بعد بدء تعافي الاقتصاد... المصريون يخشون عودة الركود بسبب «كورونا»

مصريون يركبون دراجة نارية  في القاهرة (رويترز)
مصريون يركبون دراجة نارية في القاهرة (رويترز)
TT

بعد بدء تعافي الاقتصاد... المصريون يخشون عودة الركود بسبب «كورونا»

مصريون يركبون دراجة نارية  في القاهرة (رويترز)
مصريون يركبون دراجة نارية في القاهرة (رويترز)

يخشى المصريون أن يؤدي استمرار القيود والتدابير المفروضة في جميع أنحاء البلاد بسبب تفشي فيروس «كورونا المستجد» إلى ركود اقتصادها وتعطل الملايين عن العمل بعد أن كان بدأ ينتعش ويحقق معدلات نمو مرتفعة بعد سنوات من المعاناة.
لكنّ الحكومة لا تزال تراهن على قدرة اقتصاد البلاد على استيعاب تداعيات الأزمة. ولذلك، رأت ضرورة عدم إغلاق البلاد بشكل كامل واستمرار العمل في قطاعات عدة، بينها قطاعات البناء والزراعة والاقتصاد غير الرسمي. إلا أن بعض القطاعات الحيوية الأخرى تلقت ضربات قاصمة بسبب الإجراءات الاحترازية مثل السياحة والصحة والطيران والصناعة.
يقول محمود الضبع، وهو أحد وكلاء السفر والسياحة في منتجع شرم الشيخ المطل على البحر الأحمر، عبر الهاتف لوكالة الصحافة الفرنسية: «لا أصدق أننا طلبنا من السياح الرحيل حفاظاً على الأرواح بسبب (كورونا)... إنها المرة الأولى التي أرى فيها شرم الشيخ خاوية تماماً هكذا».
وكان الضبع يتوقع أن يكون هذا الموسم هو الأفضل في المدينة السياحية منذ عام 2010، مشيراً إلى أنه يشعر بـ«الصدمة».
وبدأت السياحة بالتعافي في مصر بعد سنوات طويلة من التراجع بسبب الاضطرابات السياسية والأمنية التي أعقبت ثورة عام 2011 التي أطاحت بالرئيس الراحل حسني مبارك.
وأفادت إحصاءات البنك المركزي المصري بارتفاع إيرادات السياحة لتسجّل خلال العام المالي 2018 - 2019 نحو 12,6 مليار دولار، متخطية إيرادات عام 2010.
وبدأ الاقتصاد يتعافى نتيجة برنامج إصلاحي اقتصادي تقوم به الحكومة منذ 2016 وحصلت بموجبه على قرض قيمته 12 مليار دولار من صندوق النقد الدولي.
لكن، ومع بدء وصول وباء «كوفيد - 19» إلى مصر، فرضت السلطات تدابير احترازية شملت تعليق الطيران وحظر تجوال ليلي وغلقاً جزئياً للمحال التجارية والمقاهي والمطاعم وتخفيض أعداد الموظفين في الجهاز الإداري للدولة، ما أدى إلى تعطيل خدمات أساسية للمواطنين وأعمال كثيرة.
وكشف رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، في مؤتمر صحافي في مارس (آذار)، أن خسائر قطاع الطيران نتيجة التدابير الاحترازية قد «تتجاوز 2,25 مليار جنيه (142,5 مليون دولار)».
وتقول عميدة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية السابقة بجامعة القاهرة علياء المهدي، إن تباطؤ النمو ونقص فرص العمل قد يكون له «تأثير مؤقت على معدلات الفقر في البلاد».
وحسب أحدث الإحصاءات الرسمية، تصل نسبة الفقر في مصر إلى 32,5% في عامي 2017 و2018، مقابل 27,8% في 2015، أي بزيادة قدرها 4,7%.
وخفضت وزيرة التخطيط هالة السعيد، توقعاتها لمعدل النمو الاقتصادي بنهاية العام المالي الجاري 2019 - 2020 ليصل إلى 4,2% بدلاً من 5,8%.
وعدّل صندوق النقد الدولي، من جهته، توقعاته لمعدل النمو الاقتصادي في مصر إلى 2% بنهاية العام الجاري مقابل 5,6% تم تحقيقه في 2019. لكن على الرغم من ذلك، رأى الصندوق أن مصر هي الدولة الوحيدة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي ستحقق معدلاً إيجابياً.
ويقول أستاذ الاقتصاد في الجامعة الأميركية في القاهرة أنجوس بلير، تعليقاً على أسباب تقييم صندوق النقد، إن «25% من القوى العاملة (في مصر) تعمل في الزراعة التي لا تزال غير متأثرة (بالفيروس)... كما أن العديد من الشركات الأخرى لا تزال تعمل».
ويضيف: «بعض أعمال البناء مستمرة، كذلك يستمر القطاع غير الرسمي الكبير رغم تباطؤ الظروف».
ويصل عدد المنشآت العاملة في القطاع غير الرسمي (المؤسسات غير المسجلة) في مصر إلى مليوني منشأة تقريباً ويعمل به نحو أربعة ملايين عامل، وفقاً لجهاز التعبئة والإحصاء المصري.
وتقول المهدي: «في وقت الأزمات الذي تتعطل فيه المؤسسات الاقتصادية سواء في القطاع العام أو الخاص، يبرز دور الاقتصاد غير الرسمي كمحرك من محركات دفع النمو»، مشيرةً إلى أنه يسهم في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة بين 17 و20%.
على صعيد آخر، هناك رهان على قطاع التشييد والبناء الذي أسهم بنسبة 8,8% في إجمالي الناتج المحلي للبلاد في العام المنصرم. ومنذ أن تولى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، رئاسة البلاد في 2014 وهو يركز على تطوير البنية التحتية وبناء المدن الجديدة، فضلاً عن عاصمة إدارية في شرق القاهرة.
ويشير بلير أيضاً إلى أن الإنفاق الحكومي أسهم في دعم الاقتصاد.
وأعلن البنك المركزي المصري في الأسبوع الأول من أبريل (نيسان)، أن احتياطات مصر من النقد الأجنبي انخفضت من 45,510 مليار دولار إلى 40,108 مليار دولار في نهاية مارس، موضحاً أن الانخفاض نتج عن خروج رؤوس أموال أجنبية من الأسواق الناشئة وبينها مصر، لكن أيضاً عن تمويل واردات حكومية من السلع الأساسية.
وأعلن مدبولي نهاية الشهر الماضي، أن حكومته بدأت محادثات جديدة مع صندوق النقد حول برنامج لمدة عام يشمل دعماً فنياً ومالياً لمواجهة تداعيات فيروس «كورونا المستجد».
وتسجل مصر حتى الآن، حسب إحصاءات وزارة الصحة، أكثر من 7000 إصابة بـ«كوفيد - 19» بينها أكثر من 450 وفاة.
وتأمل الحكومة المصرية «أخذ إجراءات بعد عيد الفطر نحو عودة تدريجية للحياة الطبيعية».
وبين الخدمات التي أُعيدت بشكل جزئي إلى العمل، إصدار تراخيص مرور للمركبات الجديدة حتى تنفرج أزمة شركات السيارات ومبيعاتها. كما قررت الحكومة إعادة إطلاق السياحة الداخلية اعتباراً من منتصف الشهر الجاري مع طاقة استيعابية للفنادق بنسبة 25% فقط حتى أول يونيو (حزيران)، على أن ترتفع نسب الإشغال بعد ذلك إلى 50%.
ويقول بلير: «إذا خففت القيود في يونيو على سبيل المثال، يمكن للنشاط الاقتصادي في القطاعات الأخرى أن يعطي دفعاً للنمو الاقتصادي».


مقالات ذات صلة

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

الولايات المتحدة​ سُجّل نحو 840 ألف وفاة بكورونا في شهادات الوفاة خلال عامي 2020 و2021... لكن فريقاً من الباحثين قدّر أن ما يصل إلى 155 ألف وفاة إضافية غير معترف بها ربما حدثت خلال تلك الفترة خارج المستشفيات (رويترز)

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

أظهرت دراسة جديدة أن حصيلة الوفيات في المراحل الأولى من جائحة كورونا كانت أعلى بكثير من الأرقام الرسمية في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك مكملات فيتامين «د» تبدو واعدة في تقليل خطر الإصابة بـ«كوفيد طويل الأمد» (أرشيفية- رويترز)

دراسة: مكملات فيتامين «د» قد تساعد في تخفيف أعراض «كوفيد طويل الأمد»

تشير دراسة حديثة إلى أن مكملات فيتامين «د» قد توفر مؤشرات جديدة تساعد الباحثين على فهم الأعراض التي تستمر لدى بعض المصابين بعد التعافي من «كوفيد-19».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم عاملون مختبريون يفحصون عينات فيروس «كوفيد» ميدانياً

دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى

الفيروسات تتطور بشكل عادي لدى الحيوانات، إلا أنها تتطور بشكل جذري عند إصابتها الإنسان.

كارل زيمر (نيويورك)
صحتك اللقاح يُعطى عن طريق الأنف عبر رذاذ أنفي (أرشيف - أ.ب)

لقاح أنفي قد يحمي من «كورونا» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي في آنٍ واحد

طوَّر باحثون أميركيون لقاحاً جديداً قادراً على الوقاية من عدة فيروسات في آنٍ واحد، بما في ذلك «كوفيد-19» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

التطعيم يحمي الأم ووليدها

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)

أزمة السندات الأميركية: ديون قياسية وتكاليف حرب ترهق الموازنة

أوراق من الدولار الأميركي (رويترز)
أوراق من الدولار الأميركي (رويترز)
TT

أزمة السندات الأميركية: ديون قياسية وتكاليف حرب ترهق الموازنة

أوراق من الدولار الأميركي (رويترز)
أوراق من الدولار الأميركي (رويترز)

أدت مخاطر التضخم إلى ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأميركية منذ اندلاع المواجهة الأميركية الإسرائيلية - الإيرانية، التي أشعلت أسعار الطاقة، فيما يظهر تهديد جديد لصحة سوق السندات يتمثل في تكلفة استمرار الحرب.

ولا تزال «وول ستريت» تتوقع انتهاء الحرب قريباً، مما يُخفف الضغط على أسعار النفط والموازنة الأميركية، إلا إن بعض المحللين يحذرون بأن الإنفاق الدفاعي الممتد، و«ردّ الرسوم الجمركية»، وحزمة التحفيز المحتملة في حال تباطؤ الاقتصاد، قد تتحول إلى عبء على الأسواق التي أصبحت أقل ميلاً مؤخراً إلى السندات، حيث سجل مؤشر «ستاندرد آند بورز» الإجمالي للسندات عائداً سلبياً بنسبة 0.6 في المائة حتى الآن في الربع الأول، وفق «رويترز».

ويتوقع بنك «بي إن بي باريبا» أن يبقى عجز الموازنة الأميركية أقل قليلاً من 6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي خلال 2026 و2027، لكن التكاليف الإضافية قد تدفع العجز إلى نحو 8 في المائة أو أكثر، وفق ما أشار إليه كبير الاقتصاديين آندرو هوسبي، وهو مستوى قد يثير قلق مستثمري السندات.

مؤشرات ضغوط التضخم

ركزت عمليات بيع السندات الأكبر حدة على العوائد قصيرة الأجل، في إشارة إلى تراجع آمال خفض أسعار الفائدة من قبل «الاحتياطي الفيدرالي (المركزي الأميركي)» على المدى القريب، بينما ارتفعت عوائد السندات طويلة الأجل، مع اقتراب عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات مؤخراً من 4.5 في المائة لأول مرة منذ الصيف الماضي، في ظل ضعف الطلب على بعض مزادات السندات خلال الشهر.

وقال بيل كامبل، مدير المحافظ في شركة «دبل لاين كابيتال»: «يبدو أن هذه التكاليف الصغيرة تتراكم».

وكان الوضع المالي للولايات المتحدة مرهَقاً بالفعل قبل الضربة الأولى على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، مع بلوغ الدين الوطني مستوى قياسياً قدره 39 تريليون دولار، وتوقُّع أن تصل مدفوعات الفائدة الصافية السنوية إلى تريليون دولار خلال السنة المالية الحالية. ويطالب البنتاغون بأكثر من 200 مليار دولار تمويلاً إضافياً للحرب على إيران، بالإضافة إلى «مشروع قانون الدفاع» للسنة المالية 2026، الذي تبلغ ماليته نحو 900 مليار دولار.

كما تضررت إيرادات الحكومة بعد أن قضت المحكمة العليا بأن الرئيس لا يستطيع استخدام صلاحيات الطوارئ لفرض رسوم جمركية؛ مما قد يفرض ردّ نحو 175 مليار دولار للمستوردين، رغم أن الإدارة أعلنت أنها ستفرض رسوماً بديلة وفق سلطة قانونية منفصلة، من دون وضوح بشأن ما إذا كانت ستعوض كامل الإيرادات المفقودة.

ولا تتوقع الأسواق حتى الآن تحولات كبيرة في التوقعات المالية للولايات المتحدة. وقال هوسبي، من بنك «بي إن بي باريبا»: «قد تنتظر الأسواق صدور تشريع فعلي قبل اتخاذ رد فعل أشد حزماً».

وأكد ديرك ويلر، رئيس قسم الاقتصاد الكلي واستراتيجية تخصيص الأصول في «سيتي غروب»، أن أكبر المخاطر يكمن في عجز «الاحتياطي الفيدرالي» عن خفض أسعار الفائدة بسبب التضخم مع ارتفاع النفقات، واحتمالية سعيه إلى تقليص حجم ميزانيته العمومية؛ مما قد يستدعي تدخلاً مالياً أقوى.

الأولويات قصيرة الأجل

التهديدات على المدى القريب تشمل رفع «الاحتياطي الفيدرالي» أسعار الفائدة وتفاقم المخاطر الجيوسياسية. وحذر روبرت تيب، كبير استراتيجيي الاستثمار في شركة «بي جي آي إم» لإدارة الأصول، بأن استمرار التضخم قد يدفع «الاحتياطي الفيدرالي» إلى رفع أسعار الفائدة هذا العام.

وأشار كريستيان هوفمان، رئيس قسم الدخل الثابت في «ثورنبورغ» لإدارة الاستثمار، إلى أن سنوات من الصدمات الجيوسياسية قد دربت المستثمرين على عدم المبالغة في ردود الفعل، لكنه أضاف: «ربما نكون على أعتاب لحظة تغيّر هذا النمط».

وفي حال استمرت عوائد السندات طويلة الأجل في الارتفاع، فقد تضطر وزارة الخزانة إلى تعديل استراتيجيتها في الإصدار، مع خفض سندات طويلة الأجل لمصلحة قصيرة الأجل. ويعتقد مايك كودزيل، من شركة «بيمكو»، أن صدمة النفط قد تبطئ النمو؛ مما قد يسمح لـ«الاحتياطي الفيدرالي» بخفض أسعار الفائدة لاحقاً هذا العام، وبالتالي انخفاض العوائد. وقد بدأت «بيمكو» تعزيز سندات طويلة الأجل في الأسواق المتقدمة استناداً إلى هذا السيناريو.


قفزة نوعية للإسترليني... الأداء الأفضل مقابل اليورو منذ أكثر من عام

أوراق نقدية من الجنيه الإسترليني واليورو (رويترز)
أوراق نقدية من الجنيه الإسترليني واليورو (رويترز)
TT

قفزة نوعية للإسترليني... الأداء الأفضل مقابل اليورو منذ أكثر من عام

أوراق نقدية من الجنيه الإسترليني واليورو (رويترز)
أوراق نقدية من الجنيه الإسترليني واليورو (رويترز)

يتجَّه الجنيه الإسترليني لتحقيق أكبر مكاسبه الشهرية مقابل اليورو منذ أكثر من عام، يوم الثلاثاء، مدفوعاً بارتفاع تكاليف الاقتراض قصيرة الأجل في بريطانيا، في حين يسجِّل في الوقت نفسه أكبر انخفاض شهري له مقابل الدولار منذ 5 أشهر، مع استمرار اضطراب الأسواق بفعل الحرب الإيرانية.

وكانت التحرُّكات اليومية محدودة نسبياً، حيث ارتفع الجنيه بنسبة 0.16 في المائة مقابل الدولار عن أدنى مستوى له في 4 أشهر الذي سجَّله يوم الاثنين، كما سجَّل ارتفاعاً طفيفاً مقابل العملة الموحَّدة عند 86.82 بنساً لكل يورو، وفق «رويترز».

لكن على مدار الشهر، تُظهِر التحركات التأثير المشترك لصدمات أسعار الطاقة وسياسات الفائدة قصيرة الأجل. فقد انخفض الجنيه الإسترليني بنسبة 2.1 في المائة مقابل الدولار في مارس (آذار)، بينما سجَّل اليورو تراجعاً بنسبة 1 في المائة مقابل الجنيه، وهو أكبر انخفاض له منذ فبراير (شباط) 2025. من جهة أخرى، ارتفع الجنيه الإسترليني بنسبة 2 في المائة مقابل الفرنك السويسري، مُسجِّلاً أعلى مستوى له في شهر واحد خلال عامين، رغم تهديدات البنك الوطني السويسري بالتدخل لخفض قيمة عملته، وهو ما كان من بين العوامل المؤثرة.

وقال محللون في بنك «بي أن بي باريبا» في مذكرة: «تستورد كل من المملكة المتحدة ومنطقة اليورو طاقةً أكثر مما تنتِج، لذا فإنَّ أي صدمة ناتجة عن نقص المعروض تُضعف كلتا العملتين عبر شروط التبادل التجاري وقنوات النمو، مما يحدُّ من الإنفاق الاستهلاكي للأسر».

وأشار المحللون إلى أنَّ الصدمات السابقة في أسعار الطاقة أظهرت أن الجنيه الإسترليني قد ينخفض بنحو 4 في المائة مقابل الدولار في سيناريو مماثل، وأن تحركاته عادةً ما تتماشى تقريباً مع أداء اليورو. ومع ذلك، كان أداء الجنيه أفضل هذه المرة نظراً للتغيُّر النسبي في أسعار الفائدة.

ويتوقع المتداولون أن ارتفاع أسعار الطاقة سيدفع البنوك المركزية لتشديد سياساتها النقدية لمنع موجة تضخم ثانية، وهو ما غيّر بشكل كبير توقعاتها تجاه «بنك إنجلترا». ففي أواخر فبراير، كانت الأسواق تتوقع خفضين لأسعار الفائدة هذا العام، والآن تتوقع رفعين على الأقل. أما بالنسبة للاحتياطي الفيدرالي، فقد تغيَّرت التوقعات من خفضين إلى عدم تغيير، وكذلك بالنسبة للبنك المركزي الأوروبي من عدم تغيير إلى 3 زيادات في الأسعار.

وقد أدى ذلك إلى صعود عوائد السندات البريطانية الحساسة للفائدة لأجل عامين بمقدار 94 نقطة أساس في مارس، وهو أعلى مستوى لها منذ اضطرابات السوق البريطانية في أواخر 2022، متجاوزة مستويات العوائد في الولايات المتحدة ومنطقة اليورو، مما دعم بدوره الجنيه الإسترليني رغم تأثير صدمة الطاقة.

ومع ذلك، ذكر بنك «بي أن بي باريبا» أنَّه لا يتوقَّع استمرار تفوق أداء الجنيه الإسترليني طويلاً، نظراً لأنَّ السوق تأخذ في الحسبان تأثير صدمة الطاقة على النمو والوضع المالي، فضلاً عن آثارها على شروط التجارة، وينصح البنك المتداولين بأخذ مراكز بيع قصيرة على الجنيه مقابل الفرنك السويسري.


الأسواق المالية المنهكة تدخل الربع الثاني تحت رحمة «صدمة النفط»

لوحة إلكترونية تعرض أرقام مؤشر «نيكي» للأسهم في بورصة طوكيو (أ.ف.ب)
لوحة إلكترونية تعرض أرقام مؤشر «نيكي» للأسهم في بورصة طوكيو (أ.ف.ب)
TT

الأسواق المالية المنهكة تدخل الربع الثاني تحت رحمة «صدمة النفط»

لوحة إلكترونية تعرض أرقام مؤشر «نيكي» للأسهم في بورصة طوكيو (أ.ف.ب)
لوحة إلكترونية تعرض أرقام مؤشر «نيكي» للأسهم في بورصة طوكيو (أ.ف.ب)

تدخل الأسواق المالية المنهكة الربع الثاني من العام وهي أكثر حساسية تجاه أخبار الحرب، في ظل ظروف قد تدفع بأسواق الأسهم إلى مزيد من التراجع، فيما قد يشجّع البيع المكثف للسندات بعض المشترين على العودة.

وحتى في حال إسهام حل النزاع في رفع معنويات المستثمرين على المدى القصير، يتوقع الخبراء أن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للطاقة في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار النفط المستمر لفترة ممتدة ستلقي بثقلها السلبي على النمو الاقتصادي وتفاقم ضغوط التضخم.

وتبقى هذه الخلفية عاملاً محورياً قد يدفع أسواق الأسهم إلى مزيد من الهبوط، في حين أن استمرار النزاع لفترة أطول، مع تفوق المخاوف المتعلقة بالنمو على مخاوف التضخم، قد يدفع السندات إلى تسجيل انتعاش.

وقالت سيما شاه، كبيرة الاستراتيجيين العالميين في شركة «برينسيبال» لإدارة الأصول التي تدير أصولاً بقيمة 594 مليار دولار تقريباً: «من الصعب تجاهل الضجيج عندما يصبح الضجيج هو كل ما لدينا».

وأضافت: «لقد سعينا جاهدين لتعزيز استثماراتنا في الأسهم الدولية، وما زال هذا القرار منطقياً، لكنه لا يعني التخلي عن الاستثمار في الولايات المتحدة».

وتصدّرت الحرب في الشرق الأوسط الربع الأول المضطرب، فيما تأثرت الأسواق أيضاً بتدخل الرئيس الأميركي دونالد ترمب في فنزويلا، والتهديدات المتعلقة بغرينلاند، واضطرابات قطاع الذكاء الاصطناعي.

ارتفاع أسعار النفط وقلق مستثمري السندات

كان النفط الأفضل أداءً؛ إذ ارتفع بنحو 90 في المائة هذا الربع متجاوزاً حاجز 100 دولار للبرميل، مما أثار مخاوف مستثمري السندات الذين رفعوا توقعاتهم بشأن زيادات محتملة في أسعار الفائدة.

ناقلة النفط «سي هورس» ترسو قبالة بويرتو كابييو في فنزويلا بعد تحويل مسارها من كوبا 29 مارس 2026 (أ.ف.ب)

ويشير محللون استطلعت «رويترز» آراءهم إلى أن أسعار النفط قد تتراوح بين 100 و190 دولاراً، بمتوسط توقعات يبلغ 134.62 دولار، ما دامت اضطرابات الإمداد الحالية مستمرة.

وتظهر منصة التنبؤات الإلكترونية «بولي ماركت» احتمالاً بنسبة 36 في المائة لانتهاء الحرب بحلول منتصف مايو (أيار)، و60 في المائة بحلول نهاية يونيو (حزيران).

وتماشياً مع ارتفاع التضخم في 2022، قفزت تكاليف الاقتراض قصيرة الأجل في بريطانيا وإيطاليا بمقدار 75 نقطة أساس خلال هذا الربع. كما سجلت تحركات السندات الأميركية والألمانية واليابانية أهمية بالغة.

وقال استراتيجي الأصول المتعددة في «سوسيتيه جنرال»، مانيش كابرا: «في جميع صدمات أسعار النفط التاريخية، هناك عاملان فقط يحددان التأثير: مدة الصدمة، ورد فعل البنك المركزي، الذي يحدد مستوى تقبّل المخاطر العام».

ومنذ اندلاع الحرب الإيرانية، استبعد المتداولون خفض أسعار الفائدة الأميركية قبل نهاية العام، في حين يتوقعون ثلاث زيادات في منطقة اليورو، واثنتين على الأقل في بريطانيا، بعد أن كانوا يتوقعون سابقاً تخفيفاً لها. كما أُجهضت أي محاولات لتخفيف السياسة النقدية في الأسواق الناشئة.

وأشار كابرا إلى أن عطلة نهاية الأسبوع في مايو بمناسبة يوم الذكرى في الولايات المتحدة قد تكون نقطة محورية، إذ يبدأ موسم السفر المزدحم الذي قد يفرض ضغوطاً على صناع السياسات للسيطرة على تكاليف الطاقة.

زيادة تخصيص الأصول للسلع

رفع المستثمرون نسبة تخصيص الأصول للسلع إلى 15 في المائة منذ بدء الحرب، بعد أن كانت 10 في المائة قبلها، في انعكاس لتزايد العلاقة بين الجغرافيا السياسية وأسواق السلع.

السندات والأسهم: اتجاهات متقلبة

في أسواق السندات، حيث انخفضت الأسعار وارتفعت العوائد مع استعداد المستثمرين لموجة ارتفاع التضخم والفائدة، يتوقع بعضهم مزيداً من التراجع.

وقال فرانشيسكو ساندريني، رئيس استراتيجيات الأصول المتعددة في «أموندي»، أكبر شركة لإدارة الأصول في أوروبا: «قمنا بزيادة انكشافنا على سندات حكومات منطقة اليورو قصيرة الأجل، مع الحفاظ على انكشافنا على سندات الخزانة الأميركية لأجل خمس سنوات، انطلاقاً من اعتقادنا أن الدخل الثابت قد يحقق أداءً جيداً بمجرد التوصل إلى حل للأزمة».

وأضاف: «نتوقع أن تحاول البنوك المركزية تجاهل الضغوط السعرية قصيرة الأجل».

وقال كبير استراتيجيي الاستثمار العالميين في «راسل إنفستمنتس»، بول إيتلمان، إن السندات تبدو أكثر جاذبية مما كانت عليه قبل بضعة أشهر، فيما من غير المرجح أن تستمر قوة الدولار على المدى المتوسط.

واستعاد الدولار مكانته بوصفه ملاذاً آمناً، مرتفعاً بأكثر من 2 في المائة خلال مارس (آذار). وقبل الحرب، كان المستثمرون ينوّعون محافظهم بعيداً عن الأصول الأميركية، مما أثر سلباً على الدولار، وقد يعود هذا التوجه إذا انتهى الصراع.

متداول يعمل في قاعة بورصة نيويورك (رويترز)

أسواق الذهب والأسهم

انخفض الذهب بنسبة 4 في المائة في مارس، رغم أنه عادةً ما يرتفع في أوقات القلق التضخمي، حيث لجأ المستثمرون إلى الصفقات الرابحة لتعويض خسائر الأصول الأخرى.

وعلى الرغم من أن الأسهم صمدت نسبياً بفضل الأرباح القوية وازدهار قطاع التكنولوجيا، فإن ضغط البيع قد تصاعد مؤخراً. فقد انخفض مؤشرا «ستاندرد آند بورز 500» و«ستوكس 600» الأوروبي بنحو 9-10 في المائة عن أعلى مستوياتهما، في حين تراجع مؤشر «نيكي» الياباني نحو 13 في المائة عن أعلى مستوى قياسي له في فبراير (شباط).

وقال كبير استراتيجيي السوق في مجموعة زيوريخ للتأمين، غاي ميلر، إنه خفّض توصيته بشراء الأسهم قبل الحرب، مع تدهور التوقعات الاقتصادية.

وتراجعت ثقة المستهلك الأميركي في مارس بأكثر من المتوقع، في حين انهارت معنويات المستثمرين الألمان، ووصلت مؤشرات مديري المشتريات الصادرة عن «ستاندرد آند بورز غلوبال» للولايات المتحدة ومنطقة اليورو إلى أدنى مستوياتها منذ عدة أشهر.

ورغم صلابة الاقتصاد الأميركي ومكانته بوصفه مصدراً للطاقة، فإن استمرار الصراع وارتفاع أسعار الطاقة سيؤثران سلباً على النمو العالمي.

وحذّرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الأسبوع الماضي من أن الاقتصاد العالمي قد ينحرف عن مساره نحو النمو القوي.

وقال ميلر: «هذه الحرب تختلف عن المفاجآت الجيوسياسية والسياسية خلال العام الماضي، التي كان تأثيرها محدوداً على الأرباح وهوامش الربح ومضاعفات السوق».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended