اليمنيات المعتَقلات لدى الحوثيين... من السجون إلى المنفى

تحقيق لـ«أسوشيتد برس» وثّق شهادات وكشف جرائم بحق المرأة

إحدى المعتًقلات السابقات لدى الحوثيين أثناء حديثها عن قصتها (أ.ب)
إحدى المعتًقلات السابقات لدى الحوثيين أثناء حديثها عن قصتها (أ.ب)
TT

اليمنيات المعتَقلات لدى الحوثيين... من السجون إلى المنفى

إحدى المعتًقلات السابقات لدى الحوثيين أثناء حديثها عن قصتها (أ.ب)
إحدى المعتًقلات السابقات لدى الحوثيين أثناء حديثها عن قصتها (أ.ب)

كان أقران سامراء الحوري من النشطاء يختفون، واحداً تلو الآخر. وعندما استفسرت لدى أسرهم عنهم، قدموا جميعاً الإجابة المبهمة نفسها: «إنها مسافرة». ورغم أن قليلا من هؤلاء النساء عاودن الظهور، بدا أنهن محطمات ورفضن الإفصاح عن مكان وجودهنّ طوال شهور.
إلا أن الحوري (33 عاما) سرعان ما أدركت الإجابة بنفسها، فقد اقتادها بضعة ضباط من قوات الحوثيين المتمردة من منزلها في العاصمة صنعاء عند الفجر، واصطحبوها إلى قبو مدرسة سابقة كانت تعج الزنازين القذرة داخلها بمحتجزات. واعتدى المحققون عليها بضرب مبرح وتعرضت لصدمات كهربائية، وإمعاناً في تعذيبها النفسي أعلنوا عن موعد لإعدامها وألغوه في اللحظة الأخيرة.
وبدا واضحاً أن السيدات اللواتي تجرأن على الانشقاق أو حتى مجرد الدخول إلى المجال العام، تحولن إلى أهداف حملة قاسية ومتصاعدة من جانب الحوثيين.
ووصف نشطاء ومحتجزون سابقون في تحقيق نشرته وكالة «أسوشيتد برس» شبكة من منشآت الاحتجاز السرية تعرضوا داخلها للتعذيب، وأحياناً الاغتصاب. ويعج شارع تعز، الشارع الرئيسي في صنعاء، بالعديد من هذه المنشآت المتخفية داخل فيلات خاصة والمدرسة التي احتجزت داخلها الحوري.
تقول الحوري التي نجحت في البقاء على قيد الحياة بعد ثلاثة شهور في مركز الاحتجاز حتى اعترفت أمام كاميرا باتهامات ملفقة بالتورط في الدعارة، ما يشكل وصمة كبرى داخل المجتمع اليمني المحافظ: «مر كثيرون بظروف أسوأ من ظروفي بكثير»"

صعوبة الإحصاء
لطالما وفرت التقاليد المترسخة في البلاد وشبكات الحماية القبلية للنساء حامياً من الاحتجاز والانتهاكات، لكن تلك المحاذير تساقطت تحت وطأة الحرب. وبينا يموت الرجال في المعارك أو يقبعون داخل السجون في خضم صراع يدخل بخطى متثاقلة عامه السادس، شرعت النساء اليمنيات على نحو متزايد في الاضطلاع بأدوار سياسية. وفي الكثير من الحالات، تولت نساء تنظيم تظاهرات وقيادة حركات والعمل لصالح منظمات دولية أو إطلاق مبادرات سلام، وكلها أمور ينظر إليها الحوثيون باعتبارها تهديداً لهم.
في هذا الصدد، تقول رشا جرهوم، مؤسسة «مبادرة مسار السلام»، التي تدعو لضم النساء إلى محادثات السلام بين الحوثيين والحكومة اليمنية المعترف بها دولياً: «هذا أكثر العصور ظلاماً للمرأة اليمنية. لقد جرت العادة أن حتى توقيف شرطة المرور لسيدة يعد أمراً مشيناً».
من ناحية أخرى، شكلت عمليات إلقاء القبض الممنهجة والسجون التي تعج بأعمال التعذيب عنصراً محورياً في جهود الحرب.
وتشير التقديرات إلى أن ما يتراوح بين 250 و300 امرأة محتجزات حالياً داخل محافظة صنعاء وحدها، تبعاً لما أفادت به العديد من المنظمات الحقوقية. وأوضحت «المنظمة اليمنية لمكافحة الإتجار بالبشر» أن ثمة احتمالاً أن تكون هذه التقديرات أقل من العدد الحقيقي.
والملاحظ أن هناك صعوبة أكبر في تقدير أعداد المحتجزات داخل المحافظات والأقاليم الأخرى.
في هذا السياق، قدرت نورا الجوري، رئيسة «ائتلاف نساء من أجل السلام في اليمن»، أن ما يزيد على 100 امرأة محتجزات داخل محافظة ذمار جنوب العاصمة، والتي تشكل نقطة عبور كبرى من المناطق الخاضعة للسيطرة الحكومية إلى الأخرى التي يسيطر عليها الحوثيون.
ووثقت الجوري، التي تتولى إدارة مجموعة دعم غير رسمية في القاهرة تتعامل مع السيدات اللواتي أطلق سراحهن من سجون الحوثيين، 33 حالة اغتصاب و8 حالات لسيدات أنهكهن التعذيب.

فرار من البلاد
والتقت «أسوشيتد برس» ست محتجزات سابقات نجحن في الفرار إلى القاهرة قبل أن يسبب وباء كورونا وقف الرحلات الجوية وإغلاق الحدود. وقدمن روايات يدعمها تقريراً صدر قبل وقت قريب من لجنة من الخبراء التابعين للأمم المتحدة، ذكر أن الانتهاكات الجنسية التي تتعرض لها المحتجزات قد تصل إلى مستوى جرائم الحرب.
وأفادت إحدى السيدات، وهي مدرّسة تاريخ سابقاً رفضت كشف اسمها لحماية أسرتها في اليمن، أنه ألقي القبض عليها في خضم حملة واسعة ضد التظاهرات في ديسمبر (كانون الأول) 2017. واقتيدت إلى مكان ما في ضواحي صنعاء، لا تعلم أين على وجه التحديد. وكان كل ما بإمكانها سماعه ليلاً نباح الكلاب، ولم تسمح ولا حتى صوت أذان الصلاة. وقالت: «كنت بعيدة للغاية، وكأني سقطت خارج الأرض».
وأضافت أن حوالي 40 سيدة كن محتجزات داخل الفيلا، وأنها تعرضت للتعذيب على أيدي المحققين، وفي إحدى المرات نزعوا أظافر الإصبع الصغرى في قدمها. وفي أكثر من مرة، أخبرها ثلاثة ضباط مقنعين بأن تصلي وقالوا لها إنهم سيطهرونها من الإثم. وبعد ذلك، تناوبوا على اغتصابها، بينما تولت حارسات تقييدها ومنعها من الحركة.

الميليشيات تنفي!
نفت وزيرة شؤون حقوق الإنسان على جانب الحوثيين ادعاءات التعذيب ووجود سجون سرية للنساء. وقالت راضية عبد الله، وهي واحدة من وزيرتين في حكومة الحوثيين، خلال مقابلة أجريت معها: «إذا اكتشفنا وجود هذا الأمر، سنتعامل معه».
واعترفت راضية بإلقاء القبض على الكثير من النساء خلال حملة جرت في الفترة الأخيرة لمكافحة الدعارة اجتاحت مقاهي وشققاً وتجمعات نسائية. وواجهت النساء اللواتي ألقي القبض عليهن اتهامات «بمحاولة إفساد المجتمع وخدمة العدو»، وذلك في إشارة إلى التحالف الذي تقوده السعودية.
جدير بالذكر أن لجنة برلمانية شُكلت الخريف الماضي للنظر في التقارير المتعلقة بالاحتجاز غير القانوني توصلت إلى إطلاق سراح عشرات المحتجزين من الرجال خلال الأسابيع الأولى لعملها.
وكانت اللجنة تنوي الاستمرار في عملها في ما يتعلق بقضية النساء المحتجزات كذلك، لكن مذكرة داخلية بتاريخ 16 فبراير (شباط) قالت «أسوشيتد برس» إنها حصلت على نسخة منها تضمنت شكوى من أن وزارة الداخلية تضغط على اللجنة لإنهاء تحقيقها.

تدرّج الاعتقالات
جاءت أول حملة اعتقالات كبرى في صفوف النساء أواخر عام 2017، بعد قتل الحوثيين حليفهم السابق في الحرب الحاكم السابق علي عبد الله صالح. خلال تلك الفترة، احتجز المتمردون عشرات النساء ممّن خرجن إلى ميادين عامة للمطالبة بعودة جثمان صالح.
وقالت الجوري إن نطاق عمليات إلقاء القبض على النساء اتسعت منذ ذلك الحين، موضحة أنه «في بادئ الامر كانوا يستهدفون قادة المعارضة، وبعد ذلك استهدفوا المتظاهرات، والآن يستهدفون أي سيدة تتحدث ضدهم».
وذكرت امرأة أنه جرى سحبها من خارج سيارة أجرة كانت تستقلها داخل مكان كان يشهد تظاهرة وتعرضت للضرب والاحتجاز. كما تعرضت ناشطة سلام تعمل مع منظمة إنسانية مقرها في لندن للاحتجاز طوال شهور داخل مركز احتجاز للشرطة في صنعاء طوال أسابيع.
ووصفت معلمة كمبيوتر تبلغ من العمر 48 عاماً، كيف اقتحم 18 رجلاً مسلحاً منزلها واعتدوا بالضرب على كل من كانوا بالداخل، وضربوا وجهها بأحذيتهم وأطلقوا في حقها أقذع الشتائم الجنسية. ولم يكن للسيدة أية صلة بالعمل السياسي، لكنها نشرت مقطع فيديو عبر صفحتها على فيسبوك تشكو فيه من أن رواتب العاملين في الحكومة لم تصرف منذ شهور. وبعد ذلك الحادث بفترة قصيرة، فرت هي وأطفالها إلى مصر.
من ناحيتها، قالت الحوري إنها عندما رفضت طلباً من مسؤول حوثي للوشاية بالنشطاء الآخرين، تعرضت للاختطاف في يوليو (تموز) 2019 على يد زمرة من الرجال المقنعين المدججين بالكلاشينكوف، «كما لو كنت أسامة بن لادن».
وتعرضت للاحتجاز داخل «دار الهلال»، وهي مدرسة مهجورة في شارع تعز. وكان معها حوالي 120 امرأة بينهن بارديس الصايغي، وهي شاعرة بارزة كانت تلقي أشعاراً حول قمع الحوثيين. وقالت الحوري إن المحتجزات كان بينهن «مدرسات وناشطات بمجال حقوق الإنسان ومراهقات». وأضافت أن المحققين خبطوا رأسها في طاولة بشدة لدرجة أنها احتاجت لإجراء جراحة في إحدى عينيها كي تتمكن من الرؤية بشكل طبيعي بها اثر إطلاق سراحها بعد ذلك بشهور.

حوثي يغتصب السجينات
داخل المدرسة، تولى رئيس قسم التحقيقات الجنائية لدى الحوثيين، سلطان زابن، إجراء التحقيقات، حسبما ذكرت الحوري والصايغي. وأضافتا أنه في بعض الليالي كان زابن يصطحب «الفتيات الجميلات والصغيرات» إلى خارج المدرسة لاغتصابهن.
كانت لجنة الخبراء التابعة للأمم المتحدة قد أشارت إلى زابن باعتباره يتولى إدارة موقع احتجاز لم يكشف عنه تتعرض فيه نساء للاغتصاب والتعذيب.
وذكرت الجوري وعدد من المحتجزات سابقاً أن اثنتين على الأقل من الفيلات في شارع تعز جرى استخدامهما في احتجاز النساء، إلى جانب مواقع أخرى حول العاصمة، منها شقق صودرت من سياسيين منفيين مستشفيان وخمس مدارس.
على جانب آخر، عندما أطلق سراح معلمة التاريخ في مارس (آذار) 2018 ألقي بجسدها الهزيل أسفل أحد المعابر، ورفضت أسرتها رؤيتها بسبب العار الذي جلبته لهم. وعن ذلك، قالت إنه من وجهة نظرهم «أنا خرجت للتظاهر، وبالتالي أستحق ما حدث لي».
وقالت محتجزات سابقات إن الحوثيين تعمدوا إذلالهن من خلال اغتصابهن واتهامهن بمزاعم الدعارة.
وقالت فاطمة الأسرار، التي تعمل لدى معهد الشرق الأوسط ومقره واشنطن: «هذا ترهيب حتى النخاع»، مضيفة أنه داخل مجتمع ذكوري مثل اليمن غالباً ما تتعرض الناجيات من اعتداءات جنسية إلى النبذ، بل وأحياناً القتل على يد أقارب لهن للحفاظ على «شرف» العائلة.
وفي سياق متصل، كان يطلق سراح النساء فقط بعد تعهدهن بعدم المشاركة في مسيرات ثانية أو الامتناع عن نشر منشورات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وبعد تسجيل اعترافات لهن بممارسة الدعارة والتجسس.
تقول الصايغي: «أخبروني: إذا غادرت صنعاء، سنقتلك. وإذا نشرت معلومات، سنقتلك. وإذا تحدثت ضدنا، سنقتلك».

تداعيات الإفراج
في القاهرة، تعمل النساء على تقديم يد العون بعضهن لبعض كي يتمكنّ من التكيف مع ما حدث والمضي قدماً. وخلال مآدب عشاء، يجتمعن برفقة أطفالهن لتذكر قصص مدينتهن قبل أن تعصف بها الحرب عندما كنا يقرضن الشعر ويدخن ّالشيشة في مقاهٍ مكتظة قبل أن يغلقها الحوثيون لمنع اختلاط النساء والرجال.
وحتى اليوم، لا يزال البعض منهن يتلقين تهديدات من الحوثيين. ولا تستطيع أي منهن رؤية أسرتها في صنعاء.
وتواجه الحوري صعوبة شديدة في النوم. وقالت إنها تدرك أن الحوثيين سينشرون اعترافها قريباً، لكنها مقتنعة بأن قصتها تستحق خوض مخاطرة سردها. وأضافت: «لا تزال هناك فتيات في بالسجون. وعندما أحاول النوم، أسمع أصواتهن. وأسمعهن يناشدنني: سامراء، أخرجينا من هنا».

الشرعية تناشد «الجنايات الدولية»
طالب وزير الإعلام اليمني معمر الأرياني، محكمة الجنايات الدولية بالتحقيق في جرائم المعتقلات الخاصة للنساء في مناطق سيطرة الميليشيا الحوثية وتقديم المتورطين فيها للمحاكمة باعتبارها جرائم حرب وجرائم مرتكبة ضد الإنسانية.
وغداة نشر التحقيق دعا الأرياني في تصريح نقلته وكالة الانباء اليمنية (سبأ) المجتمع الدولي ومنظمات حماية المرأة إلى التدخل لوقف هذه الانتهاكات والضغط على الميليشيا الحوثية لإطلاق جميع المختطفات في معتقلاتها الخاصة، موضحاً أن التحقيق الذي أجرته وكالة «أسوشيتد برس» يعيد تسليط الأضواء على واحدة من أبشع جرائم الميليشيا الحوثية والمتمثلة بإختطاف مئات النساء اليمنيات من منازلهن واخفائهن في معتقلات خاصة بسبب آرائهن ونشاطهن السياسي والإنساني.
وقال إن الشهادات تم توثيقها مع عدد من الناجيات بعد تمكنهن من الفرار من مناطق سيطرة الميليشيا الحوثية وكيف تعرضن للاعتداء والتعذيب الجسدي والتحرش الجنسي والاغتصاب، والتعذيب نفسي، وكيف تم تحديد مواعيد لإعدامهن والغائها في اللحظة الأخيرة في حملة قمع متصاعدة للنساء وغير مسبوقة في تاريخ اليمن.


مقالات ذات صلة

«الوديعة» يحبط محاولة تهريب حبوب مخدرة في طريقها إلى السعودية

الخليج أحبطت الكتيبة محاولة تهريب 450 قرصاً من حبوب «بريجابالين» المخدر (كتيبة أمن المنفذ)

«الوديعة» يحبط محاولة تهريب حبوب مخدرة في طريقها إلى السعودية

معظم شحنات المخدرات المضبوطة عبر المنفذ مصدرها مناطق خاضعة لسيطرة ميليشيا الحوثي الإرهابية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تحليل إخباري عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

تحليل إخباري هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي النازحون اليمنيون بمخيمات مأرب يعانون نقصاً شديداً في الغذاء (رويترز)

منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

المشروع يهدف إلى تحسين الظروف المعيشية للنازحين داخلياً والمجتمعات المستضيفة لهم في محافظة مأرب (وسط البلاد).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)

البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يودع دعم معالجة عجز الموازنة اليمنية

وقّع البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن اتفاقية مع وزارة المالية اليمنية، للبدء في إيداع الدعم الاقتصادي البالغ 1.3 مليار ريال سعودي؛ إنفاذاً لتوجيهات…

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي مسلحون حوثيون يحاصرون قرية الأغوال في محافظة ذمار ويتسببون بتلف المزروعات (إكس)

ممارسات حوثية تفسد نمط الاقتصاد الزراعي وتهدد بالكساد

لا تكتفي السياسات الحوثية بإضعاف الزراعة، بل تعيد تشكيلها بالجبايات والبذور الفاسدة واحتكار التصدير ورفع تكلفة الوقود، وتتسبب بمواسم خاسرة وتهديد الأمن الغذائي

وضاح الجليل (عدن)

كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)

رفعت الحرب الإيرانية من أعباء الطاقة على مصر، التي تعدُّ أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان، وتستهلك سنوياً قرابة 12 مليون طن من السولار، ونحو 6.7 مليون طن من البنزين، وتحتاج لاستيراد كميات إضافية من الغاز في حدود مليارَي قدم.

وبحسب مسؤولين مصريين سابقين وخبراء بقطاع الطاقة تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإنَّ مصر تعتمد لوجيستياً على تعاقدات رئيسية للطاقة مع السعودية والكويت والعراق والولايات المتحدة، بخلاف الأسواق الفورية، ومع الأزمة الحالية دخلت ليبيا بوصفها مساراً جديداً مؤقتاً، مشيرين إلى أن مصر تموِّل تلك التعاقدات عبر مسارات عدة، مثل عائدات صادرات المشتقات النفطية، وتسهيلات البنوك، ودعم البنك المركزي، وسط أعباء مالية تزداد مع ارتفاع الأسعار العالمية جراء استمرار حرب إيران منذ نحو شهر.

وتستعد مصر لاستيراد مليون برميل على الأقل شهرياً من النفط الليبي لتعويض توقف إمدادات النفط الخام الكويتي؛ نتيجة الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، بحسب ما نقلت وكالة «بلومبرغ» عن مصادر مطلعة في 29 مارس (آذار)، لافتة إلى أن ليبيا سترسل الآن شحنتين شهرياً إلى جارتها الشرقية، بإجمالي 1.2 مليون برميل، وهو ما أكدته مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط».

وتعتمد المصافي المصرية جزئياً على النفط الخام الكويتي، إذ تستورد منه ما بين مليون ومليونَي برميل شهرياً، بالإضافة إلى نحو مليون برميل من شركة «أرامكو السعودية»، لكن بعد اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، خفَّضت الكويت إنتاجها النفطي وعمليات التكرير عندما تباطأت حركة الشحن عبر مضيق هرمز، وأعلنت مؤسسة البترول الكويتية حالة «القوة القاهرة» على مبيعات النفط الخام.

وفي 10 مارس، أكد أحمد كجوك وزير المالية، خلال مؤتمر صحافي آنذاك، أن الحكومة قامت بتأمين نحو 50 في المائة من احتياجاتها من الوقود بأسعار محددة، وهو ما يغطي النصف الأول من العام المالي.

وزير البترول المصري يتفقد قبل أيام سفينة حفر آبار غاز جديدة لصالح «بى بي» و«أركيوس» (وزارة البترول المصرية)

ويقول وزير البترول المصري الأسبق، رئيس لجنة الطاقة في مجلس الشيوخ أسامة كمال، لـ«الشرق الأوسط»: «هناك عقود مبرمة لتوريد الغاز الطبيعي من الولايات المتحدة، وهي عقود مستقرة وتعمل بشكل طبيعي حتى الآن دون معوقات في التدفق»، مشيراً إلى أن «المتغيرات تتركز بشكل أساسي في أسعار الغاز وتكاليف النقل التي تتأثر بالارتفاع العالمي لأسعار النفط».

ووفق تقديرات رسمية، تبلغ احتياجات مصر من الغاز قرابة 6.2 مليار قدم مكعبة يومياً، بينما يصل إنتاجها اليومي إلى نحو 4.2 مليار قدم مكعبة.

كما اتخذت الحكومة حزمة إجراءات احترازية؛ منها تخفيض ساعات العمل المسائية في المحال العامة والمراكز التجارية، وهو إجراء تحوطي لترشيد استهلاك الطاقة، وفق الوزير الأسبق.

وحول كيفية تمويل الواردات البترولية في ظلِّ الارتفاع القياسي للأسعار العالمية، قال المسؤول السابق: «قبل اندلاع الحرب تجاوز الاحتياطي النقدي الأجنبي حاجز الـ52 مليار دولار، والشهر الماضي وحده شهد سحب ما يزيد على مليار دولار لتغطية تكاليف الاستيراد، ومن المتوقع أن تتجاوز فاتورة مارس حاجز المليارَي دولار»، متوقعاً ألا تستمر الأزمة إلى الأسبوع الثالث من أبريل (نيسان) «وإلا ستكون خسارة فادحة للعالم وليس لمصر فقط».

وبمزيد من التفاصيل عن آليات تأمين النفط الخام والمنتجات البترولية، أوضح نائب رئيس «هيئة البترول المصرية للعمليات» سابقاً مدحت يوسف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «مصر تعتمد في الوقت الحالي على واردات الخام من الكويت والعراق بخلاف تعاقدات مستمرة مع شركة (أرامكو السعودية)؛ لتوريد النفط الخام إلى معامل تكرير ميدور والمعامل المصرية الأخرى عبر ميناء ينبع»، مشدداً على أن «(أرامكو) ملتزمة بتعاقداتها مع مصر، وهناك صعوبة تحُول دون زيادة الكميات التعاقدية فوق المتفق عليه، نظراً لالتزاماتها ومصداقيتها مع عملائها الدوليِّين».

وأضاف: «هناك مشكلة تواجه مصر مع الحرب وتأثر توريدات الخام من الكويت والعراق؛ مما دفع للبحث عن بدائل، منها محاولة التعاقد على الخام الليبي، بالإضافة إلى اللجوء إلى السوق الفورية التي تحمل ميزةً وعيباً، حيث توفِّر الخام عالمياً لكنه يُشكِّل ضغطاً مالياً كونه يتطلب سداداً فورياً وبأسعار مرتفعة، على عكس التعاقدات الكويتية مثلاً، التي كانت تمنح مصر تسهيلات مرنة جيدة تصل إلى 9 أشهر».

وأكد يوسف، أن ميناء ينبع السعودي يظل المورد الأكبر لمصر، والالتزامات لا تزال قائمة من خلال مناقصات ربع سنوية وأساليب سداد قائمة أيضاً.

وعن الغاز، كشف يوسف عن أنه «يحمل مشكلة كبيرة مع توقف إمدادات الغاز من الجانب الإسرائيلي مع بدء الحرب»، لافتاً إلى غياب التعاقدات المباشرة بين الدول مثل الإمارات أو قطر، حيث تتم التوريدات عبر موردين عالميِّين ملتزمين بالتوريد، لكن بأسعار مرتبطة بمتغيرات السوق العالمية المرتبطة بسعر غاز «TTF» الهولندي، الذي سجَّل مستويات مرتفعة بلغت 21 دولاراً للتسليم في مصر.

وعدّ أنَّ الميزة الحالية لمصر هي أنَّ الأزمة وقعت في فصل الشتاء، حيث ينخفض استهلاك الكهرباء إلى 29.5 غيغاواط، مقارنة بـ40 غيغاواط في فصل الصيف، محذراً من أنه في حال استمرار الأزمة حتى ذروة الاستهلاك الصيفي، قد تضطر الدولة لتخفيف الأحمال عن بعض الصناعات أو المنازل، أو الاعتماد على بدائل مكلفة جداً مثل المازوت والسولار لتوليد الكهرباء.

وبشأن سبل تمويل هذه الواردات، أوضح يوسف أنَّ الهيئة العامة للبترول تعتمد على مسارات عدة؛ أولها عائد الصادرات عبر تصدير بعض المنتجات البترولية والغاز المسال، وتصدير خام خليط غارب في حدود 65 ألف برميل يومياً، بالإضافة إلى حصيلة صادرات وقود النفاثات وشركات البتروكيماويات.

وأضاف أن تلك العائدات تغطي «جزءاً كبيراً من التمويلات بالخارج، لكنها لا تكفي، وبالتالي تلجأ هيئة البترول لأمرين آخرين بالحصول على تسهيلات من البنوك المصرية ودعم البنك المركزي؛ كي لا يحدث أي اختناق بالسوق المحلية»، محذراً من أنَّ استمرار الحرب سيؤدي إلى مزيد من الاستنزاف الاقتصادي، ما يتطلب جاهزيةً تامةً للسيناريوهات كافة.

وفي 18 مارس الحالي، قال رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، في مؤتمر صحافي، إن فاتورة واردات الطاقة في مصر ازدادت بأكثر من المثلين منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ‌مؤكداً الضغوط المتزايدة على الموارد المالية للبلاد مع ارتفاع أسعار الوقود العالمية.

وبلغت قيمة واردات مصر من الغاز في عام 2025 نحو 8.9 مليار دولار مقابل 4.9 مليار دولار في عام 2024، وفق بيانات «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء»، بينما قفزت فاتورة واردات مصر البترولية بنسبة 23 في المائة، لتصل إلى 21 مليار دولار، بنهاية عام 2025.


ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
TT

ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)

قبل أيام من عيد الفطر، استقلَّ السوداني محمد السيد (33 عاماً) حافلةً من حي فيصل، بمحافظة الجيزة المصرية، إلى مدينة أسوان جنوب البلاد، حيث المنفذ البري الرابط بين البلدين، بعد 10 أشهر فقط قضاها في مصر، بينما عائلته في منطقة الجزيرة بالسودان، مرجعاً قرار العودة السريع، دون استكمال علاجه الذي جاء من أجله، إلى «حملات الترحيل المصرية لمخالفي الإقامة».

وتشهد رحلات العودة الطوعية زيادةً لافتةً في الأسبوعين الماضيين، رغم تراجع رحلات العودة المجانية، وفق ما أكدته مصادر سودانية لـ«الشرق الأوسط»؛ وذلك بسبب الحملات الأمنية لترحيل السودانيين ممَّن ليست لديهم إقامات سارية، «ما جعل كثيراً من الأسر تفضِّل الإنفاق على العودة، بدلاً من تحمل تكلفة البقاء في مصر، ودفع إيجار شقة بمبلغ كبير لشهر آخر، مع مواجهة خطر الترحيل»، حسب أمين عام الجالية السودانية في مدينة العاشر من رمضان، شرق القاهرة، إبراهيم عز الدين.

تكدس العائدين في «معبر أرقين» خلال أزمة الضرائب (حملة راجعين لي بلد الطيبين)

وتسبَّبت الحرب بالسودان في فرار الملايين داخل البلاد وخارجها، بينهم نحو 1.5 مليون دخلوا مصر، حسب إحصاءات رسمية. لكن منذ مطلع 2024 وحتى نهاية 2025، غادر عبر المنافذ البرية أكثر من 428 ألف سوداني، وفق تقديرات سودانية رسمية.

وقال عز الدين لـ«الشرق الأوسط»، إن «أعداد الأسر التي رحلت بعد عيد الفطر، أضعاف من كانت تغادر قبله... وبعد انتهاء امتحانات الشهادة السودانية في مايو (أيار) المقبل، ستتضاعف الأعداد أكثر وأكثر».

الأمر نفسه أكده مؤسِّس حملة «راجعين لي بلد الطيبين»، محمد سليمان، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن لدى الحملة قوائم طويلة مُسجَّلة سيتم تفويجها تباعاً للعودة، لافتاً، إلى «أنَّ الأعداد شهدت زيادةً كبيرةً منذ عيد الفطر وحتى الآن، وأنَّ الرحلات تسير بسلاسة بعدما تداركت السلطات السودانية أزمةً كادت تؤثر على حركة العودة قبل أيام في ميناء أرقين البري».

وكان ميناء أرقين البري، شهد يوم الجمعة الماضي تكدساً للعائدين، بعدما أعلن سائقو الحافلات الإضراب؛ اعتراضاً على زيادة الضرائب المفروضة على حافلاتهم. وافترش العائدون من النساء والأطفال الأرض إلى جانب حقائبهم الكثيرة... وبعد ساعات من الأزمة، قرَّر رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، رفع الضرائب، واستأنف السائقون رحلاتهم إلى الداخل السوداني.

وعلق سليمان: «لو لم تحل الأزمة سريعاً لأثَّر ذلك على أعداد الوافدين يومياً، بعدما شهدت أعدادهم زيادةً ملحوظةً».

والزيادة في أعداد العائدين، أكدها أيضاً مدير معبر أرقين، والمشرف على المعابر، العميد مبارك داؤود سليمان، قائلاً في تصريح صحافي: «إن المعبر يشهد زيادةً مستمرةً في أعداد العائدين عقب عطلة عيد الفطر؛ حيث يتراوح عدد القادمين يومياً ما بين 1500 و2000 مواطن، رغم أن الرحلات المنتظمة لمنظومة الصناعات الدفاعية لم تبدأ بعد».

سودانيون يبحثون عن أسمائهم في قائمة المسافرين ضمن إحدى رحلات قطارات العودة (مجلس الوزراء المصري)

وبعد انتظار لشهور، تفكر السودانية لمياء محمد (32 عاماً) في استبدال الحافلات المدفوعة، بالعودة الطوعية المجانية، في ظلِّ تأخر الأخيرة، وغموض مواعيد رحلاتها، رغم أنَّ تدبير المبلغ الذي تحتاج إليه العودة المدفوعة بعد زيادة أسعارها، ليس سهلاً.

وارتفت أسعار الرحلات نحو ألف جنيه مصري، حسب منسق حملة «راجعين لي بلد الطيبين» عبد الناصر جعفر، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن الرحلات أصبحت بـ3500 جنيه (الدولار نحو 53 جنيهاً) للفرد بعدما كانت بـ2500 جنيه، مرجعاً ذلك إلى زيادة أسعار المحروقات.

تقول لمياء لـ«الشرق الأوسط»، إنها سجَّلت في المرحلة السابقة لـ«العودة الطوعية المجانية» قبل غلق باب التسجيل في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، وظلَّت تنتظر اتصالاً يخبرها بموعد رحلتها، ولم يحدث ذلك، وبعد فتح باب التسجيل مجدداً، حاولت التسجيل، لكنها تفاجأت بالتعقيد في الأمر، سواء من حيث حجم البيانات المطلوبة، أو صعوبة تحميل الموقع.

وأسهمت رحلات العودة المجانية التي انطلقت في يوليو (تموز) من العام الماضي واستمرَّت حتى نهاية العام، في إعادة عشرات الآلاف من السودانيين، لكنها توقَّفت بداية العام في انتظار توفير تمويل لاستئنافها.

وقبل أسبوعين، فتحت الحملة باب التسجيل للراغبين في العودة مجاناً، دون إعلان موعد استئناف تفويج الرحلات، علماً بأن المرحلة الجديدة ستتضمن رحلات بحرية من أسوان إلى ميناء وادي حلفا السوداني.

ترغب لمياء، وعائلتها الكبيرة التي تتكوَّن من 9 أشخاص، في العودة خلال الشهر المقبل، وبحد أقصى قبل نهايته. وتقول: «نخشى حملات الترحيل، وفي الوقت نفسه لا نعلم متى ستستأنف رحلات العودة المجانية... سنحاول تدبير مبلغ العودة المدفوعة».

سيدتان سودانيتان تتجولان في شارع فيصل بمصر (الشرق الأوسط)

وبدأت قوات الأمن المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حملات موسَّعة في مناطق تمركز الوافدين، وفي الطرق، لتدقيق الإقامات وتوقيف المخالفين وفق شهادات متنوعة.

وتستضيف مصر أكثر من 10 ملايين وافد، ما بين مهاجر ولاجئ وطالب لجوء، من 62 جنسية مختلفة، في مقدمتهم السودانيون والسوريون. ويكلّف ذلك الدولة أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، حسب تقديرات حكومية مصرية.

وقال مدير عام «هيئة وادي النيل البحرية»، العقيد محمد آدم محمد أبكر، لـ«الشرق الأوسط»، «إن العمل في ميناء وادي حلفا البديل، يجري على قدم وساق، وسيكون جاهزاً خلال أسبوعين»، متوقعاً أن تُستأنف رحلات العودة الطوعية منتصف أبريل (نيسان)، لكنه أشار في الوقت نفسه، إلى أنَّ ذلك، «ليس موعداً نهائياً».


«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
TT

«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)

أعلنت المهمة البحرية الأوروبية (أسبيدس) تعزيز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن، ودعت سفن الشحن إلى توخي أقصى درجات الحذر، تحسباً لأي هجمات محتملة.

وتشير تقارير دولية -من بينها ما صدر عن مجموعة الأزمات الدولية- إلى أن توقيت دخول الحوثيين في المواجهة بين إيران وأميركا وإسرائيل يحمل دلالات سياسية؛ إذ يسعى إلى تعزيز موقف إيران التفاوضي، عبر فتح جبهة إضافية تزيد الضغط على الولايات المتحدة وحلفائها.

كما توضح هذه التقارير أن امتناع الحوثيين حتى الآن عن استهداف السفن بشكل مباشر، قد يكون مرتبطاً برغبتهم في عدم خرق تفاهمات سابقة مع واشنطن بشأن الملاحة.

حسابات استراتيجية

وفي خضم التصعيد الإقليمي المتسارع، يبرز انخراط الجماعة الحوثية في الهجمات الموجهة نحو إسرائيل، بوصفه جزءاً من حسابات استراتيجية أوسع تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة.

وتشير تقديرات مسؤولين يمنيين ومحللين إلى أن الهجمات الحوثية الأخيرة -رغم رمزيتها- لا تمثل سوى واجهة لتحركات أكثر خطورة تمنح طهران ورقة تفاوضية حساسة، في أي حوار مع الولايات المتحدة أو القوى الغربية.

وعلى الرغم من تبنِّي الحوثيين أولى هجماتهم بالصواريخ والطائرات المُسيَّرة باتجاه إسرائيل، فإن هذه العمليات تُوصف بأنها محدودة التأثير من الناحية العسكرية، وسبق أن جرى اختبار نمطها خلال الحرب في قطاع غزة.

الحوثيون استبقوا دخول الحرب إلى جانب إيران بمناورات ونقل أسلحة قرب سواحل البحر الأحمر (رويترز)

ويرى محللون أن الهدف منها ليس إحداث تحول ميداني؛ بل تأكيد الحضور ضمن ما يُعرف بمحور «المقاومة»، وإرسال رسائل سياسية محسوبة.

تحركات ميدانية

ويرى الباحث اليمني في شؤون الجماعة الحوثية عدنان الجبرني، أن التحرك الحوثي يرتبط بما يسميه «الضرورة العملياتية» التي تحددها غرفة عمليات مشتركة تضم أطرافاً من «الحرس الثوري» الإيراني وحلفائه في المنطقة.

الحوثيون خسروا سابقاً أبرز قادتهم العسكريين وفي مقدمهم رئيس أركانهم محمد الغماري (إعلام محلي)

ويصف الجبرني الهجمات الأخيرة بأنها «تمهيدية وتجريبية» تهدف إلى اختبار القدرات وتنسيق الهجمات المتزامنة، بما يسمح بإدخال الجماعة كطرف فاعل في أي تصعيد واسع. ويضيف أن الحوثيين يمثلون «خط الدفاع الأخير» لإيران؛ خصوصاً في حال توسعت الحرب أو تعرضت طهران لضغوط مباشرة.

وفي هذا السياق، سبقت الجماعة انخراطها الحالي بسلسلة من التحركات الميدانية، شملت نقل أسلحة إلى مناطق قريبة من الساحل الغربي، وتنفيذ مناورات بحرية، إضافة إلى تكثيف تدريبات وحدات الصواريخ والطائرات المُسيَّرة، ما يعكس استعداداً واضحاً لمرحلة تصعيد محتملة.