طفرة الذكاء الصناعي... «كاوست» تعزز حضورها

جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية تسعى لتتبوأ مكانها في طليعة المؤسسات العالمية

طفرة الذكاء الصناعي... «كاوست» تعزز حضورها
TT

طفرة الذكاء الصناعي... «كاوست» تعزز حضورها

طفرة الذكاء الصناعي... «كاوست» تعزز حضورها

اليوم، وبينما يواجه العالم تفشي جائحة فيروس «كورونا المستجد» (Covid - 19) يعلق المجتمع العلمي الآمال العريضة في إمكانية استخدام علم البيانات والذكاء الصناعي للمساهمة في دعم الجهود التي يبذلها العلماء في شتى أصقاع الأرض لمكافحة هذه الجائحة. ورغم أن تلك المساهمة قد تكون محدودة في الوقت الراهن إلا أن هناك الكثير من تقنيات الذكاء الصناعي ستكون مفيدة، بل والأكثر من ذلك ستتضح فائدتها القصوى في مكافحة الأوبئة المستقبلية.
وتكمن القيمة الحقيقية للذكاء الصناعي في القدرة على التنبؤات الدقيقة. وعلى سبيل المثال، نجحت شركة أميركية في مساعدة ولاية كاليفورنيا على مراقبة انتشار الفيروس من خلال تقنيات التعلم الآلي. كما حاولت الصين، الاستفادة من تقنيات الذكاء الصناعي لمراقبة تحركات السكان خاصة المصابين بالفيروس، والتنبؤ بتطور تفشي الأمراض وإجراء أبحاث لتطوير لقاح أو علاج، كما تمت الاستعانة بتقنيات الذكاء الصناعي في عمليات تسريع تسلسل الجينوم. أما في مجال مساعدة العلماء لإيجاد لقاح قادر على احتواء الوباء، فإن الطب الحيوي يعتمد على عدد كبير من التقنيات، من بينها التطبيقات المختلفة لعلوم الكومبيوتر والإحصاء وبالتالي فإن استخدام الذكاء الصناعي هو جزء من هذه الاستمرارية.
حرصا منها على دعم الجهود المحلية والعالمية في مواجهة جائحة الفيروس، تم تشكيل مجموعة من أعضاء هيئة التعليم والطلبة في جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست) تتركز جهودهم على تطوير وسائل تشخيص سريعة، والتحليل الجينومي للفيروس والأدوات المعلوماتية الحيوية.
وبحسب منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) فإن الذكاء الصناعي يمر بفترة نمو هائل وإيجاد تطبيقات جديدة في عدد متزايد من القطاعات، بما في ذلك الأمن والبيئة والبحث والتعليم والصحة والثقافة والتجارة إلى جانب الاستخدام المتزايد التعقيد للبيانات الضخمة.
وإذا كان العالم يقف عند فجر حقبة جديدة بالفعل، فإن كاوست وعلماءها مصممون على المشاركة في العديد من جوانب أبحاث الذكاء الصناعي النظرية والتطبيقية.

الذكاء الصناعي
نُحتَ مصطلح «الذكاء الصناعي» في خمسينيات القرن العشرين، ولكن الاستفادة من إمكاناته المتوقعة لم تتأتَ بطريق مباشر، فقد مَرَّ الذكاء الصناعي بفترتي ركود هما سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، إذ انخفضت خلالهما الأنشطة التجارية والعلمية في هذا المجال إلى حد كبير. وبعد ذلك، وابتداءً من عام 2010. ظهر على الساحة البحثية فرعٌ جديد من الذكاء الصناعي، يُطلق عليه «تعلّم الآلة»، بل ظهر مجال أكثر تخصصاً، يُسمى «التعلّم العميق»، مما جعل الذكاء الصناعي أكثر قرباً من عالم من الإمكانات التي تكاد لا تحدّها حدود.
يقول الدكتور توني تشان، رئيس جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست) بأن الأمر أشبه بعاصفة ذكاء صناعي مثالية. وأوضّح بأن كاوست عازمة على أن تكون في طليعة المؤسسات البحثية في هذا المجال، فلدى الجامعة أجهزة لجمع البيانات منخفضة الكُلفة للغاية ومتاحة عالمياً، مثل أجهزة الهاتف الجوّال الذكية. كما أن لديها مرافق وأجهزة سريعة ومتطورة، وباحثين أذكياء جداً بنماذج مثيرة للاهتمام وخوارزميات سريعة. ويشارك باحثو كاوست بالفعل في عديدٍ من جوانب أبحاث الذكاء الصناعي النظرية والتطبيقية.
وفي غمار السباق المحموم حول العالم من قبل الدول وعمالقة تكنولوجيا الإنترنت لامتلاك واستخدام تقنية الذكاء الصناعي تتمثّل نقطة الانطلاق الجيّدة في أن يكون لديك باحثون متمكنون وذوو خبرة في هذا المجال.
ومثالاً على ذلك البروفسور بيتر ريشتاريك، أستاذ علوم الحاسب الآلي والذي انضم إلى كاوست في عام 2017. وهو العام نفسه الذي أطلقت فيه غوغل منصّتها المُوحَّدة للتعلّم التي مثّلت نقلة نوعية في نماذج التعلم الآلي. بالتعاون مع زملائهم في غوغل، عمل فريق ريشتاريك على تصميم المنصّة التي تُمكِّن المُطوِّرين من تصميم تطبيقات يمكنها التعلّم من البيانات الخاصة التي تُخزَّن على أجهزة الهاتف الجوَّال، دون الحاجة إلى تحميلها على السحابة الإلكترونية. ومن المعروف أن ما يجري نقله إلى السحابة هو ما يتعلَّمه الجهاز، في شكل تحديثات للنموذج، وليس البيانات نفسها: إذ تُضاف هذه التحديثات إلى تحديثات من أجهزة أخرى، مما يؤدي إلى تحسينات تدريجية للنموذج المشترك.
يستفيد ريشتاريك حالياً من سنوات خبرته في تصميم خوارزميات جديدة ومحسنة، يمكنها تدريب نماذج التعلّم الآلي والتعلّم العميق. ويوضِّح: «أسعى لتطوير الأسس النظرية لتعلّم الآلة، لكن عملي يشمل أيضاً عديداً من التطبيقات».
ولدى أستاذ علوم الحاسب الآلي نحو 50 مشروعاً بحثياً نشطاً يتعلّق بتعلّم الآلة، ويركّز أحد تلك المشروعات على تعلّم الآلة المُوزَّع عن طريق ضغط البيانات. يتطلّب تدريب نماذج تعلّم الآلة كميات ضخمة من البيانات الموجودة على عشرات أو مئات أو حتى آلاف من أجهزة الحاسوب. ورغم أن أجهزة الحاسوب سريعة عادة، فإن الاتِّصال فيما بينها يمكن أن يكون بطيئاً للغاية، مما يجعل ذلك العائق الرئيسي في عملية التدريب. ولمواجهة هذا يُصمم البروفسور ريشتاريك وفريقه خوارزميات تدريب جديدة تعمل على النحو المطلوب، حتى عندما يحدث تجاهل لجزء من البيانات، بهدف تقليل كمية البيانات التي يتعيّن تبادلها، وهي عملية تُعرف باسم «الضغط الفاقد».
ويوضِّح ريشتاريك أن جميع الخوارزميات التي يُصممها تستخدم وبصفة أساسية العشوائية أيضاً. فالطرق المستخدمة تُجري قرعة أو عملية اختيار عشوائية في كل خطوة، لاتّخاذ قرارات سريعة وبسيطة في أثناء التدريب. وهذا من شأنه أن يُمكِّنها من التعلّم بمزيد من السرعة. ويضيف: «دون التوزيع العشوائي، لن يكون بوسعنا تحقيق تعلّم عميق أو تعلّم الآلة أو ذكاء صناعي، ودونه لن نتمكَّن من تدريب النماذج الضخمة المستخدمة الآن في الصناعة. أواصل دراسة الكيفية التي يمكن أن تُسهم بها العشوائية في نواحٍ شتى، إذ لا يزال لدينا عديدٌ من الأسئلة التي تحتاج إلى إجابات».

معدل تسريع فائق
من جانب آخر، يعمل الدكتور ماركو كانيني، أستاذ علوم الحاسب الآلي المشارك، وزميل ريشتاريك في كاوست، على تحسين كفاءة معالجة كميات ضخمة من البيانات المعقَّدة من خلال آلاف من أجهزة الحاسوب. تعاوَن كانيني وفريقه مع شركاء أكاديميين وتجاريين في تصميم نظامٍ لتسريع معدَّل المعالجة في الثانية لعيّنات بيانات التدريب بواسطة نموذج لتعلّم الآلة بنسبة 300 في المائة. كما يدرس كانيني أيضاً نماذج لتعلّم الآلة لابتكار أداة من شأنها مساعدة المُستخدمين على فهم ما يفعلونه وكيفية حلّ المشكلات عند ظهورها.
جدير بالذكر أن تدريب نماذج أكثر تعقيداً لتعلّم الآلة بكمياتٍ أكبر من البيانات هو توجّه رئيسي للتعلم العميق في العصر الحاليّ. لكنَ غياب توصيفٍ دقيق لهامش الخطأ المحتمل الذي يمكن أن ينتج عن مثل هذه النماذج، يحدُّ من انتشار استخدامها، وتطبيقها في أنظمة اتخاذ القرار التي قد تؤدِّي أعطالها أو أخطاؤها إلى خطرٍ جسيم على الحياة أو المعدات أو البيئة، مثل السيارات ذاتية القيادة، والطائرات دون طيار، والأنظمة المُشغَّلة آلياً لتشخيص الأمراض. ويمكن للكثير من نماذج التعلّم العميق هذه تحقيق متوسط أداء مرتفع للغاية - خارق لحدود القدرات البشرية أحياناً - في عددٍ كبير من المهام الصعبة التي يضطلع بها الذكاء الصناعي، لكنَها تفشل في سيناريوهاتٍ بسيطة للغاية نادراً ما يُخطئ فيها الإنسان العادي. وهذه السيناريوهات ربما تكون السبب في الحوادث المؤسفة والمميتة التي نشهدها.
وفي هذا الصدد، يعكف الدكتور برنارد غانم، أستاذ الهندسة الكهربائية المشارك وفريقه في كاوست على تطوير أدواتٍ نظرية وأُطر عمل، للتنبؤ بحالات الفشل هذه وتقييمها، وبهذا يمكن تجنّب الحاجة المعتادة إلى إجراء اختباراتٍ مرهِقة ومكلّفة تستهلك كثيراً من الوقت. يوفِّر هذا البحث شهادات متانة لنماذج التعلّم العميق، لتكون ضمانات أداء قابلة للإثبات. ويمكن أن تكون أيضاً آليات تعمل آلياً ورخيصة التكلفة، لتحديد السيناريوهات التي تفشل فيها تلك النماذج؛ كظروفٍ جوية معينة مثلاً، أو طريق ما، أو ظروف إضاءة في حالة السيارات ذاتية القيادة، أو مستوى تشويش معيّن في حالة التصوير الطبي الحيوي. وهذه الجهود ستجعل نماذج التعلّم العميق أكثر متانة، وتزيد إمكانية توقّع حالات فشلها، وتقلّل الحوادث المحتملة عند استخدامها في التطبيقات المختلفة.

تحديد الخيارات المُثلى
من ناحية أخرى سعت الدكتورة زيانليان تشانج، أستاذة علوم الحاسب الآلي المشارك في كاوست للتغلب على أوّل مشكلة واجهتها في مجال الذكاء الصناعي عندما كانت طالبة في جامعة شيان جياوتونج في الصين. لقد كان هدفها تحديد هويّة مَن كان يستخدم جهاز الحاسوب بناءً على الطريقة التي ينقر بها على لوحة المفاتيح: هل هو مالك الجهاز أم شخصٌ سرق كلمة المرور؟ وقد اتسع نطاق تركيز تشانج منذ ذلك الحين، وهي تسعى حالياً في كاوست لتصميم خوارزميات يمكنها تحديد الأنماط في خِضم مجموعات معقدة ومتدفقة وواسعة النطاق من البيانات.
على سبيل المثال، تحاول تشانج وفريقها تعليم الآلات قراءة وتفسير الاستخدامات اللغوية الدقيقة - من خلال ما يُعرف بمعالجة اللغة الطبيعية - في منشورات الأشخاص على شبكات التواصل الاجتماعي، بهدف رصد ما يعتري اهتماماتهم من تغيير، واقتراح أماكن جديدة لزيارتها أو أشخاص جدد للالتقاء بهم. كما يستخدمون أيضاً بيانات الهاتف الجوّال لتتبّع وفهم الأنماط الأساسية لتحرّكات الأشخاص، بهدف تحسين التوصيات المتعلقة بالتعرف على أشخاص لديهم اهتمامات أو عادات أو تفضيلات مشابهة. يعمل فريق تشانج كذلك على تصميم برامج يمكنها التوصية بدراسات بحثية مناسبة كي يدمجها العلماء في عملهم.

حلّ المشكلات البيولوجية
غالباً ما يحدث الابتكار على هامش التقنيّة، وفي هذا الجانب تتركّز أبحاث كل من الدكتور سين جاو، أستاذ علوم الحاسب الآلي المشارك والبروفسور جيسبر تيجنير، أستاذ، العلوم البيولوجية في كاوست في موضع التقاء علم الحاسوب مع علم الأحياء.
بالإضافة إلى عمله على تصميم نظريات ومنهجيات وخوارزميات التعلم الآلي، يُطبّق سين جاو تقنيات تعلّم الآلة، بهدف حلِّ المشكلات في علم الأحياء والطب الحيوي. على سبيل المثال، صمم فريقه البحثي نهجاً حسابياً يدمج البيانات الخاصة بالعقاقير الحالية المعتمدة من إدارة الغذاء والدواء الأميركية مع معلومات عن البروتينات المعروفة التي تستهدفها، لمساعدة الباحثين على اكتشاف أهداف مرضية جديدة لهذه العقاقير، أو ما يُطلق عليه إعادة موضعة الأدوية. يقول سين جاو إن ذلك يمكن أن يوفِّر على شركات الأدوية سنواتٍ من الأبحاث ومليارات الدولارات في مجال تطوير الأدوية.
كما طوّر فريق جاو البحثي أيضاً نموذجاً يمكنه التنبّؤ بالمشكلات السريرية التي قد يواجهها شخصٌ ما بناءً على تاريخه المَرضي ونمطه الجيني. بالإضافة إلى ذلك، صمم الفريق مجموعة من نماذج التعلم المتعمّق التي يمكنها فك تشفير المعلومات المخبأة في شفرة الحمض النووي والمسؤولة عن تنظيم التعبير الجيني.
ومن جانبه، يعمل جيسبر تيجنير وفريقه على تصميم تقنيات لفكِّ تشفير البرامج الجزيئية داخل الخلايا والأنظمة الحيّة بهدفٍ نهائي لا يقتصر على تحديد الأنماط الموجودة في مجموعات البيانات المعقدة هذه، ولكن أيضاً فكّ تشفير القواعد السّببية التي تولّد تلك الأنماط. قد يؤدّي هذا الجهد إلى ابتكار أدوات جديدة تكون لها تطبيقات عامة في مجال تصميم آلات ذكية. تمكَّن تيجنير وفريقه من إثبات أساس رياضي يستند إليه نهجهما. ويعكف الفريق حالياً على تعديل هذا النهج ليتناسب مع تحليل جينوم الخلية الواحدة، بالإضافة إلى توسيع نطاقه من أجل تصميم آلات ذكية بحق، يمكنها اكتشاف الأسباب وطرح الأسئلة المنطقية، مثل أسئلة «ماذا لو؟».
قد تؤدّي مثل هذه الأسئلة إلى مخاوف أخلاقية تتعلَّق بالذكاء الصناعي. على سبيل المثال، هل ستثق في «طبيب ذكاء صناعي» يُجري تشخيصاً لمرضك؟ وماذا عن عنصر الحِس السليم الذي يُعدّ أمراً بالغ الأهمية فيما يتَّصل بصحة الإنسان؟ هل يمكن أن تتعلَّم أنظمة الذكاء الصناعي الحس السليم لدى الطبيب؟ بالنسبة لمثل هذه الأسئلة، يُحذّر تشان قائلاً: «ينبغي علينا، كمجتمع، أن نحرص بشدة على تحقيق التوازن بين تشجيع الابتكار والمبالغة في الرقابة والتنظيم».

«كاوست» والمستقبل
يقول الدكتور تشان: «نظراً لكوننا جامعة صغيرة نسبياً للعلوم والتقنية، فإننا نسعى لتحديد الدور الذي يمكننا الاضطلاع به على أفضل نحو ممكن. نريد أن نركِز جهودنا على استخدام الذكاء الصناعي وتعلم الآلة كي نتمكن من تحسين أدائنا في مجال العلوم والهندسة. نحن نُخطط لاستخدام الذكاء الصناعي وتعلّم الآلة للمساهمة في نقل المملكة العربية السعودية إلى مرحلة تتجاوز فيها الاعتماد على النفط وينصبّ اهتمامها على الابتكار والتقنية. على سبيل المثال، ومن المحتمل أن تقود تكون شراكاتنا مع شركات التقنية المحلية الكبيرة، مثل أرامكو السعودية، لأن تصبح حافزا ومحركا ودافعا لمزيد من التركيز في هذا المجال. بالتأكيد. نحن بحاجة إلى أن نكون استراتيجيين بشأن ما نقدمه كنوع من المساهمة في ذلك».



هل السبب دواء «أوزمبيك» لكبح الشهية... أم «فقدان الشهية العصبي»؟

هل السبب دواء «أوزمبيك» لكبح الشهية... أم «فقدان الشهية العصبي»؟
TT

هل السبب دواء «أوزمبيك» لكبح الشهية... أم «فقدان الشهية العصبي»؟

هل السبب دواء «أوزمبيك» لكبح الشهية... أم «فقدان الشهية العصبي»؟

يتزايد قلق الأطباء من أن أدوية إنقاص الوزن تُسهم في ظهور حالات جديدة من فقدان الشهية العصبي anorexia، وأنّ هناك نقصاً في الضمانات لحماية المرضى الذين يعانون من اضطرابات الأكل.

أعراض متشابهة للدواء... وللاضطراب

يتناول عشرات الملايين من المرضى هذه الأدوية حالياً، والتي قد تُسبب أحياناً أعراضاً تُشابه أعراض فقدان الشهية العصبي: تساقط الشعر، والدوخة، ومشاكل في الجهاز الهضمي، ونقص حاد في السعرات الحرارية. وتقول الدكتورة كاثرين كيلي، طبيبة طب الأسرة والطب الرياضي في لونغ بيتش، كاليفورنيا: «إننا نتساءل في هذه الحالة: هل هذا فقدان شهية عصبي؟ هل هو اضطراب في الأكل؟ أم أنه مجرد أثر جانبي للدواء؟».

توصيات لرصد علامات اضطرابات الأكل قبل البدء بتناول أدوية كبح الشهية

وبناءً على «الحاجة المُلحة» إلى إرشادات، أصدر تحالف دولي من اختصاصيي طب السمنة وأطباء اضطرابات الأكل، وغيرهم من الخبراء، أخيراً توصيات جديدة بشأن وصف مُحفزات مستقبلات الببتيد الشبيه بالغلوكاجون-1 (GLP-1) ووصف اضطرابات الأكل. ومن بين اقتراحاتهم الموجهة للأطباء: فحص جميع المرضى بحثاً عن علامات اضطرابات الأكل قبل البدء بتناول مُحفزات مستقبلات الببتيد الشبيه بالغلوكاجون، ومراقبة أي شخص يتناول هذه الأدوية بشكل دوري.

ولا يُعد أي من هذين الإجراءين ممارسةً مُعتمدةً حالياً. كما أن معظم الأطباء غير مُدرَّبين على التعرّف على علامات اضطرابات الأكل، ما قد يُحدّ من نطاق التوصيات الجديدة.

أدوية يسهل الحصول عليها من دون طبيب

وما يزيد الأمر تعقيداً أن العديد من الأشخاص يحصلون على هذه الأدوية عبر خدمات التطبيب عن بُعد، مع إشراف طبي محدود أو معدوم. وفي دراسة حديثة، وجد باحثون حاولوا شراء أدوية إنقاص الوزن من 49 موقعاً إلكترونياً أن ثلث هذه المواقع فقط اشترط التواصل المباشر مع طبيب قبل وصف الأدوية، وأن نصفها فقط سأل عن اضطرابات الأكل.

وقالت فانيسا لونغلي، الرئيسة التنفيذية لمنظمة «بيت» Beat البريطانية غير الربحية التي تُدير خطاً ساخناً لمساعدة الأشخاص الذين يُعانون من اضطرابات الأكل: «لقد بدأنا بوصف دواء خطير للغاية، في حين أننا لا نعرف تماماً جميع آثاره الجانبية».

حقن كبح الشهية تُسوَّق أحياناً من دون وصفة طبية

معدل اضطرابات الأكل بين متناولي أدوية كبح الشهية أكثر بـ6 مرات

لا تتوفر بيانات كافية حول مدى شيوع فقدان الشهية العصبي بين الأشخاص الذين يتناولون أدوية إنقاص الوزن. لكن دراسة حديثة تناولت استخدام هرمون GLP-1 بين أشخاص لا يعانون من أي حالة طبية ظاهرة، وجدت أن معدل اضطرابات الأكل في هذه المجموعة يزيد ستة أضعاف عن المعدل في عموم السكان. وتشير الأبحاث إلى أن الكثيرين يلجأون إلى هذه الأدوية لتحقيق مستويات خطيرة من فقدان الوزن. وإذا تُركت حالة فقدان الشهية العصبي من دون علاج، فقد تؤدي إلى هشاشة العظام، وكسور العظام، ومشاكل في القلب والأوعية الدموية، واضطرابات إدراكية. وقد تكون قاتلة أيضاً.

وحتى لو أفصح المريض عن تاريخه مع فقدان الشهية العصبي، فإن الأطباء لا يملكون إرشادات كافية حول الخطوة التالية. هل يصفون الدواء على أي حال؟ أم يمتنعون عن وصفه بسبب هذا الخطر، متخلين عن فوائده؟

«أوزمبيك» أم فقدان الشهية العصبي؟

تشير مجموعة متزايدة من الأبحاث إلى أنه بالنسبة لبعض الأشخاص الذين لديهم استعداد وراثي لفقدان الشهية العصبي، فإن حالة نقص السعرات الحرارية - مثل اتباع حمية غذائية لأول مرة - قد تكون المحفز لاضطراب الأكل، إذ إن أدمغتهم مهيأة لاعتبار هذا النقص في السعرات الحرارية مُرضياً بشكل خاص، مما يخلق حلقة مفرغة تدفعهم إلى مزيد من تقييد تناول الطعام. كما لاحظ الباحثون أن جراحة السمنة قد تُسبب فقدان الشهية بهذه الطريقة.

وهناك ما يدعو للاعتقاد بأن شيئاً مشابهاً قد يحدث لبعض المرضى الذين يتناولون أدوية GLP-1. وقالت سينثيا بوليك، المديرة المؤسسة لمركز التميز لاضطرابات الأكل بجامعة نورث كارولينا، والعضو في لجنة الخبراء التي أصدرت الإرشادات الجديدة: «إنها نقطة تحول حاسمة. فهي تُحفز لديهم الاستعداد الوراثي الكامن».

«أدوات دوائية قوية» لكبح الشهية

ووصفت الدكتورة أماندا بانكس، الطبيبة في فيلادلفيا ومؤلفة كتاب عن العلاقة بين فقدان الشهية العصبي وأدوية إنقاص الوزن، هذه الأدوية بأنها «أدوات دوائية قوية» لكبح الشهية. وهذا ما يجعلها علاجاً فعالاً للأشخاص الذين يعانون من السمنة. كما أنه أحد أسباب ظهور نتائج واعدة لهذه الأدوية لدى مرضى «اضطراب نهم الطعام binge eating disorder».

اضطراب فقدان الشهية العصبي يتسبب في أعراض ضارة بالجسم

تشخيص فقدان الشهية العصبي

يشخص الأطباء أحياناً فقدان الشهية العصبي من خلال أعراضه الجسدية: فقدان الوزن السريع والشديد، والجفاف، والدوار، وتساقط الشعر الناتج عن سوء التغذية. لكن هذه الأعراض قد تكون أيضاً من آثار هرمونات أدوية GLP-1، ما يجعل تشخيص اضطراب الأكل صعباً.

كما يصعب على الأطباء التمييز بين ما إذا كان المريض يحاول عمداً تقليل كمية الطعام التي يتناولها، أو ما إذا كان الدواء هو ما يدفعه إلى ذلك. ولا توجد إجابة قاطعة حول مقدار فقدان الوزن الذي يُعد مفرطاً عند تناول أدوية مصممة لمساعدة الناس على إنقاص الوزن.

وقال الدكتور آرون كيشين، اختصاصي اضطرابات الأكل في نوفا سكوتيا والمشارك في وضع الإرشادات الجديدة: «نشهد حالات لمرضى يعانون مما نسميه فقدان الوزن المرضي»، الذي قد يعني فقدان كمية غير صحية من الوزن. وأضاف: «وهم يتناولون هرمونات GLP-1».

لقد أصبح التمييز بين استخدام هرمونات GLP-1 واضطرابات الأكل غير واضح لدرجة أن بعض الباحثين يتساءلون عما إذا كان التعريف السريري لفقدان الشهية العصبي بحاجة إلى تغيير ليعكس أعراض هذا الاضطراب لدى من يتناولون هذه الأدوية.

الحاجة إلى ضوابط

وبينما تعد الإرشادات الجديدة محاولةً للحماية من مخاطر عقاقير GLP-1 التي قد تُلحق الضرر بالمرضى الذين يعانون من اضطرابات الأكل، فإن تطبيق هذه التوصيات عملياً قد يُمثّل تحدياً، لا سيما مع ازدياد وصفات الأدوية عبر الإنترنت. وتقول بانكس: «إذا استطاع أيّ منا أن يقول: 'وزني 165 رطلاً (الرطل 453 غراماً)، وأعاني من داء السكري وارتفاع ضغط الدم'، ولم يكن أيٌّ من هذه الأمور صحيحاً، ولم يتحقق أحد من ذلك، ثمّ استطاع الحصول على الدواء عند باب منزله صباحاً، فهذه مشكلة».

وحتى الأطباء الذين يُقدّمون رعايةً مباشرةً للمرضى الذين يتناولون هذه الأدوية ليسوا في وضعٍ يسمح لهم بالتعامل مع مخاطر اضطرابات الأكل. فأطباء الرعاية الأولية، الذين يصفون هذه الأدوية بشكلٍ متكرر، غالباً ما يكون وقتهم ضيقاً، ويتعيّن عليهم معالجة مجموعةٍ متنوّعةٍ من المشاكل الصحية.

الأطباء يفتقدون إلى الإرشادات

وتقول الدكتورة ميلاني جاي، مديرة برنامج NYU Langone الشامل للسمنة، إنّ أطباء السمنة واختصاصيي اضطرابات الأكل الذين يُمكنهم المساعدة في معالجة هذه المشاكل مع المرضى نادراً ما تتاح لهم فرص التفاعل فيما بينهم. ويفتقر أطباء السمنة إلى إرشادات كافية حول كيفية التعامل مع فقدان الشهية العصبي، أو حتى كيفية اكتشاف علاماته في المقام الأول.

وقالت لونغلي، رئيسة المنظمة البريطانية غير الربحية المعنية باضطرابات الأكل: «إن الخطر الأكبر لا يكمن في الدواء، بل في عدم تشخيص اضطراب الأكل الكامن أمامك».

* خدمة «نيويورك تايمز».


أجهزة تراقب السكر... هل تقود إلى الوقاية أم إلى مطاردة الأرقام؟

مستشعرات رصد مستويات الغلوكوز تزداد انتشاراً
مستشعرات رصد مستويات الغلوكوز تزداد انتشاراً
TT

أجهزة تراقب السكر... هل تقود إلى الوقاية أم إلى مطاردة الأرقام؟

مستشعرات رصد مستويات الغلوكوز تزداد انتشاراً
مستشعرات رصد مستويات الغلوكوز تزداد انتشاراً

​قد تكشف قراءة واحدة تغيراً عابراً، ولكن ماذا تخبرنا مئات القراءات؟ بين الوعد بالوقاية والقلق من كل ارتفاع، يطرح انتشار الأجهزة القابلة للارتداء سؤالاً يتجاوز دقة المستشعر: هل تمنحنا مراقبة أجسامنا لحظة بلحظة قدرة أكبر على تجنب المرض؟ أم تدفعنا إلى مطاردة أرقام لا نعرف دائماً كيف نفسرها؟

برز هذا السؤال في جلسة «الأجهزة القابلة للارتداء ومراقبة الغلوكوز واقتصاد الوقاية» ضمن المنتدى الرقمي لملتقى الصحة العالمي؛ إذ بعد إعادة جدولة المعرض الحضوري إلى 25–28 أكتوبر (تشرين الأول) 2027، أطلق المنظمون منتدى رقمياً يمتد من 26 أكتوبر 2026 إلى 20 ديسمبر (كانون الأول) من العام نفسه.

جناح وزارة الصحة خلال ملتقى الصحة العالمي 2025 في الرياض (الشرق الأوسط)

ملتقى رقمي وحضور صحي عالمي

لا يقتصر المنتدى الرقمي على نقل جلسات المعرض إلى الإنترنت؛ إذ يضم برنامجه 30 ندوة مهنية و15 حواراً مع قيادات صحية، إلى جانب تقرير عن سوق الرعاية الصحية. وتكمن أهميته في إبقاء النقاش قائماً بين المختصين والمستثمرين وصنَّاع القرار، وإتاحة الوصول إلى موضوعات الصحة الرقمية والابتكار الطبي خارج حدود المكان وأيام المعرض. كما يعزز حضور المملكة العربية السعودية على الساحة الصحية العالمية، ويبرز طموحها إلى ترسيخ ريادتها في توظيف الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية في الرعاية الصحية. ولكنه يظل مكمِّلاً للقاءات المباشرة، بما تتيحه من عرض للتقنيات وبناء للشراكات وجهاً لوجه.

وتأتي هذه النقاشات في سياق توسع ملتقى الصحة العالمي نفسه. ففي دورة 2025، استقطب أكثر من 130 ألف زائر، وعرضت فيه أكثر من 2200 علامة تجارية، وشارك 607 متحدثين، بينما أعلن المنظمون اتفاقات وصفقات تجاوزت قيمتها 35.5 مليار دولار. وتعكس هذه الأرقام اتساع الملتقى من معرض للأجهزة والخدمات إلى منصة تتقاطع فيها أسئلة الاستثمار والابتكار ومستقبل الرعاية الصحية.

من وخزة الإصبع إلى القراءة المستمرة

أصبحت أجهزة المراقبة المستمرة للغلوكوز أداة مهمة لكثير من المصابين بالسكري. يُثبَّت مستشعر صغير تحت الجلد؛ حيث يقيس الغلوكوز في السائل الخلالي، ثم يرسل قراءاته إلى الهاتف أو جهاز الاستقبال. وعلى خلاف وخزة الإصبع التي تعطي قراءة في لحظة واحدة، ترصد هذه الأجهزة تغير مستويات الغلوكوز بمرور الوقت، فتساعد المريض على متابعة اتجاهها والتنبه إلى ارتفاعها أو انخفاضها، ومناقشة أثر الطعام والنشاط والعلاج مع الطبيب.

لكن استخدام التقنية اتسع ليتجاوز متابعة المصابين بالسكري، فأقبل عليها بعض الأصحاء سعياً إلى «تحسين الأداء» أو بلوغ صحة مثالية. وهنا يختلف السؤال: ماذا تعني هذه القراءات لمن لا يعاني السكري؟ وهل تكفي مراقبة تغيرات الغلوكوز لتغيير العادات بما يحسِّن الصحة فعلاً؟

ماذا تقول الأدلة لدى الأصحاء؟

في 26 يناير (كانون الثاني) 2026، نشرت مجلة «European Journal of Medical Research» مراجعة علمية تناولت 23 دراسة شملت 1074 شخصاً من غير المصابين بالسكري، وجمعت إحصائياً نتائج الدراسات التي استطاعت مقارنتها. وأظهر التحليل انخفاضاً في متوسط الغلوكوز لدى مستخدمي الأجهزة مقارنة بالمشاركين الذين لم يستخدموها، بينما ارتبط استخدامها بتغييرات غذائية وبالتزام أكبر بالتدخلات الصحية.

لكن النتائج اختلفت باختلاف المشاركين؛ فلم يظهر فرق ذو دلالة في مؤشر كتلة الجسم، ولم يُرصد تحسن واضح في ضبط الغلوكوز لدى الأصحاء ذوي المستويات الطبيعية، بينما بدت النتائج أكثر وعداً لدى المصابين بمقدمات السكري. وتشير المراجعة إلى أن الأجهزة قد تساعد ضمن برنامج منظم لتغيير نمط الحياة، لا بوصفها علاجاً مستقلاً. كما أن قصر مدة كثير من الدراسات، ودمج بعضها بين الجهاز والتثقيف الصحي، يصعِّبان تحديد أثر المستشعر وحده.

«إنفوغراف» يوضح آلية عمل أجهزة المراقبة المستمرة للغلوكوز وملخص نتائج الدراسات لدى المصابين بالسكري وغير المصابين به

فائدة للمرضى لا تثبت الوقاية للجميع

وتوضح تجربة عشوائية نشرتها مجلة «New England Journal of Medicine» عام 2026، الفرق بين استخدام التقنية لمتابعة مرض قائم وبين تعميمها على الأصحاء. وشملت التجربة 283 بالغاً مصاباً بالسكري من النوع الثاني، لا يستخدمون الإنسولين. وبعد 26 أسبوعاً انخفض السكر التراكمي لدى مستخدمي أجهزة المراقبة المستمرة بمقدار إضافي بلغ 0.9 نقطة مئوية، مقارنة بمن تلقوا الرعاية المعتادة، كما أمضوا وقتاً أطول ضمن النطاق المستهدف.

ورغم أن هذه نتيجة مهمة لهؤلاء المرضى؛ لكنها لا تثبت أن الجهاز يمنع السكري لدى الأصحاء؛ فالفئة والسؤال البحثي مختلفان. والجهاز يقيس الغلوكوز؛ لكنه لا يشخِّص المرض بمفرده، فالارتفاع المؤقت بعد وجبة لا يكفي لتشخيص اضطراب، كما أن التذبذب الطبيعي لا يعني أن الجسم فقد قدرته على تنظيم السكر.

وفي 3 أغسطس (آب) 2026، أشارت صفحة تثقيفية في مجلة «JAMA Internal Medicine» إلى عدم وجود أدلة جيدة تثبت أن أجهزة المراقبة تحسن الصحة أو تمنع السكري لدى الأصحاء. وحذَّرت من أن محاولة تجنب «القمم» (في القراءات) قد تدفع بعض المستخدمين إلى تقييد أطعمة مفيدة مثل الفاكهة، أو تجعل متابعة الأرقام مصدراً للقلق والتوتر.

الوقاية قرار صحي... ليست مستشعراً

لا يعني ذلك أن هذه الأجهزة بلا فائدة خارج عيادات السكري. فقد تساعد بعض الأشخاص على فهم أثر عاداتهم اليومية، إذا فُسرت بياناتهم بإشراف مختص ورُبطت بخطة واقعية. فقيمة التقنية لا تُقاس بكمية البيانات التي تجمعها؛ بل بما تضيفه إلى القرار الصحي.

وهنا يعود سؤال «اقتصاد الوقاية»: من يستفيد من البيانات؟ وكيف تُفسَّر؟ وهل تقود إلى تحسن ملموس؟ فالوقاية لا تتحقق بشراء مستشعر أو جمع قراءات أكثر؛ بل بعادات مستدامة في الغذاء والنشاط والنوم، وبالفحوص المناسبة لمن لديهم عوامل خطر. والطب الجيد لا يقيس كل ما يمكن قياسه؛ بل يختار ما يساعد المريض والطبيب على اتخاذ قرار أفضل.


طفرة جينية نادرة قد تكون سبباً لاضطراب نمائي عصبي غامض

طفرة جينية نادرة قد تكون سبباً لاضطراب نمائي عصبي غامض
TT

طفرة جينية نادرة قد تكون سبباً لاضطراب نمائي عصبي غامض

طفرة جينية نادرة قد تكون سبباً لاضطراب نمائي عصبي غامض

اكتشف علماء تغيراً جينياً نادراً قد يكون وراء اضطراب نمائي عصبي لم يكن معروفاً من قبل، في خطوة قد تساعد على تفسير حالات بعض الأطفال الذين يعانون صعوبات في النمو دون سبب واضح، وتفتح المجال أمام بحوث جديدة لفهم هذه الاضطرابات.

وتوصل باحثون من كلية بايلور للطب، ومستشفى تكساس للأطفال في الولايات المتحدة، إلى أن هذا التغير يصيب جيناً يُعرف باسم «بي إم بي آر 2» (BMPR2) ويسهم في تنظيم الإشارات التي تحتاج إليها الخلايا للنمو والتطور بصورة طبيعية.

تغير جيني رُصد لدى 6 أطفال لا تربطهم صلة قرابة

ورصدت الدراسة المنشورة في مجلة «The American Journal of Human Genetics» في الأول من أكتوبر (تشرين الأول) 2026 التغير الجيني نفسه لدى 6 أطفال لا تربطهم صلة قرابة. وعانى 5 منهم تأخراً في النمو شمل الحركة والكلام واللغة، بينما شُخِّص 4 باضطراب طيف التوحد. كما ظهرت لدى بعضهم مشكلات أخرى، مثل نوبات الصرع والقلق وفرط النشاط.

وتشير النتائج إلى أن هذا التغير قد يعطل عملية بيولوجية مهمة لنمو الدماغ، وهو ما قد يفسر جانباً من الصعوبات التي ظهرت لدى الأطفال.

وقال الباحث الرئيسي الدكتور شينيا ياماموتو، الأستاذ المشارك في كلية بايلور للطب، إن العثور على التغير الجيني نفسه لدى أطفال غير مرتبطين عائلياً كان دليلاً مهماً؛ لكن التأكد من تأثيره في نمو الدماغ تطلَّب إجراء تجارب إضافية.

إشارات نمو مفرطة النشاط

يساعد جين «بي إم بي آر2» الخلايا على إنتاج بروتين يعمل كمستقبل للإشارات الموجودة على سطحها، وينقل إليها التعليمات اللازمة لتنظيم النمو والتطور. وتُعد هذه العملية جزءاً من نظام إشارات حيوي يُعرف باسم مسار بروتينات مورفوجين العظم bone morphogenetic protein» (BMP) pathway» وله دور مهم في تطور أعضاء الجسم بما فيها الجهاز العصبي.

وكانت دراسات سابقة قد ربطت التغيرات التي تقلل نشاط هذا الجين بمرض ارتفاع ضغط الدم الشرياني الرئوي، الذي يؤثر في الأوعية الدموية داخل الرئتين.

لكن التغير المكتشف حديثاً يعمل بصورة معاكسة، فهو لا يقلل نشاط البروتين بل يجعله نشطاً بدرجة أكبر من الطبيعي، حتى من دون وصول الإشارة التي يفترض أن تشغِّله. ويُطلق العلماء على هذا النوع من التغيرات اسم «طفرة اكتساب الوظيفة» أي إنها تزيد نشاط البروتين بدلاً من إضعافه.

تجارب علمية

ولمعرفة كيف يؤثر هذا الخلل في الجهاز العصبي، استخدم الباحثون ذباب الفاكهة، وهو كائن يُستعمل كثيراً في الدراسات العلمية لفهم العمليات البيولوجية المرتبطة بالأمراض البشرية.

وأظهرت التجارب أن الطفرة تؤدي إلى زيادة غير طبيعية في نشاط مسار الإشارات المسؤول عن النمو، وتؤثر في تطور الجهاز العصبي. كما تسببت في زيادة عدد المشابك العصبية، وهي نقاط الاتصال التي تتبادل عبرها الخلايا العصبية الإشارات والمعلومات.

ولاحظ الباحثون أيضاً أن التأثير لم يقتصر على الخلايا العصبية؛ بل امتد إلى الخلايا الدبقية، وهي خلايا تساعد على دعم الخلايا العصبية والحفاظ على وظائف الجهاز العصبي. وعندما فُعِّلت الطفرة في هذه الخلايا ظهرت زيادة أكبر في نشاط مسار الإشارات مصحوبة بتأثيرات شديدة في النمو.

وتشير هذه النتائج إلى أن المشكلة قد لا ترتبط بالخلايا العصبية وحدها؛ بل تشمل أنواعاً مختلفة من الخلايا التي تعمل معاً لضمان تطور الدماغ بصورة سليمة. كما وجد الباحثون أن الطفرة ظهرت تلقائياً لدى 5 أطفال على الأقل ولم تكن موروثة من أحد الوالدين، ما يدعم احتمال ارتباطها بالحالة.

بداية الطريق نحو علاجات محتملة

ولبحث إمكانية الحد من النشاط المفرط لهذا المسار، اختبر العلماء مُركَّبين تجريبيين طُوّرا في مركز اكتشاف الأدوية بكلية بايلور للطب. وأظهرت التجارب أن المُركَّبين استطاعا خفض نشاط الإشارات غير الطبيعية في أنسجة ذباب الفاكهة، ما يقدم دليلاً أولياً على إمكانية التحكم في هذه العملية البيولوجية.

وقال جونغ وان موك، الباحث الرئيسي الأول في الدراسة بقسم الوراثة الجزيئية والبشرية، إن هذه النتائج تمثل نقطة بداية لدراسة إمكانية استهداف هذا المسار مستقبلاً، مع ضرورة التأكد من أن التدخل فيه يمكن أن يتم بصورة آمنة.

لكن الباحثين يؤكدون أن المُركَّبين لا يزالان في مرحلة التجارب البحثية، ولا يمثلان علاجاً متاحاً للأطفال. كما أن إثبات فائدتهما يتطلب دراسات إضافية لمعرفة مدى أمانهما وفاعليتهما لدى البشر.

جين واحد وطفرات بأمراض مختلفة

يسلط هذا الاكتشاف الضوء على أن التغيرات التي تصيب الجين نفسه قد تؤدي إلى أمراض مختلفة حسب تأثيرها في نشاط البروتين الذي ينتجه، فقد يؤدي انخفاض نشاط الجين إلى حالة مرضية، بينما تؤدي زيادة نشاطه إلى اضطراب مختلف تماماً.

وقد يساعد هذا الفهم على تحسين التشخيص الجيني للأطفال الذين يعانون تأخراً في النمو أو صعوبات عصبية لا يُعرف سببها، كما قد يوجه العلماء إلى مسارات بيولوجية يمكن دراستها لتطوير علاجات مستقبلية. ومع ذلك تظل النتائج أولية؛ إذ شملت الدراسة 6 أطفال فقط، واعتمدت التجارب التي فسرت تأثير الطفرة على ذباب الفاكهة، وليس على نموذج متكامل للدماغ البشري.

ويحتاج الباحثون إلى إجراء دراسات إضافية على خلايا بشرية ونماذج حيوية أخرى، للتأكد من كيفية تأثير الطفرة في نمو الدماغ، وتحديد الخلايا الأكثر تأثراً بها، ومعرفة ما إذا كان بالإمكان تطوير تدخلات علاجية آمنة.

وبالنسبة إلى العائلات التي تبحث عن تفسير لصعوبات النمو لدى أطفالها، قد يشكل هذا الاكتشاف خطوة مهمة نحو تشخيص حالات جينية لم تكن معروفة سابقاً، بينما يمنح العلماء فرصة جديدة لفهم بعض أسباب الاضطرابات النمائية العصبية.