طفرة الذكاء الصناعي... «كاوست» تعزز حضورها

طفرة الذكاء الصناعي... «كاوست» تعزز حضورها

جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية تسعى لتتبوأ مكانها في طليعة المؤسسات العالمية
الاثنين - 18 شهر رمضان 1441 هـ - 11 مايو 2020 مـ رقم العدد [ 15140]
جدة: «الشرق الأوسط»

اليوم، وبينما يواجه العالم تفشي جائحة فيروس «كورونا المستجد» (Covid - 19) يعلق المجتمع العلمي الآمال العريضة في إمكانية استخدام علم البيانات والذكاء الصناعي للمساهمة في دعم الجهود التي يبذلها العلماء في شتى أصقاع الأرض لمكافحة هذه الجائحة. ورغم أن تلك المساهمة قد تكون محدودة في الوقت الراهن إلا أن هناك الكثير من تقنيات الذكاء الصناعي ستكون مفيدة، بل والأكثر من ذلك ستتضح فائدتها القصوى في مكافحة الأوبئة المستقبلية.

وتكمن القيمة الحقيقية للذكاء الصناعي في القدرة على التنبؤات الدقيقة. وعلى سبيل المثال، نجحت شركة أميركية في مساعدة ولاية كاليفورنيا على مراقبة انتشار الفيروس من خلال تقنيات التعلم الآلي. كما حاولت الصين، الاستفادة من تقنيات الذكاء الصناعي لمراقبة تحركات السكان خاصة المصابين بالفيروس، والتنبؤ بتطور تفشي الأمراض وإجراء أبحاث لتطوير لقاح أو علاج، كما تمت الاستعانة بتقنيات الذكاء الصناعي في عمليات تسريع تسلسل الجينوم. أما في مجال مساعدة العلماء لإيجاد لقاح قادر على احتواء الوباء، فإن الطب الحيوي يعتمد على عدد كبير من التقنيات، من بينها التطبيقات المختلفة لعلوم الكومبيوتر والإحصاء وبالتالي فإن استخدام الذكاء الصناعي هو جزء من هذه الاستمرارية.

حرصا منها على دعم الجهود المحلية والعالمية في مواجهة جائحة الفيروس، تم تشكيل مجموعة من أعضاء هيئة التعليم والطلبة في جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست) تتركز جهودهم على تطوير وسائل تشخيص سريعة، والتحليل الجينومي للفيروس والأدوات المعلوماتية الحيوية.

وبحسب منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) فإن الذكاء الصناعي يمر بفترة نمو هائل وإيجاد تطبيقات جديدة في عدد متزايد من القطاعات، بما في ذلك الأمن والبيئة والبحث والتعليم والصحة والثقافة والتجارة إلى جانب الاستخدام المتزايد التعقيد للبيانات الضخمة.

وإذا كان العالم يقف عند فجر حقبة جديدة بالفعل، فإن كاوست وعلماءها مصممون على المشاركة في العديد من جوانب أبحاث الذكاء الصناعي النظرية والتطبيقية.


الذكاء الصناعي

نُحتَ مصطلح «الذكاء الصناعي» في خمسينيات القرن العشرين، ولكن الاستفادة من إمكاناته المتوقعة لم تتأتَ بطريق مباشر، فقد مَرَّ الذكاء الصناعي بفترتي ركود هما سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، إذ انخفضت خلالهما الأنشطة التجارية والعلمية في هذا المجال إلى حد كبير. وبعد ذلك، وابتداءً من عام 2010. ظهر على الساحة البحثية فرعٌ جديد من الذكاء الصناعي، يُطلق عليه «تعلّم الآلة»، بل ظهر مجال أكثر تخصصاً، يُسمى «التعلّم العميق»، مما جعل الذكاء الصناعي أكثر قرباً من عالم من الإمكانات التي تكاد لا تحدّها حدود.

يقول الدكتور توني تشان، رئيس جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست) بأن الأمر أشبه بعاصفة ذكاء صناعي مثالية. وأوضّح بأن كاوست عازمة على أن تكون في طليعة المؤسسات البحثية في هذا المجال، فلدى الجامعة أجهزة لجمع البيانات منخفضة الكُلفة للغاية ومتاحة عالمياً، مثل أجهزة الهاتف الجوّال الذكية. كما أن لديها مرافق وأجهزة سريعة ومتطورة، وباحثين أذكياء جداً بنماذج مثيرة للاهتمام وخوارزميات سريعة. ويشارك باحثو كاوست بالفعل في عديدٍ من جوانب أبحاث الذكاء الصناعي النظرية والتطبيقية.

وفي غمار السباق المحموم حول العالم من قبل الدول وعمالقة تكنولوجيا الإنترنت لامتلاك واستخدام تقنية الذكاء الصناعي تتمثّل نقطة الانطلاق الجيّدة في أن يكون لديك باحثون متمكنون وذوو خبرة في هذا المجال.

ومثالاً على ذلك البروفسور بيتر ريشتاريك، أستاذ علوم الحاسب الآلي والذي انضم إلى كاوست في عام 2017. وهو العام نفسه الذي أطلقت فيه غوغل منصّتها المُوحَّدة للتعلّم التي مثّلت نقلة نوعية في نماذج التعلم الآلي. بالتعاون مع زملائهم في غوغل، عمل فريق ريشتاريك على تصميم المنصّة التي تُمكِّن المُطوِّرين من تصميم تطبيقات يمكنها التعلّم من البيانات الخاصة التي تُخزَّن على أجهزة الهاتف الجوَّال، دون الحاجة إلى تحميلها على السحابة الإلكترونية. ومن المعروف أن ما يجري نقله إلى السحابة هو ما يتعلَّمه الجهاز، في شكل تحديثات للنموذج، وليس البيانات نفسها: إذ تُضاف هذه التحديثات إلى تحديثات من أجهزة أخرى، مما يؤدي إلى تحسينات تدريجية للنموذج المشترك.

يستفيد ريشتاريك حالياً من سنوات خبرته في تصميم خوارزميات جديدة ومحسنة، يمكنها تدريب نماذج التعلّم الآلي والتعلّم العميق. ويوضِّح: «أسعى لتطوير الأسس النظرية لتعلّم الآلة، لكن عملي يشمل أيضاً عديداً من التطبيقات».

ولدى أستاذ علوم الحاسب الآلي نحو 50 مشروعاً بحثياً نشطاً يتعلّق بتعلّم الآلة، ويركّز أحد تلك المشروعات على تعلّم الآلة المُوزَّع عن طريق ضغط البيانات. يتطلّب تدريب نماذج تعلّم الآلة كميات ضخمة من البيانات الموجودة على عشرات أو مئات أو حتى آلاف من أجهزة الحاسوب. ورغم أن أجهزة الحاسوب سريعة عادة، فإن الاتِّصال فيما بينها يمكن أن يكون بطيئاً للغاية، مما يجعل ذلك العائق الرئيسي في عملية التدريب. ولمواجهة هذا يُصمم البروفسور ريشتاريك وفريقه خوارزميات تدريب جديدة تعمل على النحو المطلوب، حتى عندما يحدث تجاهل لجزء من البيانات، بهدف تقليل كمية البيانات التي يتعيّن تبادلها، وهي عملية تُعرف باسم «الضغط الفاقد».

ويوضِّح ريشتاريك أن جميع الخوارزميات التي يُصممها تستخدم وبصفة أساسية العشوائية أيضاً. فالطرق المستخدمة تُجري قرعة أو عملية اختيار عشوائية في كل خطوة، لاتّخاذ قرارات سريعة وبسيطة في أثناء التدريب. وهذا من شأنه أن يُمكِّنها من التعلّم بمزيد من السرعة. ويضيف: «دون التوزيع العشوائي، لن يكون بوسعنا تحقيق تعلّم عميق أو تعلّم الآلة أو ذكاء صناعي، ودونه لن نتمكَّن من تدريب النماذج الضخمة المستخدمة الآن في الصناعة. أواصل دراسة الكيفية التي يمكن أن تُسهم بها العشوائية في نواحٍ شتى، إذ لا يزال لدينا عديدٌ من الأسئلة التي تحتاج إلى إجابات».


معدل تسريع فائق

من جانب آخر، يعمل الدكتور ماركو كانيني، أستاذ علوم الحاسب الآلي المشارك، وزميل ريشتاريك في كاوست، على تحسين كفاءة معالجة كميات ضخمة من البيانات المعقَّدة من خلال آلاف من أجهزة الحاسوب. تعاوَن كانيني وفريقه مع شركاء أكاديميين وتجاريين في تصميم نظامٍ لتسريع معدَّل المعالجة في الثانية لعيّنات بيانات التدريب بواسطة نموذج لتعلّم الآلة بنسبة 300 في المائة. كما يدرس كانيني أيضاً نماذج لتعلّم الآلة لابتكار أداة من شأنها مساعدة المُستخدمين على فهم ما يفعلونه وكيفية حلّ المشكلات عند ظهورها.

جدير بالذكر أن تدريب نماذج أكثر تعقيداً لتعلّم الآلة بكمياتٍ أكبر من البيانات هو توجّه رئيسي للتعلم العميق في العصر الحاليّ. لكنَ غياب توصيفٍ دقيق لهامش الخطأ المحتمل الذي يمكن أن ينتج عن مثل هذه النماذج، يحدُّ من انتشار استخدامها، وتطبيقها في أنظمة اتخاذ القرار التي قد تؤدِّي أعطالها أو أخطاؤها إلى خطرٍ جسيم على الحياة أو المعدات أو البيئة، مثل السيارات ذاتية القيادة، والطائرات دون طيار، والأنظمة المُشغَّلة آلياً لتشخيص الأمراض. ويمكن للكثير من نماذج التعلّم العميق هذه تحقيق متوسط أداء مرتفع للغاية - خارق لحدود القدرات البشرية أحياناً - في عددٍ كبير من المهام الصعبة التي يضطلع بها الذكاء الصناعي، لكنَها تفشل في سيناريوهاتٍ بسيطة للغاية نادراً ما يُخطئ فيها الإنسان العادي. وهذه السيناريوهات ربما تكون السبب في الحوادث المؤسفة والمميتة التي نشهدها.

وفي هذا الصدد، يعكف الدكتور برنارد غانم، أستاذ الهندسة الكهربائية المشارك وفريقه في كاوست على تطوير أدواتٍ نظرية وأُطر عمل، للتنبؤ بحالات الفشل هذه وتقييمها، وبهذا يمكن تجنّب الحاجة المعتادة إلى إجراء اختباراتٍ مرهِقة ومكلّفة تستهلك كثيراً من الوقت. يوفِّر هذا البحث شهادات متانة لنماذج التعلّم العميق، لتكون ضمانات أداء قابلة للإثبات. ويمكن أن تكون أيضاً آليات تعمل آلياً ورخيصة التكلفة، لتحديد السيناريوهات التي تفشل فيها تلك النماذج؛ كظروفٍ جوية معينة مثلاً، أو طريق ما، أو ظروف إضاءة في حالة السيارات ذاتية القيادة، أو مستوى تشويش معيّن في حالة التصوير الطبي الحيوي. وهذه الجهود ستجعل نماذج التعلّم العميق أكثر متانة، وتزيد إمكانية توقّع حالات فشلها، وتقلّل الحوادث المحتملة عند استخدامها في التطبيقات المختلفة.


تحديد الخيارات المُثلى

من ناحية أخرى سعت الدكتورة زيانليان تشانج، أستاذة علوم الحاسب الآلي المشارك في كاوست للتغلب على أوّل مشكلة واجهتها في مجال الذكاء الصناعي عندما كانت طالبة في جامعة شيان جياوتونج في الصين. لقد كان هدفها تحديد هويّة مَن كان يستخدم جهاز الحاسوب بناءً على الطريقة التي ينقر بها على لوحة المفاتيح: هل هو مالك الجهاز أم شخصٌ سرق كلمة المرور؟ وقد اتسع نطاق تركيز تشانج منذ ذلك الحين، وهي تسعى حالياً في كاوست لتصميم خوارزميات يمكنها تحديد الأنماط في خِضم مجموعات معقدة ومتدفقة وواسعة النطاق من البيانات.

على سبيل المثال، تحاول تشانج وفريقها تعليم الآلات قراءة وتفسير الاستخدامات اللغوية الدقيقة - من خلال ما يُعرف بمعالجة اللغة الطبيعية - في منشورات الأشخاص على شبكات التواصل الاجتماعي، بهدف رصد ما يعتري اهتماماتهم من تغيير، واقتراح أماكن جديدة لزيارتها أو أشخاص جدد للالتقاء بهم. كما يستخدمون أيضاً بيانات الهاتف الجوّال لتتبّع وفهم الأنماط الأساسية لتحرّكات الأشخاص، بهدف تحسين التوصيات المتعلقة بالتعرف على أشخاص لديهم اهتمامات أو عادات أو تفضيلات مشابهة. يعمل فريق تشانج كذلك على تصميم برامج يمكنها التوصية بدراسات بحثية مناسبة كي يدمجها العلماء في عملهم.


حلّ المشكلات البيولوجية

غالباً ما يحدث الابتكار على هامش التقنيّة، وفي هذا الجانب تتركّز أبحاث كل من الدكتور سين جاو، أستاذ علوم الحاسب الآلي المشارك والبروفسور جيسبر تيجنير، أستاذ، العلوم البيولوجية في كاوست في موضع التقاء علم الحاسوب مع علم الأحياء.

بالإضافة إلى عمله على تصميم نظريات ومنهجيات وخوارزميات التعلم الآلي، يُطبّق سين جاو تقنيات تعلّم الآلة، بهدف حلِّ المشكلات في علم الأحياء والطب الحيوي. على سبيل المثال، صمم فريقه البحثي نهجاً حسابياً يدمج البيانات الخاصة بالعقاقير الحالية المعتمدة من إدارة الغذاء والدواء الأميركية مع معلومات عن البروتينات المعروفة التي تستهدفها، لمساعدة الباحثين على اكتشاف أهداف مرضية جديدة لهذه العقاقير، أو ما يُطلق عليه إعادة موضعة الأدوية. يقول سين جاو إن ذلك يمكن أن يوفِّر على شركات الأدوية سنواتٍ من الأبحاث ومليارات الدولارات في مجال تطوير الأدوية.

كما طوّر فريق جاو البحثي أيضاً نموذجاً يمكنه التنبّؤ بالمشكلات السريرية التي قد يواجهها شخصٌ ما بناءً على تاريخه المَرضي ونمطه الجيني. بالإضافة إلى ذلك، صمم الفريق مجموعة من نماذج التعلم المتعمّق التي يمكنها فك تشفير المعلومات المخبأة في شفرة الحمض النووي والمسؤولة عن تنظيم التعبير الجيني.

ومن جانبه، يعمل جيسبر تيجنير وفريقه على تصميم تقنيات لفكِّ تشفير البرامج الجزيئية داخل الخلايا والأنظمة الحيّة بهدفٍ نهائي لا يقتصر على تحديد الأنماط الموجودة في مجموعات البيانات المعقدة هذه، ولكن أيضاً فكّ تشفير القواعد السّببية التي تولّد تلك الأنماط. قد يؤدّي هذا الجهد إلى ابتكار أدوات جديدة تكون لها تطبيقات عامة في مجال تصميم آلات ذكية. تمكَّن تيجنير وفريقه من إثبات أساس رياضي يستند إليه نهجهما. ويعكف الفريق حالياً على تعديل هذا النهج ليتناسب مع تحليل جينوم الخلية الواحدة، بالإضافة إلى توسيع نطاقه من أجل تصميم آلات ذكية بحق، يمكنها اكتشاف الأسباب وطرح الأسئلة المنطقية، مثل أسئلة «ماذا لو؟».

قد تؤدّي مثل هذه الأسئلة إلى مخاوف أخلاقية تتعلَّق بالذكاء الصناعي. على سبيل المثال، هل ستثق في «طبيب ذكاء صناعي» يُجري تشخيصاً لمرضك؟ وماذا عن عنصر الحِس السليم الذي يُعدّ أمراً بالغ الأهمية فيما يتَّصل بصحة الإنسان؟ هل يمكن أن تتعلَّم أنظمة الذكاء الصناعي الحس السليم لدى الطبيب؟ بالنسبة لمثل هذه الأسئلة، يُحذّر تشان قائلاً: «ينبغي علينا، كمجتمع، أن نحرص بشدة على تحقيق التوازن بين تشجيع الابتكار والمبالغة في الرقابة والتنظيم».


«كاوست» والمستقبل

يقول الدكتور تشان: «نظراً لكوننا جامعة صغيرة نسبياً للعلوم والتقنية، فإننا نسعى لتحديد الدور الذي يمكننا الاضطلاع به على أفضل نحو ممكن. نريد أن نركِز جهودنا على استخدام الذكاء الصناعي وتعلم الآلة كي نتمكن من تحسين أدائنا في مجال العلوم والهندسة. نحن نُخطط لاستخدام الذكاء الصناعي وتعلّم الآلة للمساهمة في نقل المملكة العربية السعودية إلى مرحلة تتجاوز فيها الاعتماد على النفط وينصبّ اهتمامها على الابتكار والتقنية. على سبيل المثال، ومن المحتمل أن تقود تكون شراكاتنا مع شركات التقنية المحلية الكبيرة، مثل أرامكو السعودية، لأن تصبح حافزا ومحركا ودافعا لمزيد من التركيز في هذا المجال. بالتأكيد. نحن بحاجة إلى أن نكون استراتيجيين بشأن ما نقدمه كنوع من المساهمة في ذلك».


أميركا الولايات المتحدة

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة