ماذا إذا لم يتم تطوير لقاح ضد «كورونا»؟

عالم في أحد معامل بريطانيا حيث العمل على لقاح محتمل لكورونا (رويترز)
عالم في أحد معامل بريطانيا حيث العمل على لقاح محتمل لكورونا (رويترز)
TT

ماذا إذا لم يتم تطوير لقاح ضد «كورونا»؟

عالم في أحد معامل بريطانيا حيث العمل على لقاح محتمل لكورونا (رويترز)
عالم في أحد معامل بريطانيا حيث العمل على لقاح محتمل لكورونا (رويترز)

تُعقد الآمال حالياً على الانتهاء من تطوير لقاح ضد فيروس كورونا المستجد، أملاً في حدوث انفراجة أمام الجائحة، لكن في أحد السيناريوهات السيئة، ربما لا يظهر لقاح على الإطلاق، فماذا يحدث في هذه الحالة؟
تدرك عدة مجتمعات حالياً ضرورة «التعايش» مع فيروس كورونا، وليس القضاء عليه، ولذلك قررت بعض البلدان استعادة الحياة، وتخفيف إجراءات الإغلاق على مستوى معين. وينصح خبراء بأنه في حالة عدم ظهور لقاح قد يستمر تفشي الوباء موسمياً، وهذا يعني سقوط عدد من الضحايا والمصابين كل عام.
وعلى الرغم من التفاؤل لدى بعض السياسيين في ظهور لقاح، إلا أن عدداً من الخبراء يأخذون احتمال عدم ظهور لقاح على محمل الجد؛ لأنه حدث من قبل، عدة مرات، حسب تقرير لشبكة «سي إن إن» الأميركية.
يقول الدكتور ديفيد نابارو، أستاذ الصحة العالمية في «إمبريال كوليدج» بلندن، الذي يعمل أيضاً مبعوثاً خاصاً لمنظمة الصحة العالمية في التعامل مع «كوفيد 19»، إن «هناك بعض الفيروسات التي ما زلنا لا نمتلك لقاحات ضدها. لا يمكننا أن نفترض مطلقًا أن اللقاح سيظهر، أو إذا ظهر هل سيجتاز جميع اختبارات الفعالية والأمان؟».
وتابع نابارو لشبكة «سي إن إن»: «من الضروري للغاية أن تضع جميع المجتمعات في كل مكان نفسها في وضع يمكنها من الدفاع ضد الفيروس كتهديد مستمر، وأن تكون قادرة على ممارسة الحياة الاجتماعية والنشاط الاقتصادي في ظل وجود الفيروس وسطنا».

ولا يزال معظم الخبراء واثقين من أنه سيتم تطوير لقاح ضد «كورونا» في نهاية المطاف؛ لأنه على عكس الأمراض السابقة مثل فيروس نقص المناعة البشرية (إتش إي في) و«الملاريا»، لا يتغير فيروس كورونا بسرعة.
ويقترح الكثيرون، بما في ذلك مدير المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية الدكتور أنتوني فاوتشي، أنه يمكن أن يظهر لقاح في غضون عام إلى 18 شهرًا. فيما رجحت شخصيات أخرى، مثل رئيس الأطباء في إنجلترا كريس ويتتي، أن يأخذ اللقاح فترة أطول، معتقداً أن ظهور لقاح بعد عام قد يكون مبكرًا جدًا. ولكن حتى إذا تم تطوير لقاح في خلال الفترة من عام إلى 18 شهراً سيكون إنجازًا لم يتحقق من قبل، حسب «سي إن إن».
وقال دكتور بيتر هوتز، عميد المدرسة الوطنية للطب في «كلية بايلور للطب» في هيوستون، إن «التسريع في تطوير لقاح خلال فترة من عام إلى 18 شهرًا تحدٍ كبير. هذا لا يعني أنه مستحيل، لكنه سيكون إنجازاً بطولياً».
وأشار التقرير إلى أن بعض الفيروسات لا تتغير طبيعتها مثل فيروس «الإيدز»، بخلاف فيروس «الإنفلونزا»، إذ يوضح بول أوفيت، طبيب الأطفال وأخصائي الأمراض المعدية، أن «الإنفلونزا» قادرة على تغيير نفسها من عام إلى آخر، لذا فإن العدوى الطبيعية أو التحصين في العام السابق لا تحميك في العام التالي. «بعكس فيروس نقص المناعة البشرية الذي يفعل ذلك خلال إصابة واحدة».
ويتابع أوفيت، أن بعض الفيروسات تتحور داخل المريض مثل فيروس «الإيدز»، الذي يشل نظام المناعة، فيما لا يمتلك فيروس كورونا هذا المستوى من «المراوغة»، وهذا يجعل الخبراء أكثر تفاؤلاً بشأن التوصل للقاح.
ورغم ذلك، هناك أمراض تسببت في إرباك العلماء، فعلى سبيل المثال، فاللقاح الفعال لحمى «الضنك»، الذي يصيب ما يصل إلى 400 ألف شخص سنوياً، وفقاً لمنظمة الصحة العالمية، قد استعصى على الأطباء لعقود. وفي عام 2017، تم تعليق جهود واسعة النطاق للعثور على لقاح جديد بعد اكتشاف أن اللقاح يزيد من حدة أعراض المرض. وبالمثل، كان من الصعب جداً تطوير لقاحات للفيروسات الأنفية والفيروسات الغدية الشائعة، التي، مثل الفيروسات التاجية، يمكن أن تسبب أعراض البرد.
ويصف نابارو، عملية تطوير لقاح، بأنها «بطيئة ومؤلمة»، متابعاً: «أحياناً تكون لدينا آمال كبيرة، ثم تتبدد تلك الآمال... نحن نتعامل مع أنظمة بيولوجية وليس أنظمة ميكانيكية. إذ يعتمد الأمر إلى حد كبير على كيفية تفاعل الجسم».
وتجري بالفعل عدة تجارب بشرية على لقاحات لمواجهة فيروس كورونا المستجد، في «جامعة أكسفورد» بإنجلترا، وكذلك في الولايات المتحدة الأميركية.

ورغم ذلك، تعتبر تلك الجهود هي عملية «اختبار» وليس «تطويراً»، إذ يضيف هوتز، الذي عمل على تطوير لقاح ضد «السارس»، أن الجزء الأصعب من تطوير اللقاح هو إثبات أنه فعال وآمن للاستخدام.
كما يتم اختبار عدد من العلاجات لـ«كوفيد 19»، حيث يبحث العلماء عن خطة بديلة بالتوازي مع تجارب اللقاح الجارية، ولكن كل هذه التجارب في مراحل مبكرة جدًا؛ يبحث العلماء عن عقار «ريديسيفير» التجريبي المضاد لفيروس «إيبولا»، بينما يتم أيضاً استكشاف علاجات «بلازما الدم»، وكذلك «هيدروكسي كلوروكين»، الذي وصفه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بأنه «علاج» محتمل، على الرغم من اكتشاف أنه لا يعمل على المرضى المصابين بأعراض حادة، وفقاً لـ«سي إن إن».
وفي حالة عدم إنتاج لقاح، فلن تبقى الحياة كما هي الآن وسط الإغلاق، لكن قد لا تعود إلى طبيعتها بسرعة. وهذا يعني أنه مع بدء البلدان في الخروج من الشلل، يدفع الخبراء الحكومات لتطبيق طريق للتعايش والتفاعل في الأشهر أو السنوات المقبلة، حتى إنتاج لقاح.
يقول نابارو: «من الضروري للغاية العمل على أن نكون مستعدين للتعايش مع (كوفيد 19)»، داعياً إلى «عقد اجتماعي جديد يتحمل فيه المواطنون في كل بلد - بينما يبدأون في ممارسة حياتهم الطبيعية - المسؤولية الشخصية للعزل الذاتي، إذا ظهرت عليهم أعراض أو اتصلوا بحالة إيجابية بـ(كوفيد 19)».

وتوقع الخبراء أيضًا حدوث تغيير دائم في المواقف تجاه العمل عن بُعد، حيث يصبح العمل من المنزل، على الأقل في بعض الأيام، طريقاً جديداً للتعايش، بحيث لا تكون المكاتب ممتلئة أبدًا دون داعٍ.
وشدد نابارو على التعامل مع أولئك المعزولين لمرضهم كأبطال بدلاً من المنبوذين، كما شدد على أهمية تنفيذ برنامج واسع من الاختبارات، وتتبع الحالات لمكافحة تفشي المرض، والتأكيد على مبدأ «التباعد الاجتماعي»، معتبراً أنه قابل للتنفيذ، رغم أنه معقد وتجربه البشرية للمرة الأولى.
وأودى وباء «كوفيد - 19» بأكثر من 240 ألف شخص في العالم، أكثر من 85 في المائة منهم في أوروبا والولايات المتحدة منذ ظهوره في الصين في ديسمبر (كانون الأول)، وذلك وفق حصيلة لوكالة الصحافة الفرنسية تستند إلى مصادر رسمية حتى أمس (السبت).


مقالات ذات صلة

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)
أوروبا سجّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة كورونا في أوروبا إذ حصد «كوفيد - 19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

أكثر من 14 مليار دولار تكلفة الاحتيال المتعلق بـ«كوفيد - 19» في بريطانيا

بلغت تكلفة الاحتيال المتعلق ببرامج الدعم الحكومي خلال جائحة كوفيد - 19 في بريطانيا 10.9 مليار جنيه إسترليني (14.42 مليار دولار).

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق امرأة ترتدي الكمامة خلال فترة انتشار الجائحة في كندا (رويترز)

كيف أثّر وباء «كوفيد» على مرحلة البلوغ لدى الفتيات؟

تسبب الإغلاق الذي فُرض بعد انتشار جائحة «كوفيد - 19» في توقف شبه تام للحياة، وشهد مئات الملايين من الأشخاص تغيُّرات جذرية في أنماط حياتهم.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك طفلة تتلقى جرعة من لقاح «موديرنا» لفيروس «كورونا» بصيدلية سكيباك في شوينكسفيل - بنسلفانيا (رويترز)

تقرير أميركي: وفاة 10 أطفال بسبب جرعات التطعيم ضد فيروس «كورونا»

قال مارتي ماكاري، مفوض إدارة الأغذية والعقاقير الأميركية، اليوم (السبت)، إن البيانات أظهرت وفاة 10 أطفال؛ بسبب جرعات التطعيم ضد فيروس «كورونا».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«منزال» يحتفي بالإرث الطبيعي للدرعية التاريخية

«منزال» يحتفي بالإرث الطبيعي للدرعية التاريخية
«منزال» يحتفي بالإرث الطبيعي للدرعية التاريخية
TT

«منزال» يحتفي بالإرث الطبيعي للدرعية التاريخية

«منزال» يحتفي بالإرث الطبيعي للدرعية التاريخية
«منزال» يحتفي بالإرث الطبيعي للدرعية التاريخية

ضمن برامج موسم الدرعية 25 - 26 بالرياض انطلقت، الخميس، تجربة سياحية ترفيهية مستوحاة من جمال الحياة التقليدية وروح الضيافة السعودية العريقة ضمن برنامج «منزال» الذي يجمع بين السياحة البيئية والترفيه الثقافي بموقع يطل على وادي صفار على ضفاف وادي حنيفة. ويستعرض البرنامج، الذي يستقبل زواره يومياً من الساعة الخامسة مساءً وحتى الواحدة بعد منتصف الليل، ملامح الحياة في الدرعية من خلال تجربة متكاملة تعزز الجذب السياحي، وتشمل: سرد القصص التراثية، والاستمتاع بالأجواء الطبيعية، والأمسيات الشعرية، والمأكولات الشعبية، إلى جانب مجموعة من الأنشطة الترفيهية المتنوعة، كالفروسية، والصقارة، ورمي السهام، وتجارب الفلك.

ويضم البرنامج 4 مناطق رئيسية تبرز المكانة التاريخية والحضارية للدرعية بوصفها مهداً للثقافة السعودية، ويقدّم من خلالها تجارب نوعية، من أبرزها تجربة «العلوم» التي تتيح للزوار التعرّف على صناعة الجلود، والسجاد، والأخشاب، إلى جانب تجربة «سلوم» التي تعزز الوعي بالقهوة السعودية، ونباتات الصحراء، وأساليب إشعال الحطب، وحلب الإبل، وصناعة الخيام، في إطار يعكس التراث بأسلوب تفاعلي ترفيهي.

ويقدّم البرنامج تجربة «فارس البادية» التي تمنح الزوار فرصة ركوب الخيل وممارسة الرماية، إضافةً إلى تجربة «الصقارة» التي يتعرّف الزائر من خلالها على فنون الصيد بالصقر العربي، وتجربة «المشرف» التي تتيح تأمل النجوم في سماء الدرعية الصافية؛ ما يعزز السياحة الفلكية، ويوفر أجواءً هادئة في أحضان البيئة الطبيعية.

ويُعد وادي صفار معلماً جيولوجياً وتاريخياً بارزاً، يتميّز بتكويناته الصخرية وأراضيه الزراعية التي شكّلت عبر العصور مصدراً للخير وملاذاً للسكان، وداعماً للزراعة والاستقرار على ضفاف وادي حنيفة، الذي عُرف بوصفه وجهة للتنزّه والاستجمام، لا سيما في فصل الشتاء، كما تبرز أهمية الموقع الاستراتيجية جنوب غربي الدرعية، حيث مثّل منطقة دفاع رئيسية في عهد الدولة السعودية الأولى، وشاهداً حياً على تاريخ راسخ في الوجدان الوطني.

ويأتي موسم الدرعية 25 - 26 بوصفه محطة عالمية تجمع بين السياحة والترفيه والثقافة، إذ يتيح للزوار من داخل المملكة وخارجها خوض رحلة عبر الزمن، لاكتشاف المواقع التراثية العريقة التي شكّلت مركز الثقل السياسي والثقافي للمنطقة، من خلال تجارب متنوعة وعروض مبتكرة بمعايير عالمية، تعكس هوية الدرعية التاريخية، وتمزج بين العراقة النجدية والتطور الذي تشهده المملكة في مختلف المجالات.


تفادياً للسخرية... فنانون مصريون يقاطعون «السوشيال ميديا»

الفنان أحمد السقا قدم العديد من الأفلام والأعمال الدرامية (حسابه على موقع «فيسبوك»)
الفنان أحمد السقا قدم العديد من الأفلام والأعمال الدرامية (حسابه على موقع «فيسبوك»)
TT

تفادياً للسخرية... فنانون مصريون يقاطعون «السوشيال ميديا»

الفنان أحمد السقا قدم العديد من الأفلام والأعمال الدرامية (حسابه على موقع «فيسبوك»)
الفنان أحمد السقا قدم العديد من الأفلام والأعمال الدرامية (حسابه على موقع «فيسبوك»)

أعلن الفنان المصري، أحمد السقا، اعتزاله مواقع التواصل الاجتماعي بعدما وصفه بالسخرية من كلامه والتقليل من شأنه، عقب ظهوره المتلفز في برنامج «واحد من الناس» الذي يقدمه الإعلامي عمرو الليثي، وذلك احتفالاً ببدء العام الميلادي الجديد، خلال حلقة بعنوان «سهرة رأس السنة».

وكتب السقا، عبر حسابه الرسمي على موقع «فيسبوك»، الجمعة: «حسبي الله ونعم الوكيل في كل من سخر وقلل من شأني، وكذبني في كل كلمة وردت على لساني، أنتم خصومي أمام الله»، واختتم منشوره بإعلانه وداع السوشيال ميديا.

وتناول السقا، خلال حديثه في «سهرة رأس السنة»، موضوعات عدة من بينها كواليس علاقته بأولاده، وبزوجته السابقة الإعلامية مها الصغير، وكواليس تصوير بعض أعماله، وكيف تلقى خبر وفاة صديقه الفنان سليمان عيد، حيث أكد السقا أن الفنان الراحل «سيدخل الجنة على مسؤوليتي الشخصية»، والتصريح الأخير عرضه لانتقادات بالغة، عقب تداوله على نطاق واسع بـ«السوشيال ميديا».

وتباينت التعليقات على حساب أحمد السقا بموقع «فيسبوك»، بين مؤيد ومعارض لاعتزاله مواقع التواصل، حيث أكدت تعليقات أن قراره سليم، وأن البعد سيعود عليه بالراحة والهدوء، بينما أشار البعض إلى أن تصريحاته كانت عادية ولا تحتمل كل هذه الانتقادات التي تعرض لها بعالم السوشيال ميديا الذي يضم فئات عدة، وبه الصالح والطالح، إذ طالبه البعض بالحذر فقط، مع اعتراضهم على اعتزاله بشكل نهائي.

ونال ظهور أحمد السقا في «سهرة رأس السنة»، ترحيباً «سوشيالياً» كبيراً، وتصدر هاشتاج «أحلى سهرة مع عمرو الليثي»، «الترند»، على موقع «إكس» بمصر، الجمعة، وأشاد باللقاء والتصريحات عدد كبير من المتابعين، مؤكدين بساطته وإنسانيته، بينما وصف البعض الحلقة بأنها كانت بطعم الفرحة.

الفنان أحمد السقا (حسابه على موقع «فيسبوك»)

وعن رأيه في انتقاد الناس للمشاهير، والسخرية من تصريحاتهم، لدرجة إعلان البعض اعتزال مواقع التواصل لعدم تحملهم ما يجري، وهل الهروب من ساحة السوشيال ميديا أصبح هو الحل أو المواجهة أفضل؟ أكد الناقد الفني المصري عماد يسري أن «كل شخص عادي في حياته اليومية مسؤول عما يحدث له بالمقام الأول، وفيما يخص المشاهير، فإن الفنان شخصية عامة، وعادة ما يكون في مرمى الانتقادات والهجوم بشكل أو بآخر»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «لذلك البعد والاكتفاء بالظهور الفني هما الصواب في كثير من الأحيان»، لافتاً إلى أهمية «الهروب من ساحة (السوشيال ميديا) بالنسبة للمشاهير الذين لا يجيدون فن التعامل مع الجمهور، أو أن يلتزموا الحذر في تصريحاتهم».

ونوه يسري بأن العلاقة بين المشاهير والناس على مواقع التواصل، خرجت عن سياقها، وأصبحت التصريحات الجدلية سبباً رئيسياً في حالة الصدام والصراع التي انتشرت بشكل مكثف أخيراً.

وقبل أحمد السقا قاطع بعض الفنانين مواقع التواصل مؤقتاً، تفادياً للانتقاد أو السخرية، أو التدخل في حياتهم الشخصية، وكذلك لتجنب التعليقات المسيئة، أو لعدم رغبتهم بالتعامل من خلالها سوى لترويج أعمالهم الفنية، من بينهم شيرين عبد الوهاب، وكريم عبد العزيز، وماجد الكدواني، وغادة عبد الرازق، وغيرهم.

وتعرض أحمد السقا لانتقادات أخرى قبل تصريحات «سهرة رأس السنة»، مثل السخرية من حديثه بالإنجليزية في مقطع فيديو نشره على حساباته بمواقع التواصل، أعلن فيه دعمه لكابتن منتخب مصر، محمد صلاح، في أزمته التي أثيرت حينها مع نادي ليفربول الإنجليزي، إلى جانب الجدل حول منشوراته ومداخلاته الإعلامية خلال أزمته الأخيرة مع طليقته المذيعة مها الصغير.


جورج أبو مهيا: «جيم 1983» امتداد لسيرة جيل كامل في لبنان

المخرج اللبناني أبو مهيا (الشرق الأوسط)
المخرج اللبناني أبو مهيا (الشرق الأوسط)
TT

جورج أبو مهيا: «جيم 1983» امتداد لسيرة جيل كامل في لبنان

المخرج اللبناني أبو مهيا (الشرق الأوسط)
المخرج اللبناني أبو مهيا (الشرق الأوسط)

في فيلمه القصير «جيم 1983»، يعود المخرج اللبناني جورج أبو مهيا إلى بيروت لا بوصفها مدينة حرب فقط، بل بوصفها ذاكرة طفولة، وفضاء للخيال، ومكاناً هشاً يستطيع طفل في السابعة أن يفرض عليه، ولو للحظة، وقفاً لإطلاق النار. الفيلم، وهو عمل رسوم متحركة ثنائية الأبعاد مستوحى من أحداث حقيقية؛ إذ يتتبع رحلة صبي يتجول في شوارع بيروت خلال الحرب الأهلية اللبنانية عام 1983، مستعيناً ببطل خارق تستحضره مخيلته ليهرب من واقع قاسٍ، قبل أن تعيده نهاية الهدنة إلى خوف من نوع آخر ينتظره داخل البيت.

أبو مهيا، المعروف بأعماله التي تمزج الفن البصري بالتعليق السياسي والاجتماعي، لم يتعامل مع «جيم 1983» بوصفه مشروعاً تقنياً بقدر ما رآه امتداداً لسيرة جيل كامل في لبنان؛ ففكرة الفيلم كما يقول لـ«الشرق الأوسط»، قد «جاءت من المنتج المنفذ جورج مكتبي، الذي حمل في ذهنه قصة شخصية تعود إلى طفولته، حين فقد والده وكان في السابعة من عمره، وكان يلجأ إلى الرسم كوسيلة للنجاة. هذا التقاطع في التجربة خلق رابطاً فورياً بيني وبين المشروع، خصوصاً أننا ننتمي للجيل نفسه، وعشنا في الفترة ذاتها في بيروت».

يشرح المخرج الذي حصل فيلمه على تنويه خاص في مسابقة الأفلام القصيرة بالدورة الماضية من «مهرجان البحر الأحمر»، أن تبنّيه للفيلم جاء أيضاً من علاقته الخاصة بالأفلام القصيرة، مستعيداً تأثير فيلم الرسوم المتحركة الشهير «Father and Daughter»، الذي شاهده بعد سنوات قليلة من وفاة والده؛ ذلك الفيلم، الذي يتناول فقدان الأب من منظور طفولي، ترك أثراً عميقاً فيه، وجعله يرى في «جيم 1983» فرصة لصناعة عمل شخصي، يعبر حدود السيرة الفردية إلى الذاكرة الجماعية.

عُرض الفيلم للمرة الأولى عربياً في «مهرجان البحر الأحمر» (الشركة المنتجة)

العمل على الفيلم تمّ بروح جماعية؛ إذ شارك أبو مهيا في الكتابة مع جورج مكتبي وفرح شقير. ورغم وجود كتابات أولية قبل انضمامه، فإن القصة، بحسب قوله، قد «بدأت تتشكّل فعلياً خلال النقاشات المشتركة، حيث جرى بناء الهيكل السردي تدريجياً». واعتمد أبو مهيا بشكل أساسي على «ستوري بورد»، معتبراً أن الفيلم يُكتب بالصورة أكثر مما يُكتب بالكلمات، وسعى لتقديم تجربة بصرية يمكن أن يتفاعل معها المشاهد حتى في غياب الحوار.

أصعب ما واجه المخرج اللبناني في التجربة، كما يروي، كان التعبير عن المشاعر المرتبطة بالحرب من دون اللجوء إلى اللغة، فـ«الخوف، والقلق، والترقّب... لا يمكن شرحها مباشرة، بل يجب تحويلها إلى صور وإيقاعات»، على حد تعبيره؛ لذلك لجأ إلى تفاصيل محفورة في الذاكرة ما بين الجدران، والأطفال في الشوارع، ورجال الميليشيات، والرموز البصرية التي شكّلت وجدان تلك المرحلة، كما شكّلت صور المصور رمزي حيدر مرجعاً أساسياً، بوصفها من أكثر الصور رسوخاً في توثيق الحرب الأهلية اللبنانية.

التحدي الآخر الذي يرصده أبو مهيا تمثّل في عامل الزمن، فـ«خلال عشر دقائق فقط، كان علينا أن نقدّم قصة مكتملة، قادرة على ملامسة جمهور لا يشترك بالضرورة في الخلفية الثقافية نفسها؛ لذلك خضت عملية طويلة من الحذف وإعادة البناء، أنجزت خلالها عدداً كبيراً من الرسومات الأولية، بحثاً عن أبسط شكل ممكن يحمل أكبر قدر من المعنى».

يعود الفيلم بقصته إلى ثمانينات القرن الماضي في لبنان (الشركة المنتجة)

استغرق تنفيذ الفيلم نحو عام وشهرين، وكانت مرحلة التحريك الأكثر تعقيداً. يصف أبو مهيا هذه المرحلة بأنها شبه مستحيلة أحياناً؛ إذ تتطلب التفكير في كل حركة على مستوى أجزاء الثانية، حيث تحتوي الثانية الواحدة على أربعة وعشرين إطاراً. ورغم أنه كتب السيناريو، فإن الصورة ظلت الأساس، وكان يختبر المشاهد باستمرار عبر مراقبة فريق العمل، مسجلاً تفاعلهم معها قبل اتخاذ القرار النهائي.

مشاركة «جيم 1983» في مهرجان البحر الأحمر السينمائي شكّلت محطة مهمة في مسار الفيلم. ورغم أن أبو مهيا لم يتمكن من حضور المهرجان لظروف عائلية، فإنه تابع كل التفاصيل عن بُعد، معتبراً أن التقدير الذي حصل عليه الفيلم علامة إيجابية على وصوله إلى جمهوره المستهدف.

ويرى المخرج أن أفلام الرسوم المتحركة القصيرة باتت تحظى اليوم بمكانة متقدمة في المهرجانات السينمائية، مؤكداً أن «الفيلم القصير أصعب من الطويل، خصوصاً في مجال التحريك؛ إذ يجب اختصار قصة كاملة في دقائق معدودة». في هذا السياق، يولي أبو مهيا أهمية خاصة للموسيقى، التي اعتبرها صوت الفيلم الداخلي.

وفي موازاة هذا الفيلم، يواصل جورج أبو مهيا العمل على مشاريع جديدة في مجال الرسوم المتحركة؛ فبعد إنجازه فيلم «أليفيا 2053»، وهو أول فيلم رسوم متحركة طويل باللغة العربية من إخراجه، يعمل حالياً على تطوير مشروع سينمائي طويل، بالتعاون مع المخرجة نادين لبكي، والملحن خالد مزنّر.