طفرة الذكاء الصناعي... «كاوست» تعزز حضورها

جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية تسعى لتتبوأ مكانها في طليعة المؤسسات العالمية

طفرة الذكاء الصناعي... «كاوست» تعزز حضورها
TT

طفرة الذكاء الصناعي... «كاوست» تعزز حضورها

طفرة الذكاء الصناعي... «كاوست» تعزز حضورها

اليوم، وبينما يواجه العالم تفشي جائحة فيروس «كورونا المستجد» (Covid - 19) يعلق المجتمع العلمي الآمال العريضة في إمكانية استخدام علم البيانات والذكاء الصناعي للمساهمة في دعم الجهود التي يبذلها العلماء في شتى أصقاع الأرض لمكافحة هذه الجائحة. ورغم أن تلك المساهمة قد تكون محدودة في الوقت الراهن إلا أن هناك الكثير من تقنيات الذكاء الصناعي ستكون مفيدة، بل والأكثر من ذلك ستتضح فائدتها القصوى في مكافحة الأوبئة المستقبلية.
وتكمن القيمة الحقيقية للذكاء الصناعي في القدرة على التنبؤات الدقيقة. وعلى سبيل المثال، نجحت شركة أميركية في مساعدة ولاية كاليفورنيا على مراقبة انتشار الفيروس من خلال تقنيات التعلم الآلي. كما حاولت الصين، الاستفادة من تقنيات الذكاء الصناعي لمراقبة تحركات السكان خاصة المصابين بالفيروس، والتنبؤ بتطور تفشي الأمراض وإجراء أبحاث لتطوير لقاح أو علاج، كما تمت الاستعانة بتقنيات الذكاء الصناعي في عمليات تسريع تسلسل الجينوم. أما في مجال مساعدة العلماء لإيجاد لقاح قادر على احتواء الوباء، فإن الطب الحيوي يعتمد على عدد كبير من التقنيات، من بينها التطبيقات المختلفة لعلوم الكومبيوتر والإحصاء وبالتالي فإن استخدام الذكاء الصناعي هو جزء من هذه الاستمرارية.
حرصا منها على دعم الجهود المحلية والعالمية في مواجهة جائحة الفيروس، تم تشكيل مجموعة من أعضاء هيئة التعليم والطلبة في جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست) تتركز جهودهم على تطوير وسائل تشخيص سريعة، والتحليل الجينومي للفيروس والأدوات المعلوماتية الحيوية.
وبحسب منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) فإن الذكاء الصناعي يمر بفترة نمو هائل وإيجاد تطبيقات جديدة في عدد متزايد من القطاعات، بما في ذلك الأمن والبيئة والبحث والتعليم والصحة والثقافة والتجارة إلى جانب الاستخدام المتزايد التعقيد للبيانات الضخمة.
وإذا كان العالم يقف عند فجر حقبة جديدة بالفعل، فإن كاوست وعلماءها مصممون على المشاركة في العديد من جوانب أبحاث الذكاء الصناعي النظرية والتطبيقية.

الذكاء الصناعي
نُحتَ مصطلح «الذكاء الصناعي» في خمسينيات القرن العشرين، ولكن الاستفادة من إمكاناته المتوقعة لم تتأتَ بطريق مباشر، فقد مَرَّ الذكاء الصناعي بفترتي ركود هما سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، إذ انخفضت خلالهما الأنشطة التجارية والعلمية في هذا المجال إلى حد كبير. وبعد ذلك، وابتداءً من عام 2010. ظهر على الساحة البحثية فرعٌ جديد من الذكاء الصناعي، يُطلق عليه «تعلّم الآلة»، بل ظهر مجال أكثر تخصصاً، يُسمى «التعلّم العميق»، مما جعل الذكاء الصناعي أكثر قرباً من عالم من الإمكانات التي تكاد لا تحدّها حدود.
يقول الدكتور توني تشان، رئيس جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست) بأن الأمر أشبه بعاصفة ذكاء صناعي مثالية. وأوضّح بأن كاوست عازمة على أن تكون في طليعة المؤسسات البحثية في هذا المجال، فلدى الجامعة أجهزة لجمع البيانات منخفضة الكُلفة للغاية ومتاحة عالمياً، مثل أجهزة الهاتف الجوّال الذكية. كما أن لديها مرافق وأجهزة سريعة ومتطورة، وباحثين أذكياء جداً بنماذج مثيرة للاهتمام وخوارزميات سريعة. ويشارك باحثو كاوست بالفعل في عديدٍ من جوانب أبحاث الذكاء الصناعي النظرية والتطبيقية.
وفي غمار السباق المحموم حول العالم من قبل الدول وعمالقة تكنولوجيا الإنترنت لامتلاك واستخدام تقنية الذكاء الصناعي تتمثّل نقطة الانطلاق الجيّدة في أن يكون لديك باحثون متمكنون وذوو خبرة في هذا المجال.
ومثالاً على ذلك البروفسور بيتر ريشتاريك، أستاذ علوم الحاسب الآلي والذي انضم إلى كاوست في عام 2017. وهو العام نفسه الذي أطلقت فيه غوغل منصّتها المُوحَّدة للتعلّم التي مثّلت نقلة نوعية في نماذج التعلم الآلي. بالتعاون مع زملائهم في غوغل، عمل فريق ريشتاريك على تصميم المنصّة التي تُمكِّن المُطوِّرين من تصميم تطبيقات يمكنها التعلّم من البيانات الخاصة التي تُخزَّن على أجهزة الهاتف الجوَّال، دون الحاجة إلى تحميلها على السحابة الإلكترونية. ومن المعروف أن ما يجري نقله إلى السحابة هو ما يتعلَّمه الجهاز، في شكل تحديثات للنموذج، وليس البيانات نفسها: إذ تُضاف هذه التحديثات إلى تحديثات من أجهزة أخرى، مما يؤدي إلى تحسينات تدريجية للنموذج المشترك.
يستفيد ريشتاريك حالياً من سنوات خبرته في تصميم خوارزميات جديدة ومحسنة، يمكنها تدريب نماذج التعلّم الآلي والتعلّم العميق. ويوضِّح: «أسعى لتطوير الأسس النظرية لتعلّم الآلة، لكن عملي يشمل أيضاً عديداً من التطبيقات».
ولدى أستاذ علوم الحاسب الآلي نحو 50 مشروعاً بحثياً نشطاً يتعلّق بتعلّم الآلة، ويركّز أحد تلك المشروعات على تعلّم الآلة المُوزَّع عن طريق ضغط البيانات. يتطلّب تدريب نماذج تعلّم الآلة كميات ضخمة من البيانات الموجودة على عشرات أو مئات أو حتى آلاف من أجهزة الحاسوب. ورغم أن أجهزة الحاسوب سريعة عادة، فإن الاتِّصال فيما بينها يمكن أن يكون بطيئاً للغاية، مما يجعل ذلك العائق الرئيسي في عملية التدريب. ولمواجهة هذا يُصمم البروفسور ريشتاريك وفريقه خوارزميات تدريب جديدة تعمل على النحو المطلوب، حتى عندما يحدث تجاهل لجزء من البيانات، بهدف تقليل كمية البيانات التي يتعيّن تبادلها، وهي عملية تُعرف باسم «الضغط الفاقد».
ويوضِّح ريشتاريك أن جميع الخوارزميات التي يُصممها تستخدم وبصفة أساسية العشوائية أيضاً. فالطرق المستخدمة تُجري قرعة أو عملية اختيار عشوائية في كل خطوة، لاتّخاذ قرارات سريعة وبسيطة في أثناء التدريب. وهذا من شأنه أن يُمكِّنها من التعلّم بمزيد من السرعة. ويضيف: «دون التوزيع العشوائي، لن يكون بوسعنا تحقيق تعلّم عميق أو تعلّم الآلة أو ذكاء صناعي، ودونه لن نتمكَّن من تدريب النماذج الضخمة المستخدمة الآن في الصناعة. أواصل دراسة الكيفية التي يمكن أن تُسهم بها العشوائية في نواحٍ شتى، إذ لا يزال لدينا عديدٌ من الأسئلة التي تحتاج إلى إجابات».

معدل تسريع فائق
من جانب آخر، يعمل الدكتور ماركو كانيني، أستاذ علوم الحاسب الآلي المشارك، وزميل ريشتاريك في كاوست، على تحسين كفاءة معالجة كميات ضخمة من البيانات المعقَّدة من خلال آلاف من أجهزة الحاسوب. تعاوَن كانيني وفريقه مع شركاء أكاديميين وتجاريين في تصميم نظامٍ لتسريع معدَّل المعالجة في الثانية لعيّنات بيانات التدريب بواسطة نموذج لتعلّم الآلة بنسبة 300 في المائة. كما يدرس كانيني أيضاً نماذج لتعلّم الآلة لابتكار أداة من شأنها مساعدة المُستخدمين على فهم ما يفعلونه وكيفية حلّ المشكلات عند ظهورها.
جدير بالذكر أن تدريب نماذج أكثر تعقيداً لتعلّم الآلة بكمياتٍ أكبر من البيانات هو توجّه رئيسي للتعلم العميق في العصر الحاليّ. لكنَ غياب توصيفٍ دقيق لهامش الخطأ المحتمل الذي يمكن أن ينتج عن مثل هذه النماذج، يحدُّ من انتشار استخدامها، وتطبيقها في أنظمة اتخاذ القرار التي قد تؤدِّي أعطالها أو أخطاؤها إلى خطرٍ جسيم على الحياة أو المعدات أو البيئة، مثل السيارات ذاتية القيادة، والطائرات دون طيار، والأنظمة المُشغَّلة آلياً لتشخيص الأمراض. ويمكن للكثير من نماذج التعلّم العميق هذه تحقيق متوسط أداء مرتفع للغاية - خارق لحدود القدرات البشرية أحياناً - في عددٍ كبير من المهام الصعبة التي يضطلع بها الذكاء الصناعي، لكنَها تفشل في سيناريوهاتٍ بسيطة للغاية نادراً ما يُخطئ فيها الإنسان العادي. وهذه السيناريوهات ربما تكون السبب في الحوادث المؤسفة والمميتة التي نشهدها.
وفي هذا الصدد، يعكف الدكتور برنارد غانم، أستاذ الهندسة الكهربائية المشارك وفريقه في كاوست على تطوير أدواتٍ نظرية وأُطر عمل، للتنبؤ بحالات الفشل هذه وتقييمها، وبهذا يمكن تجنّب الحاجة المعتادة إلى إجراء اختباراتٍ مرهِقة ومكلّفة تستهلك كثيراً من الوقت. يوفِّر هذا البحث شهادات متانة لنماذج التعلّم العميق، لتكون ضمانات أداء قابلة للإثبات. ويمكن أن تكون أيضاً آليات تعمل آلياً ورخيصة التكلفة، لتحديد السيناريوهات التي تفشل فيها تلك النماذج؛ كظروفٍ جوية معينة مثلاً، أو طريق ما، أو ظروف إضاءة في حالة السيارات ذاتية القيادة، أو مستوى تشويش معيّن في حالة التصوير الطبي الحيوي. وهذه الجهود ستجعل نماذج التعلّم العميق أكثر متانة، وتزيد إمكانية توقّع حالات فشلها، وتقلّل الحوادث المحتملة عند استخدامها في التطبيقات المختلفة.

تحديد الخيارات المُثلى
من ناحية أخرى سعت الدكتورة زيانليان تشانج، أستاذة علوم الحاسب الآلي المشارك في كاوست للتغلب على أوّل مشكلة واجهتها في مجال الذكاء الصناعي عندما كانت طالبة في جامعة شيان جياوتونج في الصين. لقد كان هدفها تحديد هويّة مَن كان يستخدم جهاز الحاسوب بناءً على الطريقة التي ينقر بها على لوحة المفاتيح: هل هو مالك الجهاز أم شخصٌ سرق كلمة المرور؟ وقد اتسع نطاق تركيز تشانج منذ ذلك الحين، وهي تسعى حالياً في كاوست لتصميم خوارزميات يمكنها تحديد الأنماط في خِضم مجموعات معقدة ومتدفقة وواسعة النطاق من البيانات.
على سبيل المثال، تحاول تشانج وفريقها تعليم الآلات قراءة وتفسير الاستخدامات اللغوية الدقيقة - من خلال ما يُعرف بمعالجة اللغة الطبيعية - في منشورات الأشخاص على شبكات التواصل الاجتماعي، بهدف رصد ما يعتري اهتماماتهم من تغيير، واقتراح أماكن جديدة لزيارتها أو أشخاص جدد للالتقاء بهم. كما يستخدمون أيضاً بيانات الهاتف الجوّال لتتبّع وفهم الأنماط الأساسية لتحرّكات الأشخاص، بهدف تحسين التوصيات المتعلقة بالتعرف على أشخاص لديهم اهتمامات أو عادات أو تفضيلات مشابهة. يعمل فريق تشانج كذلك على تصميم برامج يمكنها التوصية بدراسات بحثية مناسبة كي يدمجها العلماء في عملهم.

حلّ المشكلات البيولوجية
غالباً ما يحدث الابتكار على هامش التقنيّة، وفي هذا الجانب تتركّز أبحاث كل من الدكتور سين جاو، أستاذ علوم الحاسب الآلي المشارك والبروفسور جيسبر تيجنير، أستاذ، العلوم البيولوجية في كاوست في موضع التقاء علم الحاسوب مع علم الأحياء.
بالإضافة إلى عمله على تصميم نظريات ومنهجيات وخوارزميات التعلم الآلي، يُطبّق سين جاو تقنيات تعلّم الآلة، بهدف حلِّ المشكلات في علم الأحياء والطب الحيوي. على سبيل المثال، صمم فريقه البحثي نهجاً حسابياً يدمج البيانات الخاصة بالعقاقير الحالية المعتمدة من إدارة الغذاء والدواء الأميركية مع معلومات عن البروتينات المعروفة التي تستهدفها، لمساعدة الباحثين على اكتشاف أهداف مرضية جديدة لهذه العقاقير، أو ما يُطلق عليه إعادة موضعة الأدوية. يقول سين جاو إن ذلك يمكن أن يوفِّر على شركات الأدوية سنواتٍ من الأبحاث ومليارات الدولارات في مجال تطوير الأدوية.
كما طوّر فريق جاو البحثي أيضاً نموذجاً يمكنه التنبّؤ بالمشكلات السريرية التي قد يواجهها شخصٌ ما بناءً على تاريخه المَرضي ونمطه الجيني. بالإضافة إلى ذلك، صمم الفريق مجموعة من نماذج التعلم المتعمّق التي يمكنها فك تشفير المعلومات المخبأة في شفرة الحمض النووي والمسؤولة عن تنظيم التعبير الجيني.
ومن جانبه، يعمل جيسبر تيجنير وفريقه على تصميم تقنيات لفكِّ تشفير البرامج الجزيئية داخل الخلايا والأنظمة الحيّة بهدفٍ نهائي لا يقتصر على تحديد الأنماط الموجودة في مجموعات البيانات المعقدة هذه، ولكن أيضاً فكّ تشفير القواعد السّببية التي تولّد تلك الأنماط. قد يؤدّي هذا الجهد إلى ابتكار أدوات جديدة تكون لها تطبيقات عامة في مجال تصميم آلات ذكية. تمكَّن تيجنير وفريقه من إثبات أساس رياضي يستند إليه نهجهما. ويعكف الفريق حالياً على تعديل هذا النهج ليتناسب مع تحليل جينوم الخلية الواحدة، بالإضافة إلى توسيع نطاقه من أجل تصميم آلات ذكية بحق، يمكنها اكتشاف الأسباب وطرح الأسئلة المنطقية، مثل أسئلة «ماذا لو؟».
قد تؤدّي مثل هذه الأسئلة إلى مخاوف أخلاقية تتعلَّق بالذكاء الصناعي. على سبيل المثال، هل ستثق في «طبيب ذكاء صناعي» يُجري تشخيصاً لمرضك؟ وماذا عن عنصر الحِس السليم الذي يُعدّ أمراً بالغ الأهمية فيما يتَّصل بصحة الإنسان؟ هل يمكن أن تتعلَّم أنظمة الذكاء الصناعي الحس السليم لدى الطبيب؟ بالنسبة لمثل هذه الأسئلة، يُحذّر تشان قائلاً: «ينبغي علينا، كمجتمع، أن نحرص بشدة على تحقيق التوازن بين تشجيع الابتكار والمبالغة في الرقابة والتنظيم».

«كاوست» والمستقبل
يقول الدكتور تشان: «نظراً لكوننا جامعة صغيرة نسبياً للعلوم والتقنية، فإننا نسعى لتحديد الدور الذي يمكننا الاضطلاع به على أفضل نحو ممكن. نريد أن نركِز جهودنا على استخدام الذكاء الصناعي وتعلم الآلة كي نتمكن من تحسين أدائنا في مجال العلوم والهندسة. نحن نُخطط لاستخدام الذكاء الصناعي وتعلّم الآلة للمساهمة في نقل المملكة العربية السعودية إلى مرحلة تتجاوز فيها الاعتماد على النفط وينصبّ اهتمامها على الابتكار والتقنية. على سبيل المثال، ومن المحتمل أن تقود تكون شراكاتنا مع شركات التقنية المحلية الكبيرة، مثل أرامكو السعودية، لأن تصبح حافزا ومحركا ودافعا لمزيد من التركيز في هذا المجال. بالتأكيد. نحن بحاجة إلى أن نكون استراتيجيين بشأن ما نقدمه كنوع من المساهمة في ذلك».



الذكاء الاصطناعي... براعة مخيفة في طرح التنبؤات

الذكاء الاصطناعي... براعة مخيفة في طرح التنبؤات
TT

الذكاء الاصطناعي... براعة مخيفة في طرح التنبؤات

الذكاء الاصطناعي... براعة مخيفة في طرح التنبؤات

التساؤل عن المستقبل وعما سيحدث لاحقاً، جزء متمم لحياة الإنسان. وفي كل مجتمع بشري، يوجد أفرادٌ يهتمون بدراسة أنماط العالم للتنبؤ بالمستقبل. ففي العصور القديمة، كان الملوك يوظفون المنجمين. أما اليوم، فإن أولئك الأفراد يُطورون النماذج الكمية التي تُحفز الحكومات على ضخ رؤوس الأموال، ويُحددون الشركات الرابحة في «وول ستريت»، ويُقدرون لشركات التأمين احتمالية وقوع الزلازل، ويُخبرون تجار السلع في صناديق التحوط، عن حالة الطقس للشهر المقبل.

مسابقات نخب المتنبئين

وعلى مدى سنوات، يتنافس بعض من نخب المتنبئين في مسابقات يُجيبون فيها على أسئلة حول أحداث ستقع - أو لن تقع - في الأشهر أو السنوات المقبلة. وتشمل الأسئلة مواضيع متنوعة لأنها تهدف إلى قياس القدرة العامة على التنبؤ، وليس التخصص الدقيق. فقد يُطلب من اللاعبين التنبؤ بما إذا كان سيحدث انقلاب في بلد غير مستقر، أو توقع معدل إزالة الغابات في منطقة ما من الأمازون. ويستطيع المتنبئ الذي يُقدم أدق التوقعات، في أقرب وقت ممكن، ربح جائزة نقدية. وربما الأهم من ذلك، الحصول على تقدير من أبرز المتنبئين في العالم.

وقد ازدادت شعبية هذه المسابقات بشكل ملحوظ خلال الطفرة الأخيرة لأسواق التنبؤات مثل بولي ماركت Polymarket وكالشي Kalshi، حيث يتداول مئات الآلاف من الأشخاص حول العالم مليارات الدولارات شهرياً للإجابة على أسئلة تنبؤية مماثلة. والآن، تشارك برامج الذكاء الاصطناعي فيها أيضاً. وفي البداية، لم تحقق هذه البرامج نتائج جيدة: ففي نهاية عام 2024، لم يتمكن أي برنامج ذكاء اصطناعي من احتلال المركز المائة في أي من المسابقات الكبرى. لكنها منذ ذلك الحين قفزت إلى قمة قوائم المتصدرين.

وإن كانت أنظمة الذكاء الاصطناعي أثبتت بالفعل قدرتها قبل سنوات على تقديم تنبؤات فائقة الدقة في سياق لعبة بشرية، لكنها قد تتفوق علينا قريباً في استشراف مستقبل عالمنا المعقد والمتغير باستمرار.

دخول الذكاء الاصطناعي

تستضيف منصة التنبؤات «ميتاكولوس» Metaculus ثلاث مرات في السنة، بطولةً تُعرف بطرح أسئلتها الصعبة للغاية. ويقول بن شيندل، عالم المواد الذي حاز على المركز الثالث بين المشاركين في مسابقة حديثة، إنها تجذب عادةً المتنبئين الأكثر جدية. في العام الماضي، وخلال بطولة «كأس الصيف»، شاركت شركة «مانتيك» الناشئة، ومقرها لندن، بمحرك تنبؤات «مانتيك» Mantic يعمل بالذكاء الاصطناعي. وكغيره من المشاركين، كان على البرنامج الإجابة على 60 سؤالاً بتحديد احتمالات نتائج معينة.

كان على البرنامج تخمين أحداث مثل: تغير خطوط المواجهة في أوكرانيا، واختيار الفائز بسباق فرنسا للدراجات، وتقدير إيرادات فيلم «سوبرمان» العالمية خلال عطلة نهاية الأسبوع الافتتاحية، وتحديد ما إذا كانت الصين ستحظر تصدير عنصر أرضي نادر، والتنبؤ بما إذا كان إعصار كبير سيضرب ساحل المحيط الأطلسي قبل شهر سبتمبر (أيلول) الماضي.

وبعد بضعة أشهر، تم تقييم توقعات محرك التنبؤ الخاص بشركة مانتيك، بالإضافة إلى توقعات المشاركين الآخرين في المسابقة، مقارنةً بالنتائج الواقعية وتوقعات كل منهما على حدة. حقق الذكاء الاصطناعي المركز الثامن من بين أكثر من 500 مشارك، وهو رقم قياسي جديد للبرامج الآلية. ووصف توبي شيفلين، الرئيس التنفيذي لشركة مانتيك، هذا الإنجاز بأنه «اختراق غير متوقع».

وقام شيفلين وفريقه بطرح نسخة جديدة من برنامجه الذكي في مسابقة «كأس ميتاكولوس الخريفي»، الذي حقق أداءً أفضل، إذ لم يكتفِ باحتلال المركز الرابع، وهو رقم قياسي آخر، بل تفوق أيضاً على المتوسط المرجح لتوقعات جميع المتنبئين البشريين. لقد أثبت أنه أكثر حكمة من حكمة جمهور يتمتع بقدر كبير من الحكمة.

تصميم «متعدد النماذج»

يئيجمع محرك التنبؤ الخاص بشركة «مانتيك» مجموعةً من نماذج اللغة الكبيرة ذات التعلم الموجه ويُسند لكلٍ منها مهام مختلفة. وقد يوظف أحدها كخبيرٍ في قاعدة بيانات نتائج الانتخابات، بينما قد يُطلب من نموذجٍ آخر تحليل بيانات الطقس، أو المؤشرات الاقتصادية، أو إيرادات شباك التذاكر، وذلك بحسب السؤال المطروح. وتعمل النماذج معاً كفريقٍ واحدٍ للوصول إلى التنبؤ النهائي.

خدمة تنبؤات

في العام الماضي أنشأ فريقٌ بإشراف هايفنغ شو، الأستاذ بجامعة شيكاغو، خدمةً مرجعيةً لتقييم تنبؤات الذكاء الاصطناعي بشكلٍ مستمر. تطرح الخدمة، بشكلٍ شبه يومي، أسئلةً جديدةً على النماذج الرئيسية لروبوتات الدردشة المعروفة، وهي أسئلة يستقيها برنامج «كالشي» من أسواق المراهنات.

وتُحدَّث درجات دقة هذه النماذج باستمرار مع إجابة الأسئلة. يقول شو: «لكل نموذجٍ منها أسلوبه الخاص في التنبؤ»، فنسخة «تشات جي بي تي» ChatGPT التي تُقيّمها الخدمة متحفظة، وربما متحفظةٌ أكثر من اللازم؛ فهي تتخلف حالياً في قائمة شو لأفضل النماذج عن نسخ «غروك» Grok و«جيميناي» Gemini.وتجري شركة «لايتنينغ رود» أبرز تجارب على نماذج تنبؤية مصممة خصيصاً لمجالات محددة. وقد صممت نموذجاً للتنبؤ بسلوك الرئيس ترمب المتقلب. وقال بن تورتل، الرئيس التنفيذي للشركة، إن فريقه قدم للنموذج مجموعة تضم أكثر من 2000 سؤال تنبؤي بنتائج معروفة لم تكن مدرجة في بيانات التدريب. ثم قارن النموذج إجاباته بأفعال ترمب الفعلية، وتعلم من أخطائه. وعندما خضع النموذج المصغر للشركة لاختبارات تنبؤية لسلوك ترمب بناءً على مجموعة جديدة من الأسئلة - مثل ما إذا كان سيلتقي الرئيس الصيني شي جينبينغ شخصياً، أو سيحضر مباراة كرة القدم بين الجيش والبحرية - تفوق أداؤه على أحدث نماذج OpenAI شركة «أوبن إيه آي».

تنبؤات العام الجديد

قد يكون هذا العام حاسماً في مجال التنبؤ بالذكاء الاصطناعي. ففي يناير (كانون الثاني) الماضي، شاركت «مانتيك» بأحدث محركاتها المُطوّرة في مسابقة «كأس ميتاكولوس الربيعي» لعام 2026. وقد طُلب من المحرك بالفعل تحديد عدد جوائز الأوسكار التي سيفوز بها المرشحون، وما إذا كانت الولايات المتحدة ستشن هجوماً قريباً على إيران. وبحلول مايو (أيار) المقبل، ستُحسم هذه الأسئلة، وسنرى كيف كان أداء المحرك. إذا تقدم مركزاً واحداً عن آخر مركز حققه، فسيكون أول ذكاء اصطناعي يحرز ميدالية في بطولة تنبؤ كبرى. وحتى الآن، أبدى خبراء التنبؤ البشريون المتميزون تقبلاً جيداً لهذا الاحتمال. يسجل شينديل، خبير التنبؤ ذي التصنيف العالي كلمات إعجاب بالذكاء الاصطناعي. ويقول: «قدراتها على الاستدلال ممتازة، وليس لديها نفس التحيزات التي لدى البشر، ويمكنها معرفة الأخبار فور حدوثها، ولا تتعلق دوماً بتوقعاتها». وعلى منصة ميتاكولوس، بدأ فريق من خبراء التنبؤ بتقدير متى سيتمكن الذكاء الاصطناعي من التفوق على فريق بشري متميز في التنبؤ. وكانوا قالوا في يناير الماضي، إن هناك احتمالاً بنسبة 75 في المائة لحدوث ذلك بحلول عام 2030، أما الآن فيعتقدون أن النسبة أقرب إلى 95 في المائة.

* «ذا أتلانتيك»، خدمات «تريبيون ميديا».


الأورام تستخدم الخلايا العصبية لتعطيل الدفاع المناعي

صورة لاورام النخاع الشوكي
صورة لاورام النخاع الشوكي
TT

الأورام تستخدم الخلايا العصبية لتعطيل الدفاع المناعي

صورة لاورام النخاع الشوكي
صورة لاورام النخاع الشوكي

في حدث لافت قد يغيّر فهمنا لطبيعة السرطان، كشفت دراسة علمية حديثة أن الأورام الخبيثة لا تكتفي بالنمو داخل الجسم بل تتلاعب بالجهاز العصبي لتأمين بقائها.

الأعصاب حليف غير متوقع للسرطان

وقد تبيّن أن السرطانات قادرة على استدراج الأعصاب الحسية القريبة منها والسيطرة عليها لتتحول هذه الأعصاب إلى ما يشبه «خطاً ساخناً» ينقل إشارات مباشرة إلى الدماغ تكبح نشاط الخلايا المناعية في موقع الورم ما يسمح له بالنمو والانتشار بلا مقاومة.

وأظهرت النتائج أن هذه الأعصاب بعد ارتباطها بالخلايا السرطانية ترسل إشارات إلى الدماغ الذي يرد بإطلاق رسائل كيميائية تثبط عمل الخلايا المناعية المسؤولة عن مهاجمة السرطان مانحاً الورم فرصة للتكاثر دون عوائق.

وقد أُجريت الدراسة التي نُشرت في مجلة «Nature» في 4 فبراير (شباط) 2026 على فئران مصابة بسرطان الرئة. وأوضحت عالمة مناعة السرطان آنا-ماريا غلوبيغ من معهد ألين لعلم المناعة في سياتل بالولايات المتحدة غير المشاركة بالدراسة، أن الورم يسيطر على محور الإشارات العصبية ويستخدمه لخدمة بقائه.

وعندما لجأ الباحثون إلى تعطيل بعض الأعصاب الحسية باستخدام تقنيات الهندسة الوراثية كانت النتيجة لافتة، إذ انخفض نمو الأورام بأكثر من 50 في المائة في بعض الحالات بحسب تشنغ تشن جين عالمة مناعة السرطان الباحثة المشاركة في الدراسة من جامعة بنسلفانيا، ما يفتح الباب أمام استراتيجيات علاجية جديدة قد تستهدف قطع التواصل العصبي مع الأورام في المستقبل.

ولطالما أدرك العلماء وجود أعصاب تحيط بالأورام لكن الدور الحقيقي لهذه الأعصاب في نمو السرطان وبقائه ظل لغزاً لسنوات طويلة. فمع أن وجودها كان واضحاً فإن فهم تأثيرها المباشر في تطور الورم كان مهمة شديدة التعقيد.

وتعود صعوبة دراسة هذه العلاقة إلى طبيعة الخلايا العصبية نفسها فهي تُعد الأطول في جسم الإنسان ويُخزَّن جزء كبير من مادتها الوراثية في جسم الخلية بعيداًعن التفرعات الدقيقة التي تمتد نحو الأورام. وهذا التعقيد جعل جمع المعلومات الجينية عنها في أثناء أخذ الخزعات أمراً بالغ الصعوبة. كما أن أدوات التحليل الجيني لم تكن في الماضي متطورة بما يكفي لفهم هذه الآليات بدقة.

ولذلك ظل الجهاز العصبي المحيطي لسنوات طويلة أحد أقل المجالات دراسة في أبحاث السرطان قبل أن تبدأ الدراسات الحديثة في كشف دوره المحتمل في دعم نمو الأورام وتأثيره في مسار المرض.

اكتشاف يقود إلى التقدم

توفرت لدى فريق البحث صور مجهرية تظهر الأعصاب المحيطة والمتوغلة في أورام الرئة، لذا جرب الباحثون لمدة عام تقريباً أدوية مختلفة لتعطيل هذه الأعصاب دون نجاح، حسبما قال هاوهان وي عالم الأحياء الخلوية بجامعة بنسلفانيا الباحث ذو الاسم الأول المشارك في الدراسة.

ثم تعاون الفريق مع روي تشانغ عالم أعصاب بجامعة ييل متخصص في تقنيات تعطيل الجينات والمشارك أيضا في الدراسة لاستهداف أعصاب محددة في العصب المبهم vagus nerve وهو مسار عصبي رئيس يربط الدماغ بالعديد من الأعضاء بما فيها الرئتان. وقد سمح هذا النهج بتحديد مسار إشاري يمتد من الورم إلى الدماغ ويعود إليه. واكتشف الباحثون أن الأورام عند استغلال هذا المسار تجعل أعصاباً أخرى من جذع الدماغ إلى الورم تُفرز مادة كيميائية تُسمى النورأدرينالين noradrenaline ما يثبط الخلايا المناعية المسؤولة عن قتل السرطان والمعروفة باسم البلعميات macrophages.

وفي البداية توقع الباحثون أن الأعصاب تقوم بتنبيه الدماغ لوجود الورم ما يساعد الجهاز المناعي على محاربة السرطان. وقال روي تشانغ إننا كنا نعتقد أن هذه الأعصاب ستعمل كنظام تحذير لكن النتيجة كانت عكس ذلك تماماً.

من جهته، أوضح إسحاق تشيو عالم مناعة في كلية هارفارد الطبية غير المشارك بالدراسة أن المسار العصبي للعصب المبهم موجود في الأصل لتقليل الالتهابات الضارة، لكن الأورام تعيد برمجة الخلايا المناعية لتتحول من مهاجمة السرطان إلى حالة تهدئة التهابات وأنسجة ما يخلق بيئة مثالية لنمو الورم.

وتعزز هذه الدراسة أدلة متزايدة تشير إلى أن الأعصاب ليست مجرد عنصر محيط بالأورام بل شريك نشط في تطورها ونموها. ويزيح هذا الاكتشاف عن جانب جديد من العلاقة المعقدة بين السرطان والجسم ويفتح الباب أمام استراتيجيات علاجية مبتكرة تستهدف تعطيل التواصل العصبي الذي تستغله الأورام للبقاء والانتشار.

وبدلاً من التركيز حصراً على القضاء على الخلايا السرطانية قد يصبح قطع الإشارات العصبية المرتبطة بالورم جزءاً أساسياً من علاجات المستقبل بما يسهم في إبطاء نموه وتعزيز قدرة الجهاز المناعي على مكافحته. ويرى العلماء أن فهم هذه العلاقة ما يزال في مراحله الأولى لكنه يحمل إمكانات كبيرة قد تغيّر طريقة تعامل الطب مع السرطان وتمنح المرضى أملاً بعلاجات أكثر أماناً وفاعلية في السنوات المقبلة.


حين تسمع الأسنان صوتها

حين تنطق الأسنان بصوت مسموع
حين تنطق الأسنان بصوت مسموع
TT

حين تسمع الأسنان صوتها

حين تنطق الأسنان بصوت مسموع
حين تنطق الأسنان بصوت مسموع

في عيادة الأسنان، لطالما سبقت الأذنُ الأشعة: نقرة خفيفة على سطح السن، إصغاء قصير، ثم حكم سريري يتكوّن في لحظة. كان الصوت دليلاً، لكنه ظلّ دليلاً صامتاً؛ إحساساً يتشكل في ذهن الطبيب ولا يُكتب في السجل.

رقمنة «نقرة» طبيب الأسنان

لكن ماذا لو تحوّل هذا الصوت إلى رقم؟ وماذا لو أصبحت «النقرة» بصمة رقمية تُقاس، وتُحفظ، وتُقارن عبر الزمن؟

في مطلع عام 2026، نُشرت دراسة في مجلة «JADA Foundational Science» — مجلة الجمعية الأميركية لطب الأسنان العلمية، حملت عنواناً دالاً: رؤية ما لا يُرى في تشخيص صحة اللُّب وأمراضه. وقاد الدراسة الباحث جيه شِن Jie Shen بمشاركة أسماء بارزة في علوم علاج الجذور والميكانيكا الحيوية، من بينهم كليفورد رَدِل Clifford J. Ruddle وتشيريلين شيتس Cherilyn G. Sheets.

نقرة ذكية تكشف ما لا يُرى

لكن أهمية الدراسة لم تكمن في جهاز جديد، بل في سؤال قديم أعيد طرحه بصيغة علمية دقيقة: هل يمكن لصوت السن أن يتحول إلى معلومة قابلة للقياس؟

• من الطرق اليدوي إلى التحول المعرفي. الطرق اليدوي تقليد سريري راسخ. فالطبيب يطرق، والأذن تميّز بين صوت رنّان يوحي بالثبات، وصوت مكتوم قد يشير إلى التهاب أو خلل. غير أن هذه الطريقة — على بساطتها — بقيت رهينة الحدس. وهي تختلف من طبيب إلى آخر، ومن لحظة إلى أخرى، دون معيار رقمي يمكن الرجوع إليه.

وهنا يبدأ التحول الحقيقي، إذ إن تقنية التشخيص بالطرق الكمي (QPD) لا تضيف جهازاً فحسب، بل تغيّر فلسفة التشخيص نفسها. فبدل أن يكون الصوت انطباعاً عابراً، يصبح إشارة رقمية دقيقة... إنه نقرة ميكانيكية قصيرة جداً، تلتقطها مستشعرات عالية الدقة، ثم تُحلّلها خوارزميات لتحويل الاستجابة الميكانيكية إلى بصمة رقمية تُعرض أمام الطبيب خلال ثوانٍ. ليست المسألة إذن في «سماع» الصوت، بل في قراءة ما يخفيه.

• ما الذي تكشفه الأرقام قبل الألم؟ أظهرت الدراسة أن النظام قادر على رصد تغيرات ميكروسكوبية في الأربطة حول السن (PDL) قبل أن تظهر على الأشعة التقليدية أو تتحول إلى ألم سريري. وهذه القدرة ليست رقماً إضافياً في جدول إحصائي، بل تحوّل في منطق المتابعة.

وكانت دراسة متعددة المراكز نُشرت في يناير (كانون الثاني) 2025 في مجلة «Journal of Prosthetic Dentistry»، وشملت 224 مريضاً و243 سناً وغرسة، أظهرت أن نظام QPD حقق دقة بلغت 87.5 في المائة في كشف العيوب الميكروسكوبية المرتبطة بالفجوات الدقيقة، ضمن فترة ثقة 95 في المائة بين 84.2 في المائة و90.3 في المائة.

وهذه ليست إضافة جهاز إلى رفّ الأدوات، بل إعادة تعريف لمفهوم الثبات نفسه. وهذه النسبة لا تُقرأ كإحصاء مجرد، بل كإشارة مبكرة لمسار خلل قد ينتهي بفشل ترميم أو تعقيد علاجي أكبر إن تُرك دون رصد.

حين تنطق الأسنان بلغة البيانات

من الحدس إلى الطب التنبؤي

هنا تكمن النقلة النوعية. فالطرق الكمي ليس أداة فحص إضافية، بل لغة جديدة لقياس الثبات البيولوجي... إنه انتقال من الحدس إلى الرقم، ومن الملاحظة إلى التنبؤ.

حين تُخزّن القراءات في السجل الطبي الإلكتروني، وتُقارن عبر الزمن كما نقارن ضغط الدم أو مستويات السكر، يصبح لكل سن «مسار استقرار» يمكن تتبعه. لم يعد السؤال: هل يبدو ثابتاً؟

بل: هل انحرف عن مساره الطبيعي؟

بهذا المعنى، نحن لا نضيف جهازاً إلى العيادة، بل نؤسس لطبٍّ استباقيٍّ في مجال كان يعتمد طويلاً على انتظار الألم.

• ماذا يربح الطبيب وماذا يربح المريض؟ يربح الطبيب وضوحاً. يربح معياراً رقمياً يمكن الرجوع إليه بدل الاعتماد الكامل على الإحساس السمعي. كما يربح أداة إنذار مبكر قبل أن يتضخم الخلل. بينما يربح المريض فحصاً سريعاً، غير مؤلم، لا يعتمد على الإشعاع، ويمنحه طمأنينة مستندة إلى قياس لا تخمين.

لكن الأهم من ذلك كله هو استعادة المعنى الحقيقي للتشخيص: الوقاية قبل التدخل.

• نحو عيادة تُصغي إلى المستقبل. لا تظهر قيمة هذه التقنية حين تُستخدم كجهاز مستقل، بل حين تُدمج ضمن منظومة رقمية أوسع: سجل طبي يحتفظ بالبصمة، وخوارزمية تتعلم من الأنماط المتراكمة، وتنبيه مبكر يُطلق عند أول انحراف غير طبيعي.

عندها تتحول «النقرة» من لحظة فحص عابرة إلى وثيقة سريرية، ومن صوت مسموع إلى معرفة تراكمية. فالابتكار الحقيقي لا يقوم على استبدال جهاز بطبيب، بل على تحالف ذكي بين الإنسان والتقنية. فالخوارزمية تمنح قياساً أدق، والطبيب يمنح الحكم السريري والمعنى الإنساني.

وفي النهاية، ليست الثورة في أن تنطق الأسنان، بل في أن نفهم همسها قبل أن يتحول إلى ألم. والوقاية الحقيقية لا تبدأ عند الشكوى، بل عند أول انحراف ميكروسكوبي في الصمت.