ماشادو دي أسيس يفضح البرجوازية البرازيلية في «مذكرات براس كوباس»

ماشادو دي أسيس يفضح البرجوازية البرازيلية في «مذكرات براس كوباس»

كتبها في 1881 ويطل منها على عالمنا الراهن
الخميس - 21 شهر رمضان 1441 هـ - 14 مايو 2020 مـ رقم العدد [ 15143]
استلهم دي أسيس حكاية حلاق بغداد في ألف ليلة وليلة كما وردت في الليلتَيْن الثامنة والثلاثين والتاسعة والثلاثين من طبعة بولاق المصرية
القاهرة: حمدي عابدين

بدعم من المكتبة الوطنية بالبرازيل صدر حديثاً في القاهرة النسخة العربية من رواية «مذكرات براس كوباس يكتبها بعد الموت» ترجمها عن البرتغالية الكاتب المصري مارك جمال، وتعد من أهم أعمال الكاتب البرازيلي ماشادو دي أسيس، فقد كانت رواية طليعية في وقت كتابتها عام 1881 سواء على مستوى بطلها الراوي، الذي كان ميتاً يكتب مذكراته، أو على مستوى السرد الذي تنوّع بين كتابة التاريخ، والسياسة، والفلسفة، فضلاً عن الوصف والحوار بين الشخصيات، وتفتيت الحدث.
بطل الرواية وراويها هو براس كوباس الذي توفي بمرض في الرئة، عن عمر يناهز 64 عاماً، دون وريث، ودون أن يحقق شيئاً في حياته، فلا حب اكتمل ولا طموحات تحققت ولا أسرة ولا زواج التأمت به نفسه. راح يمسك منذ البداية بتلابيب القارئ، ويستحضره دائماً ويذكّره في اللحظات المفصلية من تفاصيل حكايته بما قاله من قبل في فصول سابقة. يحكي دي أسيس على لسان بطله براس كوباس كل ما فعله وعاناه من إحباطات، وما قام به من أعمال مخجلة أو حسنة، فهو ميت، والموتى لا يكذبون ولا يخفون جرائمهم.
يستهلُّ براس كوباس مُذكِراته، التي ظهرت ضمن مطبوعات دار «صفصافة» المصرية، بوقائع موته، ثم يسرد قصة حياته الحافلة، حياة برجوازي برازيلي في القرن التاسع عشر، مروراً بأسفاره الملهمة وغرامياته الجامحة ونجاحاته وإخفاقاته وأحاديثه المثيرة للاهتمام مع صديقه الفيلسوف المجنون. وتتمرد الرواية على قوالب الرومانسية من جهة، وتستشرف التقنيات الأدبية الطليعية من جهة أخرى، فهي مُطعَمة بالفكر والفلسفة والنقد اللاذع المُوجَّه إلى مجتمع يصفه الكاتب بأنه في طور الطفولة.
وقد تشكلت شخصيته عبر العديد من النواقص منها حبُّ المظاهر البرَّاقة والأضواء، وضعف العزيمة، والخضوع لسيطرة النزوات، وكان كل ذلك نتيجة لتراخي أبيه وجنون عمه الأول، أما عمه الثاني فقد كان كاهناً طموحاً لا يستطيع فرض قناعاته، ولم يكن هناك من مؤثر سوى خالته، لكنها لم تكن مقيمة لتُعمل فيه نظامها في التربية.
ظهور «مُذكِّرات براس كوباس» في البداية لم يكن في كتاب، بل نُشرت على أجزاء، في مجلة «ريڤيزتا برازيليرا»، في ثمانينات القرن التاسع عشر. وعند جمعها لاحقاً في كتاب واحد، صوَّب دي أسيس النص في عدة مواضع، وقد اضطُر إلى مراجعة النص لإصدار الطبعة الثالثة، وأدخل المزيد من التعديلات، وحذف عدداً من الأسطر.
وعبر 160 مقطعاً قصيراً جداً يستعرض كوباس تاريخ عائلته بلغة تفيض بالسخرية والتهكم، يبسط مسيرة جده الأول «دامياو كوباس» صانع البراميل، ثم يتعقب سلساله المُتقلِّب الذي يتَّسع لكل شيء، بدءاً من لويس كوباس الابن الذي تلقَّى دراسته في كويمبرا وبلغ منزلة رفيعة في الدولة، وكان واحداً من الأصدقاء المُقرَّبين إلى نائب الملك، كونت دي كونيا، وحتى الأب الذي كان راح يلفق تاريخاً كاذباً عن العائلة بعدما استشعر رائحة البراميل من لقب كوباس.
ومع تنامي حركة السرد يستمر البطل في حكايته، ويقول إن ما يقوم به من كتابة لمذكراته عمل مغرق في الفلسفة التي تتَّسم بالزهد حيناً، واللهو حيناً، وهي شيء لا يبني ولا يهدم، ولا يبعث على السخط ولا الرضا، ورغم ذلك تعد أكثر من هواية وأقل من رسالة رسول.
وتطال مذكرات كوباس الكثير من الشخصيات التي تعامل معها أو عرفها، وتحظى الشخصيات النسائية بالكثير من اهتمامه، فمع بعضهن مضى في نزواته، التي بدأت في مراهقته مع مارسيلا، وهي سيدة إسبانية، أطلق عليها الفتيان اسم مارسيلا الجميلة، كانت ابنة مزارع من أستورياس، وأفضَت إلى البطل بذلك في ساعة صفاء، أما النسخة المتداولة من سيرتها فتقول إنها ابنة محامٍ من مدريد راح ضحية الغزو الفرنسي، إذ جُرِح، وسُجِن، ثم أعدم رمياً بالرصاص، وهي لا تكاد تبلغ من العمر اثني عشر عاماً. وهناك فرجيليا، ابنة دوترا المستشار صاحب النفوذ السياسي الواسع، التي لم يفلح في الزواج منها، لكنه يقيم معها فيما بعد علاقة في الخفاء، أما أوجينيا ابنة أوزيبيا صديقة أمه، فقد كانت عرجاء ولم يستطع كوباس مواصلة رحلته الرومانسية معها، ثم تأتي دونا إولاليا، أو نيالولو، الفتاة صاحبة الصوت الشجي التي ماتت بالصفراء وكانت آخر فرصة لدى كوباس ليكون صاحب بيت ورب أسرة، ولا يغفل كوباس أخته سابينا التي تتصف بالطمع والجشع.
ومع استمرار حركة السرد يتابع بطل الرواية تاريخ فشله وإحباطه ليس على المستوى العاطفي فقط ولكن أيضاً على المستوى السياسي ويسخر من عقليات الساسة أصحاب التصورات السطحية والأفكار الساذجة والتي تتشاءم من أشياء بعينها، وتتردد في اتخاذ خطوات مهمة في حياتها خشية إصابتها بمكروه، ولا يستثنى من ذلك شخصيات مرموقة مثل لوبو نيفيس زوج عشيقته الذي يرفض منصباً كبيراً لأن مرسوم تعيينه صدر في الثالث عشر من الشهر، الرقم الذي يستحضر إليه ذكريات مشؤومة. ونهايةً بدونا پلاسيدا، خادمته التي تقرّ بأنها لا تحتمل رؤية حذاء مقلوب.
وعلى مدار المذكرات ينشئ كوباس نوعاً من الحكمة التي يمكن تسميتها بالحكمة الانتهازية، وهي تؤسس لنوع من الأنانية والمتع الحسية، وتخلق لها نوعاً ما من المبررات، مثل «مَنْ أفلت مِن الخطر أحبَّ الحياة بقوة جديدة»، و«الحقيقة المطلقة والمكانة الاجتماعية الرفيعة لا يتوافقان»، و«إن سلام المدن لا يتحقَّق إلا عَبْر الخديعة المُتبادَلة»، هذه المقولات تمضي بالتوازي مع فلسفة صديقه المجنون كينكاس بوربا وحديثه عما سماها «الجيولوجيا الأخلاقية، وقوانين الهيومانيتيزمو»، وقوله إن الأوبئة نافعة للجنس البشري، رغم كونها كارثية على شريحة بعينها من الأفراد.
يقول كوباس متذكراً حديثه مع صديقه بوربا: «لفت انتباهي إلى مزية عظيمة ينطوي عليها الأمر، مهما بلغ المشهد من البشاعة... نجاة الغالبية العظمى، وسألني إن كنتُ لا أشعر بشيء من السعادة السرية كوني قد أفلتُّ من براثن الوباء، وسط الحداد العام، ولكن سؤاله كان في غاية العبث، حتى إنه ظلَّ بلا جواب»، من هنا يمكن ملاحظة أن الرواية تحتقر، رغم ما تتسم به من أحداث واقعية، المثاليات الرومانسية، كما يكسر السرد بجرأة تقاليدها، بقصٍّ يتسم بالحداثة والجرأة والأسلوب الحر، وإن كان أضفى على أجوائها الكثير من الغموض والقسوة والمرارة، وقد فضح العلاقات الأسرية والطمع العائلي والرغبة في الاستحواذ.
وخلال الأحداث يستلهم دي أسيس حكاية حلاق بغداد كما وردت في «ألف ليلة وليلة»، وقد راعى في نقلها ما يلائم القصة الأصلية كما وردَت في الليلتَيْن الثامنة والثلاثين والتاسعة والثلاثين من طبعة بولاق، وقد اعتمد على الترجمة الفرنسية التي وضعها المستشرق أنطوان غالان (1646 – 1715) بما يلائم الذائقة الفرنسية في ذلك العصر.
وُلِد جواكين ماريا ماشادو دي أسيس عام 1839، ونال قدراً من التعليم في المدارس الحكومية، إلا أنه لم يلتحق بالجامعة طيلة حياته. ورغم من ذلك تعلم الإنجليزية والفرنسية والألمانية بنفسه، كما تقلد عدة مناصب حكومية رفيعة المستوى وانتُخب أول رئيس لأكاديمية الآداب البرازيلية. تطرَق ماشادو إلى ألوان الكتابة شتى، وعاصر حقبة حافلة بالتغيرات والزخم، كما شهد تحوُّل البرازيل من النظام الملكي إلى النظام الجمهوري وحَظْر العبودية. ويُعدُ واحداً من أعظم أدباء البرازيل على مرِّ العصور. توفي عام 1908 تاركاً ميراثاً أدبياً بالغ الثراء والتنوع.


كتب

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة