طفرة الذكاء الصناعي... «كاوست» تعزز حضورها

جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية تسعى لتتبوأ مكانها في طليعة المؤسسات العالمية

طفرة الذكاء الصناعي... «كاوست» تعزز حضورها
TT

طفرة الذكاء الصناعي... «كاوست» تعزز حضورها

طفرة الذكاء الصناعي... «كاوست» تعزز حضورها

اليوم، وبينما يواجه العالم تفشي جائحة فيروس «كورونا المستجد» (Covid - 19) يعلق المجتمع العلمي الآمال العريضة في إمكانية استخدام علم البيانات والذكاء الصناعي للمساهمة في دعم الجهود التي يبذلها العلماء في شتى أصقاع الأرض لمكافحة هذه الجائحة. ورغم أن تلك المساهمة قد تكون محدودة في الوقت الراهن إلا أن هناك الكثير من تقنيات الذكاء الصناعي ستكون مفيدة، بل والأكثر من ذلك ستتضح فائدتها القصوى في مكافحة الأوبئة المستقبلية.
وتكمن القيمة الحقيقية للذكاء الصناعي في القدرة على التنبؤات الدقيقة. وعلى سبيل المثال، نجحت شركة أميركية في مساعدة ولاية كاليفورنيا على مراقبة انتشار الفيروس من خلال تقنيات التعلم الآلي. كما حاولت الصين، الاستفادة من تقنيات الذكاء الصناعي لمراقبة تحركات السكان خاصة المصابين بالفيروس، والتنبؤ بتطور تفشي الأمراض وإجراء أبحاث لتطوير لقاح أو علاج، كما تمت الاستعانة بتقنيات الذكاء الصناعي في عمليات تسريع تسلسل الجينوم. أما في مجال مساعدة العلماء لإيجاد لقاح قادر على احتواء الوباء، فإن الطب الحيوي يعتمد على عدد كبير من التقنيات، من بينها التطبيقات المختلفة لعلوم الكومبيوتر والإحصاء وبالتالي فإن استخدام الذكاء الصناعي هو جزء من هذه الاستمرارية.
حرصا منها على دعم الجهود المحلية والعالمية في مواجهة جائحة الفيروس، تم تشكيل مجموعة من أعضاء هيئة التعليم والطلبة في جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست) تتركز جهودهم على تطوير وسائل تشخيص سريعة، والتحليل الجينومي للفيروس والأدوات المعلوماتية الحيوية.
وبحسب منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) فإن الذكاء الصناعي يمر بفترة نمو هائل وإيجاد تطبيقات جديدة في عدد متزايد من القطاعات، بما في ذلك الأمن والبيئة والبحث والتعليم والصحة والثقافة والتجارة إلى جانب الاستخدام المتزايد التعقيد للبيانات الضخمة.
وإذا كان العالم يقف عند فجر حقبة جديدة بالفعل، فإن كاوست وعلماءها مصممون على المشاركة في العديد من جوانب أبحاث الذكاء الصناعي النظرية والتطبيقية.

الذكاء الصناعي
نُحتَ مصطلح «الذكاء الصناعي» في خمسينيات القرن العشرين، ولكن الاستفادة من إمكاناته المتوقعة لم تتأتَ بطريق مباشر، فقد مَرَّ الذكاء الصناعي بفترتي ركود هما سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، إذ انخفضت خلالهما الأنشطة التجارية والعلمية في هذا المجال إلى حد كبير. وبعد ذلك، وابتداءً من عام 2010. ظهر على الساحة البحثية فرعٌ جديد من الذكاء الصناعي، يُطلق عليه «تعلّم الآلة»، بل ظهر مجال أكثر تخصصاً، يُسمى «التعلّم العميق»، مما جعل الذكاء الصناعي أكثر قرباً من عالم من الإمكانات التي تكاد لا تحدّها حدود.
يقول الدكتور توني تشان، رئيس جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست) بأن الأمر أشبه بعاصفة ذكاء صناعي مثالية. وأوضّح بأن كاوست عازمة على أن تكون في طليعة المؤسسات البحثية في هذا المجال، فلدى الجامعة أجهزة لجمع البيانات منخفضة الكُلفة للغاية ومتاحة عالمياً، مثل أجهزة الهاتف الجوّال الذكية. كما أن لديها مرافق وأجهزة سريعة ومتطورة، وباحثين أذكياء جداً بنماذج مثيرة للاهتمام وخوارزميات سريعة. ويشارك باحثو كاوست بالفعل في عديدٍ من جوانب أبحاث الذكاء الصناعي النظرية والتطبيقية.
وفي غمار السباق المحموم حول العالم من قبل الدول وعمالقة تكنولوجيا الإنترنت لامتلاك واستخدام تقنية الذكاء الصناعي تتمثّل نقطة الانطلاق الجيّدة في أن يكون لديك باحثون متمكنون وذوو خبرة في هذا المجال.
ومثالاً على ذلك البروفسور بيتر ريشتاريك، أستاذ علوم الحاسب الآلي والذي انضم إلى كاوست في عام 2017. وهو العام نفسه الذي أطلقت فيه غوغل منصّتها المُوحَّدة للتعلّم التي مثّلت نقلة نوعية في نماذج التعلم الآلي. بالتعاون مع زملائهم في غوغل، عمل فريق ريشتاريك على تصميم المنصّة التي تُمكِّن المُطوِّرين من تصميم تطبيقات يمكنها التعلّم من البيانات الخاصة التي تُخزَّن على أجهزة الهاتف الجوَّال، دون الحاجة إلى تحميلها على السحابة الإلكترونية. ومن المعروف أن ما يجري نقله إلى السحابة هو ما يتعلَّمه الجهاز، في شكل تحديثات للنموذج، وليس البيانات نفسها: إذ تُضاف هذه التحديثات إلى تحديثات من أجهزة أخرى، مما يؤدي إلى تحسينات تدريجية للنموذج المشترك.
يستفيد ريشتاريك حالياً من سنوات خبرته في تصميم خوارزميات جديدة ومحسنة، يمكنها تدريب نماذج التعلّم الآلي والتعلّم العميق. ويوضِّح: «أسعى لتطوير الأسس النظرية لتعلّم الآلة، لكن عملي يشمل أيضاً عديداً من التطبيقات».
ولدى أستاذ علوم الحاسب الآلي نحو 50 مشروعاً بحثياً نشطاً يتعلّق بتعلّم الآلة، ويركّز أحد تلك المشروعات على تعلّم الآلة المُوزَّع عن طريق ضغط البيانات. يتطلّب تدريب نماذج تعلّم الآلة كميات ضخمة من البيانات الموجودة على عشرات أو مئات أو حتى آلاف من أجهزة الحاسوب. ورغم أن أجهزة الحاسوب سريعة عادة، فإن الاتِّصال فيما بينها يمكن أن يكون بطيئاً للغاية، مما يجعل ذلك العائق الرئيسي في عملية التدريب. ولمواجهة هذا يُصمم البروفسور ريشتاريك وفريقه خوارزميات تدريب جديدة تعمل على النحو المطلوب، حتى عندما يحدث تجاهل لجزء من البيانات، بهدف تقليل كمية البيانات التي يتعيّن تبادلها، وهي عملية تُعرف باسم «الضغط الفاقد».
ويوضِّح ريشتاريك أن جميع الخوارزميات التي يُصممها تستخدم وبصفة أساسية العشوائية أيضاً. فالطرق المستخدمة تُجري قرعة أو عملية اختيار عشوائية في كل خطوة، لاتّخاذ قرارات سريعة وبسيطة في أثناء التدريب. وهذا من شأنه أن يُمكِّنها من التعلّم بمزيد من السرعة. ويضيف: «دون التوزيع العشوائي، لن يكون بوسعنا تحقيق تعلّم عميق أو تعلّم الآلة أو ذكاء صناعي، ودونه لن نتمكَّن من تدريب النماذج الضخمة المستخدمة الآن في الصناعة. أواصل دراسة الكيفية التي يمكن أن تُسهم بها العشوائية في نواحٍ شتى، إذ لا يزال لدينا عديدٌ من الأسئلة التي تحتاج إلى إجابات».

معدل تسريع فائق
من جانب آخر، يعمل الدكتور ماركو كانيني، أستاذ علوم الحاسب الآلي المشارك، وزميل ريشتاريك في كاوست، على تحسين كفاءة معالجة كميات ضخمة من البيانات المعقَّدة من خلال آلاف من أجهزة الحاسوب. تعاوَن كانيني وفريقه مع شركاء أكاديميين وتجاريين في تصميم نظامٍ لتسريع معدَّل المعالجة في الثانية لعيّنات بيانات التدريب بواسطة نموذج لتعلّم الآلة بنسبة 300 في المائة. كما يدرس كانيني أيضاً نماذج لتعلّم الآلة لابتكار أداة من شأنها مساعدة المُستخدمين على فهم ما يفعلونه وكيفية حلّ المشكلات عند ظهورها.
جدير بالذكر أن تدريب نماذج أكثر تعقيداً لتعلّم الآلة بكمياتٍ أكبر من البيانات هو توجّه رئيسي للتعلم العميق في العصر الحاليّ. لكنَ غياب توصيفٍ دقيق لهامش الخطأ المحتمل الذي يمكن أن ينتج عن مثل هذه النماذج، يحدُّ من انتشار استخدامها، وتطبيقها في أنظمة اتخاذ القرار التي قد تؤدِّي أعطالها أو أخطاؤها إلى خطرٍ جسيم على الحياة أو المعدات أو البيئة، مثل السيارات ذاتية القيادة، والطائرات دون طيار، والأنظمة المُشغَّلة آلياً لتشخيص الأمراض. ويمكن للكثير من نماذج التعلّم العميق هذه تحقيق متوسط أداء مرتفع للغاية - خارق لحدود القدرات البشرية أحياناً - في عددٍ كبير من المهام الصعبة التي يضطلع بها الذكاء الصناعي، لكنَها تفشل في سيناريوهاتٍ بسيطة للغاية نادراً ما يُخطئ فيها الإنسان العادي. وهذه السيناريوهات ربما تكون السبب في الحوادث المؤسفة والمميتة التي نشهدها.
وفي هذا الصدد، يعكف الدكتور برنارد غانم، أستاذ الهندسة الكهربائية المشارك وفريقه في كاوست على تطوير أدواتٍ نظرية وأُطر عمل، للتنبؤ بحالات الفشل هذه وتقييمها، وبهذا يمكن تجنّب الحاجة المعتادة إلى إجراء اختباراتٍ مرهِقة ومكلّفة تستهلك كثيراً من الوقت. يوفِّر هذا البحث شهادات متانة لنماذج التعلّم العميق، لتكون ضمانات أداء قابلة للإثبات. ويمكن أن تكون أيضاً آليات تعمل آلياً ورخيصة التكلفة، لتحديد السيناريوهات التي تفشل فيها تلك النماذج؛ كظروفٍ جوية معينة مثلاً، أو طريق ما، أو ظروف إضاءة في حالة السيارات ذاتية القيادة، أو مستوى تشويش معيّن في حالة التصوير الطبي الحيوي. وهذه الجهود ستجعل نماذج التعلّم العميق أكثر متانة، وتزيد إمكانية توقّع حالات فشلها، وتقلّل الحوادث المحتملة عند استخدامها في التطبيقات المختلفة.

تحديد الخيارات المُثلى
من ناحية أخرى سعت الدكتورة زيانليان تشانج، أستاذة علوم الحاسب الآلي المشارك في كاوست للتغلب على أوّل مشكلة واجهتها في مجال الذكاء الصناعي عندما كانت طالبة في جامعة شيان جياوتونج في الصين. لقد كان هدفها تحديد هويّة مَن كان يستخدم جهاز الحاسوب بناءً على الطريقة التي ينقر بها على لوحة المفاتيح: هل هو مالك الجهاز أم شخصٌ سرق كلمة المرور؟ وقد اتسع نطاق تركيز تشانج منذ ذلك الحين، وهي تسعى حالياً في كاوست لتصميم خوارزميات يمكنها تحديد الأنماط في خِضم مجموعات معقدة ومتدفقة وواسعة النطاق من البيانات.
على سبيل المثال، تحاول تشانج وفريقها تعليم الآلات قراءة وتفسير الاستخدامات اللغوية الدقيقة - من خلال ما يُعرف بمعالجة اللغة الطبيعية - في منشورات الأشخاص على شبكات التواصل الاجتماعي، بهدف رصد ما يعتري اهتماماتهم من تغيير، واقتراح أماكن جديدة لزيارتها أو أشخاص جدد للالتقاء بهم. كما يستخدمون أيضاً بيانات الهاتف الجوّال لتتبّع وفهم الأنماط الأساسية لتحرّكات الأشخاص، بهدف تحسين التوصيات المتعلقة بالتعرف على أشخاص لديهم اهتمامات أو عادات أو تفضيلات مشابهة. يعمل فريق تشانج كذلك على تصميم برامج يمكنها التوصية بدراسات بحثية مناسبة كي يدمجها العلماء في عملهم.

حلّ المشكلات البيولوجية
غالباً ما يحدث الابتكار على هامش التقنيّة، وفي هذا الجانب تتركّز أبحاث كل من الدكتور سين جاو، أستاذ علوم الحاسب الآلي المشارك والبروفسور جيسبر تيجنير، أستاذ، العلوم البيولوجية في كاوست في موضع التقاء علم الحاسوب مع علم الأحياء.
بالإضافة إلى عمله على تصميم نظريات ومنهجيات وخوارزميات التعلم الآلي، يُطبّق سين جاو تقنيات تعلّم الآلة، بهدف حلِّ المشكلات في علم الأحياء والطب الحيوي. على سبيل المثال، صمم فريقه البحثي نهجاً حسابياً يدمج البيانات الخاصة بالعقاقير الحالية المعتمدة من إدارة الغذاء والدواء الأميركية مع معلومات عن البروتينات المعروفة التي تستهدفها، لمساعدة الباحثين على اكتشاف أهداف مرضية جديدة لهذه العقاقير، أو ما يُطلق عليه إعادة موضعة الأدوية. يقول سين جاو إن ذلك يمكن أن يوفِّر على شركات الأدوية سنواتٍ من الأبحاث ومليارات الدولارات في مجال تطوير الأدوية.
كما طوّر فريق جاو البحثي أيضاً نموذجاً يمكنه التنبّؤ بالمشكلات السريرية التي قد يواجهها شخصٌ ما بناءً على تاريخه المَرضي ونمطه الجيني. بالإضافة إلى ذلك، صمم الفريق مجموعة من نماذج التعلم المتعمّق التي يمكنها فك تشفير المعلومات المخبأة في شفرة الحمض النووي والمسؤولة عن تنظيم التعبير الجيني.
ومن جانبه، يعمل جيسبر تيجنير وفريقه على تصميم تقنيات لفكِّ تشفير البرامج الجزيئية داخل الخلايا والأنظمة الحيّة بهدفٍ نهائي لا يقتصر على تحديد الأنماط الموجودة في مجموعات البيانات المعقدة هذه، ولكن أيضاً فكّ تشفير القواعد السّببية التي تولّد تلك الأنماط. قد يؤدّي هذا الجهد إلى ابتكار أدوات جديدة تكون لها تطبيقات عامة في مجال تصميم آلات ذكية. تمكَّن تيجنير وفريقه من إثبات أساس رياضي يستند إليه نهجهما. ويعكف الفريق حالياً على تعديل هذا النهج ليتناسب مع تحليل جينوم الخلية الواحدة، بالإضافة إلى توسيع نطاقه من أجل تصميم آلات ذكية بحق، يمكنها اكتشاف الأسباب وطرح الأسئلة المنطقية، مثل أسئلة «ماذا لو؟».
قد تؤدّي مثل هذه الأسئلة إلى مخاوف أخلاقية تتعلَّق بالذكاء الصناعي. على سبيل المثال، هل ستثق في «طبيب ذكاء صناعي» يُجري تشخيصاً لمرضك؟ وماذا عن عنصر الحِس السليم الذي يُعدّ أمراً بالغ الأهمية فيما يتَّصل بصحة الإنسان؟ هل يمكن أن تتعلَّم أنظمة الذكاء الصناعي الحس السليم لدى الطبيب؟ بالنسبة لمثل هذه الأسئلة، يُحذّر تشان قائلاً: «ينبغي علينا، كمجتمع، أن نحرص بشدة على تحقيق التوازن بين تشجيع الابتكار والمبالغة في الرقابة والتنظيم».

«كاوست» والمستقبل
يقول الدكتور تشان: «نظراً لكوننا جامعة صغيرة نسبياً للعلوم والتقنية، فإننا نسعى لتحديد الدور الذي يمكننا الاضطلاع به على أفضل نحو ممكن. نريد أن نركِز جهودنا على استخدام الذكاء الصناعي وتعلم الآلة كي نتمكن من تحسين أدائنا في مجال العلوم والهندسة. نحن نُخطط لاستخدام الذكاء الصناعي وتعلّم الآلة للمساهمة في نقل المملكة العربية السعودية إلى مرحلة تتجاوز فيها الاعتماد على النفط وينصبّ اهتمامها على الابتكار والتقنية. على سبيل المثال، ومن المحتمل أن تقود تكون شراكاتنا مع شركات التقنية المحلية الكبيرة، مثل أرامكو السعودية، لأن تصبح حافزا ومحركا ودافعا لمزيد من التركيز في هذا المجال. بالتأكيد. نحن بحاجة إلى أن نكون استراتيجيين بشأن ما نقدمه كنوع من المساهمة في ذلك».



«الهُيام» ليس حباً... بل نوع من الانجذاب الهوسي

الهيام دافع قهري قد يستمر شهوراً وسنوات (بيكسلز)
الهيام دافع قهري قد يستمر شهوراً وسنوات (بيكسلز)
TT

«الهُيام» ليس حباً... بل نوع من الانجذاب الهوسي

الهيام دافع قهري قد يستمر شهوراً وسنوات (بيكسلز)
الهيام دافع قهري قد يستمر شهوراً وسنوات (بيكسلز)

على مدى 8 سنوات، شعرت جوردان وكأنها واقعة تحت تأثير سحر قوي. كانت تربطها علاقة عابرة بزميل لها في العمل، ولكن رغم عدم معرفتها به جيداً، كانت منجذبة إليه بشدة، ومتيقنة أنه «توأم روحها». وقالت جوردان، البالغة من العمر 35 عاماً التي طلبت عدم ذكر اسمها كاملاً حفاظاً على خصوصيتها: «كنت أفكر فيه كل يوم، طوال الوقت». كانت تفكر فيه مع كل كلمة أغنية. كانت تختلق الأعذار للتواصل معه. كانت تتخيل خيالات مفصلة ينتهي بهما المطاف فيها معاً، كما كتبت ميليندا وينر موير*.

50 % من الناس يمرون به مرة واحدة على الأقل

الهيام هوَس رومانسي

كانت تجربة جوردان شديدة، ولكنها ليست نادرة. وعلى الرغم من قلة البحوث في هذا المجال، فإن توم بيلامي، عالم الأعصاب في جامعة نوتنغهام بإنجلترا، قدَّر أن ما يصل إلى 50 في المائة من الناس يمرون بهذا النوع من الهوس الرومانسي مرة واحدة على الأقل في حياتهم. ويُطلق عليه اسم «الوله» أو «الهيام».

ما هو الهيام؟

الهيام حالة نفسية تتميز بشوق عميق لشخص ما، وأفكار وسواسية ومتطفلة، وسلوكيات قهرية، ورغبة شديدة في التبادل العاطفي، كما أوضحت أورلي ميلر، وهي اختصاصية نفسية مرخصة في نيو ساوث ويلز، بأستراليا. وقد صاغت هذا المصطلح عالمة النفس دوروثي تينوف في سبعينيات القرن الماضي، ولكنَّه غير مُدرج في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية، وهو المرجع التشخيصي المُستخدم في البحوث والتدريب الطبي والرعاية السريرية.

وبينما يكون الإعجاب العابر عادة عابراً، قد يستمر الهيام أشهراً أو سنوات أو حتى عقوداً، كما أوضحت ميلر. وهو أيضاً أكثر حدة. ويتحول الإعجاب أو الانجذاب إلى هيام عندما يبدأ في التأثير سلباً على قدرة الشخص على أداء وظائفه، كأن يمنعه من العمل أو النوم أو الأكل، على سبيل المثال.

الهيام تجربة نفسية ذاتية مبنية على الخيال والغموض إذ يصبح الشخص الآخر «رمزاً»

الهيام ليس هو الحب

الهيام ليس هو الحب. وتقول ميلر إنه على الرغم من أن كليهما يشتمل على مشاعر قوية، فإن الهيام تجربة نفسية مركزة على الذات، مبنية على الخيال والغموض؛ إذ يصبح الشخص الآخر «رمزاً: (أنت مصدر سعادتي، أنت مصدر اكتمالي)»، كما قال ألبرت واكين، أستاذ علم النفس المتقاعد في جامعة «القلب المقدس» في كونيتيكت.

لا يشترط أن يكون الهيام رومانسياً أو جنسياً، كما أوضحت لين مارشال، عالمة النفس التي تدرس الهيام في جامعة تشيتشستر في إنجلترا. واليك مثال ليلي (46 عاماً) وهي اختصاصية اجتماعية سريرية في ماساتشوستس، التي قالت إنها شعرت أخيراً بمشاعر قوية تجاه صديق. وعندما لم يرُد عليها هذا الصديق برسائل نصية ولا ببريد إلكتروني، انتابها اليأس. وقالت: «كان الأمر مؤلماً للغاية. كنت استيقظ صباحاً وأبدأ في التفكير فيه، وأخلد إلى النوم ليلاً وأظل أفكر فيه». وطلبَت أيضاً عدم ذكر اسم عائلتها حفاظاً على خصوصيتها.

دافع قهري

يشتمل الهيام على دافع قهري للبحث عن علامات تدل على اهتمام الشخص الآخر. وقالت ميلر: «قد يُستخدم شيء عابر (نظرة خاطفة، رسالة نصية، تفاعل على وسائل التواصل الاجتماعي) لخلق قصص وروايات مُفصَّلة حول ما إذا كان ذلك الشيء العابر يعني الرفض أم التبادل».

التعلق بالأمل

في حالة الهيام، يأمل الشخص أن تكون للطرف الآخر مشاعر، ولكنه يشكُّ في ذلك أيضاً. تقول آبي ميدكال، عالمة النفس المقيمة في كاليفورنيا: «الغموض هو الوقود الذي يُبقي الأمر مستمراً». وفقاً لبيلامي، يُشبه الهيام الإدمان. فعندما يشعر الشخص بالتبادل، يُسجِّله الدماغ كمكافأة. وإذا جاءت هذه المكافآت بشكل غير متوقع، فقد يُزيد ذلك من الرغبة في الاستمرار في البحث عنها.

وتساءل العلماء عما إذا كان بعض الأشخاص أكثر عرضة لتجربة الهيام من غيرهم. وتشير إحدى الدراسات إلى أن البالغين الذين يعانون من اضطراب التعلق القلق -والذين لديهم خوف من الهَجر، وغالباً ما عانوا من رعاية غير موثوقة عاطفياً في طفولتهم- هم أكثر عرضة من غيرهم.

والأشخاص الذين يعانون من الهيام العاطفي غالباً ما يكونون قلقين، وقد يُظهرون سلوكيات قهرية ووسواسية، ولكن هذا لا يعني بالضرورة إصابتهم باضطراب القلق العام أو اضطراب الوسواس القهري.

كسر السحر

على الرغم من أن الهيام العاطفي عادة ما يُسبب التعاسة، فإنه لا يمكن التخلص منه بمجرد التمني، كما قالت ميلر. ومع ذلك، أشار بيلامي إلى أنه قد يكون من المفيد ملاحظة وتصنيف السلوكيات القهرية عند ظهورها، كأن تفكر: «أريد مراسلة هذا الشخص، وهذه رغبة جامحة». كما اقترح التركيز على عيوب الشخص الآخر، أو تخيل ما سيحدث لو اكتشف الآخرون هذا الإعجاب.

وأوضح أن أنجع طريقة هي قطع التواصل مع الشخص الآخر، فحينها ستتوقف تلك الرغبات المتقطعة. ولكنه أضاف أن هذا ليس ممكناً دائماً، وبالتأكيد ليس سهلاً.

التعاون مع معالج نفسي

وأشارت ميلر إلى أن العمل مع معالج نفسي مُلمٍّ بمفهوم التعلق العاطفي الشديد قد يكون مفيداً. وقد تُساعد استراتيجيات العلاج السلوكي المعرفي. وأوضحت أن الناس غالباً ما يشعرون بالتعلق العاطفي الشديد تجاه الآخرين الذين يمتلكون صفات يتوقون إليها أو فقدوها في أنفسهم. وفي جلسات العلاج، يمكنهم تعلم كيفية تحديد هذه الرغبات وتلبيتها، وتحويل التعلق العاطفي الشديد إلى مصدر للشفاء. وأضافت ميلر: «يمكن أن يكون ذلك وسيلة للتحول والتطوير الشخصي».

* خدمة «نيويورك تايمز»


كيف نجح العلماء في خلق خلية من العَدَمْ؟

شكل تصويري للخلية الحية للإنسان المكونة من نواة تحيط بها السيتوبلازما داخل غشاء محيط بها
شكل تصويري للخلية الحية للإنسان المكونة من نواة تحيط بها السيتوبلازما داخل غشاء محيط بها
TT

كيف نجح العلماء في خلق خلية من العَدَمْ؟

شكل تصويري للخلية الحية للإنسان المكونة من نواة تحيط بها السيتوبلازما داخل غشاء محيط بها
شكل تصويري للخلية الحية للإنسان المكونة من نواة تحيط بها السيتوبلازما داخل غشاء محيط بها

لطالما حلم العلماء باكتشاف سرّ تحويل المواد الكيميائية إلى حياة. وهذا الشهر أعلن فريق من جامعة مينيسوتا عن تحقيق خطوة كبيرة نحو تحقيق هذا الحلم، كما كتب كارل زيمر، وماركو هيرنانديز.

تصنيع خلايا بسيطة

بمزج عشرات المكونات تمكن الباحثون من تصنيع خلايا بسيطة تتغذى، وتنمو، وتتكاثر، وتتنافس فيما بينها على الغذاء. ورغم أن هذه الخلايا ليست حية تماماً، فإنّها تحمل معظم سمات الحياة.

وقالت كيت أدامالا، عالمة الأحياء التركيبية في الجامعة، التي قادت البحث: «الحياة ليست ثنائية... لهذا السبب أتردد في وصفها بأنها (حية). إذ لا يوجد خط فاصل واضح، مهما تمنينا ذلك».

حتى الآن لم يتقن العلماء وصفة خلية قادرة على أداء هذا الكمّ الهائل من الوظائف، كما صرّح جون غلاس، عالم الأحياء التركيبية في معهد جيه كريغ فينتر في سان دييغو، والذي لم يشارك في الدراسة. وأضاف: «من المذهل أنها استطاعت الجمع بين كل هذه العناصر». وقالت روزانا ضياء، عالمة الأحياء الحاسوبية بجامعة ميسوري، والتي لم تشارك في المشروع: «سنتذكر هذه اللحظة».

خلية تشابه البطاطا

ومن جهته قال درو إندي، عالم الأحياء التركيبية في جامعة ستانفورد: «إنها خلية مُصنّعة، وليست وليدة. إنها مُركّبة، لكنها تؤدي وظائف الخلايا». وأطلقت أدامالا على ابتكارها اسم «سباد سيل» (SpudCell)، نسبةً إلى شكلها الشبيه بالبطاطا. وبدلاً من تسجيل براءة اختراع لها، تعمل هي وإندي على تنظيم مجتمع من العلماء للتركيز على جعل «سباد سيل» أكثر حيوية، وتكييفها مع أنواع جديدة من التجارب. وقد أسسا مع زملائهما منظمة بحثية غير ربحية يُقدّر إندي أنها ستنفق مئات الملايين من الدولارات على هذا الجهد خلال العقد القادم. ومن المتوقع انضمام مئات العلماء إليها.

ونشرت أدامالا وزملاؤها تقريراً مفصلاً من 190 صفحة عن عملهم على الإنترنت. ويخضع البحث حالياً للمراجعة تمهيداً لنشره في إحدى المجلات العلمية.

هندسة الخلايا اصطناعياً لأهداف البحث العلمي

يأمل العلماء أن تُتيح لهم الخلايا الاصطناعية معرفة جوانب من الحياة لا تستطيع الخلايا الطبيعية كشفها، بما في ذلك أسئلة أساسية مثل عدد الجينات اللازمة لأبسط أشكال الحياة.

وقد تُهندَس الخلايا اصطناعياً يوماً ما للقيام بأمور لا تستطيع الخلايا الطبيعية القيام بها، مثل إنتاج أنواع جديدة من الأدوية، أو استخلاص كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي. ونظرياً، قد تُنتج خلايا «سباد» المُهندسة مجموعة واسعة من البروتينات التي لا تستطيع الخلايا الطبيعية إنتاجها، أو حتى مواد كيميائية سامة، مثل وقود الصواريخ. وقال غلاس: «الآن يُمكننا التفكير في إجراء تجارب كيميائية لا نزال نعجز عن فهمها».

سبر لغز الحياة

يكمن لغز الحياة كما نعرفها في تعقيدها الغامض، والمتشابك. إذ يحتوي حمضنا النووي على عشرات الآلاف من الجينات، بالإضافة إلى ملايين المفاتيح الجزيئية التي تُفعّل هذه الجينات، وتُعطّلها. ولا يزال العلماء يجهلون وظائف العديد من هذه الأجزاء من الحمض النووي. وكثيراً ما يتبين أن الجين الذي يعتقدون أنهم يفهمونه يؤدي وظائف أخرى غير متوقعة.

ومنذ تسعينات القرن الماضي انكبّت عدة مختبرات على البحث في أجزاء صغيرة من هذه المشكلة. وقد أتقن بعضها طرقاً لصنع فقاعات مجوفة من جزيئات زيتية. بينما وجد البعض الآخر طرقاً لتغليف جزيئات جينية بسيطة داخل هذه الفقاعات.

لكن العلماء واجهوا صعوبة في تجميع هذه الأجزاء في أنظمة أكثر تعقيداً، فضلاً عن تكوين ما يُمكن تسميته خلية.

في السنوات الأخيرة، تصدّت أدامالا لأحد التحديات الأساسية: انقسام الخلية. تنقسم الخلية الطبيعية بمساعدة بروتينات تتشابك معاً لتُشكّل حلقة مُثبّتة على جدارها الداخلي. ثم تلتفّ الحلقة حول نفسها بإحكام، فتقسم الخلية إلى قسمين. وتعمل بروتينات أخرى كرافعات، وتنقل الحمض النووي وجزيئات أخرى إلى الخلايا المُتشكّلة، لتوفير المكونات اللازمة لاستمرار الحياة.

من المحاكاة إلى التصنيع

في البداية، حاولت أدامالا بناء نسخة أبسط من النظام الطبيعي. لكنها قررت لاحقاً عدم محاكاة الخلايا الحقيقية على الإطلاق.

كان علماء الفيزياء الحيوية قد اكتشفوا أنه عند تثبيت البروتينات على غشاء، فإنه يتولد ضغطٌ يُسبب انحناء الغشاء. لذا ابتكرت أدامالا وفريقها فقاعات قادرة على التقاط البروتينات العائمة حولها. عندما تجمع الفقاعة كمية كافية من البروتينات، يبدأ سطحها بالانحناء إلى الداخل حتى تنفجر إلى نصفين.

وعلى الرغم من بساطة الفكرة، فإن تطبيقها عملياً في المختبر استغرق عاماً من التجارب. قالت أدامالا: «لكن بمجرد أن تنجح، فإنها تؤدي العمل».

*احتوت «الوصفة» على نحو مائة نوع من البروتينات والجزيئات البسيطة اللازمة للتفاعلات الكيميائية الحيوية*

بناء خلية اصطناعية كاملة

شجع هذا النجاح الفريق على محاولة بناء خلية اصطناعية كاملة. وكانت الخطوة الأولى هي تحضير «مرق»، أي مزيج من الجزيئات الضرورية لعمل الخلية. احتوت الوصفة في النهاية على نحو مائة نوع من البروتينات والجزيئات البسيطة اللازمة للتفاعلات الكيميائية الحيوية، مثل إنتاج بروتينات جديدة من الجينات.

كما زوّد الباحثون خليتهم الاصطناعية بجينات مُستعارة من فيروس وبكتيريا الإشريكية القولونية المنتشرة. واختاروا 36 جيناً للوظائف الأساسية، مثل نسخ الحمض النووي. وبعد مزج هذه المكونات معاً أضاف العلماء المكونات الأساسية للأغشية. واندمجت هذه المكونات تلقائياً لتُشكّل فقاعات، كل منها يبتلع جزءاً من المزيج.

انتهى المطاف بالعديد من هذه الفقاعات بتغليف المزيج المناسب من الجينات، والبروتينات، والجزيئات الأخرى، وبدأت في إجراء التفاعلات الكيميائية التي تحدث في الخلايا الحقيقية. وبينما كانت الخلايا الجديدة تطفو في القوارير، أضافت أدامالا وزملاؤها الغذاء. وامتصت الخلايا الجزيئات الصغيرة عبر قنوات على أسطحها.

كما وضع العلماء فقاعات صغيرة مُحمّلة بالبروتينات، وجزيئات أخرى كبيرة الحجم بحيث لا يمكنها المرور عبر القنوات. وعن طريق الاصطدام والاندماج بإحدى هذه الفقاعات تتغذى الخلية على ما بداخلها من مواد غذائية.

ومع تغذية الخلايا، فإنها بدأت تنمو. وفي غضون ساعات قليلة تصبح كبيرة بما يكفي للانقسام. ثم أضاف العلماء بروتيناً خاصاً إلى القوارير، والذي يلتصق بسطح الخلايا، ويجبرها على الانحناء إلى الداخل. وبمجرد انقسام الخلايا إلى خليتين تستمر الخليتان الجديدتان في النمو.

تنمية أجيال من الخلايا الاصطناعية

وهكذا نمت خلايا «سباد سيل»، وتغذت، وتكاثرت. واتضح أن هذه الخلايا تمتلك قدرة بدائية على التطور. وابتكرت أدامالا وزملاؤها نسخة متحولة تلتصق بقوة أكبر بالفقاعات المليئة بالمواد الغذائية التي تطفو حولها. ولاختبارها قاموا بتحضير مزيج بنسبة 50-50 من خلايا «سباد سيل» الأصلية والمتحولة.

تنافست الخلايا على الغذاء لخمسة أجيال. وفي النهاية، فاق عدد الخلايا المتحولة عدد الخلايا الأصلية، ما يشير إلى تفوقها عليها في المنافسة على الغذاء.

وعلقت روزانا ضياء: «هذا هو الإنجاز الذي سيُحدث ثورة في هذا المجال». إذ سيتمكن العلماء من وضع خلايا اصطناعية مختلفة في منافسة فيما بينها، وتطوير خلايا أكثر تطوراً بسرعة.

قصور أساسي في الخلية الاصطناعية

على الرغم من كل هذه الأدلة على وجود حياة، لا تزال خلية «سباد سيل» تعاني من بعض أوجه القصور الرئيسة. فهي، على سبيل المثال، لا تستطيع إنتاج المصنع الجزيئي المسؤول عن إنتاج البروتينات الجديدة، والذي يُسمى الريبوسوم ribosome. تستطيع الخلايا حمل جميع الجينات اللازمة لبناء الريبوسومات، ولكن لسبب ما لا تتحد الأجزاء معاً. (الريبوسوم هو جسيم بروتيني نووي موجود في جميع الخلايا، سواء كانت بدائية أو متقدمة. وهو مسؤول عن تخليق البروتينات-الويكيبيديا الإنجليزية).

تحذيرات من تطويرات لا أخلاقية لتوظيفها... كسلاح

في الوقت الحالي لا تستطيع الخلية الاصطناعية البقاء إلا لبضعة أجيال فقط بفضل نظام غذائي مختبري خاص. لكن قد تكون الإصدارات المستقبلية أكثر قوة، ما يزيد من احتمالية استخدام خلايا «سباد سيل» بطريقة غير أخلاقية في يوم من الأيام، وربما حتى لصنع سلاح.

يرى إندي أن مجتمع البحث مفتوح المصدر سيكون أكثر استعداداً لمنع حدوث ذلك. وقال: «يمكننا إجراء هذه النقاشات الآن، بدلاً من انتظار الآخرين للقيام بذلك، ثم نكتفي جميعاً برد الفعل».

يشبّه إندي شركة «سباد سيل» بنسخة بيولوجية من طائرة رايت فلاير، الطائرة البدائية التي استخدمها الأخوان رايت في أول رحلة طيران مستدامة ومتحكم بها عام 1903، مُدشّنين بذلك عصر الطائرات. ويقول إندي: «إن تحليق طائرة رايت فلاير لمدة 12 ثانية لا يُؤهّلك لامتلاك طائرة بوينغ 737. هذه مجرد البداية».

* خدمة «نيويورك تايمز»


بعد الذكاء الاصطناعي… هل يبدأ عصر «الذكاء الكمّي»؟

من قلب القمة العالمية «الذكاء الاصطناعي من أجل الخير»
من قلب القمة العالمية «الذكاء الاصطناعي من أجل الخير»
TT

بعد الذكاء الاصطناعي… هل يبدأ عصر «الذكاء الكمّي»؟

من قلب القمة العالمية «الذكاء الاصطناعي من أجل الخير»
من قلب القمة العالمية «الذكاء الاصطناعي من أجل الخير»

قبل سنوات قليلة كان الذكاء الاصطناعي يتصدر المؤتمرات العلمية بوصفه التقنية التي ستغيّر مستقبل الطب، والصناعة، والاقتصاد. أما اليوم، فقد بدأت الحوسبة الكمية تفرض نفسها بوصفها المرحلة التالية في الثورة الرقمية.

القمة العالمية «الذكاء الاصطناعي من أجل الخير»

وخلال تغطية «الشرق الأوسط» لأعمال القمة العالمية «الذكاء الاصطناعي من أجل الخير _AI for Good»، التي نظمها الاتحاد الدولي للاتصالات في جنيف خلال الفترة من 8 إلى 11 يوليو (تموز) 2026، برزت الحوسبة الكمية بوصفها أحد أبرز محاور النقاش، ولم تعد مجرد فكرة مستقبلية، بل أصبحت تقنية يُنظر إليها باعتبارها مرحلة جديدة في مسيرة الابتكار العلمي.

وجاء ذلك بالتزامن مع دراسة حديثة أظهرت أن الحوسبة الكمية بدأت تقترب من معالجة مشكلات علمية معقدة، وفي مقدمتها محاكاة الجزيئات الحيوية التي تمثل أساساً لتطوير أدوية وعلاجات جديدة. وهكذا لم يعد السؤال المطروح: ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن ينجز؟ بل: ماذا سيحدث عندما يعمل جنباً إلى جنب مع الحوسبة الكمية؟ وربما تكون الإجابة بداية فصل جديد في الطب والعلوم خلال السنوات المقبلة.

الحوسبة الكمية تقترب من الطب

إنجاز يقرّب الحوسبة الكمية من الطب

وقاد الدراسة، التي نُشرت في 5 مايو (أيار) 2026 على منصة «أرخايف» (arXiv)، البروفسور كينيث ميرز من كليفلاند كلينك، وبالتعاون مع باحثين من «آي بي إم كوانتوم»، ومعهد «ريكين» الياباني. وتمكن الفريق من محاكاة مركبين معقّدين بروتينيين يضمان أكثر من 12 ألف ذرة باستخدام منظومة هجينة تجمع بين الحوسبة الكمية والحواسيب العملاقة التقليدية. ويُعد هذا الإنجاز أكبر محاكاة جزيئية ذات أهمية بيولوجية تُنجز بهذه التقنية حتى الآن، إذ وسّع حجم الأنظمة التي يمكن دراستها بأكثر من أربعين ضعفاً، مع تحقيق مستوى أعلى من الدقة مقارنة بالأساليب السابقة.

ورغم أن الحوسبة الكمية لم تبلغ بعد مرحلة التفوق الكامل على الحواسيب التقليدية في التطبيقات الطبية، فإن هذه النتائج تمثل خطوة مهمة نحو تسريع اكتشاف الأدوية، وفهم التفاعلات الجزيئية المعقدة، مما يقرّب هذه التقنية من التطبيقات الطبية العملية خلال السنوات المقبلة.

من «البت» إلى «الكيوبت»

لماذا تختلف الحوسبة الكمية؟

يكمن الفرق الجوهري بين الحوسبة التقليدية والحوسبة الكمية في طريقة معالجة المعلومات. فالحواسيب التقليدية تعتمد على وحدات رقمية تسمى «البتات» (Bits)، لا تحمل سوى قيمة واحدة في كل لحظة، بينما يعتمد الحاسوب الكمي على «الكيوبت» (Qubit)، القادر –وفق مبادئ ميكانيكا الكم– على تمثيل حالات متعددة في الوقت نفسه، ما يمنحه قدرة استثنائية على معالجة المسائل المعقدة.

ولهذا تُعد الحوسبة الكمية واعدة في مجالات مثل محاكاة الجزيئات الحيوية، وتصميم الأدوية، وتطوير المواد المتقدمة. ويرى باحثون أنها لن تحل محل الذكاء الاصطناعي، بل ستكمله، إذ يوفر الأول قوة حسابية هائلة، بينما يقدم الثاني أدوات التحليل، واتخاذ القرار.

من المختبر إلى سرير المريض

قد يكون القطاع الصحي من أكثر المجالات استفادة من الحوسبة الكمية خلال السنوات المقبلة. فبدلاً من استغراق سنوات في دراسة تفاعل دواء مع بروتين أو جزيء داخل الجسم، قد تتيح هذه التقنية محاكاة تلك التفاعلات بدقة، وسرعة أكبر، ما يختصر مراحل تطوير الأدوية، ويخفض تكلفة الأبحاث.

ولا يقتصر أثرها على اكتشاف العقاقير الجديدة، بل يمتد إلى تصميم بروتينات علاجية، وتعزيز الطب الدقيق، وتحليل البيانات الجينومية، وتسريع تطوير علاجات للأورام، والأمراض النادرة. وإذا أثبتت هذه التطبيقات نجاحها، فقد تنتقل الحوسبة الكمية من المختبر إلى الممارسة الطبية، لتسهم في تحسين جودة الرعاية الصحية، ونتائج علاج المرضى.

سباق عالمي يتجاوز الذكاء الاصطناعي

كشفت جلسات القمة العالمية في جنيف أن سباق التكنولوجيا لم يعد يقتصر على تطوير نماذج ذكاء اصطناعي أكثر قوة، بل امتد إلى بناء قدرات الحوسبة الكمية التي يُنظر إليها بوصفها إحدى الركائز الاستراتيجية للعلوم والاقتصاد خلال العقود المقبلة. ولهذا تتسابق الولايات المتحدة والصين وأوروبا واليابان إلى استثمار مليارات الدولارات في تطوير هذه التقنية، وإعداد الكفاءات القادرة على قيادتها.

ولم يكن اختيار عنوان «الذكاء الكمي من أجل الخير» (Quantum for Good) مجرد شعار، بل عكس توجهاً متنامياً نحو توظيف هذه القدرات في خدمة الإنسان، من تطوير الطب إلى مواجهة التحديات البيئية، مع التأكيد على أهمية الأطر الأخلاقية والعدالة في إتاحة التكنولوجيا.

السعودية تستثمر في المستقبل الكمي

هل العالم العربي مستعد؟

وكما سارعت دول العالم خلال السنوات الماضية إلى إطلاق استراتيجيات وطنية للذكاء الاصطناعي، يبدو أن الوقت قد حان للاستعداد للمرحلة التالية، حيث تصبح الحوسبة الكمية جزءاً من منظومة البحث والابتكار.

وقد حققت المملكة العربية السعودية تقدماً لافتاً في الذكاء الاصطناعي، والتحول الرقمي، كما قطعت خطوات مهمة في الحوسبة الكمية، من خلال مبادرات بحثية تقودها جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (KAUST). لكن المرحلة المقبلة ستتطلب توسيع الاستثمار في الفيزياء الكمية، وعلوم الحاسب، والرياضيات المتقدمة، وإعداد جيل من الباحثين القادرين على دمج هذه التخصصات.

والرسالة التي خرجت بها من جنيف كانت واضحة: الدول التي تستثمر اليوم في العلوم الكمية لن تكون أكثر استعداداً للمستقبل فحسب، بل ستكون أكثر قدرة على صناعته.

الثورة القادمة

ومع اختتام أعمال القمة في جنيف، بدا واضحاً أن السؤال لم يعد ما إذا كانت الحوسبة الكمية ستغيّر العالم، بل متى يبدأ أثرها الحقيقي في الطب، والعلوم، وحياة الإنسان.

فكما أعاد الذكاء الاصطناعي تشكيل قدرتنا على تحليل المعلومات، قد توسّع الحوسبة الكمية حدود ما نستطيع فهمه ومحاكاته داخل عالم الجزيئات، والخلايا. وربما لا تكون الثورة المقبلة مجرد جيل جديد من الحواسيب، بل مرحلة علمية تعيد تعريف اكتشاف الأدوية، وتشخيص الأمراض، وتفتح آفاقاً جديدة لمستقبل الطب.