بن جعفر لـ («الشرق الأوسط»): نجحت رئيسا للبرلمان.. والترويكا أوصلت تونس لبر الأمان

أكد أن الاستقطاب الثنائي والمال السياسي يشكلان خطرا على الانتخابات

مصطفى بن جعفر رئيس البرلمان التونسي
مصطفى بن جعفر رئيس البرلمان التونسي
TT

بن جعفر لـ («الشرق الأوسط»): نجحت رئيسا للبرلمان.. والترويكا أوصلت تونس لبر الأمان

مصطفى بن جعفر رئيس البرلمان التونسي
مصطفى بن جعفر رئيس البرلمان التونسي

قال مصطفى بن جعفر، رئيس البرلمان التونسي (المجلس الوطني التأسيسي) وأحد المرشحين للانتخابات الرئاسية التي تشهدها تونس الأحد المقبل، إنه نجح رئيسا للبرلمان بفضل حسن إدارته للأزمات التي شهدها المجلس في السنوات الـ3 الماضية، كما أكد لـ«الشرق الأوسط» أن حكومة الترويكا التي كان حزبه (التكتل) جزءا منها إلى جانب حركة «النهضة» وحزب «المؤتمر»، الذي كان يترأسه المنصف المرزوقي، نجحت في إيصال تونس إلى بر النجاة.
وحول الانتخابات الرئاسية الحالية انتقد بن جعفر بشدة ما وصفه بـ«خطر» المال السياسي، وشيطنة الآخر الذي اعتبر أنها قد تؤدي لعواقب أمنية خطيرة، مثل تقسيم المجتمع إلى قسمين، وقال إن على المرشحين التركيز على أولويات وحاجيات البلاد، وأهمها، حسب رأيه، المشكلات الاجتماعية والبطالة التي تعد الهم الأول للمواطن التونسي.
«الشرق الأوسط» التقت رئيس البرلمان التونسي والمرشح للرئاسة مصطفى بن جعفر في تونس، وكان لها معه هذا الحوار:
* ما الأولويات التي تحتاج إليها تونس اليوم حسب رأيكم؟
- تونس تحتاج اليوم إلى لم شملها والخروج من الانقسامات المفتعلة، لأن الدستور حل المشكلات التي كانت تبدو عويصة ووقع استغلالها إلى أبعد الحدود: مسألة الهوية، وضمان الحريات، واستقلالية المؤسسات التي ستؤسس للحرية، لكن تبقى المسألة الرئيسة هي المشكلات الاجتماعية التي أعتبرها التحدي الأكبر، لأنها تشكل تطلعات المواطنين على كل المستويات، وخاصة الطبقة الوسطى والفقيرة، ولأنها تمس شرائح من المجتمع التونسي. الناس ينتظرون حلولا لهذه المسائل، بعد أن اطمأنوا على مسألة الحريات، ويمكن ضمان التقدم في هذا الاتجاه إذا وفقنا في جمع صفوفنا، والاتفاق على استراتيجية للتقسيم لتوظيفها والاستفادة منها انتخابيا.
* طرحت في هذه الفترة، وخاصة في الحملة الرئاسية، ظاهرة الاستقطاب الثنائي، التي أثارت جدلا بين المرشحين ومختلف الأطياف السياسية في تونس، وأنتم شخصيا تحدثتم عنها في أكثر من مناسبة، ما المشكل في الاستقطاب الثنائي؟
- الاستقطاب الثنائي ظاهرة تكونت وبدت سطحية، لأن شقا من الأطراف السياسية اعتبر واقتنع وعمل على إقناع الشعب التونسي اليوم بأن هناك خطر العودة إلى العصور البدائية.. وهذا خطر افتراضي وغير حقيقي إطلاقا، والغاية منه جلب الأصوات، ورأينا نتيجة تجربة ذلك في الانتخابات النيابية، حيث فاز حزبان أحدهما يتقدم نسبيا على الثاني، وبقية الأحزاب والعائلات الفكرية والسياسية، التقدمية منها والمعتدلة أو الاجتماعية، محيت تماما من الخريطة السياسية، أو بقي بعضها لكن بتمثيل ضعيف جدا. وهذا يشكل خطرا بالنسبة للتوازنات الاجتماعية وللاستقرار في البلاد، والطبقة المعتدلة التي تؤمن بالإسلام المستنير وتريد مواطن الشغل المضمونة، هي التي تمثل فعليا الأغلبية الساحقة في المجتمع التونسي، وهي مغيبة كليا في الانتخابات، لأن الذي حكم هو التصويت على الخوف، بمعنى التخويف من الآخر، حيث استعمل هذا الأسلوب في الانتخابات التشريعية الشهر الماضي، وهو يستعمل الآن في سباق الرئاسيات، وهو أسلوب ملخصه أنه «إذا لم تصوت لي فإنك تصوت للشيطان».
* تتردد في تونس اليوم عبارة «التصويت المفيد»، وهذا شيء جديد لم يشهده العالم العربي من قبل، ولا تشهده الدول الغربية الحديثة أيضا.. لماذا التوجه إلى هذا الخيار؟ أو لماذا يتم توجيه الشعب في هذا الاتجاه؟
- لأن الديمقراطية في تونس في بدايتها، وبدا أنه من مصلحة البعض التوجه في هذا الاتجاه، وخطر استعمال التصويت المفيد أضر ببعض الأحزاب التي كانت في حكومة الترويكا مثلا، مثل حزب التكتل (الحزب الذي تزعمه بن جعفر قبل الوصول لرئاسة البرلمان ووصل للمشاركة في الحكم بفوز حزبه في انتخابات تونس 2011)، والتي تراجعت بشكل كبير في انتخابات الشهر الماضي.
* ألا ترى أن استعمال طريقة «التصويت المفيد» ستؤدي بالتأكيد إلى تقسيم الخريطة السياسية إلى قوتين كبيرتين، وبالتالي سينعكس هذا على المجتمع التونسي الذي سينقسم إلى قوتين: واحدة ليبرالية أو علمانية وأخرى إسلامية؟
- هذا الانقسام موجود في البلدان الديمقراطية العريقة، لكن على أساس برامج ومشاريع، لكن في تونس ليس موجودا على أساس برامج ومشاريع، بل على أساس التخويف من الآخر، بمعنى كأنه تهديد أو تحذير شديد اللهجة مفاده: إذا لم تصوت لي فإنك ستأخذ البلاد نحو الكارثة، وهذا خطر.
الآن إذا وجدت نقاشا مثلا بين حزب المحافظين في بريطانيا وحزب العمال فإنه يكون حول البرامج، والبرامج البديلة، وإمكانيات تفعيلها، لكن ليس هناك خطاب تخويف من الآخر لدرجة أن تتحول الأمور إلى حرب أهلية.
* ذكرتم في المؤتمر الصحافي الذي عقد أول من أمس في تونس أنكم لن تغضبوا حركة «النهضة»، ولا حزب «نداء تونس»، وكأن في خطابكم هذا طلب ودهم والبحث عن رضاهم؟
- لا، أنا لم أقصد هذا بشكل مباشر، لكن ما أردت قوله هو أني سأجمع بين الحزبين إذا وصلت للرئاسة، وأنا لم أقصد أني أتوجه للأحزاب، لكن أردت القول إني منفتح لمؤيدي الحزبين، ولا أريد التصادم مع أي طرف كان، وقد سبق أن أثبت هذا في تجربة التصويت على الدستور، ولكم أن تتساءلوا كيف نجحت بوصفي رئيس برلمان في جمع توافق 200 صوت صوتوا لصالح الدستور التونسي. فكيف فعلت ذلك؟ هل سحرتهم؟ بالتأكيد لا، أنا نجحت في جمعهم بإدارة نقاشات بيننا، ولجنة التوافقات عقدت 50 جلسة للتوصل لتوافقات، وفي آخر الأمر صادقنا على الدستور بهذه النسبة التي تكاد تكون إجماعا.
الأسلوب نفسها والطريقة نفسها، وإقامة جلسات عمل ونقاش، هذا ما أطمح إليه في منصبي إذا توصلت للرئاسة، أنا أرى أنه ليس من المصلحة تقسيم التونسيين، بل أرى في هذا خطرا يهدد مصلحتهم، ويهدد حتى الاستقرار الاجتماعي ككل.
* بدأ في تونس جدل كبير خلال الانتخابات التشريعية التي جرت الشهر الماضي حول ظاهرة المال السياسي، وأصبحت الظاهرة أكثر انتشارا في الحملة الانتخابية الرئاسية. هل هذا يعني أنه من السهل شراء التونسي؟
- لا.. مرة أخرى أؤكد أننا ما زلنا في الخطوات الأولى للديمقراطية، التي ما زالت بعيدة عن ثقافة التونسيين، ونحن ما زلنا في بداية الممارسات، صحيح أننا عشنا التجربة في انتخابات 2011 في السياسة، لكن كانت تجربة مختلفة لأن الاستقطاب السياسي وفكرة الانقسام لم تتبلور بالقوة التي ظهرت في السنوات الأخيرة، كما أن الجماهير لم تكن تتمتع بالتكوين السياسي من قبل، وكذلك الشرائح الكبيرة الفقيرة، وكان هناك نحو 700 ألف من الشبان نصفهم من حاملي الشهادات في حالة بطالة، وهذا الوضع الهش فتح المجال لمثل هذه الممارسات الغريبة. لكن اللوم ليس على الشعب الذي يبيع صوته.. اللوم الحقيقي يقع على من يعرض أموالا لشراء الأصوات، وعلى الذين يمتلكون أيضا آليات الترغيب والترهيب، وهنا يأتي دور المؤسسات المشرفة على سير الانتخابات، مثل الهيئة العليا للانتخابات للقيام بدورها، والتشهير بهؤلاء، وكذلك الاستفادة من هذه التجربة لتدارك الثغرات القانونية التي فتحت المجال لمثل هذه الممارسات، ولا أرى حلولا أو خيارات أخرى.
لقد قبلنا بأن البناء الديمقراطي يتطلب قاعدة متينة، لكن ذلك يتم بتدرج، وهذه من أهم الدوافع التي دفعتني للترشح للرئاسة، لأني مقتنع بأن من يكون على رأس الدولة يجب أن يتمتع بروح الديمقراطية وفهم متطلبات المسار، وليست الأمور مجرد شكليات، بل هي أخلاق وثقافة وممارسة.
* من خلال تجربتكم في البرلمان التونسي وكجزء رئيس في حكومة الترويكا، ما أهم الصعوبات التي واجهت عملكم بوصفكم حكومة تشاركية؟
- المناخ العام الذي خلق لم يكن جيدا، وليس ذلك بسبب وجود المعارضة أو عملها، فعلى العكس من ذلك هذا صحي ومطلوب، لكني أتحدث عمن حاولوا شيطنة الآخر، فالترويكا تعرضت لعملية شيطنة، وهذا ما أربك عملها، والنتيجة كانت حدوث التوترات التي بلغت أشدها في صيف 2013 مباشرة بعد اغتيال الحاج محمد البراهمي، وهو زميل ونائب في البرلمان من نواب الشعب، وهذه المشكلة الأساسية التي جعلتنا نعمل بشكل متقطع ومن دون استرسال. لقد مررنا بفترات كانت تهدد حتى استقرار المؤسسة (البرلمان)، حيث طالب عدد من النواب بحل المجلس الوطني التأسيسي، وصمدنا ثم انتبهنا إلى أن التوتر سيؤدي إلى التصادم، وقد علقت أعمال المجلس لنحو شهر، ثم رجعنا بشكل تدريجي للعمل، وخلال ذلك الشهر حاولنا فتح قنوات حوار بين الأطراف المتنازعة، وأنقذنا تونس من السيناريو المصري، ومن أزمة كبيرة كان من الممكن أن تقضي على المسار الديمقراطي برمته.
* يبدو من كلامكم أن المشكل لم يكن داخل أطراف الترويكا وفيما بينكم، لكن كان من أطراف خارجية.
- بالطبع، المشكل الأساسي من الخارج، وكل شيء نسبي، والمحاسبة في السياسة تكون بالنتائج، واليوم يمكن القول إن تونس نجحت في المرور من هذه المرحلة الانتقالية الدقيقة جدا في تاريخ الشعوب بأقل التكاليف، وهذا توصلنا إليه لأننا حققنا نسبة من الانسجام في الفريق الحكومي، ثم لأن «النهضة» وهو الحزب الأقوى في الفريق الحكومي قام في وقت من الأوقات بتقييم الوضع بحكمة، مما دفعه للتخلي عن الحكومة لصالح التكنوقراط، وهذا شيء غير عادي، رغم أن له أغلبية في مجلس الشعب كان يمكن أن تسنح له بالمواصلة إلى آخر المطاف، لكنه أخذ بعين الاعتبار الوضع الإقليمي والوضع الدولي. والنجاح يعود للتشكيل الحكومي، وكما هو معروف فإن تشكيل حكومة ائتلافية يعد من أصعب الأمور حتى في الدول الأكثر ديمقراطية؛ فالتسيير ليس سهلا، لكن كنا متوافقين بيننا على أن من مصلحة تونس السير إلى الأمام حتى نصل بالمركب إلى ساحل النجاة، وقد وصلنا والحمد لله لبناء مؤسسات نتمنى ألا يقع التشكيك فيها. وأرى أني نجحت في أداء دور الحكم وساعدت في الخروج من الأزمات.



«يوم الولاية»... ثقب حوثي موسمي لاستنزاف اليمنيين

الحوثيون يستخدمون وسائل الترهيب لجمع الأموال لإنفاقها على مناسباتهم العقائدية (أ.ف.ب)
الحوثيون يستخدمون وسائل الترهيب لجمع الأموال لإنفاقها على مناسباتهم العقائدية (أ.ف.ب)
TT

«يوم الولاية»... ثقب حوثي موسمي لاستنزاف اليمنيين

الحوثيون يستخدمون وسائل الترهيب لجمع الأموال لإنفاقها على مناسباتهم العقائدية (أ.ف.ب)
الحوثيون يستخدمون وسائل الترهيب لجمع الأموال لإنفاقها على مناسباتهم العقائدية (أ.ف.ب)

فرضت الجماعة الحوثية أعباء مالية جديدة على السكان والتجار في مناطق سيطرتها، تحت مبررات مرتبطة بالتحضير لإحياء ما تسميها «ذكرى يوم الولاية»، في وقت تعيش فيه غالبية الأسر اليمنية أوضاعاً معيشية صعبة نتيجة الانهيار الاقتصادي المستمر وتداعيات الحرب الممتدة منذ سنوات.

وأكدت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة صعّدت خلال الأيام الماضية حملات التحصيل المالي في العاصمة المختطفة صنعاء وعدد من المناطق الخاضعة لسيطرتها، مستهدفةً التجار وأصحاب الشركات والمنشآت الاقتصادية، إلى جانب إلزام مؤسسات حكومية بالمساهمة في تمويل الأنشطة والفعاليات المرتبطة بالمناسبة ذات الطابع العقائدي.

وحسب المصادر، تُنفذ هذه الحملات عبر ضغوط مباشرة وغير مباشرة، تتراوح بين التهديد بفرض عقوبات إدارية أو مالية وبين التعرض لمضايقات متكررة من المشرفين الحوثيين، مما يدفع كثيرين إلى الامتثال خشية التعرض لإجراءات تعسفية قد تؤثر في أعمالهم أو مصادر دخلهم.

وأفاد شهود بانتشار فرق ميدانية تابعة للجماعة في عدد من الشوارع والأسواق والأحياء السكنية في صنعاء وضواحيها، حيث تتولى جمع ما تصفها الجماعة بـ«المساهمات» أو «التبرعات» لدعم فعاليات «يوم الولاية»، بينما يؤكد السكان أن تلك الأموال تُفرض عليهم بصورة إلزامية.

وتحدث تجار وسكان عن فرض مبالغ مالية متفاوتة حسب حجم النشاط التجاري أو طبيعة الجهة المستهدفة، فضلاً عن إلزام بعض أصحاب المحال التجارية بالمشاركة في الفعاليات والأنشطة التعبوية المصاحبة للمناسبة، بما في ذلك تعليق الشعارات واللافتات وتقديم دعم لوجستي أو مالي للحشود المنظمة.

ويرى مراقبون أن هذه الممارسات أصبحت جزءاً من سياسة متكررة تعتمدها الجماعة لتمويل أنشطتها العقائدية والإعلامية، مستفيدةً من ضعف الرقابة وغياب المؤسسات الرسمية القادرة على حماية القطاع الخاص أو الحد من عمليات الجباية التي تتكرر مع كل مناسبة دينية أو سياسية تتبناها الجماعة.

ويشير هؤلاء إلى أن المناسبات الحوثية تحولت خلال الأعوام الأخيرة إلى مواسم موسمية لفرض الإتاوات واستنزاف ما تبقى من السيولة المالية لدى المواطنين والتجار، في ظل تراجع النشاط الاقتصادي وانكماش الأسواق وارتفاع معدلات الفقر والبطالة.

ازدياد الأعباء المعيشية

أعرب عدد من التجار اليمنيين عن استيائهم من تكرار فرض المساهمات المالية عليهم لمصلحة قادة الجماعة الحوثية، مؤكدين أن قدرتهم على الاستمرار في أعمالهم باتت مهدَّدة نتيجة تداخل عوامل عديدة، من بينها الركود الاقتصادي وارتفاع تكاليف التشغيل وتراجع القوة الشرائية للمواطنين.

وقال أحد أصحاب المحال التجارية في صنعاء، فضّل استخدام اسم مستعار لأسباب أمنية، إن الجماعة تعود في كل مناسبة لفرض رسوم أو مساهمات جديدة، موضحاً أن الحركة التجارية تشهد تراجعاً كبيراً، في حين تزداد الالتزامات المالية المفروضة على التجار بشكل مستمر.

وأضاف أن رفض الدفع لم يعد خياراً متاحاً للكثيرين، نظراً لما قد يترتب عليه من زيارات متكررة للمشرفين الحوثيين أو مضايقات قد تعطِّل النشاط التجاري وتؤثر في سير العمل.

ولا تقتصر الشكاوى على التجار، إذ يقول موظفون في القطاع الحكومي إنهم يتعرضون أيضاً لضغوط للمساهمة في تمويل بعض الفعاليات، رغم استمرار أزمة الرواتب التي تعاني منها شريحة واسعة من الموظفين منذ سنوات.

في السياق ذاته، تؤكد أسر يمنية أن ازدياد الجبايات يفاقم معاناتها اليومية في ظل الارتفاع المستمر لأسعار المواد الغذائية والدوائية والخدمات الأساسية، الأمر الذي يجعل توفير الاحتياجات الضرورية أكثر صعوبة من أي وقت مضى.

تكلفة اقتصادية مرتفعة

تُعد مناسبة ما يسمى «يوم الولاية» من أبرز المناسبات التي تحرص الجماعة الحوثية على إحيائها سنوياً، حيث تنظم خلالها فعاليات جماهيرية واسعة وحملات دعائية وإعلامية مكثفة، تتطلب إنفاقاً مالياً كبيراً.

ويؤكد منتقدون للجماعة أن جزءاً كبيراً من هذه النفقات يجري توفيره عبر جبايات تُفرض على المواطنين والقطاع الخاص تحت مسميات مختلفة، في وقت تشهد فيه مناطق سيطرة الحوثيين تراجعاً حاداً في النشاط الاقتصادي وضعفاً في فرص العمل ومصادر الدخل.

ويُحذر خبراء اقتصاديون من أن استمرار هذه السياسات يؤدي إلى تعميق حالة الركود الاقتصادي، وإضعاف قدرة القطاع الخاص على الاستمرار، فضلاً عن انعكاساتها السلبية على الأسعار وفرص التوظيف ومستويات المعيشة.

ويرى هؤلاء أن أي تعافٍ اقتصادي محتمل سيظل محدوداً ما دامت الأنشطة التجارية والاستثمارية تواجه بيئة غير مستقرة تتسم بفرض القيود والإتاوات والتدخلات المتكررة في عمل الأسواق.

ويزعم الحوثيون أن «يوم الولاية» هو اليوم الذي عهد فيه الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) قبل وفاته بالولاية لعلي بن أبي طالب ولمن ينتسبون إلى ذريته من بعده، والذي يوافق الثامن عشر من شهر ذي الحجة كل عام، وهو ما يعني -حسب عقيدتهم- الأحقية الدينية والسياسية لزعيم الجماعة عبد الملك الحوثي في الحكم والسلطة استناداً إلى مزاعم انتسابه إلى ذرية علي بن أبي طالب.

الطوارئ الغذائية

بالتوازي مع هذه التطورات، أطلقت منظمات دولية تحذيرات جديدة بشأن مستقبل الأمن الغذائي في اليمن، متوقعةً استمرار الأوضاع الحرجة في عدد من المحافظات الواقعة تحت سيطرة الجماعة الحوثية خلال الأشهر المقبلة.

وأفادت شبكة الإنذار المبكر بالمجاعة بأن مستويات الطوارئ الغذائية، المصنفة ضمن المرحلة الرابعة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، مرشحة للاستمرار حتى نهاية سبتمبر (أيلول) المقبل في محافظات الحديدة وحجة وتعز الواقعة تحت سيطرة الجماعة، بينما تسود حالة الأزمة الغذائية في معظم المناطق الأخرى الخاضعة لها.

وأرجع التقرير استمرار الأزمة إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، من أبرزها تدهور بيئة الأعمال، وفرض قيود على الأنشطة الاقتصادية والاستثمارية، وتراجع فرص كسب الدخل، إلى جانب استمرار تداعيات الصراع وتدهور الأوضاع الاقتصادية العامة.

وتوقعت الشبكة أن يؤدي استمرار هذه الظروف إلى مزيد من التراجع في القدرة الشرائية للأسر اليمنية واتساع فجوات الاستهلاك الغذائي، مما سيدفع أعداداً أكبر من السكان إلى تبني آليات تكيف قاسية وغير مستدامة لتأمين احتياجاتهم الأساسية، الأمر الذي يُنذر بإطالة أمد الأزمة الإنسانية في واحدة من أكثر دول العالم معاناة من انعدام الأمن الغذائي.


تقلّبات المناخ تُفاقم هشاشة الزراعة والغذاء في اليمن

ندرة المطر وارتفاع درجات الحرارة يؤثران على الإنتاج الزراعي باليمن (الأمم المتحدة)
ندرة المطر وارتفاع درجات الحرارة يؤثران على الإنتاج الزراعي باليمن (الأمم المتحدة)
TT

تقلّبات المناخ تُفاقم هشاشة الزراعة والغذاء في اليمن

ندرة المطر وارتفاع درجات الحرارة يؤثران على الإنتاج الزراعي باليمن (الأمم المتحدة)
ندرة المطر وارتفاع درجات الحرارة يؤثران على الإنتاج الزراعي باليمن (الأمم المتحدة)

على الرغم من أن التوقعات المناخية تشير إلى احتمال تسجيل اليمن خلال الأسابيع المقبلة معدلات أمطار أعلى من المعتاد، فإن المخاوف من التأثيرات السلبية للتغيرات المناخية على القطاع الزراعي تزايدت مع الغياب شبه الكامل للأمطار في ذروة الموسم المطري مطلع الشهر الحالي.

وتوقعت تقارير مناخية وزراعية دولية أن تشهد أجزاء واسعة من اليمن خلال يونيو (حزيران) الحالي هطول أمطار أعلى من المعدلات الطبيعية، بالتزامن مع استمرار موجات الحر وارتفاع درجات الحرارة في عدد من المناطق؛ وهو ما يثير مخاوف من انعكاسات متباينة على القطاع الزراعي والثروة الحيوانية، في ظل أزمة إنسانية متنامية ناجمة عن تراجع تمويل خطة الاستجابة الإنسانية التي تقودها الأمم المتحدة.

ومع تأكيد منظمات الإغاثة أن أكثر من 18 مليون يمني يحتاجون إلى مساعدات إنسانية خلال العام الحالي، أوضحت التقديرات المناخية أن يونيو يمثل عادة بداية موسم الرياح الموسمية الجنوبية الغربية، حيث تشهد المرتفعات الغربية والسهول الساحلية أمطاراً متفرقة تتراوح بين الخفيفة والمتوسطة، في حين تبقى المناطق الصحراوية في الشرق والوسط أكثر جفافاً.

وأشار تقرير مناخي حديث إلى أن الأيام العشرة الأولى من الشهر الحالي شهدت غياباً شبه كامل للأمطار أو هطولات محدودة للغاية في معظم المحافظات اليمنية؛ الأمر الذي أوجد ظروفاً غير مواتية لزراعة المحاصيل البعلية وتعافي المراعي الطبيعية.

نحو 73 % من اليمنيين يعتمدون على الزراعة (الأمم المتحدة)

وفي المقابل، سجلت أجزاء من محافظة إب أمطاراً غزيرة تراوحت بين 40 و60 مليمتراً؛ وهو ما أسهم بصورة مؤقتة في تحسين توفر المياه وتعزيز تغذية بعض المصادر المائية المحلية.

ورغم المخاوف المرتبطة باستمرار الجفاف في مناطق واسعة، أبرز التقرير الصادر عن منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو) توقعات المعهد الدولي لأبحاث المناخ والمجتمع التي تشير إلى احتمال هطول أمطار فوق المعدلات الطبيعية في أجزاء كبيرة من البلاد خلال الفترة المقبلة؛ وهو ما قد ينعكس إيجاباً على الإنتاج الزراعي وتغذية المياه الجوفية إذا استمرت الأمطار بوتيرة منتظمة.

ضغط موجات الحر

في المقابل، حذَّر التقرير الأممي من استمرار الارتفاع الحاد في درجات الحرارة، لا سيما في المناطق الصحراوية الداخلية بمحافظتي حضرموت والمهرة، حيث قد تتجاوز درجات الحرارة 42 درجة مئوية، في حين يُتوقع أن تسجل المناطق الساحلية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن درجات حرارة تتراوح بين 35 و40 درجة مئوية.

وأوضح أن موجات الحر المتواصلة قد تؤدي إلى تسارع فقدان رطوبة التربة نتيجة زيادة معدلات التبخر والنتح؛ ما يقلل من الاستفادة الفعلية من مياه الأمطار ويؤثر سلباً في الزراعة البعلية والمراعي الطبيعية وإنتاج الثروة الحيوانية.

كما رجح التقرير أن تتسبب الظروف الجافة في تعطيل أو تأخير عمليات الزراعة في عدد من المناطق الزراعية الرئيسية، إضافة إلى الحد من نمو المحاصيل وخفض الإنتاجية الزراعية.

وأشار إلى أن ارتفاع درجات الحرارة يرفع الطلب على مياه الري، ويؤدي إلى استنزاف أسرع لرطوبة التربة؛ ما يزيد تكاليف الإنتاج على المزارعين ويضاعف التحديات الاقتصادية التي يواجهها القطاع الزراعي.

تأخر هطول الأمطار يثير مخاوف قطاع الزراعة في اليمن (الأمم المتحدة)

وتوقع معدّو التقرير أن يبقى تعافي المراعي محدوداً خلال الفترة المقبلة؛ الأمر الذي سيؤدي إلى تراجع توفر المراعي الطبيعية وزيادة الضغوط على سبل عيش الرعاة في مناطق واسعة من البلاد.

كما حذَّروا من أن الثروة الحيوانية قد تواجه مستويات أعلى من الإجهاد الحراري ونقصاً في مصادر المياه؛ وهو ما قد ينعكس على صحة الحيوانات وإنتاجيتها، خصوصاً في المناطق الأكثر تعرضاً للجفاف وارتفاع درجات الحرارة.

ودعا التقرير إلى تعزيز أنظمة الإنذار المبكر، وتكثيف الإرشادات الزراعية والمناخية للمزارعين والرعاة، ودعم استخدام تقنيات الري الحديثة والطاقة الشمسية، إلى جانب التوسع في زراعة الأصناف المقاومة للجفاف وتحسين إدارة الموارد المائية.

وشدَّد على أهمية تخزين المدخلات الزراعية الأساسية والإمدادات البيطرية وأعلاف الطوارئ مسبقاً في المناطق عالية المخاطر؛ لضمان سرعة الاستجابة في حال تفاقمت الظروف المناخية أو تدهورت الأوضاع الإنسانية.

فجوات التمويل

على صعيد متصل، أكد برنامج الأغذية العالمي وجود فجوات تمويلية كبيرة تعيق قدرته على تلبية الاحتياجات الإنسانية المتزايدة وتوسيع نطاق الاستجابة الطارئة في محافظة مأرب، التي تستضيف أكبر تجمع للنازحين في اليمن.

التوسع في بناء الحواجز المائية باليمن للاستفادة منها خلال موسم الجفاف (الأمم المتحدة)

وقال القائم بأعمال رئيس مكتب البرنامج في مأرب، هابي غود جون، خلال لقائه وكيل المحافظة عبد ربه مفتاح، إن نقص التمويل بات يشكل عائقاً رئيسياً أمام استمرارية البرامج الإنسانية وتوسيع قوائم المستفيدين، خصوصاً بين النازحين داخلياً.

ودعا المسؤول الأممي المجتمع الدولي إلى حشد موارد إضافية لدعم العمليات الإنسانية وضمان استمرار تقديم المساعدات الغذائية والخدمات الأساسية للفئات الأكثر احتياجاً، محذّراً من أن اتساع الفجوة التمويلية قد يفاقم من معاناة ملايين اليمنيين في ظل التحديات المناخية والاقتصادية المتزايدة.


الحكومة اليمنية تحسم الجدل حول دار إيواء المعنفات بحضرموت

تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
TT

الحكومة اليمنية تحسم الجدل حول دار إيواء المعنفات بحضرموت

تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)

حسمت الحكومة اليمنية الجدل الواسع الذي أثير خلال الأيام الماضية بشأن دار إيواء النساء المعنفات في محافظة حضرموت (شرق) بعد موجة من الاعتراضات، والانتقادات التي رافقت الإعلان عن الدار في بعض الأوساط الاجتماعية، مؤكدة أن المنشأة لا تستهدف تشجيع النساء على التمرد على أسرهن، أو تقويض بنية الأسرة اليمنية، وإنما تمثل آلية للحماية الاجتماعية، والإنسانية تخضع لإشراف حكومي مباشر، وضوابط قانونية محددة.

وجاء التوضيح الحكومي عقب أيام من النقاشات الحادة، والتفسيرات المتباينة بشأن طبيعة عمل الدار، وأهدافها، إذ أصدر مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بساحل حضرموت بياناً أكد فيه أن كثيراً من المعلومات المتداولة استندت إلى روايات غير دقيقة، وأن الصورة التي جرى ترويجها لا تعكس طبيعة الدور الذي أنشئت من أجله الدار.

وأوضح المكتب أن دار الإيواء ليست جهة لتشجيع الخلافات الأسرية، أو تفكيك الروابط الاجتماعية، كما أنها لا تمثل ملاذاً للهروب من الأسرة، بل خدمة اجتماعية مؤقتة تستهدف النساء اللاتي يواجهن ظروفاً استثنائية تستدعي الحماية، والرعاية وفقاً للقوانين النافذة، والضوابط المعمول بها.

وبحسب البيان الحكومي، فإن الدار مخصصة لاستقبال النساء اللاتي لا يجدن مأوى آمناً نتيجة مشكلات اجتماعية أو أسرية معقدة، أو اللواتي يتعرضن للعنف، أو التهديد، أو الاستغلال، بما يضمن حمايتهن من المخاطر المحتملة التي قد تواجههن في حال بقائهن دون رعاية، أو مأوى.

حملة تحريض استهدفت دار إيواء المعنفات في حضرموت (إعلام حكومي)

وأشار المكتب إلى أن وجود مثل هذه المرافق يسهم في الحد من حالات الابتزاز والاستغلال التي قد تتعرض لها بعض النساء في الظروف الاستثنائية، كما يتيح معالجة الإشكالات الأسرية عبر تدخلات اجتماعية ومهنية تراعي أحكام الشريعة، والقانون، وتحافظ على السرية، والخصوصية.

وأكدت السلطات أن الدار تعمل تحت إشراف مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وبالتنسيق مع مكتب وزارة الأوقاف والإرشاد، والجهات المختصة الأخرى، بما يضمن توجيه خدماتها نحو الإصلاح الاجتماعي، والحماية الإنسانية بعيداً عن أي أهداف أخرى يجري الترويج لها.

الحالات المستقبَلة

أوضح البيان الحكومي اليمني أن الدار لا تستقبل الحالات بشكل عشوائي، وإنما تستقبل النساء المحالات من الجهات المختصة، وفي مقدمتها الأجهزة الأمنية، والجهات الاجتماعية، بعد دراسة أوضاعهن، والتأكد من حاجتهن إلى الرعاية المؤقتة.

كما تشمل الخدمات النساء القادمات من خارج المحافظة ممن لا يجدن مكاناً آمناً للإقامة إلى حين تسوية أوضاعهن، إضافة إلى بعض الحالات التي تنتهي إجراءاتها القانونية في السجون، بينما يرفض ذووها استقبالها، الأمر الذي يضعها أمام ظروف اجتماعية وإنسانية صعبة.

اتحاد نساء اليمن يلعب دوراً فاعلاً في حماية المعنفات (إعلام محلي)

وكشف مكتب الشؤون الاجتماعية والعمل في ساحل حضرموت أنه تدخل خلال الأعوام الثلاثة الماضية في أكثر من 730 حالة احتاجت إلى الحماية، والرعاية الاجتماعية، وهو ما يعكس حجم الحاجة إلى مثل هذه الخدمات في ظل التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تشهدها البلاد.

وفيما يتعلق بتمويل المشروع، أوضح المكتب أن إنشاء المبنى تم بدعم من الوكالة الكورية للتعاون الدولي عبر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، واقتصر الدعم على عملية البناء، قبل أن تُسلَّم الدار رسمياً إلى الحكومة اليمنية لتتولى إدارتها، والإشراف عليها.

تحذير من حملات التشويه

ردّت السلطات اليمنية على ما وصفته بحملات التحريض التي استهدفت الدار خلال الأيام الماضية، مؤكدة احتفاظها بحقها القانوني في مقاضاة كل من نشر معلومات مضللة، أو صوراً معدلة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وبرامج التلاعب الرقمي بهدف تشويه صورة المؤسسة، وإثارة البلبلة المجتمعية.

ورأى البيان أن تلك الحملات تتعارض مع القيم الاجتماعية والأخلاقية، وتسعى إلى إثارة الفتنة، وتغذية الانقسامات بدلاً من دعم الجهود الرامية إلى حماية الفئات الأكثر هشاشة.

وأكدت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل أن الإسلام أولى المرأة عناية خاصة، وحث على صون كرامتها وحمايتها، مشيرة إلى أن الظروف التي فرضتها الحرب والأزمة الاقتصادية جعلت الحاجة أكبر إلى آليات مهنية توفر الحماية للحالات الأكثر عرضة للمخاطر، والانتهاكات.

وفي حين لا تتوافر إحصاءات رسمية دقيقة بشأن حجم العنف الأسري ضد النساء في اليمن، بسبب ضعف الإبلاغ، والخوف من الوصمة الاجتماعية، فإن تقارير محلية ودولية تشير إلى تصاعد الظاهرة خلال سنوات الحرب.

كما تؤكد الأمم المتحدة أن النزاع المسلح والنزوح وتدهور الأوضاع المعيشية، كلها ساهمت في ارتفاع معدلات العنف المنزلي ضد النساء والفتيات اليمنيات في مختلف أنحاء البلاد.