يوميات الحرب الليبية (الحلقة السادسة): ميليشيات الإخوان تتجه جنوبا للسيطرة على حقول النفط

(«الشرق الأوسط») تقتحم خطوط النار وترصد يوميات الحرب الليبية

مسلحان من الغرفة الأمنية المشتركة التابعة للجيش الليبي من أبناء التبو عند المدخل الرئيسي لمدينة أوباري («الشرق الأوسط»)
مسلحان من الغرفة الأمنية المشتركة التابعة للجيش الليبي من أبناء التبو عند المدخل الرئيسي لمدينة أوباري («الشرق الأوسط»)
TT

يوميات الحرب الليبية (الحلقة السادسة): ميليشيات الإخوان تتجه جنوبا للسيطرة على حقول النفط

مسلحان من الغرفة الأمنية المشتركة التابعة للجيش الليبي من أبناء التبو عند المدخل الرئيسي لمدينة أوباري («الشرق الأوسط»)
مسلحان من الغرفة الأمنية المشتركة التابعة للجيش الليبي من أبناء التبو عند المدخل الرئيسي لمدينة أوباري («الشرق الأوسط»)

تظهر في هذه الصحراء الجنوبية القاحلة رايات سوداء ترفرف فوق سيارات الدفع الرباعي المزوَّدة بالمدافع. إنها مجموعة إضافية للمتطرفين جاءت عبر المنحدرات هاربة من شمال مالي، لتلتحق بباقي الجماعات المتشددة هنا. جماعات بدأت تنشط وتتحرك في حوض مرزق النفطي المهم، والذي يضم حقلي الفيل والشرارة، والواقع على بعد نحو 800 كيلومتر جنوب العاصمة الليبية.
وتطلق المجموعة المكونة من عدة مئات من الشبَّان المطاردين، اسم «أنصار الحق»، على نفسها. وهي، مثل مجموعات سبقتها إلى هنا، تتكون من خليط من الليبيين والماليين والجزائريين والنيجيريين والتشاديين وغيرهم.

يقول أحد القادة المحليين في مدينة أوباري إن «جماعات المتطرفين هذه أصبحت في الأسابيع الأخيرة تتلقى إمدادات من جماعة الإخوان المسلمين المتمركزة في طرابلس»، مشيرا إلى أن إنتاج حقلي الفيل والشرارة يبلغ أكثر من نصف مليون برميل يوميا، أي ما يساوي ثلث إنتاج ليبيا، ويجري التصدير منهما إلى أوروبا. وفي المقابل تزعم جماعة الإخوان أنها لا علاقة لها بالمتطرفين، وأن من يعملون معها هم «شباب الثورة التي أسقطت القذافي، ومستمرون في الدفاع عنها من أنصار النظام السابق».
وفي المساء تجرأت 3 سيارات للمسلحين واقتربت من محطة البنزين الرئيسية في وسط المدينة التي يبلغ عدد سكانها عدة ألوف. وفي الجانب الآخر بدأ نحو 20 من جنود الجيش الليبي الذين يفتقرون للتسليح الجيد، الاستعداد لطردهم. إنها واحدة من بدايات المناوشات التي تتحول سريعا إلى حرب تستمر لعدة أيام ويقتل فيها العشرات، حيث بدأت ميليشيات الإخوان، كما يقول أحد القادة الأمنيين، في الاتجاه من طرابلس إلى الجنوب، للسيطرة على حقول النفط، كوسيلة جديدة من وسائل الضغط على أوروبا، قبل حلول موسم الشتاء البارد في الضفة الأخرى من البحر المتوسط، ضمن محاولات الجماعة إحراز مكاسب على الأرض، أمام المجتمع الدولي، وذلك في صراعها على السلطة بعد أشهر من خسارتها الانتخابات النيابية.
توقفت السيارات الثلاث جوار سور من الطين اتخذته ساترا. وبعد فترة من الترقب تقدمت واحدة منها مسافة 50 مترا في اتجاه محطة البنزين. كان فوقها مدفع عيار 14.5، و5 مُعمَّمِين ينظرون إلى الوراء، وواحد منهم فقط ينظر إلى الأمام؛ وجهٌ أسمرٌ ملثمٌ بقماش طمس التراب لونه من كثرة التجوال في الدروب المجاورة، على ما يبدو، بينما ماسورة كلاشينكوف تهتز بين يديه. وصاح مغمغما وهو يشهر سلاحه وأمر سائق الشاحنة التي كانت تملأ بنزينا من المحطة بالانصراف فورا. بالكاد تفهم من لغته العربية المهشَّمة بعض الهمهمات والإشارات التي توحي بأن الأمور لن تكون على ما يرام في بداية هذا النهار الحار.
ومن الجانب الآخر كان جنود الجيش السُّمر، وغالبيتهم من قبيلة «التبو»، ينتظرون اللحظة التي سيردون فيها على محاولة احتلال المحطة.. إنها تمثل، بالبنزين الذي يَفُوح منها، عصب الحياة لمركز المدينة الذي تنتشر حوله تجمعات سكنية يبلغ إجمالي من فيها نحو 30 ألف نسمة. ويعمل جنود الجيش هنا تحت إمرة ما يعرف بـ«قوات حرس المنشآت» و«الغرفة الأمنية المشتركة».. ومن بين هذه المنشآت شركات نفطية أجنبية. وكانت هذه القوات تضم جنودا من قبيلة «الزنتان» التي تتمركز في الشمال قرب طرابلس، لكن هؤلاء الجنود تركوا الحراسة هنا، وعادوا لقبيلتهم للدفاع عنها ضد هجمات «قوة فجر ليبيا» بقيادة الإخوان الذين سيطروا على العاصمة بعد معركة مطار طرابلس الشهيرة قبل شهرين.
وبعد تبادل لإطلاق الرصاص حول ساحة محطة بنزين أوباري، تمكنت نيران جنود الجيش من طرد المسلحين ومطاردتهم، حتى اختفوا وراء سحب التراب ناحية الجبال الغربية. لكن في الأيام التالية أعادت ميليشيات «أنصار الحق» الكرَّة بقوة أكبر من السابق. وتمكنت بتعزيزات من مجموعات موالية لتنظيم القاعدة، من جنسيات مختلفة، من السيطرة على مركز الشرطة الواقع وسط المدينة، ورفعت عليه راياتها السوداء. وبعد ذلك توجهت إلى حقل الشرارة النفطي، حيث جرت معركة جديدة هناك مع جنود «حراسة المنشآت».
ويقول الرائد عبد الله، من القوة التابعة للجيش، إن المثل المُتَّبع لدى رجال حروب العصابات هو أنك إذا كنت تريد أن تضرب في الغرب فعليك أن تصنع ضجيجا في الشرق، وإن هذا تقريبا هو ما يجري الآن من جانب تحالف الميليشيات في هذه البلاد التي تعمها الفوضى منذ سقوط نظام معمر القذافي في أواخر 2011. فبينما يبدو الضجيج في الشمال، من خلال الحرب المستعرة بين الجيش والمتطرفين في بنغازي وطرابلس ودرنة، تجري في الجنوب عمليات تحالف على يد جماعة الإخوان مع مقاتلين متشددين هاربين من بلادهم، بهدف السيطرة على حقول النفط «من أجل خنق أوروبا والضغط عليها في موسم الشتاء الذي بدأ يطرق الأبواب، حتى تغيِّر موقفها المؤيد للبرلمان المُنتخب والحكومة المنبثقة عنه والجيش الذي يستعد لطرد الميليشيات من طرابلس».
وتُعد منطقة الجنوب الليبي مهمة لعدة دول لأسباب أمنية واقتصادية، وجرى التنافس على هذه الحقول، إضافة لحقول في الشرق، بين القوى المتصارعة في ليبيا العام الماضي، مما أدى إلى غلق أغلبها عدة مرات ونتج عن ذلك خسائر بمليارات الدولارات. ويقول الرائد عبد الله إن أغلب القيادات الخطرة في تنظيم القاعدة، من شمال ووسط أفريقيا، ومنها حركة «أزواد» المالية وحركة «بوكو حرام» النيجيرية، أصبحت تستوطن هنا، وتدور بقوافل من سيارات الدفع الرباعي عبر الطرق والدروب وتتخذ من الجبال مقرات لها. وأصبحت أخيرا تحصل على الدعم مما يعرف بـ«القوة الثالثة (تابعة لقوة فجر ليبيا)» المتمركزة في سبها، على بعد نحو 200 كيلومتر إلى الشمال الشرقي من مدينة «أوباري»، ويوجد على الطريق السريع بينهما العديد من القرى الصحراوية الصغيرة.
ويضيف: «لهذا يمكن أن ترى بين وقت وآخر، طائرات دون طيار بعضها يبدو فرنسيا، يحوم حول تخوم مدن أوباري ومرزق وأم الأرانب». ويزيد قائلا: «أعتقد أن هذا الطيران يقوم فقط بالتصوير والرصد لقوافل المتطرفين.. لم نرَ أي عملية قصف لمواقع المتطرفين وقوافلهم. وتمكنت مجموعات المتشددين في الجنوب من تحقيق مكاسب عديدة، ربما يندر أن تتحقق لأي جماعة متطرفة أخرى خارج ليبيا، من بينها السيطرة على مطارات عسكرية مثل مطار تمنهند ومطار سبها. إضافة إلى تحوُّل مناطق بأكملها هنا إلى أوكار وبؤر لقيادات موالية لتنظيم القاعدة، مثل الجزائري مختار بلمختار، والليبي عبد الوهاب قائد، شقيق أبو يحيى، الذي قتل قبل عامين في باكستان، وكان الرجل الثاني في التنظيم بعد أيمن الظواهري».
وتعرف الميليشيات التي تهيمن عليها جماعة الإخوان باسم «قوة فجر ليبيا»، وهي محسوبة على مدينة مصراتة، ليس لأن كل مصراتة تقف وراء هذه القوة، ولكن لأن أغلبية القيادات الإخوانية المتشددة التي تتزعمها تنتمي أساسا للمدينة الواقعة على بعد نحو 200 كيلومتر إلى الشرق من العاصمة طرابلس. وبدأت الحرب المفتوحة بين الفرقاء الليبيين عقب إسقاط الناخبين للنواب المتطرفين في انتخابات البرلمان التي جرت منتصف هذا العام. وعلى هذا قام 3 على الأقل من قادة الإخوان في كل من مصراتة وطرابلس وبنغازي بجمع كل التيارات المتشددة في سلَّة واحدة لخوض حرب «حياة أو موت» ضد التيار المدني الذي تؤيده غالبية الشعب كما ظهر في الاقتراع الأخير على انتخاب المجلس النيابي الجديد.
ويقول المقدم عبد الفتاح سعيد، من قوة «عملية الكرامة» إلى يقودها اللواء المتقاعد خليفة حفتر ضد المتطرفين، وتتخذ من منطقة الرجمة قرب بنغازي مقرا لها، إن تحالف المتشددين، في شمال البلاد، كان قويا، و.. «كان يحسب له حساب، حتى مطلع شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، حيث تمكن منذ ذلك الوقت من السيطرة على مدن بنغازي، وطرابلس، وكذا سيطر على مدينة درنة، لكنه تعرض لخلخلة لسببين، الأول: الخلافات الداخلية بين عدد من قادته، والثاني: رفض المجتمع الدولي الاعتراف بالميليشيات وتصنيف بعضها كتنظيمات إرهابية، ولهذا بدأت جماعة الإخوان (من خلال «قوة فجر ليبيا») تبحث عن تعضيد لتحالفاتها من أجل الحفاظ على ولاء الميليشيات التي تقودها، على الصعيد الداخلي، ومن أجل إيجاد وسائل للضغط على أوروبا والمجتمع الدولي».
ويضيف: «من هنا اتَّجه الإخوان إلى الجنوب لتنشيط خلايا الإرهابيين الدوليين المختبئين هناك، وللسيطرة على حقول النفط، وهذا أمر نعلم أن الكثير من قادة مصراتة المعتدلين لا يوافقون عليه لأنه يزيد نيران الحرب الداخلية بين الليبيين التي ينبغي أن تتوقف، وأن تستبدل بالحوار».
ويقول القادة العسكريون إن التفكير في السيطرة على الحقول الغنية بالنفط في الجنوب، والتي تعمل فيها شركات إيطالية وإسبانية، داعب خيال المتطرفين في العاصمة حين كانوا ما زالوا يتحكمون في البرلمان السابق وفي مقدرات الدولة الليبية، وأن «هذه الفكرة بدأت تتشكل بعد أن أغلقت جماعة مسلحة في إجدابيا (جماعة الجضران التي تدعو إلى الحكم الفيدرالي)، حقول النفط المهمة في شرق البلاد، وأوقفت تصدير ربع النفط الليبي للخارج تقريبا». وحين بدأ البرلمان السابق إرسال ميليشيات مسلحة إلى الجنوب، تصدت لها قوات حراسة المنشآت والغرفة الأمنية الرافضة لحكم المتطرفين والموالية لـ«عملية الكرامة» التي كانت قد بدأت منذ مطلع هذا العام، مما تسبب في وقوع معارك عنيفة استخدمت فيها القذائف الصاروخية.
ووفقا لمصادر استخباراتية ليبية، كانت جماعة الإخوان، وهي في الحكم، على وشك استخدام طائرات عسكرية لقصف «قوات حراسة المنشآت» و«مواقع الغرفة الأمنية» في الجنوب التي ينتمي أغلب منتسبيها العسكريين لقبيلة التبو، إلا أن «هذا الأمر، الذي جرى في شهر أبريل (نيسان) الماضي أدى لـ(خلاف طفيف) بين فرنسا، التي لديها علاقات حسنة مع قيادات التبو، وإنجلترا التي يبدو أنها تحتفظ بقنوات اتصال مع الإخوان.. نتج عن هذا الخلاف، وفقا للمصادر نفسها، اتفاق الدولتين (فرنسا وإنجلترا) على تحذير السلطات الليبية السابقة من مغبة قصف مواقع التبو بالطيران».
ومن المعروف أن فرنسا وتحالفا أفريقيا يقومون منذ أكثر من سنة بشن حرب شعواء ضد المتطرفين الموالين لـ«القاعدة» في شمال مالي، بعد أن هاجموا مقار شركات ومقار حكومية هناك، مما أدى إلى فرار مئات المقاتلين منهم، على دفعات، إلى مدن الجنوب الليبي، ومنها مدينة غات، التي تبعد عن مدينة أوباري من الغرب، أي ناحية الحدود الجزائرية، بنحو 300 كيلومتر. ويقول أحد القادة المحليين بمدينة مرزق، الواقعة على مسافة 150 كيلومترا جنوب سبها، وعلى بعد نحو 200 كيلومتر جنوب شرقي أوباري، إن «المتطرفين الذين نزحوا من شمال مالي وجنوب الجزائر، ومن النيجر وتشاد أيضا، أصبحوا موزعين بين بلدات جنوب ليبيا ويعيشون بين الناس، ويحصلون على دعم كبير من سلاح وإمدادات، وعددهم كبير؛ قرابة الألف.. الجنوب كله تقريبا أصبح خارج نطاق الدولة».
ويشير هذا القائد المحلي الذي طلب عدم تعريفه حتى لا يتعرض للانتقام من المتطرفين: «جاء هؤلاء الناس إلى هنا.. مرة يطلقون على أنفسهم (أنصار الحق) ومرة (أنصار الدين)، وغالبية جنسياتهم من طوارق مالي، ومعروفون أيضا باسم (حركة الأزواد). وبعد أن وقع عليهم الضغط من الجزائر ومن فرنسا ومن مالي، العام الماضي، دخلوا علينا. والصحراء هنا واسعة.. دخلوا علينا عن طريق الحدود الهشة مع الجزائر والنيجر. ولهذا السبب هناك طائرات أجنبية دون طيار تدور مرة فوق مرزق ومرة فوق أوباري لمراقبة تحركات هذه الجماعات».
ويقول عدد من شهود العيان إن المتطرفين بدأوا ينشطون في الجنوب بعد أن بدأت تصلهم إمدادات من جماعة الإخوان، وأن بلمختار فرَّ إلى هنا أيضا، ويتنقل بين مناطق وادي عتبة وأوباري في المناطق الجبلية، كما أنه يدور بحُرِّية، مع أتباعه، في الصحراء بسيارات دفع رباعي عليها أعلام سوداء لتنظيم القاعدة، وذلك بعد أن كان يقيم في الجبال قرب بلدة غات القريبة من المثلث الحدودي بين النيجر والجزائر وليبيا.
ويضيف أحد رجال الأمن في مدينة أوباري: «في البداية كان عدد هؤلاء المتطرفين من أتباع (أنصار الحق)، صغيرا، لكن بمرور الوقت ازداد بشكل كبير. ربما أكثر من ألف مسلح». ووفقا لمعلومات أخرى فإن بلمختار يقود جماعته هنا وأصبح لا يخفي تحركاته، ويعمل على زيادة تنسيق الهجمات على البلدات المجاورة للحقول النفطية، لكسر شوكة «قوة حرس المنشآت» و«الغرفة الأمنية» التابعة للجيش، وله خطوط سير معروفة، بسياراته وعتاده، ويتردد في بعض الأحيان على خط السير الواقع بين مرزق وأوباري، والمعروف بطريق وادي عتبة - السبيطات.
وتعرف منطقة السبيطات الموجودة على بعد نحو 30 كيلومترا إلى الشمال الغربي من مدينة مرزق بأنها منطقة أبو يحيى الليبي الذي قتل في باكستان، ومنطقة شقيقه المتشدد الذي كان يشغل في البرلمان الإخواني السابق رئاسة لجنة إدارة الأزمات. ويقول أحد أبناء قبيلة الطوارق التي ينتمي إليها هذان الرجلان، إن المنطقة برمتها تحولت إلى وكر للمتطرفين.. «هذه المنطقة أصبح ينتشر فيها الإسلاميون على طول 200 كيلومتر، من مدينة مرزق حتى تصل لمدينة أوباري». ويضيف أن «(أنصار الحق)، أغلبهم شباب من الطوارق، من قبيلتنا، لكنهم انضموا للمتشددين وهم مع بلمختار، ويقيمون في الجبال، ويهبطون للحصول على التموين وعلى حاجاتهم، من المدن القريبة منهم، ثم يعودون للجبال مرة أخرى. وعددهم يقترب من الألف فعلا».
وفي الأيام الأخيرة توجهت نحو 85 سيارة مسلحة (دفع رباعي) من المجموعات المتطرفة التابعة لجماعة الإخوان، من مدينة سرت في الشمال، لتقديم الدعم للمتشددين في الجنوب. ويقول مصدر عسكري إن هذه الجماعات أصبحت، في الحقيقة، تستخدم مطار «تمنهند» العسكري الموجود قرب سبها، و«حولوه قاعدة لهم لإيصال باقي الإمدادات للجنوب، من أسلحة وعتاد، سواء من داخل ليبيا أو حتى من خارجها»، مشيرا إلى أن «هذا المطار يعد من المطارات الاستراتيجية، ولو تمكن الجيش الوطني من السيطرة عليه فإنه سيتمكن من ضرب أرتال المتشددين، ويُفشل مخططات الإخوان تجاه حقول النفط وتجاه مدينتي غات وأوباري وغيرهما.. هذا المطار الذي يحتوي أيضا على إمكانات للتصنيع الحربي، هو، في الحقيقة، بمثابة قاعدة عسكرية خطرة على ليبيا وعلى دول الجوار».
وعن حجم قوات الجيش التي يمكن أن تتصدى لوجود المتطرفين في الجنوب، يقول أحد القادة المحليين إنها تتكون من جنود غير محترفين غالبيتهم من قبيلة التبو، وإن كانوا يتلقون مساعدات غير مباشرة من قبيلتي المقارحة والقذاذفة الذين لا يريدون الظهور في الصورة «حتى لا يشيع الإخوان أن الحرب في الجنوب تدور بين الثوار وأنصار القذافي»، و.. «القذاذفة موجودون لكنهم لا يحبون الظهور على السطح لأنهم ضد الإسلاميين ولو شاركوا في المعارك ضدهم سيقوم الإخوان باستغلال هذا ويطلقون على الحرب أنها حرب ضد أزلام النظام السابق وعلم القذافي الأخضر»، مشيرا إلى أن «المتطرفين في الجنوب لا يمكن أن تقول إنهم يسيطرون على مساحات واسعة، ولكن المشكلة في البؤر الكثيرة التي أصبحوا يقيمونها هنا».
وتقول المعلومات العسكرية إن متطرفي الجنوب أصبح تحت أيديهم في الأيام الأخيرة «مدرعات حربية، وصواريخ»، لكن أحد قادة الجيش يجيب موضحا أنه «من السهل دحر تلك الميليشيات في حال توفر العتاد مثل ذخيرة الهاون 120 مم، والصواريخ الحرارية، والقذائف المضادة للدروع. كنا نقول إن فرنسا ربما تدخل ليبيا من أجل القبض على بلمختار لكنها لا يبدو أنها ستفعل ذلك». وفي السياق نفسه تحاول القبائل الجنوبية كالطوارق والتبو، مقاومة الانجرار إلى الاقتتال القبلي. وأعلن أعيان التبو قبل يومين أن ما يحدث في أوباري ليس اقتتاﻻ بين قبيلتين ولكنه بين قبيلة التبو وجماعة أنصار الحق الهاربة من شمال مالي.
وقبل أيام قليلة زاد ضغط المتطرفين للسيطرة على حقل الشرارة.. «هجموا على الحقل وسرقوا مجموعة سيارات»، مما دفع آمر حراسة المنشآت إلى إصدار قرار بمغادرة العاملين المدنيين، وإيقاف الإنتاج إلى حين تحسن الظروف الأمنية بالمنطقة».
ويقول يوسف غالي، وهو إعلامي من مدينة مرزق، إن قوات أنصار الحق استغلت فرصة تخلي عناصر الزنتان عن مواقعهم في حراسة المنشآت النفطية في الجنوب، وطلبت من القوات المتبقية (أغلبهم من التبو) إخلاء حقل الشرارة النفطي حتى تتولى هي حراسته، ومن ثمَّ نشبت معركة بين الطرفين.. إلا أن عددا من عقلاء المنطقة، من الطوارق والتبو، تدخلوا للفصل بين القوتين، وقرروا أن من يحق له حراسة الحقل لا بد أن يكون معه تكليف رسمي من الدولة، بحراسة المنشآت وأبناء التبو ليس لديهم مانع من ترك الحقل لجماعة أنصار الحق، بشرط وجود قرار بذلك من الجهات الرسمية (أي من البرلمان المعادي أصلا للمتطرفين).
وبعد أيام من هذا الاتفاق والتهدئة، قامت مجموعة «أنصار الحق» بدعم من جماعات متطرفة أخرى، مجددا بمحاولة لشل مدينة أوباري وإخضاعها لسلطتها، فقامت بمنع بيع الوقود في شوارع المدينة بالقوة، سواء في محطات البنزين أو في السوق السوداء. وفي عصر اليوم التالي أعلن أحد تجار التبو رفضه الانصياع لأوامر الجماعة، فوقعت مشادات استغلها المتطرفون في إدخال آليات مسلحة وسيطروا بالفعل على محطة الوقود الرئيسية. وفي الصباح الباكر، أي عندما حضر أعضاء الغرفة الأمنية المشتركة، لفتح المحطة، تصدى لهم عناصر أنصار الحق، وأمروهم بعدم الاقتراب منها، قائلين إنها أصبحت تحت حمايتهم. وفي هذه الأثناء، وحين كان أعضاء الغرفة الأمنية يتناقشون مع زملائهم حول حل القضية، توجهت مجموعة من «أنصار الحق» إلى مقر قسم الشرطة وكتبت عليه «فجر ليبيا» وشعارات أخرى مؤيدة لجماعة الإخوان. ويقول يوسف غالي: «حينها أدرك أعضاء الغرفة الأمنية أن هناك يدا خفية تريد السيطرة على أوباري».
وبدأت معركة جديدة لتحرير مركز شرطة المدينة من المتطرفين.. وتقدم جنود «القوة الأمنية» وحاصروا عناصر جماعة أنصار الحق داخل المركز، وبعد 4 ساعات من الاشتباكات جرى تحرير المبنى وقتل في هذه المعركة 4 من المتطرفين، وشخص واحد من «الغرفة الأمنية»، وعلى أثر ذلك بدأت الاشتباكات الكبيرة بين الطرفين في كل أنحاء المدينة، لعدة أيام. وفي محاولة لخلق فتنة قبلية، أطلق أحد أنصار الجماعة المتطرفة قذيفة هاون على ضاحية جكوي، التي يقطنها التبو، فرد التبو بقصف ضاحية تيلاقين التي يقطنها الطوارق، بالهاون.
وبعد ذلك تمركزت كتيبة تينري التي يرأسها متشددون إسلاميون، على سطح جبل تيندا المشرف على أوباري، وبدأوا في قصف المدينة بالكامل. وخلَّفت المعارك 8 قتلى من التشكيلات المسلحة للتبو (تابعة للجيش)، و28 جريحا بجروح متفاوتة، جرى نقلهم بطائرة من حقل الفيل النفطي، للعلاج في طبرق في الشمال. ولا توجد إحصاءات دقيقة عن عدد قتلى كتائب المتشددين. بينما كان عدد الأسرى من «الغرفة الأمنية» 14 مقاتلا بينهم 12 جرى إطلاق سراحهم واثنان ظلا مفقودين، إلا أنه عُثر على أحدهما، فيما بعد، مقتولا. وكان أسرى «أنصار الحق» 26 شخصا جرى إطلاقهم فيما بعد، حيث جرى توقع هدنة تنص على وقف إطلاق النار وإخلاء التشكيلات المسلحة داخل المدينة وسرعة علاج الجرحى وتبادل الأسرى بين الطرفين. لكن هذا النوع من التهدئة، كسابقيه، لم يصمد طويلا بسبب النشاط الدائب للجماعات المتطرفة متباينة الجنسيات، في حوض مرزق النفطي.
وفي الوقت الحالي يوجد ما يسمى «القوة الثالثة» لحماية الجنوب، وهي قوة مُشكَّلة، كما يقول قادة الجيش الوطني الليبي، من «قوات فجر ليبيا» بقيادة الإخوان، وتقوم بدعم كتيبة «أنصار الحق» وباقي تجمعات المتطرفين بمن فيهم الأجانب، بالعتاد والذخائر، وإمدادهم بالمساعدات الطبية، ونقل جرحاهم الذين يشاركون في القتال للسيطرة على حقول النفط، إلى منطقة الشاطئ الواقعة بعد سبها، بالسيارات المجهزة، ومن ثم إلى مطار معيتيقة الذي يسيطر عليه متطرفو الإخوان قرب طرابلس.
ويضخ حقلا الشرارة والفيل، من خلال أنابيب نفطية تأتي من أوباري ومرزق، وتخترق الصحراء، وتصب في مصفاة مليتة الموجودة في الشمال قرب مدينة الزاوية، ومن ثم يجري نقله عبر البحر المتوسط إلى إيطاليا فأوروبا. وينتج حقل الشرارة نحو 400 ألف برميل في اليوم، وتمتلك أصول الحقل المؤسسة الوطنية للنفط التي أصبحت تابعة للبرلمان الجديد، وتشاركها في الاستحواذ على أصول الحقل شركات توتال الفرنسية، وريبسول الإسبانية، و«أو إم في». النمساوية. أما حقل الفيل النفطي فيبلغ إنتاجه اليومي نحو 125 ألف برميل، وتستحوذ شركة إيني الإيطالية على حصة منه مع مؤسسة النفط الليبية.

يوميات الحرب الليبية (الحلقة الخامسة) خريطة ولاءات القبائل في الصراع مع المتطرفين
يوميات الحرب الليبية (الحلقة الرابعة): مقتل قيادات مهمة في أنصار الشريعة بينهم جزائريون ومصريون في معركة «جسر بنينة الأول»
يوميات الحرب الليبية (الحلقة الثالثة): زعيم «إمارة درنة» يتحصن بضاحية «لميس التركية» ويستخدم طيور الكناري لمراقبة هجمات الجيش
يوميات الحرب الليبية (2): «إخوان» ليبيا أسسوا جهاز مخابرات في طبرق.. وسعوا لاغتيال نواب من البرلمان الجديد ترصد خط النار بين مصراتة وبنغازي
يوميات الحرب الليبية (الحلقة الأولى): عناصر الأمن أكثر من المسافرين على حدود ليبيا.. وتحذير من «بوابات» للمتطرفين


تحذيرات دولية من اتساع المجاعة في اليمن

عاملون يمنيون برفقة عربات يدوية بانتظار الزبائن في سوق شعبية بصنعاء (الشرق الأوسط)
عاملون يمنيون برفقة عربات يدوية بانتظار الزبائن في سوق شعبية بصنعاء (الشرق الأوسط)
TT

تحذيرات دولية من اتساع المجاعة في اليمن

عاملون يمنيون برفقة عربات يدوية بانتظار الزبائن في سوق شعبية بصنعاء (الشرق الأوسط)
عاملون يمنيون برفقة عربات يدوية بانتظار الزبائن في سوق شعبية بصنعاء (الشرق الأوسط)

لا يزال اليمن يحتل موقعاً متقدماً ضمن قائمة الدول الأكثر تضرراً من أزمة الجوع الحاد عالمياً، في ظل مؤشرات دولية متزايدة التحذير من تفاقم الأوضاع الإنسانية واتساع رقعة انعدام الأمن الغذائي، مع استمرار الصراع، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، وتراجع التمويل الدولي المخصص للبرامج الإغاثية؛ الأمر الذي يضع ملايين السكان أمام تحديات معيشية غير مسبوقة.

وأظهرت تقارير دولية حديثة أن اليمن يُصنَّف ضمن البلدان التي تشهد مستويات مرتفعة للغاية من انعدام الأمن الغذائي، لا سيما ضمن مستوى «الطوارئ»، وهو ثاني أخطر تصنيف قبل المجاعة وفق التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، في وقت تسجل فيه بعض المناطق حالات دخلت مرحلة «الكارثة»، وهي أخطر مستويات الجوع التي تهدد حياة السكان بصورة مباشرة.

وتعكس هذه المؤشرات عمق الأزمة الغذائية التي تضرب البلاد منذ سنوات، في ظل تشابك عوامل داخلية وخارجية أسهمت في إنهاك قدرة الأسر على تأمين احتياجاتها الأساسية، ودفعت شرائح واسعة من السكان إلى الاعتماد شبه الكامل على المساعدات الإنسانية للبقاء على قيد الحياة.

وتضع البيانات الدولية اليمن في مقدمة الدول الأكثر تأثراً بالأزمات الغذائية على مستوى العالم، حيث يواجه ملايين اليمنيين أوضاعاً إنسانية بالغة الصعوبة، مع اتساع الفجوة بين الاحتياجات المتزايدة والقدرة المحدودة على الاستجابة لها.

سوق شعبية في صنعاء حيث العاصمة اليمنية الخاضعة للحوثيين (الشرق الأوسط)

ويرى مراقبون أن استمرار الانقلاب الحوثي وما خلّفه من دمار واسع للبنية الاقتصادية والإنتاجية، أسهما بصورة مباشرة في تقويض الأمن الغذائي، خصوصاً مع تراجع النشاط الزراعي، واضطراب سلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف النقل، إلى جانب الزيادات المستمرة في أسعار السلع الأساسية.

كما أدى تراجع مصادر دخل الأسر، وانكماش فرص العمل، وتدهور القدرة الشرائية بفعل الأزمات الاقتصادية المتراكمة، إلى دفع ملايين اليمنيين نحو مستويات أكثر هشاشة، خصوصاً في المناطق الريفية والأشد تأثراً بالنزاع، حيث تتراجع فرص الوصول إلى الغذاء والخدمات الأساسية بشكل متزايد.

ويؤكد مختصون في الشأن الإنساني أن الأزمة لم تعد مقتصرة على نقص الغذاء فقط، بل أصبحت أزمة مركبة ترتبط بسوء التغذية، وضعف الخدمات الصحية، وتراجع شبكات الحماية الاجتماعية؛ ما يضاعف من خطورة الوضع على الفئات الأكثر ضعفاً، وفي مقدمتها الأطفال والنساء.

تراجع التمويل

في موازاة ارتفاع الاحتياجات، تواجه المنظمات الإنسانية تحدياً كبيراً يتمثل في تقلص التمويل الدولي المخصص لبرامج الإغاثة؛ وهو ما انعكس مباشرة على حجم ونطاق التدخلات الإنسانية المنفذة على الأرض.

ويؤكد مراقبون أن انخفاض التمويل دفع كثيراً من الجهات الإغاثية إلى تقليص برامج المساعدات الغذائية والتغذوية، وإعادة ترتيب أولوياتها بما يركز على الحالات الأكثر إلحاحاً؛ ما ترك أعداداً كبيرة من الأسر خارج نطاق الدعم المنتظم، رغم تزايد حاجتها إلى المساعدة.

جبايات الحوثيين تسببت بارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية (الشرق الأوسط)

كما أسهم تراجع التمويل في الحد من قدرة المنظمات على تنفيذ برامج مستدامة تعزز الأمن الغذائي، مثل دعم سبل العيش، وتوسيع مشاريع المياه، وتحسين الخدمات الصحية، وهي تدخلات كان من شأنها الحد من تفاقم الأزمة وتخفيف الاعتماد على المساعدات الطارئة.

ويرى خبراء أن استمرار فجوة التمويل، بالتوازي مع تعقيد البيئة الإنسانية، قد يدفع بمزيد من المناطق إلى أوضاع أكثر خطورة، خاصة مع استمرار التحديات المرتبطة بوصول المساعدات وارتفاع تكلفة العمليات الإنسانية في بلد يعاني هشاشة واسعة في بنيته الخدمية والاقتصادية.

مرحلة حرجة

في تحذير جديد، وصف مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) الوضع الإنساني في اليمن بأنه وصل إلى «نقطة تحول حرجة»، مشيراً إلى أن ملايين السكان يواجهون خطر الانزلاق نحو مستويات أشد من الجوع الحاد إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة لاحتواء الأزمة.

وحسب تقديرات الأمم المتحدة، فإن نحو 22.3 مليون يمني باتوا في حاجة إلى مساعدات إنسانية وحماية، في حين لا يزال أكثر من 18 مليون شخص معرضين لمستويات حادة من الجوع، في مؤشر يعكس اتساع رقعة الأزمة بصورة غير مسبوقة.

تراجع حصص العائلات اليمنية من المعونات الإنسانية (أ.ف.ب)

وتتزامن هذه المؤشرات مع تحديات صحية متفاقمة، في ظل تعثر النظام الصحي واستمرار عمل نسبة محدودة من المرافق الطبية بشكل جزئي؛ ما يضع ملايين السكان أمام مخاطر مزدوجة تجمع بين نقص الغذاء وضعف القدرة على الحصول على الرعاية الصحية الأساسية.

وتحذّر المؤسسات الدولية من أن استمرار هذا الوضع دون استجابة واسعة النطاق سيقود إلى تداعيات إنسانية خطيرة، تشمل ارتفاع معدلات سوء التغذية، وزيادة معدلات الوفيات المرتبطة بالجوع والأمراض، واتساع دائرة الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية في مختلف أنحاء البلاد.

وفي ظل هذه الصورة القاتمة، تتزايد الدعوات إلى تكثيف الاستجابة الإنسانية الدولية، ودعم برامج الأمن الغذائي والتغذية، وتعزيز سبل العيش والخدمات الأساسية، بصفتها خطوات ملحة للحد من تفاقم الأزمة ومنع انزلاق مزيد من اليمنيين إلى حافة المجاعة.


حضرموت تشدد قبضتها الأمنية في مواجهة السلاح المنفلت

صرامة في تنفيذ قرار منع حمل السلاح والتجول به في حضرموت (الإعلام العسكري اليمني)
صرامة في تنفيذ قرار منع حمل السلاح والتجول به في حضرموت (الإعلام العسكري اليمني)
TT

حضرموت تشدد قبضتها الأمنية في مواجهة السلاح المنفلت

صرامة في تنفيذ قرار منع حمل السلاح والتجول به في حضرموت (الإعلام العسكري اليمني)
صرامة في تنفيذ قرار منع حمل السلاح والتجول به في حضرموت (الإعلام العسكري اليمني)

واصلت قوات «درع الوطن» اليمنية تعزيز حضورها الأمني في ساحل ووادي حضرموت، ضمن تحركات ميدانية واسعة تستهدف ضبط السلاح غير المرخص، وملاحقة محال بيعه، ومنع حمله والتجول به داخل المدن والمناطق السكنية، في إطار مساعٍ متواصلة لترسيخ الاستقرار، وفرض هيبة النظام، وتوسيع مظلة الأمن في واحدة من أكثر المحافظات اليمنية أهمية على المستويين الأمني والاقتصادي.

تأتي هذه الإجراءات ضمن خطة أمنية متكاملة تستند إلى الانتشار الميداني، وتكثيف الحملات التفتيشية، ومداهمة المواقع المشبوهة، إلى جانب إحالة المخالفين إلى الجهات المختصة لاتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم، في رسالة واضحة بأن السلطات الأمنية ماضية في إنهاء مظاهر التسلح العشوائي، وتجفيف منابع الاتجار غير المشروع بالأسلحة والذخائر.

وفي وادي حضرموت، نفَّذ اللواء الثاني التابع للفرقة الثانية في قوات درع الوطن حملة أمنية واسعة لمنع حمل السلاح غير المرخص ومصادرته بشكل كامل، شملت المدن الرئيسية والثانوية، وذلك بناءً على توجيهات قائد المنطقة العسكرية الأولى اللواء فهد بامؤمن.

قوات «درع الوطن» اليمنية عززت قبضتها الأمنية في حضرموت (الإعلام العسكري اليمني)

ووفقاً لما أعلنته قيادة الحملة، فإن الأطقم العسكرية تواصل انتشارها الميداني في مختلف مدن ومناطق الوادي، حيث تنفذ عمليات مداهمة للمحال المخالفة، وتضبط حاملي السلاح غير المرخص، وتصادر المضبوطات، تمهيداً لإحالة المخالفين إلى الجهات المختصة لاستكمال الإجراءات القانونية.

وأكدت قيادة الحملة أن الهدف الرئيسي يتمثل في تعزيز الأمن والاستقرار، وفرض هيبة النظام، وحماية السكان من تداعيات انتشار السلاح داخل الأحياء السكنية، مشددةً على أن حمل السلاح داخل المدن بات يمثل تجاوزاً مرفوضاً وخطاً أحمر لن يكون هناك أي تهاون في التعامل معه، مع تأكيد التعامل بحزم مع كل من يخالف التعليمات أو يحاول الالتفاف عليها.

ملاحقة تجارة السلاح

في امتداد لهذه الحملة، واصل اللواء الخامس في الفرقة الثانية بقيادة العقيد عماد الحدادي تنفيذ عملياته الأمنية في مدينة سيئون، حيث أعلن ضبط ومصادرة عدد من الأسلحة غير المرخصة، وإحالة المضبوطين إلى الجهات المختصة لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.

كما كانت الفرقة الثانية، بقيادة مساعد القائد الرائد أحمد الديني، ورئيس عمليات اللواء الثاني المقدم صادق المنهالي، قد نفَّذت حملة أمنية واسعة استهدفت مديريتي القطن وحوره، وشملت مداهمة مواقع مشبوهة، إلى جانب محال تبيع الأسلحة والذخائر بصورة غير قانونية.

وأسفرت تلك الحملة عن مصادرة كميات من الأسلحة والذخائر، وإغلاق عدد من المحال المخالفة التي تمارس تجارة السلاح دون تراخيص، في خطوة تعكس توجهاً أمنياً واضحاً نحو ضرب شبكات الاتجار بالسلاح عند منابعها، وليس فقط الاكتفاء بضبط حامليه في الشوارع والمدن.

إجراءات تفتيش دقيقة لمنع تهريب الأسلحة والذخائر في وادي حضرموت (الإعلام العسكري اليمني)

وأوضحت قيادة الفرقة الثانية أن هذه العمليات تأتي ضمن خطة أمنية محكمة لاجتثاث ظاهرة حمل السلاح العشوائي، والقضاء على أوكار تجار السلاح، ومنع المظاهر المسلحة التي تشكل تهديداً مباشراً لأمن المديريات واستقرارها، مؤكدة استمرار الحملات خلال الأيام المقبلة لملاحقة كل من يعبث بالأمن العام.

وبالتوازي مع هذه الحملات، واصلت الأجهزة الأمنية في وادي حضرموت تعزيز حضورها المؤسسي في مواجهة الجرائم المنظمة والجنائية، حيث أحالت الإدارة العامة للأمن والشرطة 15 متهماً إلى النيابة الجزائية المتخصصة، على ذمة قضايا جنائية جسيمة جرى ضبطها والتحقيق فيها خلال الشهر الحالي والذي سبقه.

وشملت القضايا المحالة ستة متهمين في قضايا مخدرات، وستة آخرين في قضايا اختطاف، إضافة إلى متهمين في قضية تتعلق بالإضرار بالاقتصاد الوطني، إلى جانب مطلوب للنيابة العامة، وذلك بعد استكمال التحقيقات وجمع الاستدلالات، وتسليم ملفات القضايا مع المضبوطات وفق الإجراءات القانونية المعتمدة.

رفع الجاهزية

في ساحل حضرموت، دشن قائد لواء «الريان» العميد الركن خالد التميمي، الدورة التنشيطية الأولى لمنتسبي اللواء ضمن الخطة التدريبية للعام الحالي، في خطوة تستهدف توحيد المفاهيم العسكرية، وتعزيز الجاهزية والانضباط، ورفع كفاءة الأداء الميداني.

وأكد التميمي خلال افتتاح الدورة أهمية ترسيخ المفاهيم العسكرية الصحيحة، ورفع مستوى الحس الأمني لدى الأفراد، والالتزام بالتفتيش الدقيق للمركبات، واتخاذ الإجراءات الاحترازية اللازمة، بوصفها أدوات أساسية في حفظ الأمن ومنع أي تهديدات محتملة.

كما شدد على أهمية العمل بروح الفريق الواحد، وتعزيز روح الزمالة والانضباط بين الأفراد، بوصف ذلك أحد المرتكزات الأساسية لنجاح الوحدات العسكرية في أداء مهامها بكفاءة ومسؤولية، مع التعهد بمواصلة البرامج التدريبية بما يضمن رفع جاهزية القوات لمواجهة مختلف التحديات.

خفر السواحل اليمني في مبادرة لتنظيف حوض ميناء المكلا (الإعلام العسكري اليمني)

في سياق متصل، نفذت قوات خفر السواحل مبادرة ميدانية لتنظيف حوض ميناء المكلا، بالتزامن مع الذكرى العاشرة لتحرير ساحل حضرموت من عناصر تنظيم «القاعدة» الإرهابي، بهدف إزالة المخلفات البحرية من قاع الحوض، والحفاظ على البيئة البحرية وصون نظافة السواحل والموانئ.

وأكدت قيادة خفر السواحل أن ما تحقق من تطوير في قدراتها، بدعم من التحالف العربي بقيادة السعودية، من خلال تزويدها بزوارق حديثة ومنظومات اتصالات متطورة، أسهم في تعزيز قدرتها على تأمين السواحل وحماية الأمن البحري، إلى جانب توسيع مساهمتها في المبادرات البيئية والخدمية المرتبطة بالمصلحة العامة.

Your Premium trial has ended


تمسك شيخ محمود بـ«الانتخابات المباشرة» يزيد المشهد الصومالي تعقيداً

الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

تمسك شيخ محمود بـ«الانتخابات المباشرة» يزيد المشهد الصومالي تعقيداً

الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)

يزداد المشهد على الساحة السياسية بالصومال تعقيداً مع تمسُّك الرئيس حسن شيخ محمود بإجراء الانتخابات المباشرة التي كانت مقرَّرة هذا العام، رغم وجود معارضة لهذا التوجه وعدم حسمه، رغم إجراء حوارات وطنية على مدى نحو عام، وسط صعوبات أمام الحكومة؛ أبرزها خلافات مع بعض الولايات واعتراف إسرائيلي بأحد الأقاليم.

ويشير خبير في الشؤون الصومالية، تحدَّث لـ«الشرق الأوسط»، إلى تأزم الوضع الصومالي بالفعل داخلياً وخارجياً، داعياً لعقد حوار جاد للوصول لحلول.

والتقى الرئيس الصومالي زعماء تقليديين من مختلف أنحاء البلاد بالقصر الرئاسي، بحسب ما ذكرته «وكالة الأنباء الصومالية» الرسمية، الثلاثاء، مشيداً بدورهم في تحقيق السلام والمصالحة وبناء الدولة والحفاظ على وحدة الشعب.

وأكد شيخ محمود، خلال اللقاء، أنَّه لا يمكن التنازل أبداً عن إعادة السلطة للشعب في اختيار قادته السياسيين، داعياً الزعماء التقليديين إلى دعم إجراء الانتخابات المباشرة لضمان الوصول إلى تمثيل حقيقي ونظام ديمقراطي شفاف.

وقال: «نحن مصممون على أن يحصل الشعب الصومالي على حقوقه الدستورية في اختيار مَن يمثله في السلطة بعد 57 عاماً، حيث سبَّبت الانتخابات غير المباشرة التي جرت في البلاد كثيراً من المشكلات، وعلى رأسها الأمنية».

يأتي ذلك وسط خلافات مع المعارضة بشأن الانتخابات المباشرة، واعتماد الدستور في مارس (آذار) الماضي دون تغيير ما يتعلق بالانتقال من النظام البرلماني إلى الرئاسي، أو الحد من صلاحيات الولايات.

ووسط خلافات ممتدة منذ نحو عام، لم تُنهها جولات الحوار، تَشكَّل «مجلس مستقبل الصومال» المعارض في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 عقب اجتماع في نيروبي، وأسَّسه رئيسا جوبالاند وبونتلاند أحمد مدوبي وسعيد دني، وزعيما «منتدى الإنقاذ» المعارض، وهم رئيسا الوزراء السابقان حسن علي خيري وسعد شردون، وعضو البرلمان عبد الرحمن عبد الشكور، وآخرون.

وامتدت الخلافات على مستوى قادة الأقاليم بصورة غير مسبوقة. وأواخر مارس الماضي أعلنت الحكومة الفيدرالية «السيطرة الكاملة» على مدينة بيدوا، العاصمة المؤقتة لولاية جنوب غرب، ووصول قوات مسلحة للعاصمة «استجابة لإرادة السكان»، وتعيين رئيس جديد للولاية خلفاً للمقال عبد العزيز لفتاغرين، مؤكدة «أن جهوداً لحلّ مشكلات الولاية قوبلت بمعارضة من الإدارة السابقة».

وبعد تلك الأحداث، نجا شيخ محمود، دون أن يُصاب بأذى، من حادث تعرض فيه هو ومرافقوه لوابل من قذائف الهاون في مدينة بيدوا بجنوب البلاد، مطلع أبريل (نيسان) عقب الإطاحة برئيس الإقليم، في ثاني استهداف تدبره «حركة الشباب» المتشددة وينجو منه رئيس الصومال في غضون عام تقريباً، وفق ما أفادت «وكالة بلومبرغ».

ويعتقد المحلل والكاتب الصومالي، حسن محمد حاج، أن التمسك الرئاسي يزيد من حدة الانقسام مع الولايات المعارضة، في وقت يمنح الدستور الجديد الذي تم إقراره في مارس 2026 الرئيس عاماً إضافياً برفع الولاية لـ5 سنوات، لتنتهي في مايو (أيار) 2027 بدلاً من العام الحالي.

وأمام هذا الإصرار الرئاسي، يرى المحلل الصومالي أنَّ الحل يمكن في إطلاق حوار وطني جاد وشامل يضمن مشاركة الولايات المعارضة، بما فيها بونتلاند وجوبالاند، والاتفاق على نموذج انتخابي هجين يجمع بين الاقتراع المباشر والتوافق العشائري لضمان شرعية الاستحقاقات المقبلة.

ووسط تعقيدات المشهد الداخلي، وافق مجلس الوزراء الإسرائيلي على تعيين مايكل لوتيم سفيراً لدى الإقليم الانفصالي، أرض الصومال، في إطار عملية توسيع العلاقات مع هذه المنطقة، عقب اعتراف إسرائيل بأرض الصومال في أواخر عام 2025، وفقاً لبيان وزارة الخارجية، الأسبوع الماضي.

وتحظى أرض الصومال بموقع استراتيجي على خليج عدن، ولها عملة وجواز سفر خاص وجيش، لكنها تواجه صعوبة في الحصول على اعتراف دولي، وسط مخاوف من انعكاسات ذلك على الصومال، وتشجيع الحركات الانفصالية الأخرى في أفريقيا.

وليس أمام مقديشو، بحسب المحلل محمد حاج، سوى التحشيد الدبلوماسي والتحالف مع مصر وتركيا لعزل الانفصال دولياً، مضيفاً: «الخطر السيادي ربما يدفع الحكومة والمعارضة لتفاهمات اضطرارية تُعلي المصلحة الوطنية فوق الخلافات الداخلية».