لبنان يخرج من الحجْر متسائلاً: لماذا لم تعد المدينة تشبهنا؟

الغموض يسيطر على المهن الثقافية

لوحة للفنان جي. مكتبي
لوحة للفنان جي. مكتبي
TT

لبنان يخرج من الحجْر متسائلاً: لماذا لم تعد المدينة تشبهنا؟

لوحة للفنان جي. مكتبي
لوحة للفنان جي. مكتبي

مع رفع الحجر الصحي، يكتشف أصحاب المسارح، ودور السينما، ودور النشر، والغاليريات، وغيرهم من أصحاب المهن الفنية والثقافية، أنهم آخر من سيخرج من الأزمة، وهم من بين المتأثرين بشكل كبير بالجائحة التي عصفت بالعالم.
آلاف المؤسسات الثقافية أقفلت أبوابها، وإن تم رفع الحجر عن بعضها فهو يتم بشروط. فالنبض الحقيقي للثقافة هو الناس باجتماعهم، وتلاقيهم وتلاقح أفكارهم. وإن كانت المسارح ودور السينما لا تزال مغلقة في لبنان، وسيجد الناس صعوبة في شراء تذكرة للجلوس في مكان مغلق مع آخرين، فإن دور النشر تجد نفسها أكثر تحرراً؛ لكنها في الوقت نفسه مقيدة بسبب انشغال الذهن بشكل عام بقضايا حياتية بسيطة، وشلل حركة الشحن وتوقف الطيران.
تبدّل أولويات الناس سيصعب إعادة تشغيل آلة النشر، ويؤجلها لأشهر مقبلة. هذا لا يعني أن دور النشر متوقفة تماماً؛ بل على العكس ثمة كتب تنتظر، وهناك من بدأ يطلق إصدارات كانت شبه جاهزة قبل الحجر.
«دار الآداب» أطلقت روايتها الأولى، وهي للروائية السورية ديمة ونوس، وتحمل عنوان «العائلة التي ابتلعت رجالها»، وخلال اليومين المقبلين ستكون في المكتبات اللبنانية، كما أنها شحنت إلى الكويت، وستوجد في «مكتبة التنمية» في مصر. استفادت الدار من وجود طائرات خاصة للشحن، ولو كانت أعلى كلفة، بينما تتريث دور أخرى.
ثمة رغبة في تشغيل المحركات. هذا ما تراه «دار نلسن» التي لها جرأة إطلاق كتاب عن الفنان زكي ناصيف في الأيام المقبلة، وإن كان صاحب الدار سليمان بختي يعتقد أن صعوبات كبيرة ستواجه الناشر في التوزيع والتوصيل، كما والتعريف بالكتاب في غياب القدرة على إقامة حلقة نقاش أو حفل توقيع. فالاهتمامات صارت فردية أكثر منها مجتمعية، بعد الانهيار الاقتصادي الذي ترافق مع جائحة «كورونا»، ومحنة لبنان مضروبة باثنين، ومضاعفة عما أصاب أي بلد آخر.
سوق الكتب تفتح بخجل، مع أن المكتبات في لبنان أعفيت جزئياً من الإغلاق أثناء الحجر الصحي. بعض الطلبات بدأت ترد من الخارج إلى دور النشر؛ لكن التوزيع انخفض إلى أكثر من ثمانين في المائة.
لا تتوقع صاحبة «دار الآداب» رنا إدريس أن تعود الدور إلى نشاطها المعتاد قبل شهر سبتمبر (أيلول) المقبل. أي بعد انتهاء فصل الصيف وبداية العام الدراسي الجديد.
في جعبة الناشرين كمّ كبير من الكتب تجمّع لديهم. هناك الكتب التي لا تزال مخزّنة من قبل حلول الوباء، وكان يفترض أن تطلق في معرض الرياض للكتاب، ومعارض أخرى؛ لكنها بقيت في صناديقها، يضاف إليها ما تم تحضيره خلال أشهر الحجر، وما سيطبع خلال الصيف.
«دار الآداب» في جعبتها لشهر سبتمبر حوالي 7 أو 8 روايات ستكون جاهزة، وتفضل عدم المجازفة بإطلاق نصوص لأسماء جديدة، ليكتشفها القراء. هذا يعني أن الظروف الصعبة ستسهم في تغيير خيارات النشر، كما ستدعو للتريث في المغامرة، وتحديد الأهداف.
«دار الآداب» لا ترى مناسباً أن تتكلف على لجان دراسة نصوص جديدة، ووضعها جانباً، دون أن تعرف متى سيكون بإمكانها نشرها وتوزيعها.
الانتظار الكبير لشهر سبتمبر سيراكم عدداً كبيراً من الإصدارات؛ لكن حصيلة السنة بشكل عام لن تكون كما المعتاد؛ إذ إن دار نشر كبيرة كانت تصدر أربعين إلى خمسين عنواناً في السنة، لن يتجاوز إنتاجها الثلاثين كتاباً عام 2020. المجازفة غير مأمونة العواقب.
معرض الشارقة ذكّر الناشرين بتسجيل مشاركتهم في معرض الكتاب الذي يبدأ في الأول من نوفمبر (تشرين الثاني). ومن أيام قليلة فُتح باب التسجيل في معرض الكويت للكتاب، للدور التي تريد المشاركة، وهو يبدأ في 18 نوفمبر المقبل. وبدأ الناشرون بالتواصل مع المعنيين في البلدين بالفعل «وهو ما سيحفز الناشرين على المضي في العمل على إصدارتهم، وتهيئة أعمال جديدة بين شهر أغسطس (آب) وسبتمبر؛ حيث إن الشحن للمعارض يبدأ في هذه الفترة» بحسب إدريس.
إذن ثمة معارض للكتب تعمل وكأن كل شيء سيكون على ما يرام، رغم التحذيرات العالمية من أن موجة وباء جديدة قد تضرب العالم في الخريف المقبل. والناشرون في غالبيتهم لا يحبذون التشاؤم، وهذا يأتي في صالح الكتاب، ويمنح الجميع الأمل والعزيمة.
جائزة البوكر للرواية العربية، سهّلت بدورها مهمة الناشرين والروائيين معاً، وقبلت ترشيح روايات بصيغتها الإلكترونية، شرط أن تكون قد أصبحت ورقية قبل الإعلان عن الفوز باللائحة الطويلة، في شهر فبراير (شباط) من السنة المقبلة.
مع أن الحركة بدأت، وثمة ميل للقول إن كل شيء سيكون على ما يرام، فإن الانهيار الاقتصادي في لبنان لا يساعد كثيراً على رؤية بداية ميسّرة. ويعتقد سليمان بختي أن «الإنسان بات محشوراً في دائرته الفردية وهمومه الخاصة، باحثاً عن كفايته الذاتية، بينما الثقافة بشكل عام هي ذهاب إلى الدوائر الكبرى». وأكثر ما يخشاه في هذه الفترة هو «الإحباط»؛ لأن المحبط لا ينتج، وإن أنتج فبهزال.
وإن كانت الفنون البصرية من تشكيل وسينما لا تزال بخير، فإن المسرح والصحافة يتراجعان بشكل ملحوظ، وثمة أماكن لها رمزيتها الكبيرة تغلق أبوابها، ومؤسسات تتخلى عن مهماتها. «ويخشى على بعض المهن أن تنقرض بالفعل، تحت وطأة التقهقر، بعد أن أعيد الإنسان في الحجر إلى مرحلة أهل الكهف؛ حيث عليه أن يكتفي بتأمين حاجياته الأولى من أكل وشرب ونوم لساعات كافية من أجل الوقاية الصحية». لا يخفي بختي خوفه من التحولات «بحيث نجد أنفسنا في مدينة لم تعد تشبهنا، وقد أصبحت شيئاً آخر، بعد أن تفقد العديد من ملامحها، ولا تتمكن من مخاطبة آفاق الإنسان».
كيف ستكون بيروت بعد الحجر والانهيار الاقتصادي؟ من الصعب تخيل الأشهر المقبلة، ولا بد من أن تمويلات الأنشطة الثقافية التي كان يعتمد عليها والآتية من الخارج ستشح، والمهرجانات الصيفية لا تزال مجهولة المصير، ما دامت التجمعات غير ممكنة.
الثقافة تحتاج مناخات مؤاتية، وهذا ما لا يلوح في الأفق؛ لكن الأمل الوحيد المتبقي هو في المخيلة والنبض الحي الذي لم يفارق اللبنانيين يوماً. بين الرجاء والخوف من المجهول يتأرجح اللبنانيون، ويتلمسون طريقهم وهم يخرجون من الحجر إلى نصف حرية، بقليل جداً من الإمكانات.


مقالات ذات صلة

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

الولايات المتحدة​ سُجّل نحو 840 ألف وفاة بكورونا في شهادات الوفاة خلال عامي 2020 و2021... لكن فريقاً من الباحثين قدّر أن ما يصل إلى 155 ألف وفاة إضافية غير معترف بها ربما حدثت خلال تلك الفترة خارج المستشفيات (رويترز)

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

أظهرت دراسة جديدة أن حصيلة الوفيات في المراحل الأولى من جائحة كورونا كانت أعلى بكثير من الأرقام الرسمية في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك مكملات فيتامين «د» تبدو واعدة في تقليل خطر الإصابة بـ«كوفيد طويل الأمد» (أرشيفية- رويترز)

دراسة: مكملات فيتامين «د» قد تساعد في تخفيف أعراض «كوفيد طويل الأمد»

تشير دراسة حديثة إلى أن مكملات فيتامين «د» قد توفر مؤشرات جديدة تساعد الباحثين على فهم الأعراض التي تستمر لدى بعض المصابين بعد التعافي من «كوفيد-19».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم عاملون مختبريون يفحصون عينات فيروس «كوفيد» ميدانياً

دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى

الفيروسات تتطور بشكل عادي لدى الحيوانات، إلا أنها تتطور بشكل جذري عند إصابتها الإنسان.

كارل زيمر (نيويورك)
صحتك اللقاح يُعطى عن طريق الأنف عبر رذاذ أنفي (أرشيف - أ.ب)

لقاح أنفي قد يحمي من «كورونا» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي في آنٍ واحد

طوَّر باحثون أميركيون لقاحاً جديداً قادراً على الوقاية من عدة فيروسات في آنٍ واحد، بما في ذلك «كوفيد-19» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

التطعيم يحمي الأم ووليدها

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)

«درنة» يتناولها الملايين منذ قرون تُعدّ الآن «غذاء خارقاً»

«اليام» درنة نشوية تدخل في إعداد الأطباق الصحية (شاترستوك)
«اليام» درنة نشوية تدخل في إعداد الأطباق الصحية (شاترستوك)
TT

«درنة» يتناولها الملايين منذ قرون تُعدّ الآن «غذاء خارقاً»

«اليام» درنة نشوية تدخل في إعداد الأطباق الصحية (شاترستوك)
«اليام» درنة نشوية تدخل في إعداد الأطباق الصحية (شاترستوك)

«اليام» درنة نشوية تدخل في إعداد «يخنات» الكاريبي، وكذلك طبق «الفوفو» في غرب أفريقيا، وتنتشر بشكل متزايد في متاجر البقالة الأميركية. المثير أنها بدأت تظهر في الأبحاث العلمية لسبب بسيط: يكتشف الباحثون باستمرار مركبات في «اليام» ربما تؤثر على كيفية تعامل الجسم مع السكر، وكيفية حماية الدماغ وإعادة بنائها، حسب موقع «إي سي أو نيوز».

يُذكر أن الادعاء الرئيسي، هنا، ليس أن «اليام غذاء خارق»، بل في أن الأبحاث الأولية، بما في ذلك تجربة سريرية صغيرة على البشر، تشير إلى أن بعض مستخلصات «اليام» قد تُحسّن، بشكل طفيف، بعض جوانب التفكير والذاكرة، بينما تشير دراسات أخرى إلى تحسين التحكم في مستوى السكر في الدم في ظروف محددة.

والآن: ما الصحيح؟ وما هو مجرد احتمال؟ وما الذي يجب تجاهله؟ في الولايات المتحدة، يُستخدم مصطلح «يام» غالباً للإشارة إلى البطاطا الحلوة ذات اللب البرتقالي ـ نبات مختلف تماماً. في المقابل، ينتمي «اليام» الحقيقي إلى مجموعة الديوسكوريا، ويتميز بقشرة أكثر خشونة، ولب أكثر نشوية من معظم أنواع البطاطا الحلوة.

لنبدأ إذن بالمعلومات الأساسية: بحسب مركز بيانات الغذاء التابع لوزارة الزراعة الأميركية، تحتوي حصة 3.5 أونصة من «اليام» النيئ على 118 سعرة حرارية، ونحو 28 غراماً من الكربوهيدرات، و4.1 غرام من الألياف، و1.5 غرام من البروتين.

وأوضح المصدر نفسه أن «اليام» غني، على نحو خاص، بالبوتاسيوم. ويحتوي على 816 ملليغراماً لكل 3.5 أونصة، بالإضافة إلى فيتامين «سي» وفيتامين «ب6». ويرتبط البوتاسيوم بتنظيم ضغط الدم، ويدعم فيتامين «سي» وظائف المناعة. وعليه، يمكن اعتبار «اليام» أكثر من مجرد مصدر «كربوهيدرات رخيصة» في النظام الغذائي.


دواء فعّال لحماية مرضى السكري من النوبات القلبية

خفض الكوليسترول بشكل مبكر يسهم في وقاية مرضى السكري من النوبات القلبية (مستشفى ماس جنرال بريغهام)
خفض الكوليسترول بشكل مبكر يسهم في وقاية مرضى السكري من النوبات القلبية (مستشفى ماس جنرال بريغهام)
TT

دواء فعّال لحماية مرضى السكري من النوبات القلبية

خفض الكوليسترول بشكل مبكر يسهم في وقاية مرضى السكري من النوبات القلبية (مستشفى ماس جنرال بريغهام)
خفض الكوليسترول بشكل مبكر يسهم في وقاية مرضى السكري من النوبات القلبية (مستشفى ماس جنرال بريغهام)

أظهرت دراسة سريرية أميركية أن إضافة دواء يخفض الكوليسترول بشكل مكثف إلى العلاج القياسي يمكن أن يقلل بشكل كبير من خطر حدوث أول نوبة قلبية أو سكتة دماغية لدى مرضى السكري المعرضين للخطر.

وأوضح الباحثون في مستشفى ماس جنرال بريغهام بالولايات المتحدة، أن النتائج تظهر فائدة خفض الكوليسترول بشكل مبكر في وقاية مرضى السكري من النوبات القلبية، ونُشرت النتائج، السبت، بدورية «JAMA».

ويمكن لمرض السكري أن يزيد بشكل كبير من خطر الإصابة بأمراض القلب والنوبات القلبية، إذ يؤدي ارتفاع مستويات السكر في الدم لفترات طويلة إلى تلف الأوعية الدموية والقلب، ويسهم في تراكم الدهون والكوليسترول داخل الشرايين. كما أن مرضى السكري غالباً ما يعانون من ارتفاع ضغط الدم أو اختلال الدهون في الدم، ما يزيد من احتمالية انسداد الشرايين وحدوث أزمات قلبية. ومن أهم خطوات الحد من هذه المخاطر، التحكم بمستويات السكر، واتباع نظام غذائي صحي، وممارسة النشاط البدني بانتظام.

وشملت التجربة السريرية 3655 مريضاً يعانون من سكري عالي الخطورة، مثل المرضى الذين يعانون من السكري لأكثر من 10 سنوات، أو يحتاجون إلى الأنسولين يومياً، أو لديهم أمراض الأوعية الدقيقة. وتلقى المشاركون إما حقن «إيفولوكوما» الخافضة للكوليسترول كل أسبوعين وإما دواء وهمي، مع استمرار جميع المشاركين على العلاج القياسي للكوليسترول، بما في ذلك «الستاتينات» و«إزيتيميب».

دواء «إيفولوكوما»

وبعد 48 أسبوعاً، تبين أن دواء «إيفولوكوما» خفّض مستويات الكوليسترول الضار بنسبة تقارب 60 في المائة، ما أسهم في تقليل خطر حدوث أول نوبة قلبية أو سكتة دماغية أو الوفاة بسبب أمراض القلب بنسبة 31 في المائة مقارنة بالعلاج القياسي وحده.

وعلى مدى متابعة استمرت نحو خمس سنوات، سجلت مجموعة «إيفولوكوما» معدل حدوث أحداث قلبية وعائية أولى بنسبة 5 في المائة مقابل 7.1 في المائة في مجموعة الدواء الوهمي.

وأظهرت الدراسة أن معدلات الآثار الجانبية كانت متقاربة بين المجموعتين، ما يشير إلى أن العلاج كان جيد التحمل لدى هذه الفئة من المرضى.

وأشار الباحثون إلى أنه على مدار أكثر من عقد، كان استخدام العلاجات المكثفة لخفض الكوليسترول يقتصر على المرضى الذين لديهم أمراض قلبية معروفة.

وأضافوا أن هذه النتائج تظهر أن خفض الكوليسترول المبكر يمكن أن يمنع أول نوبة قلبية أو سكتة دماغية لدى مرضى السكري المعرضين للخطر، حتى قبل ظهور تصلب الشرايين الكبير. وقد يؤدي استخدام «إيفولوكوما» أو علاجات مكثفة مشابهة إلى تعديل التوصيات الطبية للوقاية من أمراض القلب والأوعية الدموية في الفئات عالية المخاطر.

ونوه الفريق بأن تطبيق هذا العلاج على نطاق أوسع يمكن أن يقلل معدلات الوفاة والأمراض القلبية الخطيرة لدى ملايين مرضى السكري حول العالم.


لوكينو ڤيسكونتي... الوجه الأول للواقعية الجديدة

«الفهد» (تاتيوس فيلمز)
«الفهد» (تاتيوس فيلمز)
TT

لوكينو ڤيسكونتي... الوجه الأول للواقعية الجديدة

«الفهد» (تاتيوس فيلمز)
«الفهد» (تاتيوس فيلمز)

من الأخطاء الشائعة، قصداً أو عن جهل، أن أول فيلم ضمن السينما الإيطالية الواقعية في الأربعينات كان «سارقو الدراجات» لڤيتوريو دي سيكا سنة 1948. والحال أن هذا الفيلم هو من الأعمال التي أسست فعلاً لما يُعرف بالسينما الواقعية الجديدة، لا بدايتها؛ إذ إن السينما الإيطالية، على وجه الخصوص، وكذلك سينمات أخرى عديدة، لم تعرف الواقعية بوصفها منهجاً مستقراً، بل تجلت في أفلام متباعدة وقليلة؛ ما يدفع الناقد إلى إعادة طرح السؤال عن سبب تسميتها «جديدة» إذا لم يكن هناك «قديمة».

البداية الفعلية للواقعية الجديدة

من «هاجس» أول أفلام المخرج (أجاي فيلم)

لكن، بعيداً عن هذه النقطة التي قد تُثير جدلاً يستحضر أعمال السينما الإيطالية الاجتماعية في الفترة الصامتة وما بعدها، هناك فيلم يسبق «سارقو الدرّاجات»، أنجزه لوكينو ڤيسكونتي عام 1943 بعنوان «هاجس» (Obsession). وهو فيلم درامي اجتماعي تدور أحداثه في أتون الحياة في القاع، حول رجل وزوجته ودخيلٍ يقتحم حياتهما، بما يترتب على ذلك من عواطف متشابكة، وما يعقبه من شعور بالذنب والضعف.

بعد انتهاء لوكينو ڤيسكونتي (توفي قبل نحو 50 عاماً) من تصوير بعض مشاهد «هاجس» (بالأبيض والأسود)، أرسل ما صوّره إلى المونتير ماريو سيراندراي، الذي كتب له بعد مشاهدتها: «أحببت هذه المشاهد. لا أعرف كيف أعرّف هذا النوع الجديد من السينما، إلا بأنه واقعية جديدة».

ورد ذلك في كتاب لغايا سرڤاديو الصادر سنة 1983 بعنوان «لوكينو ڤيسكونتي: سيرة»، وعزّزه المؤلف هنري باكون في كتابه الصادر سنة 1998 «ڤيسكونتي: استكشاف الجمال والانحلال» (Visconti: Explorations of Beauty and Decay).

المخرج لوكينو ڤيسكونتي (IMDB)

وسرد ڤيسكونتي هذه الواقعة بنفسه في بعض مقابلاته، مؤكداً أن هذا النعت («واقعية جديدة») لم يكن قد استُخدم من قبل.

والفيلم نفسه ينطق بذلك من خلال واقعية الشخصيات ومشاعرها، وإبقاء الدراما كامنةً غير مُعلنة أو مباشرة. كما يتجلى ذلك في مواقع التصوير ضمن البيئات الفقيرة في المدينة.

أثار الفيلم استياء بعض مشاهديه من أوساط الحكومة الفاشية في عهد بنيتو موسوليني، فغادر بعضهم القاعة قبل انتهاء العرض، واصفين الفيلم بأنه معادٍ لإيطاليا. وأعقب ذلك صدور قرار بمنع عرضه، والحجز على ما أمكن من نسخه.

ثلاثي مختلف

كان لوكينو ڤيسكونتي يساريَّ التوجّه ومعادياً للفاشية، علماً بأنه وُلد عام 1906 في كنف عائلة أرستقراطية مرفّهة وذات تأثير سياسي. خدم في الجيش الإيطالي لمدة عامين (1926-1928)، ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية ودخول إيطاليا فيها، اختار أن يتخذ موقفاً معادياً للفاشية.

لكن قبل اندلاع تلك الحرب، قصد ڤيسكونتي فرنسا، حيث تعرّف إلى المخرج جان رينوار، الذي استعان به مساعداً في بعض أفلامه، أولها «يوم في الريف» (A Day in the Country) سنة 1935. واستمر التعاون بينهما حتى مطلع الحرب العالمية الثانية، وهي فترة كانت كافية ليتشرّب خلالها المخرج الإيطالي تأثير أحد أبرز صناع السينما الفرنسية آنذاك.

قد يلاحظ بعض من يشاهد النسخة المتوفرة من «هاجس» تأثيراً آخر؛ فمن قرأ رواية جيمس م. كاين «ساعي البريد يرن مرتين دائماً» (The Postman Always Rings Twice) فسيجد تشابهاً بين العملين. وكان رينوار هو من أعطى الرواية لڤيسكونتي لقراءتها. وتدور أحداثها حول شاب يصل، في خضم أزمة اقتصادية في الولايات المتحدة، إلى محطة بنزين ريفية يملكها رجل متقدّم في السن وزوجته الشابة. يعمل الشاب في المحطة، وسرعان ما تنشأ علاقة بينه وبين الزوجة وتنتهي بقتل الزوج.

غير أن ڤيسكونتي لم ينقل أحداث الرواية كما هي في فيلمه «هاجس»، بل اكتفى بثلاثية الشخصيات مع اختلاف في الوقائع وتوجهاتها العاطفية. ويكفي هنا التأكيد على أن رواية كاين كانت ذات طابع عاطفي - جنائي، في حين جاء فيلم ڤيسكونتي عاطفياً - اجتماعياً.

من الأرض إلى القصر

«موت في ڤينيسيا» مع ديرك بوغارد (ألفا سينماتوغرافيكا)

بعد هذا الفيلم، واصل المخرج مسيرته السينمائية محققاً نجاحاً فنياً كبيراً. وقد برع منذ البداية في معالجة شخصياته وفي إحكام سيطرته على كل تفاصيل العمل، كما يتضح في «الأرض تهتز» (La Terra Trema) سنة 1948. ومع ذلك، فإن هذه الصرامة الإخراجية تبلورت لاحقاً، حين ابتعد عن إنجاز الأفلام ذات التوجهات اليسارية المباشرة، من دون أن يتخلى عن خلفيته الفكرية.

يتناول «الأرض تهتز» حياة صيادين في قرية يواجهون هيمنة التجّار على أرزاقهم، وكيف يستجيب بعضهم بالخضوع، فيما يختار آخرون المقاومة. ورغم أن ڤيسكونتي لم يتخلَّ عن الواقعية التي أرساها منذ أفلامه الأولى، فقد بدأ ينسج أسلوباً فنياً أكثر تركيباً لطرح موضوعاته. ويُعدّ روبرتو روسيلليني الأقرب إليه في هذا المجال؛ إذ انطلق بدوره ضمن تيار الواقعية الجديدة، في حين بدأ ڤيتوريو دي سيكا في هذا المنهج ثم ابتعد عنه لاحقاً، من دون أن يقدّم عملاً يتجاوز أهمية «سارقو الدراجات».

في الستينات، اتجهت أفلام ڤيسكونتي نحو عناية جمالية أعلى، مع نقل الأحداث إلى عوالم القصور والبُنى الطبقية، كما في «الفهد» (The Leopard) عام 1963، و«ساندرا» (1965)، و«الغريب» (عن رواية ألبير كامو، 1967)، ثم «الملعونون» (The Damned) 1969.

وليس من الدقة القول إن هذه الأفلام (وسواها) على مستوى واحد من الجودة، غير أن السمة الأبرز في هذا التحول من حكايات الشوارع والبلدات الصغيرة إلى العالم الأرستقراطي تتجلى بوضوح في «الفهد» و«الملعونون»، ولاحقاً في «موت في ڤينيسيا» (Death in Venice) سنة 1971، المأخوذ عن رواية توماس مان، ثم «لودڤيغ» (1973)، الذي يتناول سيرة ملك باڤاريا في أحداث تمتد بين عامي 1864 و1886.