بوتين ينهي «عطلة كورونا» والشركات تستأنف نشاطها

في خطوة يرى مراقبون أنها ترمي إلى تقليص خسائر الاقتصاد

بوتين خلال الإعلان عن انتهاء إجراءات الإغلاق لمواجهة {كورونا} أمس (إ.ب.أ)
بوتين خلال الإعلان عن انتهاء إجراءات الإغلاق لمواجهة {كورونا} أمس (إ.ب.أ)
TT

بوتين ينهي «عطلة كورونا» والشركات تستأنف نشاطها

بوتين خلال الإعلان عن انتهاء إجراءات الإغلاق لمواجهة {كورونا} أمس (إ.ب.أ)
بوتين خلال الإعلان عن انتهاء إجراءات الإغلاق لمواجهة {كورونا} أمس (إ.ب.أ)

يدخل الاقتصاد الروسي مرحلة استعادة النشاط تدريجياً اعتباراً من اليوم، بموجب قرار «انتهاء عطلة مواجهة كورونا»، الذي أعلنه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في كلمة متلفزة يوم أمس. وجاء القرار بعد ساعات من نشر الكرملين على موقعه الرسمي، خبراً حول اجتماع عقده الرئيس بوتين في وقت سابق مع كبار المسؤولين التنفيذيين، وكلف في أعقابه الحكومة بوضع خطة «إنعاش» اقتصادية شاملة، وتقديمها حتى نهاية الشهر الحالي. وفي الأثناء، أعلنت الحكومة الروسية حزمة دعم جديدة للشركات بقيمة تزيد بقليل على مليار دولار أميركي.
وفي مستهل اجتماع مع الحكومة الروسية (عبر دائرة فيديو) يوم أمس، أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في كلمة تم بثها «على الهواء مباشرة» قراره بإنهاء «عطلة مواجهة تفشي كورونا» اعتباراً من اليوم (الثلاثاء) 12 مايو (أيار)، وعودة جميع الشركات والمؤسسات لممارسة نشاطها، لكن مع الالتزام بالتدابير الصحية لمنع تفشي كورونا. وكان بوتين قرر أول مرة إعلان «عطلة» لمدة أسبوع، بعد تفشي كورونا في البلاد نهاية مارس (آذار) الماضي، وأطل يوم 25 مارس في أول «كلمة للشعب»، وأعلن عن «عطلة» لمدة أسبوع، من 28 مارس ولغاية 5 أبريل (نيسان). وبموجب ذلك القرار توقفت جميع الشركات من مختلف القطاعات عن العمل، ودخل الاقتصاد الروسي مرحلة «جمود شبه تام».
إلا أنه ونظراً لتزايد الإصابات بالفيروس، عاد بوتين ووجه كلمة ثانية للمواطنين في 2 أبريل الماضي، أعلن فيها تمديد العطلة حتى نهاية الشهر، ومن ثم أطل مرة ثالثة في 28 أبريل، وأعلن تمديد العطلة حتى 11 مايو الحالي. وكان لافتاً في قراره أمس إنهاء «عطلة كورونا» أنه جاء في وقت سجلت فيه روسيا ارتفاعاً قياسياً بعدد الإصابات الجديدة، وحلت في المرتبة الثالثة بعد بريطانيا وإيطاليا. ومع إعلانه أمس انتهاء «عطلة كورونا»، أعطى بوتين الضوء الأخضر لاستعادة الاقتصاد الروسي نشاطه، بعد أن تكبد خسائر كبيرة خلال الفترة منذ نهاية مارس وحتى مطلع مايو. ويرى مراقبون أن هذا القرار ربما جاء لتفادي تراكم مزيد من الخسائر، التي قد تعمق من أزمة الاقتصاد الروسي، وتزيد من التعقيدات التي تعترض قدرته على استعادة النشاط بعد انتهاء الجائحة.
ويبدو أن بوتين كان قد استعد مسبقاً لإنهاء «عطلة كورونا»، وعودة النشاط الاقتصادي تدريجياً، إذ نشر الكرملين على موقعه الرسمي في وقت سابق صباح أمس، خبراً عن اجتماع عقده الرئيس الروسي أخيراً مع كبار المسؤولين في السلطات التنفيذية، وقادة كيانات الاتحاد الروسي، وقام في أعقابه بتكليف الحكومة الروسية «أن تعمل بالتعاون مع قادة الجمهوريات والمقاطعات والأقاليم والكيانات الاتحادية الأخرى، وبمشاركة ممثلين عن جميع الاتحادات والنقابات وتجمعات الأعمال والبيزنس، على صياغة خطة عمل وطنية شاملة، تضمن استعادة العمالة، ودخل المواطنين، وتحقق النمو الاقتصادي، والتغيرات الهيكلية طويلة الأجل في الاقتصاد»، على أن يتم إنجاز تلك الخطة وتقديمها لغاية الأول من يونيو (حزيران) المقبل. وحدد بوتين رئيس الوزراء ميخائيل ميشوستين مسؤولاً، ومعه قادة الكيانات الفيدرالية، عن تنفيذ هذا التكليف. ويعول الكرملين على هذه الخطة في استعادة الاقتصاد الروسي نشاطه، المتوقف عملياً منذ نهاية مارس (آذار) الماضي.
إلى ذلك، تواصل الحكومة اتخاذ تدابير دعم اقتصادية لمواجهة «تداعيات كورونا»، وفي أعقاب اجتماع برئاسة أندريه بيلاأوسوف، القائم بأعمال رئيس الوزراء، (رئيس الوزراء ميشوستين يتلقى العلاج بعد إصابته بالفيروس)، أعلنت الحكومة على موقعها الرسمي تخصيص 81.1 مليار روبل (1.09 مليار دولار أميركي) من صندوق الاحتياطي الحكومي، لصالح الميزانية الفيدرالية، لاستخدام هذا المبلغ «في إطار خطة الدعم من الميزانية لقطاعي الأعمال الصغيرة والمتوسطة، من القطاعات المتضررة نتيجة جائحة كورونا».
وأوضحت الحكومة أن هذا المبلغ سيتم إنفاقه بصورة خاصة في إطار تنفيذ قرار الرئيس بوتين حول دعم الشركات لتسديد الأجور الشهرية للعاملين، بقيمة 12 ألفاً و130 روبلاً (الحد الأدنى من الأجور الشهرية) لكل عامل، وقالت إن «شرط حصول الشركات على هذا الدعم، حفاظها على ما لا يقل عن 90 بالمائة من عدد العاملين فيها في شهر مارس»، موضحة أن نحو 970 ألف شركة صغيرة ومتوسطة يمكنها الحصول على هذا الدعم.
وكانت الحكومة الروسية أقرت في وقت سابق 3 حزم تدابير دعم للشركات الصغيرة والمتوسطة، ومن ثم لشركات أخرى تم إدراجها على قائمة «القطاعات الأكثر تضرراً من جاحة كورونا». وتهدف تلك التدابير بصورة رئيسية إلى الحفاظ على دخل المواطنين، وتوفير ظروف لاحتفاظهم بعملهم، وضمان قدرة الشركات على الاستمرار واستعادة نشاطها الاقتصادي بعد انتهاء الجائحة. ويتم تمويل تلك التدابير من الميزانية الفيدرالية، وصندوق الثروة الوطني، فضلاً عن صندوق الاحتياطي الحكومي، وصندوق مستقل أسسته الحكومة لهذا الغرض بقيمة 300 مليار روبل (نحو 4.05 مليار دولار).



برنت يتجاوز 111 دولاراً مع نفي إيران إحراز تقدم دبلوماسي وتراجع المخزونات الأميركية

سفن وقود راسية في ميناء بانياس النفطي بمدينة بانياس السورية (رويترز)
سفن وقود راسية في ميناء بانياس النفطي بمدينة بانياس السورية (رويترز)
TT

برنت يتجاوز 111 دولاراً مع نفي إيران إحراز تقدم دبلوماسي وتراجع المخزونات الأميركية

سفن وقود راسية في ميناء بانياس النفطي بمدينة بانياس السورية (رويترز)
سفن وقود راسية في ميناء بانياس النفطي بمدينة بانياس السورية (رويترز)

قفزت أسعار النفط خلال تعاملات جلسة الأربعاء، بعد نفي إيران تحقيق أي تقدم دبلوماسي، فضلا عن تراجع مخزونات النفط الأميركية.

وسجلت العقود الآجلة لخام برنت ارتفاعا بأكثر من دولارين إلى أعلى مستوى خلال الجلسة عند 111.25 دولار للبرميل، بحلول الساعة 11:54 بتوقيت غرينتش. كما ارتفعت العقود الآجلة للخام الأميركي بأكثر من دولارين لتصل إلى أعلى مستوى لها خلال الجلسة عند 99.88 دولار للبرميل.

ودعم الارتفاع، تقارير أخرى عن تعرض ناقلة نفط عملاقة لحريق إثر اصطدامها بلغم بحري جنوب مضيق هرمز، وفقاً لما أعلنته البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني، الثلاثاء، بحسب وسائل إعلام إيرانية.

وأفادت شركة «كبلر» المتخصصة في تتبع السفن برصد ما لا يقل عن 18 هجوماً على سفن خلال أسبوعين.

وقال محللون لدى مجموعة بورصات لندن، إن الهجمات على ناقلات النفط امتدت إلى ما وراء مضيق هرمز، مشيرين إلى استهداف إيران سفناً في مناطق جنوبية تصل إلى خليج عُمان، بما يهدد عمليات تحميل النفط خارج الخليج العربي وعمليات نقل الشحنات من سفينة إلى أخرى، التي أسهمت في استمرار تدفقات النفط من الشرق الأوسط مع امتداد الصراع.

وكانت أسعار النفط قد تراجعت في الجلسة السابقة، عقب مناقشة الرئيس الإيراني جهود الوساطة خلال اجتماع مع قائد الجيش الباكستاني في طهران. واستقرت عقود برنت، الثلاثاء، عند 108.79 دولار للبرميل، منخفضة 76 سنتاً، أو 0.69 في المائة، بعدما سجلت في وقت سابق أعلى مستوى لها في خمسة أشهر عند 111.99 دولار.

وفي الولايات المتحدة، أفاد مسؤولان في وزارة الطاقة بأن الوزارة تعمل مع شركات التكرير حول العالم لزيادة إنتاج الوقود، في ظل نقص في الديزل أدى إلى ارتفاع أسعاره.


التضخم يضيّق خيارات موازنة بريطانيا... وانضباط هيلي المالي تحت الاختبار

الناس يسيرون بالقرب من «بنك إنجلترا» والبورصة الملكية في مدينة لندن (أ.ف.ب)
الناس يسيرون بالقرب من «بنك إنجلترا» والبورصة الملكية في مدينة لندن (أ.ف.ب)
TT

التضخم يضيّق خيارات موازنة بريطانيا... وانضباط هيلي المالي تحت الاختبار

الناس يسيرون بالقرب من «بنك إنجلترا» والبورصة الملكية في مدينة لندن (أ.ف.ب)
الناس يسيرون بالقرب من «بنك إنجلترا» والبورصة الملكية في مدينة لندن (أ.ف.ب)

تواجه بريطانيا اختباراً اقتصادياً ومالياً مع اقتراب موعد الموازنة الأولى لوزير الخزانة جون هيلي في 28 أكتوبر (تشرين الأول)، بعدما تسارع التضخم في سبتمبر (أيلول) إلى أعلى مستوياته في 11 شهراً، بالتزامن مع ارتفاع الاقتراض الحكومي وتجاوز الدين العام 3 تريليونات جنيه إسترليني. وتضع هذه التطورات الحكومة أمام معادلة صعبة: تخفيف الضغوط على الأسر جرّاء ارتفاع تكاليف المعيشة والطاقة، من دون تقويض الانضباط المالي أو زيادة أعباء الدين، في وقت تتزايد فيه توقعات رفع أسعار الفائدة.

وتتجاوز أهمية البيانات الأخيرة انعكاساتها المباشرة على الأسعار والمالية العامة، إذ تأتي في وقت يراقب فيه المستثمرون قدرة الحكومة على الالتزام بقواعدها المالية، وسط ارتفاع تكاليف الاقتراض عالمياً واضطرابات أسواق السندات. كما تثير عودة الضغوط التضخمية تساؤلات بشأن مسار السياسة النقدية، واحتمال أن يؤدي تشديدها إلى زيادة تكلفة التمويل على الأسر والشركات، بما يضغط بدوره على النمو الاقتصادي.

وزير الخزانة البريطاني جون هيلي (رويترز)

التضخم يعود إلى الارتفاع

ارتفع مؤشر أسعار المستهلكين في بريطانيا بنسبة 3.5 في المائة على أساس سنوي في سبتمبر، مقارنة بـ3.1 في المائة في أغسطس (آب)، متجاوزاً توقعات الاقتصاديين البالغة 3.4 في المائة، وكذلك تقديرات «بنك إنجلترا» السابقة التي رجحت ارتفاعه إلى 3 في المائة. وسجل التضخم الشهري 0.4 في المائة.

وعزا مكتب الإحصاءات الوطنية الارتفاع بصورة رئيسية إلى زيادة أسعار البنزين والديزل، في ظل صعود أسعار الطاقة المرتبط بالحرب في إيران. وأعاد ذلك التضخم إلى أعلى مستوى له منذ أكتوبر 2025، في وقت يعتمد فيه الاقتصاد البريطاني بدرجة كبيرة على الغاز الطبيعي المستورد، ما يجعله عرضة لانتقال صدمات الطاقة الخارجية إلى تكاليف المعيشة والإنتاج.

لكن المؤشرات لا تقتصر على الوقود، فقد ارتفع تضخم أسعار الخدمات إلى 3.7 في المائة في سبتمبر، من 3.4 في المائة في الشهر السابق، متجاوزاً توقعات الاقتصاديين البالغة 3.6 في المائة. كما صعد التضخم الأساسي، الذي يستبعد الغذاء والطاقة والكحول والتبغ، إلى 2.8 في المائة من 2.6 في المائة.

وتعزز هذه الأرقام مخاوف «بنك إنجلترا» من انتقال الارتفاع في أسعار الطاقة إلى نطاق أوسع من الاقتصاد، خصوصاً إذا انعكس على الأجور وأسعار الخدمات وتكاليف الشركات. كما ارتفعت أسعار مستلزمات الإنتاج لدى المصانع بنسبة 8.3 في المائة على أساس سنوي، مقارنة بـ6.7 في المائة في أغسطس، متجاوزة توقعات السوق البالغة 7.2 في المائة. وزادت أسعار المنتجات عند بوابات المصانع بنسبة 4.6 في المائة، من 3.8 في المائة، مسجلة أكبر ارتفاع منذ أبريل (نيسان) 2023.

وقال الاقتصادي في «برايس ووترهاوس كوبرز» في المملكة المتحدة، آدم ديزي، إن اقتراب التضخم من 4 في المائة يجعل من الأصعب تجاهل صدمة الأسعار الحالية. وحذّر من أن استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة يزيد مخاطر تأثيره في سلوك تحديد الأجور والأسعار، بما قد يجعل احتواءه أكثر صعوبة.

رفع الفائدة يقترب... لكن تكلفته الاقتصادية حاضرة

تزيد بيانات التضخم، إلى جانب ارتفاع نمو الأجور الذي أظهرته أرقام صدرت الثلاثاء، من احتمالات رفع «بنك إنجلترا» أسعار الفائدة للمرة الأولى منذ أكثر من ثلاث سنوات. ويتوقع المستثمرون وكثير من المحللين رفع سعر الفائدة الأساسي إلى 4 في المائة في الخامس من نوفمبر (تشرين الثاني).

وكان محافظ البنك أندرو بيلي ومسؤولون آخرون قد أشاروا إلى أن احتمال رفع الفائدة يزداد كلما استمرت أسعار الطاقة مرتفعة، رغم محدودية أثر الصدمة في التضخم حتى الآن. كما قالت العضوة في لجنة السياسة النقدية والمؤيدة لرفع الفائدة، ميغان غرين، إن مخاطر انتقال صدمة الطاقة إلى التضخم الأوسع أصبحت أكبر مما كان متوقعاً.

ويضع ذلك البنك أمام موازنة دقيقة بين منع ترسخ التضخم في توقعات الأسر والشركات، وتجنّب تشديد نقدي يزيد الضغط على الإنفاق الاستهلاكي والاستثمار. فارتفاع الفائدة قد يساعد على كبح الطلب والتضخم، لكنه يرفع في المقابل تكلفة الرهون العقارية والتمويل، في وقت تواجه فيه الأسر بالفعل فواتير طاقة أعلى.

وتمتد هذه المعضلة إلى الموازنة، إذ إن ارتفاع تكاليف التمويل يحد من قدرة الحكومة على تقديم دعم واسع للأسر، فيما قد يؤدي ضعف الاستهلاك والاستثمار إلى إبطاء النشاط الاقتصادي.

الناس يسيرون بالقرب من «بنك إنجلترا» والبورصة الملكية في مدينة لندن (أ.ف.ب)

الاقتراض والدَّين يضيّقان الهامش المالي

أظهرت بيانات منفصلة أن الحكومة البريطانية اقترضت 24.5 مليار جنيه إسترليني في سبتمبر، وهو مستوى تجاوز توقعات الاقتصاديين. كما تخطى الدين العام 3 تريليونات جنيه إسترليني، بما يعادل نحو 4.01 تريليون دولار، في انعكاس لتراكم أعباء التمويل وارتفاع تكاليف خدمة الدين.

وتزيد هذه الأرقام حساسية الموازنة المقبلة، خصوصاً أن معدل التضخم المسجل في سبتمبر يُستخدم تقليدياً أساساً لتحديد زيادات إعانات الرعاية الاجتماعية، وهو ما يرفع الضغوط لتقديم دعم إلى الأسر المتضررة من ارتفاع الأسعار، في حين تظل قدرة الحكومة على توسيع الإنفاق مقيدة بقواعدها المالية.

وقال كبير الاقتصاديين المؤقت في مؤسسة «ريزوليوشن فاونديشن»، غريغ ثويتس، إن ارتفاع التضخم ومستويات الدين القياسية يجسّدان المعضلة المزدوجة التي تواجه وزير المالية: كيفية تخفيف ضغوط تكاليف المعيشة على الأسر مع إبقاء الاقتراض الحكومي تحت السيطرة.

وترى نائبة كبير الاقتصاديين في «كابيتال إيكونوميكس»، روث غريغوري، أن ارتفاع الاقتراض في الأشهر الأخيرة يعزز توقعات تقديم موازنة حذرة في 28 أكتوبر، ذات تأثير صافٍ محدود على الاقتصاد، مع إرجاء أصعب الخيارات المالية إلى العام المقبل.

ولا يقتصر الضغط على حجم الاقتراض، بل يشمل أيضاً تكلفة تمويله، فقد دفعت موجة بيع عالمية للسندات عوائد السندات الحكومية البريطانية لأجل 30 عاماً إلى تجاوز 6 في المائة لفترة وجيزة خلال أكتوبر، ما قلّص الهامش المالي المتاح للحكومة، الذي كان يُقدّر بنحو 24 مليار جنيه إسترليني في مارس (آذار).

ويقدّر اقتصاديون أن هذا الهامش تراجع إلى ما بين 8.5 مليار و16 مليار جنيه إسترليني، مع ارتفاع تكاليف الاقتراض وزيادة أعباء خدمة الدين. ويعني ذلك أن أي تدابير جديدة لدعم الأسر أو زيادة الإنفاق ستحتاج إلى موازنة دقيقة مع مصادر تمويلها وتداعياتها على التوقعات المالية.

وقال مدير الاستثمار في أدوات الدخل الثابت لدى «أبردين إنفستمنتس»، لوك هيكمور، إن الموازنة تتمحور حول المصداقية، مضيفاً أن سوق السندات ستراقب مدى التزام هيلي بالانضباط المالي. وحذّر من أن الالتزام بالخطة قد يُسهم في خفض العوائد، في حين أن مفاجأة الأسواق بإجراءات غير متوقعة قد تفرض تكلفة سريعة ومرتفعة.

صورة لافتة «مركز التوظيف بلس» في نيوكواي جنوب غربي إنجلترا (أ.ف.ب)

البنوك وشركات الإسكان والمرافق تحت المجهر

تمتد حالة الترقب إلى القطاعات الأكثر تعرضاً للقرارات الضريبية والإنفاقية. ففي القطاع المصرفي، تتابع المؤسسات المالية احتمال فرض ضرائب إضافية على الأرباح، في وقت تسعى فيه الحكومة إلى زيادة الإيرادات من دون اللجوء إلى زيادات واسعة في الضرائب.

وكان مسؤولون تنفيذيون في كبرى البنوك البريطانية قد التقوا هيلي في وقت سابق من أكتوبر، وسط تقارير لم تحسم ما إذا كانت الحكومة تعتزم زيادة الضريبة المفروضة على الأرباح الاستثنائية للقطاع. وتراجعت أسهم «إتش إس بي سي» و«نات ويست» و«لويدز» و«باركليز» بنسب تراوحت بين 3 و5 في المائة خلال الشهر، وإن كان هذا الأداء متماشياً إلى حد كبير مع أداء البنوك الأوروبية في ظل ارتفاع تكاليف الاقتراض عالمياً.

وفي المقابل، تترقب شركات بناء المنازل تفاصيل برنامج حكومي جديد لدعم المشترين للمرة الأولى، بعدما ارتفعت أسهم القطاع في أواخر سبتمبر (أيلول) عقب تأكيد الحكومة عزمها إطلاق البرنامج ضمن الموازنة. وجاء الإعلان في وقت يعاني فيه القطاع ضعف الطلب وتراجع القدرة على تحمّل تكاليف السكن، لكن ارتفاع أسعار الفائدة على الرهون العقارية بدد المكاسب التي حققتها الأسهم قبل الموازنة.

أما شركات المرافق فتواجه بدورها أسئلة بشأن توجهات الحكومة نحو الملكية العامة وتنظيم البنية التحتية. وكان رئيس الوزراء أندي بيرنهام قد صعّد لهجته بشأن احتمال اللجوء إلى الملكية العامة لشركات المياه ذات الأداء الضعيف، كما أعلن تأسيس شركة «غريت بريتش غريد» المملوكة للدولة لإدارة شبكات الكهرباء، بهدف خفض تكاليف الطاقة وتسريع عمليات الربط بالشبكة.

ومع ذلك، أبدى بنك «جي بي مورغان» تفاؤلاً بآفاق شركات المرافق البريطانية، معتبراً أن تأسيس الشركة الجديدة لا يشكل تهديداً كبيراً لأهداف النمو وخلق القيمة لدى شركات شبكات الكهرباء. وارتفع قطاع المرافق البريطاني بنحو 4 في المائة منذ تصريحات بيرنهام، في حين لم تشهد السوق الأوسع تغيراً يُذكر.

اختبار الموازنة: دعم محدود ومصداقية مالية

تدخل بريطانيا الموازنة المقبلة وسط ضغوط متزامنة من التضخم وأسعار الطاقة وتكاليف الاقتراض، في وقت يتعيّن فيه على الحكومة تحديد حجم الدعم الذي يمكن تقديمه إلى الأسر، ومصادر تمويله، ومدى توافقه مع قواعدها المالية.

وستكون كيفية استجابة الموازنة لهذه الضغوط مؤثرة في تقييم المستثمرين لمسار المالية العامة، كما ستحدد إلى حد كبير ما إذا كانت الحكومة قادرة على احتواء تداعيات صدمة الطاقة من دون زيادة المخاوف بشأن الدين أو تعقيد مهمة «بنك إنجلترا» في إعادة التضخم إلى مستواه المستهدف البالغ 2 في المائة.

وبذلك، لا يقتصر اختبار هيلي على تقديم إجراءات تخفف أعباء المعيشة، بل يمتد إلى إقناع الأسواق بأن هذه الإجراءات لن تأتي على حساب مصداقية المالية العامة، في وقت قد تضطر فيه السياسة النقدية إلى اتخاذ مسار أكثر تشدداً.


«سامسونغ» و«إس كي هاينكس» تطوران مصانعهما في الصين لإنتاج رقائق ذاكرة أكثر تقدماً

شعار «سامسونغ إلكترونيكس» ولوحة أمّ لحاسوب في رسم توضيحي (رويترز)
شعار «سامسونغ إلكترونيكس» ولوحة أمّ لحاسوب في رسم توضيحي (رويترز)
TT

«سامسونغ» و«إس كي هاينكس» تطوران مصانعهما في الصين لإنتاج رقائق ذاكرة أكثر تقدماً

شعار «سامسونغ إلكترونيكس» ولوحة أمّ لحاسوب في رسم توضيحي (رويترز)
شعار «سامسونغ إلكترونيكس» ولوحة أمّ لحاسوب في رسم توضيحي (رويترز)

تعمل شركتا «سامسونغ إلكترونيكس» و«إس كي هاينكس» الكوريتان الجنوبيتان على تحديث مصانعهما في الصين لإنتاج رقائق ذاكرة أكثر تقدماً، في مسعى لمواجهة المنافسة المتنامية من شركة صينية سريعة النمو، وتلبية الطلب الهائل المرتبط بالذكاء الاصطناعي، وفقاً لأربعة مصادر مطلعة على الخطط.

وأصبح تحديد حجم الاستثمارات في منشآتهما الصينية مسألة معقدة بالنسبة إلى عملاقي أشباه الموصلات الكوريين، منذ أن بدأت الولايات المتحدة فرض قيود على تصدير بعض معدات تصنيع الرقائق في عام 2022، في إطار مساعيها لإبطاء التقدم التكنولوجي للصين.

وتُلزم واشنطن الشركتين حالياً بالحصول على تراخيص أميركية سنوية لاستخدام معدات مصنّعة في الولايات المتحدة داخل الصين، بما في ذلك آلات الحفر المستخدمة في إنتاج الرقائق. كما أعلن «مكتب الصناعة والأمن» التابع لوزارة التجارة الأميركية في عام 2025 أنه لا يعتزم منح تراخيص لتحديث التكنولوجيا، أو زيادة الطاقة الإنتاجية في مصانع شركات الرقائق الأجنبية العاملة في الصين.

وقد حدّت هذه القيود التنظيمية من قدرة الشركتين على تحديث منشآتهما، وأسهمت في تراجع حصتيهما السوقيتين لمصلحة شركة «يانغتسي ميموري تكنولوجيز» الصينية. وحذّر مسؤولون تنفيذيون في الشركتين الكوريتين علناً من أن التوترات الجيوسياسية تقوّض أعمالهما في الصين.

وأكدت «سامسونغ»، في بيان لـ«رويترز»، أن عمليات التحديث جارية بالتشاور الوثيق مع واشنطن. من جهتها، قالت «إس كي هاينكس» إنها تواصل تركيب المعدات في مصنعها بمدينة داليان شمال شرقي الصين، بالتشاور مع الحكومة الأميركية.

ولم تكشف الشركتان تفاصيل خطط الإنتاج التي تنشرها «رويترز» للمرة الأولى.

وبحسب المصادر، تعمل الشركتان على إنتاج رقائق ذاكرة من نوع «ناند» بتقنية تتجاوز 200 طبقة في مصانعهما الصينية، حيث لا تزال المنتجات أقل تطوراً من الرقائق التي تنتجانها في كوريا الجنوبية.

وتُستخدم رقائق «ناند»، التي تحتفظ بالبيانات حتى عند انقطاع الطاقة، على نطاق واسع في الهواتف الذكية، وأجهزة الكمبيوتر، ومحركات الأقراص ذات الحالة الصلبة المستخدمة في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي. وتتيح زيادة عدد الطبقات في الرقاقة رفع كثافة التخزين، وخفض التكاليف.

وارتفعت أسهم «سامسونغ» و«إس كي هاينكس» بنسبة 6 في المائة لكل منهما عند إغلاق تعاملات الأربعاء، عقب نشر التقرير.

«سامسونغ» تستهدف إنتاج رقائق بواقع 286 طبقة

يستهدف مصنع «سامسونغ» في مدينة شيآن شمال غربي الصين، الذي يمثل نحو 40 في المائة من إجمالي إنتاج الشركة العالمي من رقائق «ناند»، الانتقال من إنتاج رقائق تضم حالياً نحو 200 طبقة إلى تصنيع رقائق من الجيل التاسع «في 9 ناند» بواقع 286 طبقة، وفقاً لمصدرين مطلعين.

وتندرج هذه الخطوة ضمن مشروع يحمل داخلياً اسم «مونامي»، وهي كلمة فرنسية تعني «صديقي».

وتهدف الشركة إلى بلوغ إنتاج شهري قدره 5 آلاف رقاقة سيليكون في ديسمبر (كانون الأول) من العام الحالي، قبل رفعه إلى 40 ألف رقاقة شهرياً بحلول ديسمبر 2027، وفقاً لأحد المصادر.

وقالت «سامسونغ» إن التحديثات تتوافق مع ضوابط التصدير الأميركية، موضحة أن الهدف منها هو تلبية الطلب المتزايد من العملاء حول العالم، بمن فيهم العملاء في الولايات المتحدة. وأضافت الشركة أنها لا توسّع طاقتها الإنتاجية، ولا تنشئ منشآت تصنيع جديدة.

في المقابل، تسعى «إس كي هاينكس» إلى التحول لإنتاج رقائق «ناند» بواقع 240 طبقة أو أكثر في منشآتها بمدينة داليان، وفقاً لثلاثة مصادر مطلعة على الأمر. وتنتج الشركة حالياً رقائق تضم 192 طبقة في تلك المنشآت، بحسب أحد المصادر.

أشخاص ينتظرون لزيارة جناح «إس كيه هاينكس» خلال معرض أشباه الموصلات في سيول 16 أكتوبر 2026 (رويترز)

واستحوذت «إس كي هاينكس» على موقع داليان عندما اشترت أنشطة «إنتل» الخاصة برقائق «ناند» في عام 2021، ولا يزال المصنع منشأة التصنيع الوحيدة لهذه الرقائق التابعة لذلك النشاط. ويعمل النشاط حالياً تحت اسم «سوليديغم»، ويستعد لطرح عام أولي في الولايات المتحدة، وفقاً لما أوردته «رويترز» الشهر الماضي.

وقال أحد المصادر إن الشركة حصلت على إذن لإنتاج رقائق تصل إلى 240 طبقة في داليان، وقد تسعى للحصول على موافقة واشنطن لإجراء أبحاث وتطوير رقائق تتجاوز 300 طبقة في الموقع نفسه. ومن شأن ذلك أن يساعدها في تهيئة الأساس لاحتمال إنتاج هذه الرقائق في الولايات المتحدة مستقبلاً.

وتجري الشركة محادثات مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن خطط لإنشاء مصنع جديد لرقائق «ناند» في الولايات المتحدة.

ولم يقدم «مكتب الصناعة والأمن» الأميركي إجابة مباشرة عن أسئلة «رويترز» بشأن وضع الموافقات الخاصة بالشركتين الكوريتين، مكتفياً بالإشارة إلى بيانه الصادر في عام 2025، الذي أفاد بأنه يعتزم منح تراخيص تتيح لهما تشغيل مصانعهما الحالية في الصين، دون السماح بزيادة الطاقة الإنتاجية، أو تحديث التكنولوجيا.

«يانغتسي» تعزز موقعها في السوق الصينية

في الوقت الذي تواجه فيه «سامسونغ» و«إس كي هاينكس» صعوبات في تحديد حجم استثماراتهما في الصين، حققت شركة «يانغتسي ميموري تكنولوجيز» تقدماً ملحوظاً.

واستحوذت الشركة الصينية على 38.5 في المائة من سوق رقائق «ناند» في الصين خلال الربع الثاني، ارتفاعاً من 28 في المائة خلال عام 2025 بأكمله، متجاوزة «سامسونغ»، وفقاً لشركة الأبحاث «أومديا».

وفي المقابل، تراجعت حصة «سامسونغ» في السوق إلى 33.5 في المائة، من 36 في المائة، بينما انخفضت حصة «إس كي هاينكس» إلى 17 في المائة، من 20 في المائة.

وتتضمن مجموعة منتجات «يانغتسي» في معظمها رقائق «ناند» بواقع 160 و232 طبقة، لكنها تنتج أيضاً كميات محدودة من رقائق بواقع 294 طبقة، وتخطط لتصنيع منتجات تتجاوز 300 طبقة، وفقاً لمصدرين منفصلين. ولم ترد الشركة على طلب «رويترز» التعليق على هذه المعلومات.

وخارج الصين، تبيع «سامسونغ» رقائق «ناند» تصل إلى 286 طبقة، كما كشفت في أغسطس (آب) عن نموذج أولي لرقاقة تتجاوز 400 طبقة. أما «إس كي هاينكس»، فتبيع رقائق من النوع نفسه تصل إلى 321 طبقة.