الأمعاء، بل امتدّ أيضاً إلى معرفة مدى قدرتها على إزالة الجسيمات البلاستيكية النانوية من الجسم بشكل كامل.

وقاد فريق البحث كلٌّ من سي هي لي وتاي وونغ وون، حيث عملوا على عزل سلالة من بكتيريا حمض اللاكتيك تُعرف باسم Leuconostoc mesenteroides CBA3656 (ويُشار إليها اختصاراً بـCBA3656)، وهي سلالة موجودة في الكيمتشي.

بعد ذلك، حلّل الباحثون قدرة هذا المركّب على امتزاز أحد أكثر أشكال الجسيمات البلاستيكية النانوية شيوعاً، وهو النوع المشتق من مادة «البوليسترين».

وفي تجربة مخبرية، قُسّمت الفئران إلى مجموعتين: إحداهما تلقت مركّب CBA3656، في حين لم تتلقَّ المجموعة الأخرى أي معالجة. وعند تحليل البراز، تبيّن أن الفئران التي تناولت المركّب أخرجت كميات من الجسيمات البلاستيكية النانوية تزيد على ضعف ما أخرجته المجموعة الأخرى. وتشير هذه النتيجة إلى احتمال أن يعمل هذا المركّب، لدى البشر، على الارتباط بالجسيمات البلاستيكية داخل الأمعاء، ومن ثمّ المساعدة في طرحها خارج الجسم مع الفضلات.

الكيمتشي عبارة عن أحد أشهر الأطعمة الكورية الغنية بالبروبيوتيك (بيكسلز)

وفي تعليق على هذه النتائج، قال كبير الباحثين، لي: «لقد أظهرت الكائنات الدقيقة المستمدة من الأطعمة المخمّرة التقليدية إمكانات واعدة في التصدي لمشكلات الصحة العامة الناجمة عن التلوث البلاستيكي».

وأضاف: «نسعى إلى الإسهام في تحسين الصحة العامة ومعالجة التحديات البيئية، من خلال تعزيز القيمة العلمية للموارد الميكروبية المستخلصة من الكيمتشي».

وتجدر الإشارة إلى أن الجسيمات البلاستيكية النانوية تُعدّ أصغر حجماً من الجسيمات البلاستيكية الميكرونية، إلا أن كليهما يُلحق أضراراً محتملة بالجسم. فقد أظهرت الدراسات أن هذه الجسيمات يمكن أن تتراكم في أعضاء مختلفة، مثل الدماغ والكبد والمشيمة، كما تؤثر بشكل خاص في التوازن الميكروبي الدقيق داخل الأمعاء.

وترتبط هذه الجسيمات بزيادة خطر الإصابة بعدد من المشكلات الصحية، بما في ذلك أمراض الأمعاء الالتهابية مثل داء كرون والتهاب القولون التقرّحي، إضافة إلى متلازمة الأمعاء المتسرّبة. كما قد تُحدث خللاً في التوازن البكتيري داخل الأمعاء، بحيث تتفوق البكتيريا الضارة على النافعة، وهو ما قد يرفع من احتمالات الإصابة بأمراض مزمنة مثل السكري وسرطان القولون والمستقيم.

وتستند نتائج «معهد الكيمتشي» إلى أبحاث سابقة أشارت إلى أن البروبيوتيك قد يُسهم في تقليل سُمّية الجسيمات البلاستيكية الدقيقة. إلا أن الجديد في هذه الدراسة يتمثّل في الإشارة إلى أن الأطعمة المخمّرة قد لا تكتفي بتحييد هذه السموم، بل قد تساعد أيضاً في التخلص من جزء منها فعلياً عبر إخراجها من الجسم.