الحكومة الفرنسية تكشف تفاصيل العودة التدريجية إلى الحياة العادية

دعوة إلى تحمّل المسؤولية وتهديد بالغرامات في حال المخالفة

جانب من جلسة في الجمعية الوطنية بباريس أمس (رويترز)
جانب من جلسة في الجمعية الوطنية بباريس أمس (رويترز)
TT

الحكومة الفرنسية تكشف تفاصيل العودة التدريجية إلى الحياة العادية

جانب من جلسة في الجمعية الوطنية بباريس أمس (رويترز)
جانب من جلسة في الجمعية الوطنية بباريس أمس (رويترز)

بعد 54 يوماً من الحجر الصحي الذي فرض على الأراضي الفرنسية كافة، تبدأ يوم الاثنين المقبل العودة التدريجية إلى الحياة العادية مع بعض التفاوت بين الشطرين اللذين يقسمان فرنسا: واحد باللون الأخضر والآخر بالأحمر. وفي حين يطغى اللون الأول على غالبية المناطق الفرنسية، إلا أن اللون الأحمر يضم أربع مناطق، أهمّها منطقة إيل دو فرانس (أي باريس ومنطقتها) ذات كثافة سكانية عالية (12.1 مليون نسمة)، والتي تتركز فيها غالبية الأنشطة الإدارية والمالية واقتصادية. والمناطق الثلاث الأخرى، هي أعالي فرنسا (شمال البلاد)، وفرانش كونتيه (جنوب شرق)، ومنطقة الشرق الكبير (المحاذية لألمانيا). وهذا التصنيف للمناطق الأربع حمراء اللون يعود إلى استمرار سريان وباء «كوفيد - 19» بمستويات عالية رغم تراجعه، وبالتالي فإن رئيس الحكومة أعلن أمس في مؤتمر صحافي شارك فيه ستة وزراء أن رفع الحظر سيشمل جميع المناطق، مع الإبقاء على عدد من القيود على المناطق الأربع المعنية.
والفرق الأساسي بين اللونين سرعة الخروج من حالة الحظر، حيث إن خضراء اللون يمكن أن يسمح فيها بإعادة فتح المطاعم والمقاهي والمدارس الثانوية بعد مدة قريبة، وهو ما لن يكون متاحاً للمناطق الأخرى. وعلى المستوى العام، أعلن وزير الداخلية أن الحدود سوف تبقى مغلقة حتى منتصف الشهر المقبل على الأقل باستثناء عدد محدد من الحالات، في حين طالب الرئيس الفرنسي ببقاء الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي مغلقة حتى شهر سبتمبر (أيلول) المقبل. وأكد كريستوف كاستانير، أن فرنسا لن تفرض الحجر الصحي على الوافدين إليها من الفضاء الأوروبي الذي يشمل فضاء شنغن.
من جانبه، أعلن وزير الصحة أوليفيه فيران، أن الأجهزة الصحية باتت جاهزة للقيام باختبارات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» على كل الأراضي الفرنسية، وتأمل بأن توفر ما لا يقل عن 700 ألف اختبار في الأسبوع. كذلك، تعدل الخطاب الحكومي بالنسبة لتوافر الكمامات بعد الجدل الذي عرفته البلاد في الأسابيع الماضية والاتهامات التي وجهت للحكومة بالتقصير.
وتنطلق الخطة الحكومية، وفق إدوار فيليب، من الحرص الأساسي على «التوازن بين ضرورة العودة إلى الحياة العادية تدريجياً، والاحترام الصارم لتدابير الوقاية كافة التي تمنع عودة الوباء وتحمي الفرنسيين». ويجمع المراقبون في فرنسا على أن إنجاح العودة إلى الدورة الحياتية العادية اقتصادياً واجتماعياً وتربوياً، يعدّ التحدي الرئيسي لرئيس الجمهورية والحكومة، بل إنه سيكون له بالغ الأثر على مستقبلهما السياسي. وحتى اليوم، تعد فرنسا نحو 26 ألف وفاة في حين يقبع في المستشفيات ما لا يقل قليلاً عن 25 ألف شخص، إضافة إلى 3430 حالة في أقسام الرعاية المركزة.
واقتصادياً، تبدو الآفة الكبرى خسارة 453 ألف فرصة عمل؛ ما يعني الارتفاع الحاد لأرقام البطالة بالتوازي مع تراجع النمو بنسبة 8 في المائة للعام الحالي وارتفاع المديونية العامة إلى 115 المائة من الناتج القومي الخام، ووصول الدين العام إلى 2740 مليار يورو. وحذّر فيليب من أن الحكومة مستعدة للعودة لفرض القيود من جديد إذا لم يتم احترام القواعد الدقيقة التي تربط بها الخروج من حالة الحظر، والتي فصلها الوزراء الحاضرون «صحة، نقل، عمل، تربية، داخلية واقتصاد». وما شدد عليه رئيس الحكومة وكان موضع تجاذب في الأيام الماضية يتناول الأشخاص الأكثر هشاشة «كبار السن، المرضى...» الذين لن يفرض عليهم البقاء في منازلهم، بل يفضل أن يفعلوا ذلك على أساس فردي واختياري. وفي أي حال، فإن فيليب ووزراءه شددوا جميعاً على أهمية التحلي بـ«روح المسؤولية» و«الحس المدني» لمواجهة الوباء وتجنب قدوم «موجة جديدة» بانتظار أن يتم العثور على اللقاح المناسب أو الأدوية الناجعة.
ثمة مصدران لمخاوف الحكومة الفرنسية: الأول عنوانه العودة إلى المدرسة، والثاني استخدام وسائل النقل العام. وبالنسبة للملف الأول، كشف وزير التربية جان ميشال بلانكيه عن خطة مفصلة قوامها التدرج في استقدام الأطفال والتلامذة واقتصار العودة المدرسية عليهم في المرحلة الأولى، على أن يليهم تلامذة المرحلة التكميلية وأخيراً الثانوية. وأصدرت الوزارة بروتوكولاً مفصلاً حول الإجراءات الواجب اتخاذها لتنقل التلامذة واستقبالهم والأعداد في الصفوف، مشدداً على التنسيق بين مديرون المدارس والسلطات المحلية في إشارة إلى الممتنعة التي صدرت عن الكثير من رؤساء البلديات، خصوصاً في منطقة إيل دو فرانس الذين دعوا إلى تأخير العودة المدرسية إلى الخريف المقبل. ويتخوف هؤلاء من المسؤولية القانونية التي قد ترمى عليهم في حال وفاة أساتذة أو تلامذة أو إصابتهم بالوباء داخل المدارس. لكن بلانكيه أكد أن ما بين 80 و85 في المائة من مدارس الصغار ستفتح الاثنين المقبل، وأن عودة التلامذة ستتم في اليوم التالي. كذلك، أفاد بأن فتح الثانويات في المنطق الخضراء يمكن أن تتم بعد ثلاثة أسابيع.
يعي الجميع أن ملف المواصلات يطرح بالدرجة الأولى في باريس منطقتها. من هنا إصرار رئيس الحكومة ووزرائه على ضرورة تفضيل العمل عن بعد، كما حصل منذ 17 مارس (آذار) الماضي لتجنب الاحتشاد في وسائل النقل العام مثل المترو وقطارات الضواحي، وبين المدن والقطارات السريعة. والجديد، أن على مستخدم هذه الوسائل، في ساعات الازدحام، أن يحوز شهادة من رب العمل، أو أن يكون بجعبته سبب وجيه، لركوب المترو أو قطارات الضواحي في ساعات الازدحام، وإلا فإنه يتعرض لغرامة من 135 يورو. كذلك يفرض ارتداء الكمامة والالتزام بمبدأ التباعد الاجتماعي داخل الحافلات وفي المحطات تحت طائلة التعرض لغرامة مشابهة. وقالت وزيرة النقل، إن الوسائل العمومية لن تعمل بإمكاناتها كافة منذ يوم الاثنين المقبل، بل سترتفع نسبة التشغيل تدريجيا فيما أفاد وزير الداخلية أن 20 ألف رجل شرطة ودرك ستناط بهم مهمة الالتزام بهذه القواعد ومنها منع التنقل بالسيارة من مقر الإقامة إلى المكان المقصود لمسافة تزيد على مائة كلم. كذلك، سيقوم رجال الأمن بفرض الانتظام على مداخل المحطات وعلى أرصفة القطارات منعاً لحصول مشاكل بين المسافرين أو للازدحام. وكشف كاستانير، عن أن التجمعات التي تزيد على عشرة أشخاص ستبقى ممنوعة حتى 2 يونيو (حزيران) المقبل، وستبقى ممنوعة كذلك الأنشطة الرياضية الجماعية «مباريات وخلافها» وستبقى الملاعب المغلقة وصالات الرياضة مقفلة.
في الأيام الأخيرة حصل جدل حول إعادة فتح أماكن العبادة أمام المصلين. وبعد أن أعلن رئيس الحكومة أن ذلك قد يكون ممكناً قبل نهاية الشهر الحالي ثارت ثائرة رئيس معهد مسجد باريس الذي اعترض على التاريخ المذكور، معتبراً أنه حدد بهذا الشكل ليستجيب لمطالب المسيحيين واليهود، لكنه أهمل مطالب المسلمين. ودعا شمس الدين حفيظ إلى تقديم الموعد حتى يتاح للمسلمين الاحتفال بعيد الفطر بعد انتهاء شهر رمضان المبارك، مهدداً باللجوء إلى القضاء. إلا أن كاستانير لم يشر إلى وجود تغير ما في موقف الحكومة.
هكذا تكون باريس سلكت درب الخروج من الحجر وهي تعي، كغيرها من البلدان الأوروبية، وجود مخاطر كبيرة. إلا أن الوضع الاقتصادي لا يسمح للمسؤولين بالإبقاء على العجلة الاقتصادية متوقفة، وقد حذر رئيس الحكومة، بداية الأسبوع الحالي، في خطاب له أمام مجلس الشيوخ، من «الانهيار الاقتصادي» إذا بقيت البلاد مغلقة. من هنا، الحذر الشديد والتهديد بالعودة إلى تدابير أقسى، وفي الوقت عينه التأكيد على أهمية قلب الصفحة والعودة إلى العمل. وأفاد وزير الاقتصاد برونو لومير، بأن 400 ألف شركة ومؤسسة ومحل ستفتح يوم الاثنين المقبل في حين مصير المطاعم والمقاهي والمسارح وصالات السينما وخلافها سيتم النظر به بداية الشهر المقبل.


مقالات ذات صلة

باحثون: مضاد اكتئاب شائع يخفف من إجهاد «كوفيد» طويل الأمد

صحتك صورة توضيحية لفيروس «كوفيد - 19» (أرشيفية - رويترز)

باحثون: مضاد اكتئاب شائع يخفف من إجهاد «كوفيد» طويل الأمد

عقار فلوفوكسامين المضاد للاكتئاب، وهو عقار شائع الاستخدام وغير مكلف، حسن على نحو ملحوظ نوعية الحياة لدى البالغين المصابين «بكوفيد طويل الأمد».

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ سُجّل نحو 840 ألف وفاة بكورونا في شهادات الوفاة خلال عامي 2020 و2021... لكن فريقاً من الباحثين قدّر أن ما يصل إلى 155 ألف وفاة إضافية غير معترف بها ربما حدثت خلال تلك الفترة خارج المستشفيات (رويترز)

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

أظهرت دراسة جديدة أن حصيلة الوفيات في المراحل الأولى من جائحة كورونا كانت أعلى بكثير من الأرقام الرسمية في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك مكملات فيتامين «د» تبدو واعدة في تقليل خطر الإصابة بـ«كوفيد طويل الأمد» (أرشيفية- رويترز)

دراسة: مكملات فيتامين «د» قد تساعد في تخفيف أعراض «كوفيد طويل الأمد»

تشير دراسة حديثة إلى أن مكملات فيتامين «د» قد توفر مؤشرات جديدة تساعد الباحثين على فهم الأعراض التي تستمر لدى بعض المصابين بعد التعافي من «كوفيد-19».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم عاملون مختبريون يفحصون عينات فيروس «كوفيد» ميدانياً

دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى

الفيروسات تتطور بشكل عادي لدى الحيوانات، إلا أنها تتطور بشكل جذري عند إصابتها الإنسان.

كارل زيمر (نيويورك)
صحتك اللقاح يُعطى عن طريق الأنف عبر رذاذ أنفي (أرشيف - أ.ب)

لقاح أنفي قد يحمي من «كورونا» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي في آنٍ واحد

طوَّر باحثون أميركيون لقاحاً جديداً قادراً على الوقاية من عدة فيروسات في آنٍ واحد، بما في ذلك «كوفيد-19» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
TT

صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)

لطالما ساد اعتقاد بأن الحرب العالمية الثالثة، إن وقعت، ستندلع نتيجة شرارة واحدة تقسم العالم بين معسكرين متقابلين خلال أيام. غير أن هذا التصور لا يتطابق مع طبيعة الصراع الدولي الراهن. فبدلاً من «الانفجار الكبير» المفاجئ، يتشكل اليوم نمط جديد من النزاعات، أكثر تعقيداً وتداخلاً، بحيث يبدو العالم كأنه ينزلق تدريجاً نحو حرب نشهد، بل يعيش بعضنا فصولها الأولى، وإن لم يُعترف بها رسمياً بعد.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن الأزمات الدولية لم تعد أحداثاً منفصلة، بل تحولت إلى حلقات مترابطة ضمن شبكة صراعات أوسع. من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا، وصولاً إلى تايوان وأميركا اللاتينية، تتقاطع مصالح القوى الكبرى وتتشابك أدواتها العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية، الأمر الذي يجعل أي تصعيد في منطقة معينة قابلاً للتمدّد إلى مناطق أخرى. ويترافق هذا الترابط مع تراجع واضح في فاعلية النظام الدولي القائم على قواعد «مثالية»، الأمر الذي يدفع بعض المراقبين إلى التأكيد أن العالم دخل فعلياً المرحلة التمهيدية لحرب عالمية ثالثة.

3 مقاتلات «إف 18 سوبر هورنيت» انطلقت من حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

* مؤشرات ميدانية وسياسية

من يظنّ أن هذا الاستنتاج متسرّع عليه أن ينظر إلى مؤشرات ميدانية وسياسية لا يمكن تجاهلها؛ ففي الشرق الأوسط، تشكّل المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إحدى أخطر بؤر التوتر. ويتخوف خبراء عسكريون من أن ترى الصين، مثلاً، في ذلك فرصة سانحة للتحرك عسكرياً تجاه تايوان، وهو سيناريو قد يفتح الباب أمام مواجهة دولية شاملة.

وفي هذا السياق، أجرت الصين تدريبات عسكرية واسعة النطاق، شملت محاكاة فرض حصار بحري على الجزيرة التي تدخل استعادتها في صلب العقيدة السياسية لبكين، إلى جانب تطوير قدرات تكنولوجية متقدمة؛ مثل أدوات تعطيل البنية التحتية الرقمية للدول المستهدَفة.

ولا يقل الوضع تعقيداً في شبه الجزيرة الكورية، حيث تواصل كوريا الشمالية تطوير قدراتها العسكرية، بما في ذلك الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية. وقد كثف زعيم البلاد كيم جونغ أون زياراته للمصانع العسكرية و«استعراضات» إشرافه على تجارب صاروخية، فيما تتراجع فرص استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية لإزالة أسباب التوتر.

إطفائيان يكافحان حريقاً في مدينة أوديسا الأوكرانية اندلع بعد هجوم بمسيّرة روسية (رويترز)

الأخطر من ذلك هو التقارب المتزايد بين بيونغ يانغ وموسكو، فقد أرسلت كوريا الشمالية قوات وأسلحة لدعم روسيا في حرب أوكرانيا، مقابل كلام عن حصولها على تكنولوجيا عسكرية متقدمة. ويعزز هذا التعاون ترابط ساحات الصراع المختلفة، ويزيد احتمال اتساع نطاق المواجهة.

وفيما يخص حرب أوكرانيا، لم يعد أحد يستخدم تسمية «عملية عسكرية خاصة» التي أطلقها فلاديمير بوتين في فبراير (شباط) 2022، فالحرب تجاوزت عامها الرابع ولا يُعلم متى وكيف تنتهي... ويرى بعض دول أوروبا في الحملة العسكرية الروسية مجرد محطة ضمن استراتيجية أوسع لإعادة رسم التوازنات في القارة. لذا؛ تتزايد التحذيرات الغربية من احتمال توسع النزاع، خصوصاً في مناطق حساسة مثل بحر البلطيق (شمال) أو منطقة البلقان (جنوب). كما أن الاختبارات الروسية المتكررة لقدرات حلف شمال الأطلسي، عبر اختراقات المجال الجوي أو تحركات عسكرية قرب الحدود، تعكس رغبة في تلمّس حدود الردع الغربي.

وقد دفع هذا التوتر المتصاعد عدة دول أوروبية إلى إعادة النظر في سياساتها الدفاعية، بما في ذلك رفع الموازنات العسكرية وتعزيز التحصينات الحدودية والانسحاب من اتفاقات تحدّ من استخدام بعض الأسلحة. ويعكس ذلك إدراكاً متزايداً لكون احتمالات المواجهة المباشرة، وإن لم تكن وشيكة، لم تعد مستبعدة كما كانت في السابق.

وفي المحصلة، يبدو أن العالم لا يتجه نحو حرب عالمية تقليدية؛ بل ينخرط في صراع متعدد الأبعاد، تتداخل فيه الجبهات وتتعدد أدواته بين العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية. وتقف الولايات المتحدة، بوصفها القوة العظمى الأبرز، في قلب هذا المشهد، سواء على أنها قائدة لتحالفات دولية أو طرف مباشر في النزاعات.

لكن ما يميز المرحلة الراهنة هو غياب الخطوط الفاصلة الواضحة بين الحرب والسلم، حيث تتآكل القواعد الدولية تدريجياً، وتُختبر حدود الردع باستمرار. والمؤكد أن العالم يعيش مرحلة انتقالية خطيرة، قد تعيد تشكيل النظام الدولي لعقود مقبلة.

تجربة إطلاق صاروخ فرط صوتيّ في كوريا الشمالية (أرشيفية - رويترز)

ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن الحديث عن حرب عالمية ثالثة بصيغتها التقليدية غير دقيق. فالصراع الدائر اليوم لا يتخذ شكل مواجهة مباشرة واحدة، بل يتمثل في تنافس متشعّب الأضلع وطويل الأمد بين الولايات المتحدة من جهة، ومحور فضفاض يضم الصين وروسيا وإيران من جهة أخرى. وتُخاض هذه المواجهة عبر حرب مباشرة راهناً بين أميركا وإيران، وحروب بالوكالة، وضغوط اقتصادية، وصراع على المواقع الجيوسياسية الحساسة، بدلاً من معارك تقليدية واسعة النطاق.

* رؤى استشرافية

عالم اليوم مليء بالتناقضات، فمقابل التقدم التكنولوجي الهائل الذي استبشر به كثر آملين في القضاء على الفقر والجوع والمرض، ثمة هشاشة بنيوية صادمة: فيروس مجهري شلّ العالم، وعولمة اقتصادية لا تتمتع بالمرونة للتكيّف مع الأزمات، ومؤسسات دولية تعجز عن التعامل مع الطوارئ، وهوّة بين مجتمعات وأفراد يزدادون ثراءً وفقراء يزدادون بؤساً، وإرهاب وتطرف وحروب متنقلة، وتلوّث مستفحل وتدهور مناخي مستمرّ... ووسط كل هذا سباق محموم لامتلاك الأسلحة بما فيها النووية!

ويَصلح هنا أن نعود إلى أدبيات استشرافية حاولت قبل عقود قراءة مستقبل النظام الدولي، ومن أبرزها كتاب صدر عام 1997 بعنوان «سيناريوهات إعادة تشكيل المجتمع الأميركي والعالمي بواسطة العلم والتكنولوجيا» Scenarios of U.S. and Global Society Reshaped by Science and Technology، لجوزيف كوتس، وجون ماهافي، وآندي هاينز. وقد حددوا فيه التحولات الأربعة (تكنولوجيا المعلومات، وعلم الوراثة، وتكنولوجيا المواد، وتكنولوجيا الطاقة) التي ستؤدي دوراً حاسماً في إعادة صياغة التوازنات العالمية. واليوم، مع تصاعد الحروب السيبرانية والتنافس على الذكاء الاصطناعي والطاقة، يتّضح أن بعض تلك السيناريوهات صار جزءاً من الواقع.

وأصاب هذا الكِتاب في تحديد عوامل التحوّل، لكنه أخطأ في افتراض أنها ستقود إلى الاستقرار والسلام.

حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول تغادر مرفأ خليج سودرا في جزيرة كريت اليونانية (رويترز)

وفي المقابل، برعَ رجل الأعمال والمفكّر الأميركي راي داليو - مؤسس صندوق التحوّط «بريدجووتر» - في تبيان أسباب اندلاع حرب عالمية ثالثة في إطار تحليلي واسع يربط بين التاريخ والدورات الاقتصادية والسياسية، خصوصاً في كتابه «النظام العالمي المتغيّر» (The Changing World Order) الصادر عام 2021.

ويرى داليو أن الحروب الكبرى لا تندلع فجأة، بل تكون نتيجة تراكمات ضمن «دورة كبرى» تتكرر عبر التاريخ، وتشمل مجموعة عوامل رئيسية:

- صعود قوة جديدة وتراجع قوة مهيمنة، وهذا ما يُعرف بـ«فخ ثوقيديدس»، حين يؤدي صعود دولة (مثل الصين) إلى تحدّي الدولة المهيمنة (الولايات المتحدة)، مما يولّد توتراً بنيوياً قد ينتهي بصراع عسكري.

- تفضي الديون والانهيار الاقتصادي في الدول الكبرى إلى أزمات اقتصادية حادة، تُضعف الاستقرار الداخلي وتزيد احتمالات الصراع الخارجي.

- الانقسامات الداخلية والاستقطاب السياسي والاجتماعي داخل الدول (خصوصاً الكبرى) يمكن أن يتحول كل ذلك إلى صراع داخلي يضعف الدولة، ويجعلها أكثر ميلاً للصدام الخارجي لكي تتجنب التفكك والانهيار.

- تراجع النظام العالمي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى حد الاضمحلال، مع ضعف المؤسسات الدولية وتراجع الثقة بالقواعد التي تنظّم العلاقات بين الدول.

- الصراعات على الموارد الاستراتيجية والتكنولوجيا المتقدمة (كالذكاء الاصطناعي) تزيد حدة المواجهة بين القوى الكبرى.

ويخلص داليو إلى القول إن حرباً عالمية ثالثة لن تكون نتيجة «شرارة واحدة»، بل نتيجة تلاقي هذه العوامل ضمن دورة تاريخية متكررة، شبيهة بما حدث قبل الحربين العالميتين الأولى والثانية.

ومن الواضح أن هذه العوامل تتلاقى منذ سنوات، وتسلك مساراً تصادمياً إلى درجة تدفع بعض المراقبين إلى القول إن السؤال لم يعد «هل ستندلع حرب عالمية ثالثة؟»؛ بل «كيف ومتى وبأي تكلفة؟».


هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
TT

هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)

قالت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، إن رواد الفضاء الأربعة، أعضاء مهمة «أرتميس 2»، وهم أول بشر يسافرون حول القمر منذ أكثر من 50 عاما، هبطوا بأمان قبالة سواحل ولاية كاليفورنيا بعد مهمة استمرت 10 أيام.

وسيتم استقبال الرواد كريستينا كوتش، وفيكتور غلوفر، وجيريمي هانسن، وريد وايزمان من قبل فرق الإنقاذ قبل نقلهم جوا إلى سفينة عسكرية أميركية لإجراء فحوصات طبية.واجتازت المركبة «أوريون» التي تحمل أربعة رواد فضاء عائدة إلى الغلاف الجوي للأرض، بنجاح اختبار درعها الحراري الذي يحمي الكبسولة التي تضم الطاقم من درجات الحرارة الحارقة.


«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

قالت متحدثة باسم حلف شمال الأطلسي (ناتو) إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتوقع من حلفائه في «الناتو» التزامات «ملموسة» للمساهمة في تأمين مضيق هرمز، وذلك بعد محادثاته مع الأمين العام للحلف، مارك روته.

وأوضحت المتحدثة أليسون هارت أن روته أطلع الشركاء على ما دار في لقاءاته بواشنطن، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وأضافت: «من الواضح أن واشنطن تنتظر تعهدات وإجراءات ملموسة لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز».

ومن جانبها، نقلت وكالة «بلومبرغ» للأنباء عن مسؤول كبير في «الناتو»، الخميس، أن الولايات المتحدة طلبت من الحلفاء الأوروبيين تقديم خطط عملية خلال أيام، فيما ذكرت مجلة «دير شبيغل» الألمانية تفاصيل مماثلة.

وطالب ترمب أعضاء «الناتو» مراراً بدعم الجهود الأميركية لتأمين هذا الممر الملاحي الحيوي، لكنه يواجه حتى الآن مقاومة من جانبهم.

وقبل أقل من 24 ساعة من الإعلان عن هدنة هشة في الحرب مع إيران، التقى روته بترمب في واشنطن الأربعاء.

وبعد اللقاء، واصل ترمب التعبير عن إحباطه عبر منصته «تروث سوشيال»، حيث كتب يقول: «لم يكن (الناتو) موجوداً عندما كنا بحاجة إليه، ولن يكون موجوداً إذا احتجنا إليه مجدداً».

وفي منشور منفصل الخميس، اتهم ترمب الحلفاء بالفشل في التحرك دون ضغوط، وذلك دون أن يقدم تفاصيل إضافية.