يوميات الحرب الليبية (الحلقة السادسة): ميليشيات الإخوان تتجه جنوبا للسيطرة على حقول النفط

(«الشرق الأوسط») تقتحم خطوط النار وترصد يوميات الحرب الليبية

مسلحان من الغرفة الأمنية المشتركة التابعة للجيش الليبي من أبناء التبو عند المدخل الرئيسي لمدينة أوباري («الشرق الأوسط»)
مسلحان من الغرفة الأمنية المشتركة التابعة للجيش الليبي من أبناء التبو عند المدخل الرئيسي لمدينة أوباري («الشرق الأوسط»)
TT

يوميات الحرب الليبية (الحلقة السادسة): ميليشيات الإخوان تتجه جنوبا للسيطرة على حقول النفط

مسلحان من الغرفة الأمنية المشتركة التابعة للجيش الليبي من أبناء التبو عند المدخل الرئيسي لمدينة أوباري («الشرق الأوسط»)
مسلحان من الغرفة الأمنية المشتركة التابعة للجيش الليبي من أبناء التبو عند المدخل الرئيسي لمدينة أوباري («الشرق الأوسط»)

تظهر في هذه الصحراء الجنوبية القاحلة رايات سوداء ترفرف فوق سيارات الدفع الرباعي المزوَّدة بالمدافع. إنها مجموعة إضافية للمتطرفين جاءت عبر المنحدرات هاربة من شمال مالي، لتلتحق بباقي الجماعات المتشددة هنا. جماعات بدأت تنشط وتتحرك في حوض مرزق النفطي المهم، والذي يضم حقلي الفيل والشرارة، والواقع على بعد نحو 800 كيلومتر جنوب العاصمة الليبية.
وتطلق المجموعة المكونة من عدة مئات من الشبَّان المطاردين، اسم «أنصار الحق»، على نفسها. وهي، مثل مجموعات سبقتها إلى هنا، تتكون من خليط من الليبيين والماليين والجزائريين والنيجيريين والتشاديين وغيرهم.

يقول أحد القادة المحليين في مدينة أوباري إن «جماعات المتطرفين هذه أصبحت في الأسابيع الأخيرة تتلقى إمدادات من جماعة الإخوان المسلمين المتمركزة في طرابلس»، مشيرا إلى أن إنتاج حقلي الفيل والشرارة يبلغ أكثر من نصف مليون برميل يوميا، أي ما يساوي ثلث إنتاج ليبيا، ويجري التصدير منهما إلى أوروبا. وفي المقابل تزعم جماعة الإخوان أنها لا علاقة لها بالمتطرفين، وأن من يعملون معها هم «شباب الثورة التي أسقطت القذافي، ومستمرون في الدفاع عنها من أنصار النظام السابق».
وفي المساء تجرأت 3 سيارات للمسلحين واقتربت من محطة البنزين الرئيسية في وسط المدينة التي يبلغ عدد سكانها عدة ألوف. وفي الجانب الآخر بدأ نحو 20 من جنود الجيش الليبي الذين يفتقرون للتسليح الجيد، الاستعداد لطردهم. إنها واحدة من بدايات المناوشات التي تتحول سريعا إلى حرب تستمر لعدة أيام ويقتل فيها العشرات، حيث بدأت ميليشيات الإخوان، كما يقول أحد القادة الأمنيين، في الاتجاه من طرابلس إلى الجنوب، للسيطرة على حقول النفط، كوسيلة جديدة من وسائل الضغط على أوروبا، قبل حلول موسم الشتاء البارد في الضفة الأخرى من البحر المتوسط، ضمن محاولات الجماعة إحراز مكاسب على الأرض، أمام المجتمع الدولي، وذلك في صراعها على السلطة بعد أشهر من خسارتها الانتخابات النيابية.
توقفت السيارات الثلاث جوار سور من الطين اتخذته ساترا. وبعد فترة من الترقب تقدمت واحدة منها مسافة 50 مترا في اتجاه محطة البنزين. كان فوقها مدفع عيار 14.5، و5 مُعمَّمِين ينظرون إلى الوراء، وواحد منهم فقط ينظر إلى الأمام؛ وجهٌ أسمرٌ ملثمٌ بقماش طمس التراب لونه من كثرة التجوال في الدروب المجاورة، على ما يبدو، بينما ماسورة كلاشينكوف تهتز بين يديه. وصاح مغمغما وهو يشهر سلاحه وأمر سائق الشاحنة التي كانت تملأ بنزينا من المحطة بالانصراف فورا. بالكاد تفهم من لغته العربية المهشَّمة بعض الهمهمات والإشارات التي توحي بأن الأمور لن تكون على ما يرام في بداية هذا النهار الحار.
ومن الجانب الآخر كان جنود الجيش السُّمر، وغالبيتهم من قبيلة «التبو»، ينتظرون اللحظة التي سيردون فيها على محاولة احتلال المحطة.. إنها تمثل، بالبنزين الذي يَفُوح منها، عصب الحياة لمركز المدينة الذي تنتشر حوله تجمعات سكنية يبلغ إجمالي من فيها نحو 30 ألف نسمة. ويعمل جنود الجيش هنا تحت إمرة ما يعرف بـ«قوات حرس المنشآت» و«الغرفة الأمنية المشتركة».. ومن بين هذه المنشآت شركات نفطية أجنبية. وكانت هذه القوات تضم جنودا من قبيلة «الزنتان» التي تتمركز في الشمال قرب طرابلس، لكن هؤلاء الجنود تركوا الحراسة هنا، وعادوا لقبيلتهم للدفاع عنها ضد هجمات «قوة فجر ليبيا» بقيادة الإخوان الذين سيطروا على العاصمة بعد معركة مطار طرابلس الشهيرة قبل شهرين.
وبعد تبادل لإطلاق الرصاص حول ساحة محطة بنزين أوباري، تمكنت نيران جنود الجيش من طرد المسلحين ومطاردتهم، حتى اختفوا وراء سحب التراب ناحية الجبال الغربية. لكن في الأيام التالية أعادت ميليشيات «أنصار الحق» الكرَّة بقوة أكبر من السابق. وتمكنت بتعزيزات من مجموعات موالية لتنظيم القاعدة، من جنسيات مختلفة، من السيطرة على مركز الشرطة الواقع وسط المدينة، ورفعت عليه راياتها السوداء. وبعد ذلك توجهت إلى حقل الشرارة النفطي، حيث جرت معركة جديدة هناك مع جنود «حراسة المنشآت».
ويقول الرائد عبد الله، من القوة التابعة للجيش، إن المثل المُتَّبع لدى رجال حروب العصابات هو أنك إذا كنت تريد أن تضرب في الغرب فعليك أن تصنع ضجيجا في الشرق، وإن هذا تقريبا هو ما يجري الآن من جانب تحالف الميليشيات في هذه البلاد التي تعمها الفوضى منذ سقوط نظام معمر القذافي في أواخر 2011. فبينما يبدو الضجيج في الشمال، من خلال الحرب المستعرة بين الجيش والمتطرفين في بنغازي وطرابلس ودرنة، تجري في الجنوب عمليات تحالف على يد جماعة الإخوان مع مقاتلين متشددين هاربين من بلادهم، بهدف السيطرة على حقول النفط «من أجل خنق أوروبا والضغط عليها في موسم الشتاء الذي بدأ يطرق الأبواب، حتى تغيِّر موقفها المؤيد للبرلمان المُنتخب والحكومة المنبثقة عنه والجيش الذي يستعد لطرد الميليشيات من طرابلس».
وتُعد منطقة الجنوب الليبي مهمة لعدة دول لأسباب أمنية واقتصادية، وجرى التنافس على هذه الحقول، إضافة لحقول في الشرق، بين القوى المتصارعة في ليبيا العام الماضي، مما أدى إلى غلق أغلبها عدة مرات ونتج عن ذلك خسائر بمليارات الدولارات. ويقول الرائد عبد الله إن أغلب القيادات الخطرة في تنظيم القاعدة، من شمال ووسط أفريقيا، ومنها حركة «أزواد» المالية وحركة «بوكو حرام» النيجيرية، أصبحت تستوطن هنا، وتدور بقوافل من سيارات الدفع الرباعي عبر الطرق والدروب وتتخذ من الجبال مقرات لها. وأصبحت أخيرا تحصل على الدعم مما يعرف بـ«القوة الثالثة (تابعة لقوة فجر ليبيا)» المتمركزة في سبها، على بعد نحو 200 كيلومتر إلى الشمال الشرقي من مدينة «أوباري»، ويوجد على الطريق السريع بينهما العديد من القرى الصحراوية الصغيرة.
ويضيف: «لهذا يمكن أن ترى بين وقت وآخر، طائرات دون طيار بعضها يبدو فرنسيا، يحوم حول تخوم مدن أوباري ومرزق وأم الأرانب». ويزيد قائلا: «أعتقد أن هذا الطيران يقوم فقط بالتصوير والرصد لقوافل المتطرفين.. لم نرَ أي عملية قصف لمواقع المتطرفين وقوافلهم. وتمكنت مجموعات المتشددين في الجنوب من تحقيق مكاسب عديدة، ربما يندر أن تتحقق لأي جماعة متطرفة أخرى خارج ليبيا، من بينها السيطرة على مطارات عسكرية مثل مطار تمنهند ومطار سبها. إضافة إلى تحوُّل مناطق بأكملها هنا إلى أوكار وبؤر لقيادات موالية لتنظيم القاعدة، مثل الجزائري مختار بلمختار، والليبي عبد الوهاب قائد، شقيق أبو يحيى، الذي قتل قبل عامين في باكستان، وكان الرجل الثاني في التنظيم بعد أيمن الظواهري».
وتعرف الميليشيات التي تهيمن عليها جماعة الإخوان باسم «قوة فجر ليبيا»، وهي محسوبة على مدينة مصراتة، ليس لأن كل مصراتة تقف وراء هذه القوة، ولكن لأن أغلبية القيادات الإخوانية المتشددة التي تتزعمها تنتمي أساسا للمدينة الواقعة على بعد نحو 200 كيلومتر إلى الشرق من العاصمة طرابلس. وبدأت الحرب المفتوحة بين الفرقاء الليبيين عقب إسقاط الناخبين للنواب المتطرفين في انتخابات البرلمان التي جرت منتصف هذا العام. وعلى هذا قام 3 على الأقل من قادة الإخوان في كل من مصراتة وطرابلس وبنغازي بجمع كل التيارات المتشددة في سلَّة واحدة لخوض حرب «حياة أو موت» ضد التيار المدني الذي تؤيده غالبية الشعب كما ظهر في الاقتراع الأخير على انتخاب المجلس النيابي الجديد.
ويقول المقدم عبد الفتاح سعيد، من قوة «عملية الكرامة» إلى يقودها اللواء المتقاعد خليفة حفتر ضد المتطرفين، وتتخذ من منطقة الرجمة قرب بنغازي مقرا لها، إن تحالف المتشددين، في شمال البلاد، كان قويا، و.. «كان يحسب له حساب، حتى مطلع شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، حيث تمكن منذ ذلك الوقت من السيطرة على مدن بنغازي، وطرابلس، وكذا سيطر على مدينة درنة، لكنه تعرض لخلخلة لسببين، الأول: الخلافات الداخلية بين عدد من قادته، والثاني: رفض المجتمع الدولي الاعتراف بالميليشيات وتصنيف بعضها كتنظيمات إرهابية، ولهذا بدأت جماعة الإخوان (من خلال «قوة فجر ليبيا») تبحث عن تعضيد لتحالفاتها من أجل الحفاظ على ولاء الميليشيات التي تقودها، على الصعيد الداخلي، ومن أجل إيجاد وسائل للضغط على أوروبا والمجتمع الدولي».
ويضيف: «من هنا اتَّجه الإخوان إلى الجنوب لتنشيط خلايا الإرهابيين الدوليين المختبئين هناك، وللسيطرة على حقول النفط، وهذا أمر نعلم أن الكثير من قادة مصراتة المعتدلين لا يوافقون عليه لأنه يزيد نيران الحرب الداخلية بين الليبيين التي ينبغي أن تتوقف، وأن تستبدل بالحوار».
ويقول القادة العسكريون إن التفكير في السيطرة على الحقول الغنية بالنفط في الجنوب، والتي تعمل فيها شركات إيطالية وإسبانية، داعب خيال المتطرفين في العاصمة حين كانوا ما زالوا يتحكمون في البرلمان السابق وفي مقدرات الدولة الليبية، وأن «هذه الفكرة بدأت تتشكل بعد أن أغلقت جماعة مسلحة في إجدابيا (جماعة الجضران التي تدعو إلى الحكم الفيدرالي)، حقول النفط المهمة في شرق البلاد، وأوقفت تصدير ربع النفط الليبي للخارج تقريبا». وحين بدأ البرلمان السابق إرسال ميليشيات مسلحة إلى الجنوب، تصدت لها قوات حراسة المنشآت والغرفة الأمنية الرافضة لحكم المتطرفين والموالية لـ«عملية الكرامة» التي كانت قد بدأت منذ مطلع هذا العام، مما تسبب في وقوع معارك عنيفة استخدمت فيها القذائف الصاروخية.
ووفقا لمصادر استخباراتية ليبية، كانت جماعة الإخوان، وهي في الحكم، على وشك استخدام طائرات عسكرية لقصف «قوات حراسة المنشآت» و«مواقع الغرفة الأمنية» في الجنوب التي ينتمي أغلب منتسبيها العسكريين لقبيلة التبو، إلا أن «هذا الأمر، الذي جرى في شهر أبريل (نيسان) الماضي أدى لـ(خلاف طفيف) بين فرنسا، التي لديها علاقات حسنة مع قيادات التبو، وإنجلترا التي يبدو أنها تحتفظ بقنوات اتصال مع الإخوان.. نتج عن هذا الخلاف، وفقا للمصادر نفسها، اتفاق الدولتين (فرنسا وإنجلترا) على تحذير السلطات الليبية السابقة من مغبة قصف مواقع التبو بالطيران».
ومن المعروف أن فرنسا وتحالفا أفريقيا يقومون منذ أكثر من سنة بشن حرب شعواء ضد المتطرفين الموالين لـ«القاعدة» في شمال مالي، بعد أن هاجموا مقار شركات ومقار حكومية هناك، مما أدى إلى فرار مئات المقاتلين منهم، على دفعات، إلى مدن الجنوب الليبي، ومنها مدينة غات، التي تبعد عن مدينة أوباري من الغرب، أي ناحية الحدود الجزائرية، بنحو 300 كيلومتر. ويقول أحد القادة المحليين بمدينة مرزق، الواقعة على مسافة 150 كيلومترا جنوب سبها، وعلى بعد نحو 200 كيلومتر جنوب شرقي أوباري، إن «المتطرفين الذين نزحوا من شمال مالي وجنوب الجزائر، ومن النيجر وتشاد أيضا، أصبحوا موزعين بين بلدات جنوب ليبيا ويعيشون بين الناس، ويحصلون على دعم كبير من سلاح وإمدادات، وعددهم كبير؛ قرابة الألف.. الجنوب كله تقريبا أصبح خارج نطاق الدولة».
ويشير هذا القائد المحلي الذي طلب عدم تعريفه حتى لا يتعرض للانتقام من المتطرفين: «جاء هؤلاء الناس إلى هنا.. مرة يطلقون على أنفسهم (أنصار الحق) ومرة (أنصار الدين)، وغالبية جنسياتهم من طوارق مالي، ومعروفون أيضا باسم (حركة الأزواد). وبعد أن وقع عليهم الضغط من الجزائر ومن فرنسا ومن مالي، العام الماضي، دخلوا علينا. والصحراء هنا واسعة.. دخلوا علينا عن طريق الحدود الهشة مع الجزائر والنيجر. ولهذا السبب هناك طائرات أجنبية دون طيار تدور مرة فوق مرزق ومرة فوق أوباري لمراقبة تحركات هذه الجماعات».
ويقول عدد من شهود العيان إن المتطرفين بدأوا ينشطون في الجنوب بعد أن بدأت تصلهم إمدادات من جماعة الإخوان، وأن بلمختار فرَّ إلى هنا أيضا، ويتنقل بين مناطق وادي عتبة وأوباري في المناطق الجبلية، كما أنه يدور بحُرِّية، مع أتباعه، في الصحراء بسيارات دفع رباعي عليها أعلام سوداء لتنظيم القاعدة، وذلك بعد أن كان يقيم في الجبال قرب بلدة غات القريبة من المثلث الحدودي بين النيجر والجزائر وليبيا.
ويضيف أحد رجال الأمن في مدينة أوباري: «في البداية كان عدد هؤلاء المتطرفين من أتباع (أنصار الحق)، صغيرا، لكن بمرور الوقت ازداد بشكل كبير. ربما أكثر من ألف مسلح». ووفقا لمعلومات أخرى فإن بلمختار يقود جماعته هنا وأصبح لا يخفي تحركاته، ويعمل على زيادة تنسيق الهجمات على البلدات المجاورة للحقول النفطية، لكسر شوكة «قوة حرس المنشآت» و«الغرفة الأمنية» التابعة للجيش، وله خطوط سير معروفة، بسياراته وعتاده، ويتردد في بعض الأحيان على خط السير الواقع بين مرزق وأوباري، والمعروف بطريق وادي عتبة - السبيطات.
وتعرف منطقة السبيطات الموجودة على بعد نحو 30 كيلومترا إلى الشمال الغربي من مدينة مرزق بأنها منطقة أبو يحيى الليبي الذي قتل في باكستان، ومنطقة شقيقه المتشدد الذي كان يشغل في البرلمان الإخواني السابق رئاسة لجنة إدارة الأزمات. ويقول أحد أبناء قبيلة الطوارق التي ينتمي إليها هذان الرجلان، إن المنطقة برمتها تحولت إلى وكر للمتطرفين.. «هذه المنطقة أصبح ينتشر فيها الإسلاميون على طول 200 كيلومتر، من مدينة مرزق حتى تصل لمدينة أوباري». ويضيف أن «(أنصار الحق)، أغلبهم شباب من الطوارق، من قبيلتنا، لكنهم انضموا للمتشددين وهم مع بلمختار، ويقيمون في الجبال، ويهبطون للحصول على التموين وعلى حاجاتهم، من المدن القريبة منهم، ثم يعودون للجبال مرة أخرى. وعددهم يقترب من الألف فعلا».
وفي الأيام الأخيرة توجهت نحو 85 سيارة مسلحة (دفع رباعي) من المجموعات المتطرفة التابعة لجماعة الإخوان، من مدينة سرت في الشمال، لتقديم الدعم للمتشددين في الجنوب. ويقول مصدر عسكري إن هذه الجماعات أصبحت، في الحقيقة، تستخدم مطار «تمنهند» العسكري الموجود قرب سبها، و«حولوه قاعدة لهم لإيصال باقي الإمدادات للجنوب، من أسلحة وعتاد، سواء من داخل ليبيا أو حتى من خارجها»، مشيرا إلى أن «هذا المطار يعد من المطارات الاستراتيجية، ولو تمكن الجيش الوطني من السيطرة عليه فإنه سيتمكن من ضرب أرتال المتشددين، ويُفشل مخططات الإخوان تجاه حقول النفط وتجاه مدينتي غات وأوباري وغيرهما.. هذا المطار الذي يحتوي أيضا على إمكانات للتصنيع الحربي، هو، في الحقيقة، بمثابة قاعدة عسكرية خطرة على ليبيا وعلى دول الجوار».
وعن حجم قوات الجيش التي يمكن أن تتصدى لوجود المتطرفين في الجنوب، يقول أحد القادة المحليين إنها تتكون من جنود غير محترفين غالبيتهم من قبيلة التبو، وإن كانوا يتلقون مساعدات غير مباشرة من قبيلتي المقارحة والقذاذفة الذين لا يريدون الظهور في الصورة «حتى لا يشيع الإخوان أن الحرب في الجنوب تدور بين الثوار وأنصار القذافي»، و.. «القذاذفة موجودون لكنهم لا يحبون الظهور على السطح لأنهم ضد الإسلاميين ولو شاركوا في المعارك ضدهم سيقوم الإخوان باستغلال هذا ويطلقون على الحرب أنها حرب ضد أزلام النظام السابق وعلم القذافي الأخضر»، مشيرا إلى أن «المتطرفين في الجنوب لا يمكن أن تقول إنهم يسيطرون على مساحات واسعة، ولكن المشكلة في البؤر الكثيرة التي أصبحوا يقيمونها هنا».
وتقول المعلومات العسكرية إن متطرفي الجنوب أصبح تحت أيديهم في الأيام الأخيرة «مدرعات حربية، وصواريخ»، لكن أحد قادة الجيش يجيب موضحا أنه «من السهل دحر تلك الميليشيات في حال توفر العتاد مثل ذخيرة الهاون 120 مم، والصواريخ الحرارية، والقذائف المضادة للدروع. كنا نقول إن فرنسا ربما تدخل ليبيا من أجل القبض على بلمختار لكنها لا يبدو أنها ستفعل ذلك». وفي السياق نفسه تحاول القبائل الجنوبية كالطوارق والتبو، مقاومة الانجرار إلى الاقتتال القبلي. وأعلن أعيان التبو قبل يومين أن ما يحدث في أوباري ليس اقتتاﻻ بين قبيلتين ولكنه بين قبيلة التبو وجماعة أنصار الحق الهاربة من شمال مالي.
وقبل أيام قليلة زاد ضغط المتطرفين للسيطرة على حقل الشرارة.. «هجموا على الحقل وسرقوا مجموعة سيارات»، مما دفع آمر حراسة المنشآت إلى إصدار قرار بمغادرة العاملين المدنيين، وإيقاف الإنتاج إلى حين تحسن الظروف الأمنية بالمنطقة».
ويقول يوسف غالي، وهو إعلامي من مدينة مرزق، إن قوات أنصار الحق استغلت فرصة تخلي عناصر الزنتان عن مواقعهم في حراسة المنشآت النفطية في الجنوب، وطلبت من القوات المتبقية (أغلبهم من التبو) إخلاء حقل الشرارة النفطي حتى تتولى هي حراسته، ومن ثمَّ نشبت معركة بين الطرفين.. إلا أن عددا من عقلاء المنطقة، من الطوارق والتبو، تدخلوا للفصل بين القوتين، وقرروا أن من يحق له حراسة الحقل لا بد أن يكون معه تكليف رسمي من الدولة، بحراسة المنشآت وأبناء التبو ليس لديهم مانع من ترك الحقل لجماعة أنصار الحق، بشرط وجود قرار بذلك من الجهات الرسمية (أي من البرلمان المعادي أصلا للمتطرفين).
وبعد أيام من هذا الاتفاق والتهدئة، قامت مجموعة «أنصار الحق» بدعم من جماعات متطرفة أخرى، مجددا بمحاولة لشل مدينة أوباري وإخضاعها لسلطتها، فقامت بمنع بيع الوقود في شوارع المدينة بالقوة، سواء في محطات البنزين أو في السوق السوداء. وفي عصر اليوم التالي أعلن أحد تجار التبو رفضه الانصياع لأوامر الجماعة، فوقعت مشادات استغلها المتطرفون في إدخال آليات مسلحة وسيطروا بالفعل على محطة الوقود الرئيسية. وفي الصباح الباكر، أي عندما حضر أعضاء الغرفة الأمنية المشتركة، لفتح المحطة، تصدى لهم عناصر أنصار الحق، وأمروهم بعدم الاقتراب منها، قائلين إنها أصبحت تحت حمايتهم. وفي هذه الأثناء، وحين كان أعضاء الغرفة الأمنية يتناقشون مع زملائهم حول حل القضية، توجهت مجموعة من «أنصار الحق» إلى مقر قسم الشرطة وكتبت عليه «فجر ليبيا» وشعارات أخرى مؤيدة لجماعة الإخوان. ويقول يوسف غالي: «حينها أدرك أعضاء الغرفة الأمنية أن هناك يدا خفية تريد السيطرة على أوباري».
وبدأت معركة جديدة لتحرير مركز شرطة المدينة من المتطرفين.. وتقدم جنود «القوة الأمنية» وحاصروا عناصر جماعة أنصار الحق داخل المركز، وبعد 4 ساعات من الاشتباكات جرى تحرير المبنى وقتل في هذه المعركة 4 من المتطرفين، وشخص واحد من «الغرفة الأمنية»، وعلى أثر ذلك بدأت الاشتباكات الكبيرة بين الطرفين في كل أنحاء المدينة، لعدة أيام. وفي محاولة لخلق فتنة قبلية، أطلق أحد أنصار الجماعة المتطرفة قذيفة هاون على ضاحية جكوي، التي يقطنها التبو، فرد التبو بقصف ضاحية تيلاقين التي يقطنها الطوارق، بالهاون.
وبعد ذلك تمركزت كتيبة تينري التي يرأسها متشددون إسلاميون، على سطح جبل تيندا المشرف على أوباري، وبدأوا في قصف المدينة بالكامل. وخلَّفت المعارك 8 قتلى من التشكيلات المسلحة للتبو (تابعة للجيش)، و28 جريحا بجروح متفاوتة، جرى نقلهم بطائرة من حقل الفيل النفطي، للعلاج في طبرق في الشمال. ولا توجد إحصاءات دقيقة عن عدد قتلى كتائب المتشددين. بينما كان عدد الأسرى من «الغرفة الأمنية» 14 مقاتلا بينهم 12 جرى إطلاق سراحهم واثنان ظلا مفقودين، إلا أنه عُثر على أحدهما، فيما بعد، مقتولا. وكان أسرى «أنصار الحق» 26 شخصا جرى إطلاقهم فيما بعد، حيث جرى توقع هدنة تنص على وقف إطلاق النار وإخلاء التشكيلات المسلحة داخل المدينة وسرعة علاج الجرحى وتبادل الأسرى بين الطرفين. لكن هذا النوع من التهدئة، كسابقيه، لم يصمد طويلا بسبب النشاط الدائب للجماعات المتطرفة متباينة الجنسيات، في حوض مرزق النفطي.
وفي الوقت الحالي يوجد ما يسمى «القوة الثالثة» لحماية الجنوب، وهي قوة مُشكَّلة، كما يقول قادة الجيش الوطني الليبي، من «قوات فجر ليبيا» بقيادة الإخوان، وتقوم بدعم كتيبة «أنصار الحق» وباقي تجمعات المتطرفين بمن فيهم الأجانب، بالعتاد والذخائر، وإمدادهم بالمساعدات الطبية، ونقل جرحاهم الذين يشاركون في القتال للسيطرة على حقول النفط، إلى منطقة الشاطئ الواقعة بعد سبها، بالسيارات المجهزة، ومن ثم إلى مطار معيتيقة الذي يسيطر عليه متطرفو الإخوان قرب طرابلس.
ويضخ حقلا الشرارة والفيل، من خلال أنابيب نفطية تأتي من أوباري ومرزق، وتخترق الصحراء، وتصب في مصفاة مليتة الموجودة في الشمال قرب مدينة الزاوية، ومن ثم يجري نقله عبر البحر المتوسط إلى إيطاليا فأوروبا. وينتج حقل الشرارة نحو 400 ألف برميل في اليوم، وتمتلك أصول الحقل المؤسسة الوطنية للنفط التي أصبحت تابعة للبرلمان الجديد، وتشاركها في الاستحواذ على أصول الحقل شركات توتال الفرنسية، وريبسول الإسبانية، و«أو إم في». النمساوية. أما حقل الفيل النفطي فيبلغ إنتاجه اليومي نحو 125 ألف برميل، وتستحوذ شركة إيني الإيطالية على حصة منه مع مؤسسة النفط الليبية.

يوميات الحرب الليبية (الحلقة الخامسة) خريطة ولاءات القبائل في الصراع مع المتطرفين
يوميات الحرب الليبية (الحلقة الرابعة): مقتل قيادات مهمة في أنصار الشريعة بينهم جزائريون ومصريون في معركة «جسر بنينة الأول»
يوميات الحرب الليبية (الحلقة الثالثة): زعيم «إمارة درنة» يتحصن بضاحية «لميس التركية» ويستخدم طيور الكناري لمراقبة هجمات الجيش
يوميات الحرب الليبية (2): «إخوان» ليبيا أسسوا جهاز مخابرات في طبرق.. وسعوا لاغتيال نواب من البرلمان الجديد ترصد خط النار بين مصراتة وبنغازي
يوميات الحرب الليبية (الحلقة الأولى): عناصر الأمن أكثر من المسافرين على حدود ليبيا.. وتحذير من «بوابات» للمتطرفين


تمسك شيخ محمود بـ«الانتخابات المباشرة» يزيد المشهد الصومالي تعقيداً

الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

تمسك شيخ محمود بـ«الانتخابات المباشرة» يزيد المشهد الصومالي تعقيداً

الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)

يزداد المشهد على الساحة السياسية بالصومال تعقيداً مع تمسُّك الرئيس حسن شيخ محمود بإجراء الانتخابات المباشرة التي كانت مقرَّرة هذا العام، رغم وجود معارضة لهذا التوجه وعدم حسمه، رغم إجراء حوارات وطنية على مدى نحو عام، وسط صعوبات أمام الحكومة؛ أبرزها خلافات مع بعض الولايات واعتراف إسرائيلي بأحد الأقاليم.

ويشير خبير في الشؤون الصومالية، تحدَّث لـ«الشرق الأوسط»، إلى تأزم الوضع الصومالي بالفعل داخلياً وخارجياً، داعياً لعقد حوار جاد للوصول لحلول.

والتقى الرئيس الصومالي زعماء تقليديين من مختلف أنحاء البلاد بالقصر الرئاسي، بحسب ما ذكرته «وكالة الأنباء الصومالية» الرسمية، الثلاثاء، مشيداً بدورهم في تحقيق السلام والمصالحة وبناء الدولة والحفاظ على وحدة الشعب.

وأكد شيخ محمود، خلال اللقاء، أنَّه لا يمكن التنازل أبداً عن إعادة السلطة للشعب في اختيار قادته السياسيين، داعياً الزعماء التقليديين إلى دعم إجراء الانتخابات المباشرة لضمان الوصول إلى تمثيل حقيقي ونظام ديمقراطي شفاف.

وقال: «نحن مصممون على أن يحصل الشعب الصومالي على حقوقه الدستورية في اختيار مَن يمثله في السلطة بعد 57 عاماً، حيث سبَّبت الانتخابات غير المباشرة التي جرت في البلاد كثيراً من المشكلات، وعلى رأسها الأمنية».

يأتي ذلك وسط خلافات مع المعارضة بشأن الانتخابات المباشرة، واعتماد الدستور في مارس (آذار) الماضي دون تغيير ما يتعلق بالانتقال من النظام البرلماني إلى الرئاسي، أو الحد من صلاحيات الولايات.

ووسط خلافات ممتدة منذ نحو عام، لم تُنهها جولات الحوار، تَشكَّل «مجلس مستقبل الصومال» المعارض في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 عقب اجتماع في نيروبي، وأسَّسه رئيسا جوبالاند وبونتلاند أحمد مدوبي وسعيد دني، وزعيما «منتدى الإنقاذ» المعارض، وهم رئيسا الوزراء السابقان حسن علي خيري وسعد شردون، وعضو البرلمان عبد الرحمن عبد الشكور، وآخرون.

وامتدت الخلافات على مستوى قادة الأقاليم بصورة غير مسبوقة. وأواخر مارس الماضي أعلنت الحكومة الفيدرالية «السيطرة الكاملة» على مدينة بيدوا، العاصمة المؤقتة لولاية جنوب غرب، ووصول قوات مسلحة للعاصمة «استجابة لإرادة السكان»، وتعيين رئيس جديد للولاية خلفاً للمقال عبد العزيز لفتاغرين، مؤكدة «أن جهوداً لحلّ مشكلات الولاية قوبلت بمعارضة من الإدارة السابقة».

وبعد تلك الأحداث، نجا شيخ محمود، دون أن يُصاب بأذى، من حادث تعرض فيه هو ومرافقوه لوابل من قذائف الهاون في مدينة بيدوا بجنوب البلاد، مطلع أبريل (نيسان) عقب الإطاحة برئيس الإقليم، في ثاني استهداف تدبره «حركة الشباب» المتشددة وينجو منه رئيس الصومال في غضون عام تقريباً، وفق ما أفادت «وكالة بلومبرغ».

ويعتقد المحلل والكاتب الصومالي، حسن محمد حاج، أن التمسك الرئاسي يزيد من حدة الانقسام مع الولايات المعارضة، في وقت يمنح الدستور الجديد الذي تم إقراره في مارس 2026 الرئيس عاماً إضافياً برفع الولاية لـ5 سنوات، لتنتهي في مايو (أيار) 2027 بدلاً من العام الحالي.

وأمام هذا الإصرار الرئاسي، يرى المحلل الصومالي أنَّ الحل يمكن في إطلاق حوار وطني جاد وشامل يضمن مشاركة الولايات المعارضة، بما فيها بونتلاند وجوبالاند، والاتفاق على نموذج انتخابي هجين يجمع بين الاقتراع المباشر والتوافق العشائري لضمان شرعية الاستحقاقات المقبلة.

ووسط تعقيدات المشهد الداخلي، وافق مجلس الوزراء الإسرائيلي على تعيين مايكل لوتيم سفيراً لدى الإقليم الانفصالي، أرض الصومال، في إطار عملية توسيع العلاقات مع هذه المنطقة، عقب اعتراف إسرائيل بأرض الصومال في أواخر عام 2025، وفقاً لبيان وزارة الخارجية، الأسبوع الماضي.

وتحظى أرض الصومال بموقع استراتيجي على خليج عدن، ولها عملة وجواز سفر خاص وجيش، لكنها تواجه صعوبة في الحصول على اعتراف دولي، وسط مخاوف من انعكاسات ذلك على الصومال، وتشجيع الحركات الانفصالية الأخرى في أفريقيا.

وليس أمام مقديشو، بحسب المحلل محمد حاج، سوى التحشيد الدبلوماسي والتحالف مع مصر وتركيا لعزل الانفصال دولياً، مضيفاً: «الخطر السيادي ربما يدفع الحكومة والمعارضة لتفاهمات اضطرارية تُعلي المصلحة الوطنية فوق الخلافات الداخلية».


البحرين: السجن المؤبد لأفغانيَّيْن و3 مواطنين بتهمة التخابر مع «الحرس الثوري»

قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)
قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)
TT

البحرين: السجن المؤبد لأفغانيَّيْن و3 مواطنين بتهمة التخابر مع «الحرس الثوري»

قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)
قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)

أعلن رئيس نيابة الجرائم الإرهابية في البحرين أن المحكمة الكبرى الجنائية أصدرت، الثلاثاء، حكمها في قضيتين منفصلتين تتعلقان بالتخابر مع جهات أجنبية، اتهم فيهما ستة متهمين، من بينهم اثنان يحملان الجنسية الأفغانية، وأربعة مواطنين، بالتخابر مع «الحرس الثوري» الإيراني، وذلك للقيام بأعمال إرهابية وعدائية ضد البحرين، والإضرار بمصالحها.

وقضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد، وبراءة متهم واحد، وأمرت بمصادرة المضبوطات، وإبعاد المتهمين الأفغانيين من البلاد نهائياً بعد تنفيذ العقوبة.

وبحسب «وكالة الأنباء البحرينية»؛ تعود تفاصيل هذه الواقعة إلى ورود معلومات أكدتها تحريات الإدارة العامة للمباحث والأدلة الجنائية، تفيد بقيام «الحرس الثوري» الإيراني بالتواصل مع أحد المتهمين (أفغاني الجنسية)، وتجنيده لتنفيذ مخططاته الإرهابية في مملكة البحرين، حيث كُلف بمهام استخباراتية للقيام بأعمال عدائية ضد البحرين، والإضرار بمصالحها.

وتمثلت المهمة الموكلة للمتهمين في مراقبة وتصوير المنشآت الحيوية والمهمة داخل البلاد، وجمع المعلومات بشأنها، ونفاذاً لذلك قام المتهم برصد إحدى المنشآت الحيوية، وجمع معلومات عنها مقابل مبالغ مالية تلقاها من «الحرس الثوري» الإيراني، كما قام هذا المتهم بتجنيد المتهم الثاني، وهو من ذات الجنسية، لمعاونته في تلك العمليات الاستخباراتية لصالح المنظمة المشار إليها، وعلى أثر ذلك تم ضبط المتهمَيْن وبحوزتهما أدوات استُخدمت في ارتكاب الجريمة.

كما تعود تفاصيل الواقعة الثانية إلى ورود معلومات أكدتها تحريات الإدارة العامة للمباحث والأدلة الجنائية بشأن قيام بعض عناصر «الحرس الثوري» الإيراني بتجنيد أحد المتهمين (مواطن بحريني هارب وموجود في إيران)، وإقناعه بالعمل لصالحهم ضد مملكة البحرين، وكُلف بالبحث عن عناصر محلية داخل المملكة لتجنيدها، وتسخيرها لتنفيذ مخططات المنظمة الإرهابية المشار إليها.

وذكرت «وكالة الأنباء البحرينية» أنه نفاذاً لذلك تمكن المتهم من تجنيد المتهمين الثلاثة الآخرين (وهم مواطنون بحرينيون) في ذات الواقعة، وأسندت إليهم مهام تستهدف الإضرار بأمن البلاد، ومصالحها، شملت رصد ومراقبة وتصوير المنشآت الحيوية، وجمع المعلومات عنها، وتزويد «الحرس الثوري» الإيراني بها.

وقد باشرت النيابة العامة التحقيق في الواقعتين فور تلقي البلاغين، حيث استجوبت المتهمين المضبوطين، وندبت الخبراء الفنيين لفحص الأجهزة الإلكترونية المضبوطة، كما استمعت إلى أقوال الشهود، ومن بينهم مجري التحريات الذي أفاد بأن تحرياته توصلت إلى أن البيانات والمعلومات التي قدمها المتهمون لمنظمة «الحرس الثوري» الإيراني شكلت ركيزة أساسية في الأعمال العدائية الإرهابية التي استهدفت عدداً من المنشآت الحيوية داخل المملكة، بما عرض أمن البلاد واستقرارها للخطر.

وأضافت «وكالة الأنباء البحرينية» أنه على ضوء ذلك، أمرت النيابة العامة بإحالة المتهمين إلى المحكمة الكبرى الجنائية، وقد نُظرت الدعويان المنفصلتان على عدة جلسات روعيت خلالها كافة الضمانات القانونية المقررة، بما في ذلك حضور محامي المتهمين، وتمكينهم من إبداء دفاعهم، حتى أصدرت المحكمة حكمها المتقدم بجلسة اليوم. كما كانت المحكمة قد أصدرت قراراً بحظر النشر في الدعويين، نظراً لما تنطويان عليه من معلومات تتعلق بالأمن القومي.

وتعكف النيابة العامة على دراسة الحكم فيما قُضي به من براءة المتهم، والنظر بالطعن فيه بالاستئناف استناداً إلى الأدلة القائمة ضده.

وأكدت النيابة العامة أن جريمة التخابر مع الجهات الأجنبية المعادية لمملكة البحرين تُعد من أخطر الجرائم الماسة بالأمن الوطني، لما تنطوي عليه من تمكين تلك الجهات من الحصول على معلومات تُستغل في تنفيذ أعمال عدائية تستهدف المملكة، ومصالحها.

وشددت النيابة العامة على مضيّها، في إطار ما خولها القانون، في التصدي بحزم لكل من يرتكب مثل هذه الأفعال المجرمة، واتخاذ الإجراءات القانونية الرادعة بحقه، صوناً لأمن البلاد واستقرارها.


الحرب على إيران تلقي بتبعاتها على معيشة اليمنيين

بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)
بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)
TT

الحرب على إيران تلقي بتبعاتها على معيشة اليمنيين

بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)
بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)

دقّت المنظمات الإنسانية العاملة في اليمن ناقوس الخطر، محذّرةً للمرة الأولى من التداعيات المباشرة للحرب في إيران على الوضع الإنساني الهش في البلاد، في وقت يواجه فيه ملايين اليمنيين مستويات غير مسبوقة من انعدام الأمن الغذائي، بينما تتعرض سلاسل الإمداد الدولية، التي تمثل شريان الحياة للمساعدات الإنسانية، لضغوط متزايدة تهدد بانهيار الاستجابة المحدودة أصلاً.

ووفق تقرير إنساني حديث، فإن تصاعد الصراع الإقليمي ألقى بظلال ثقيلة على طرق الإمدادات الرئيسية للمساعدات، مما تسبب في تأخر وصول أكثر من 150 طناً من الشحنات الإنسانية المصنفة على أنها مواد منقذة للحياة، تشمل معدات طبية ثقيلة، وأدوية، ومستلزمات خاصة بالبنية التحتية للمياه، في وقت لا تزال فيه مواعيد وصول هذه الشحنات غير واضحة، وسط اضطرابات متواصلة في الممرات البحرية وارتفاع كبير في تكاليف الشحن.

ويشير التقرير إلى أن استمرار حالة عدم اليقين في خطوط الملاحة الدولية انعكس بصورة مباشرة على قدرة المنظمات الدولية غير الحكومية على إيصال الإغاثة الطارئة، إذ أصبحت عمليات الإنقاذ تواجه مخاطر التأخير الحاد أو التوقف، بما يهدد بتوسيع رقعة الاحتياجات الإنسانية في بلد يعتمد ملايين من سكانه على المساعدات الخارجية لتأمين الحد الأدنى من مقومات البقاء.

وعلى الرغم من أن الموانئ الوطنية الرئيسية في اليمن ما زالت تعمل من الناحية الفنية، فإن المنظمات الإنسانية أكدت أن الاضطرابات التي طالت خطوط الملاحة الإقليمية والدولية تسببت فعلياً في تعطيل وصول الإمدادات، وأدت إلى تكدس شحنات حيوية في نقاط انتظار غير معلومة المصير.

41 ألف شخص في اليمن معرضون لمخاطر كارثية تشبه المجاعة (الأمم المتحدة)

ووفقاً لما أوردته أربع من أصل 12 منظمة دولية غير حكومية شملها الاستطلاع وتعمل في اليمن، فإن هذه التأخيرات تسببت بصورة مباشرة في انقطاع مساعدات حيوية عن أكثر من 130 ألف مستفيد، بينما رجح التقرير أن يكون التأثير الحقيقي على مستوى البلاد أكبر بكثير، بالنظر إلى أن هذه البيانات تمثل شريحة محدودة فقط من إجمالي المنظمات الدولية العاملة في المجال الإنساني.

ويعني ذلك عملياً أن آلاف الأسر التي تعتمد على الأدوية، ومشروعات المياه، والخدمات الصحية المدعومة، باتت مهددة بانقطاعات متزايدة في الخدمات الأساسية، في وقت تتراجع فيه قدرة القطاعين الصحي والخدمي على امتصاص أي صدمات إضافية، نتيجة سنوات الحرب الطويلة وما خلّفته من هشاشة هيكلية واسعة.

فاتورة التصعيد

ولم تتوقف انعكاسات الأزمة عند حدود العمليات الإنسانية، بل امتدت سريعاً إلى الأسواق المحلية في مختلف أنحاء اليمن، حيث بدأت مؤشرات التضخم بالتصاعد بوتيرة لافتة، مدفوعةً بتراجع الواردات التجارية والإنسانية، وارتفاع تكلفة النقل والشحن والتأمين.

وأكدت المنظمات الإنسانية أن أسعار المياه المعبأة قفزت خلال شهر واحد بنسبة 50 في المائة، فيما ارتفع سعر كل من زيت الطهي والغاز المسال بنحو 80 سنتاً، في حين واصلت أسعار الوقود صعودها بوتيرة متسارعة بلغت 24 في المائة، وهو ما انعكس فوراً على تكاليف النقل، وأسعار السلع الأساسية، وسلسلة توريد المواد الغذائية والاستهلاكية.

ويرى العاملون في المجال الإنساني أن هذا الارتفاع الحاد في أسعار الوقود يمثل مؤشراً على ضغوط تضخمية متنامية ستنعكس بصورة مباشرة على مستويات الأمن الغذائي، خصوصاً في بلد يعاني فيه السكان أصلاً من تآكل القدرة الشرائية، وتراجع مصادر الدخل، واتساع رقعة الفقر، مما يجعل أي زيادة إضافية في أسعار السلع الأساسية عبئاً يفوق قدرة ملايين الأسر على الاحتمال.

المعدات الثقيلة والأدوية والبنية التحتية للمياه تأخرت في الوصول جراء اضطرابات الشحن (إعلام محلي)

وفي ظل هذه التطورات، تزداد المخاوف من انتقال مزيد من المجتمعات المحلية إلى مراحل أكثر حدة في التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهو المؤشر العالمي الذي تعتمد عليه منظمات الإغاثة في قياس مستويات الجوع وتتبع مخاطر المجاعة.

وتكشف بيانات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي عن صورة شديدة القتامة، إذ يشير أحدث التقديرات إلى أن أكثر من 18 مليون شخص في اليمن سيواجهون مستويات أزمة جوع أو ما هو أسوأ خلال النصف الأول من العام الجاري، ضمن المرحلة الثالثة وما فوق في سلم التصنيف الغذائي.

كما يوجد أكثر من 5.5 مليون شخص في حالة طوارئ غذائية، وهي المرحلة الرابعة التي تسبق المجاعة، فيما يواجه ما لا يقل عن 41 ألف شخص ظروفاً كارثية تشبه المجاعة، ضمن المرحلة الخامسة، وهي أعلى درجات الخطر الغذائي، حيث يصبح البقاء نفسه مهدداً.

ويؤكد التقرير أن أي اضطراب إضافي في تدفق المساعدات أو استمرار الارتفاع في أسعار السلع الأساسية والوقود سيضاعف من حجم هذه الأرقام، ويدفع مزيداً من السكان إلى حافة الانهيار المعيشي، خصوصاً في المناطق الأشد هشاشة، التي تعتمد بشكل شبه كامل على التدخلات الإنسانية المباشرة.

ضغط مزدوج

إلى جانب التداعيات المعيشية، عبّرت المنظمات الإنسانية عن خشيتها من أن يؤدي تصاعد التوترات الإقليمية إلى تقويض فرص السلام في اليمن، من خلال تحويل الانتباه السياسي والدبلوماسي بعيداً عن الملف اليمني، وإعادة ترتيب أولويات القوى الإقليمية والدولية الفاعلة.

وأكدت المنظمات أن استدامة الحوار بين الأطراف اليمنية تتطلب انخراطاً إقليمياً فاعلاً، فيما يؤدي المناخ المتقلب الحالي إلى زيادة حالة عدم اليقين، وتراجع الزخم السياسي اللازم لدفع مسار التسوية، بما يهدد بإطالة أمد الأزمة الإنسانية والاقتصادية.

في السياق نفسه، تواجه المنظمات الإنسانية قيوداً حوثية متزايدة على حركة موظفيها، حيث أظهرت نتائج دراسة استقصائية حديثة أن 91 في المائة من المنظمات غير الحكومية الدولية تعاني من تأخيرات أو اضطرابات شديدة في حركة كوادرها، سواء في الدخول إلى البلاد أو التنقل داخلها أو مغادرتها، وهو ما ينعكس مباشرةً على قدرة هذه المنظمات على إدارة عملياتها بكفاءة.

العاملون في المجال الإنساني في اليمن يواجهون قيوداً حوثية على الحركة (إعلام محلي)

ودعت المنظمات إلى تحرك عاجل لتسهيل حركة العاملين في المجال الإنساني بصورة آمنة، وتسريع إصدار التصاريح اللازمة لنقل الإمدادات الحيوية، وإعطاء الأولوية لخفض التصعيد في المنطقة، وضمان حماية المدنيين والبنية التحتية المدنية، مع دعم قنوات الشراء الوطنية والإقليمية لتخفيف الاعتماد على سلاسل الإمداد الدولية، وتعزيز القدرة المحلية على مواجهة الصدمات المستقبلية.

وشددت المنظمات في ختام تقريرها على أن عمليات إنقاذ الأرواح يجب أن تبقى بمنأى عن النزاعات الإقليمية والداخلية، محذرةً من أن أي إخفاق في حماية الاستجابة الإنسانية من مزيد من الاضطرابات ستكون تكلفته البشرية كارثية على اليمنيين الذين يواجهون بالفعل واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.