تأرجح أوروبي بين تنشيط عجلة الاقتصاد وتجنب موجة جديدة

أقنعة واقية إلزامية... ومنع التجمعات في الأماكن المغلقة... وتأجيل فتح المدارس

تأرجح أوروبي بين تنشيط عجلة الاقتصاد وتجنب موجة جديدة
TT

تأرجح أوروبي بين تنشيط عجلة الاقتصاد وتجنب موجة جديدة

تأرجح أوروبي بين تنشيط عجلة الاقتصاد وتجنب موجة جديدة

يجد قادة دول أوروبية أنفسهم اليوم أمام معادلة صعبة، بعد أكثر من شهر على فرضهم إغلاقاً تاماً لوقف تفشي وباء كورونا المستجد. فهم يسعون إلى الموازنة بحذر بين إعادة فتح اقتصادات بلدانهم التي تكبّدت خسائر تاريخية، والإبقاء على تدابير التباعد الاجتماعي لتجنّب موجة ثانية من انتشار فيروس «كوفيد - 19» قد تكون أشرس.
وتواجه الدول الأوروبية الأكثر تضرراً تحدياً مضاعفاً، بين ضرورة تنشيط عجلة الاقتصادات المنهكة التي قد تؤدي إلى أسوأ ركود اقتصادي منذ عقود، ومخاوف حقيقية من انتشار جديد للوباء في غياب لقاح أو علاجات فعالة. وفي حين جددت منظمة الصحة العالمية تحذيرها من تداعيات «التراخي» في فرض التدابير الوقائية، أعلن وزير الاقتصاد الفرنسي برونو لومير أمس، أن «عودة النشاط أمر لا غنى عنه للأمة الفرنسية. علينا العودة إلى العمل، علينا أن نستعيد حركتنا».

- 4 مراحل تمهّد لواقع إسباني جديد
بعد أربعة أسابيع من التردد والتكتّم الشديد، كشفت إسبانيا عن خطتها للعودة التدريجية إلى الحياة الطبيعية على أربع مراحل ضمن جدول زمني غير مقيّد بتواريخ محددة لاستئناف النشاط في المتاجر أو المقاهي والمطاعم وأماكن الترفيه على غرار الخطط التي أعلنتها دول أوروبية أخرى في الأيام الأخيرة المنصرمة. لكن الخطة التي أعلنها رئيس الحكومة بيدرو سانتشيز تحدّد تاريخاً واحداً مهماً، هو أواخر شهر يونيو (حزيران) المقبل لإنهاء المرحلة الأخيرة من «برنامج العبور إلى وضع طبيعي جديد» يضع حدّاً لأربعة أشهر تقريباً من العزل الاجتماعي ووقف العجلة الاقتصادية.
وقال مقرّبون من سانتشيز، إن حرصه على إنهاء مراحل العودة إلى الوضع الطبيعي الجديد أواخر يونيو مردّه إلى الرهان على إنقاذ فصل الصيف في بلد يعتمد على قطاع السياحة الذي يشكّل 12 في المائة من إجمالي دخله القومي.
وتحصر الخطة كل القرارات بيد الحكومة المركزية، التي قال سانتشيز، إنها ستنسّقها مع السلطات الإقليمية «لأن الجداول الزمنية وما يرافقها من تدابير ستختلف باختلاف انتشار الوباء في المقاطعات»، مشدّداً على عدم جواز الانتقال من مقاطعة إلى أخرى، سوى لأغراض العمل أو في حالات استثنائية، حتى نهاية يونيو منعاً لانتشار الفيروس من المناطق الأكثر تضرراً مثل مدريد وبرشلونة، إلى المناطق الأخرى.
أما المراحل الأربع فتفصل بينها فترة لا تقلّ عن أسبوعين، وهي قابلة للتعديل وفقاً لمجموعة من المعايير والمؤشرات. وبدأت المرحلة التمهيدية مطلع الأسبوع الحالي بتخفيف بعض التدابير، مثل السماح للأطفال بالخروج للتنزّه ساعة يوميّاً برفقة الأهل، ثم اعتباراً من بعد غد (السبت) بممارسة بعض الرياضات الفردية والنزهات العائلية وفقاً لجداول زمنية معيّنة. كما يسمح بالتدريب الفردي للرياضيين المحترفين، واستئناف نشاط المطاعم التي تقدّم خدمة التوصيل إلى المنازل وصالونات التجميل والحلاقة بموعد سابق.
أما المرحلة الأولى، فتشهد استئناف الأنشطة الاجتماعية في المنازل، مثل الزيارات واللقاءات بين أشخاص غير معرّضين أو مصابين بالوباء وبأعداد محدودة، والانتقال داخل المقاطعات وفتح المتاجر الصغيرة ومقاهي الأرصفة بنسبة لا تتجاوز 30 في المائة من قدرتها الاستيعابية. كما يسمح بفتح الفنادق ومتاجر المواد الغذائية على أنواعها ودور العبادة أيضاً بنسبة لا تتجاوز ثلث قدرتها الاستيعابية.
وفي المرحلة الثانية، تفتح المطاعم بنسبة محدودة مع عوازل بين الموائد، وتستأنف دور السينما والمسارح نشاطها بنسبة 30 في المائة، وكذلك الأنشطة الثقافية شرط ألا يتجاوز عدد الحضور 40 شخصاً في الأماكن المغلقة و400 في الهواء الطلق، وكذلك أنشطة الصيد والقنص. وفي المرحلة الثالثة، تستعيد المطاعم كامل قدرتها الاستيعابية، لكن مع الحفاظ على العوازل بين الزبائن، ويسمح للمحال التجارية باستعادة كامل قدرتها الاستيعابية، وتخفَّف تدابير التنقل بصفة عامة.
أما المعايير التي تحدّد مسار الإجراءات التخفيفية وفترات تطبيقها أو تجميدها، والتي وعدت الحكومة بتنسيقها مع السلطات الإقليمية استناداً إلى البيانات التي تمدّها بها بصورة دورية، فتشمل القدرات الصحيّة مثل العناية الأولية والتجهيزات الطبية وعدد وحدات العناية الفائقة في المستشفيات وعدد الطواقم الصحية ومعدات الوقاية اللازمة لحمايتها، فضلاً عن نسبة انتشار الوباء وعدد الإصابات والوفيّات اليومية ومنحى تطورها ونسبة التعافي وعدد الاختبارات الجديدة ونسبتها من عدد السكان. بالإضافة إلى تدابير الوقاية الجماعية في أماكن العمل والمتاجر ووسائل النقل العام، وبيانات التحرك الاجتماعي وعدد المخالفات للتدابير ونسبة خطورتها.
وبعد ساعات قليلة من إعلان سانتشيز خطته، فتحت المعارضة اليمينية النار عليه مجدداً متهمة إياه بالارتجال والتحرك خبط عشواء، وقالت إن الخطوة تفتقر إلى الدقة، ولا تحدد مساراً واضحاً يهتدي به المواطنون لتنفيذ مجموعة التدابير المقترحة. وأوضحت الناطقة بلسان الحزب الشعبي في البرلمان كايّتانا آلفاريز «فقدنا آلاف الأرواح الغالية بسبب أخطاء الحكومة، ونخشى أن تؤدي هذه الخطة الغامضة إلى المزيد من الكوارث الاقتصادية».
القوى الإقليمية من جهتها، وبخاصة الحكومتان الكاتالونية والباسكية، انتقدت الخطة، لكن لأسباب مختلفة حيث اعتبرتها ترسّخ إعادة الصلاحيات إلى الحكومة المركزية التي بدأت مع إعلان حالة الطوارئ منتصف الشهر الماضي. وتطالب الحكومة الكاتالونية منذ فترة باستعادة الصلاحيات وإدارة الأزمة الصحية بمفردها، ويردد المسؤولون فيها أنهم لو تولّوا إدارة الأزمة منذ البداية لكان عدد ضحايا الجائحة أقل، علماً بأن إسبانيا هي من أكثر البلدان تضرراً في العالم وتسجّل أعلى نسبة وفيّات مقارنة بعدد السكّان، والثانية بعد الولايات المتحدة في عدد الإصابات.
وفي حين ذهب الحزب اليميني المتطرف «فوكس» إلى الإعلان أنه سيقاضي الحكومة أمام المحكمة العليا «لارتكابها أعمالاً إجرامية»، قال حاكم البنك المركزي، إن «إسبانيا مقبلة على كارثة اقتصادية لا سابقة لها».
- كمامات إلزامية في ألمانيا
أصبح ارتداء القناع الواقي إلزامياً اعتباراً من أمس في أنحاء ألمانيا كافة، بينما تعد دول أوروبية أخرى خططها لرفع تدريجي لإجراءات العزل المفروضة من أجل الحد من انتشار فيروس كورونا المستجد الذي تجاوز عدد المصابين به في الولايات المتحدة المليون.
وبعد فرضها وضع كمامات في وسائل النقل العام، قررت العاصمة الألمانية برلين فرض ذلك في المحال التجارية أيضاً، حسبما ذكر أندرياس غايزل، مساعد رئيس البلدية للشؤون الداخلية. وكانت المناطق الـ15 الأخرى اتّخذت قراراً مماثلاً الأسبوع الماضي. وبذلك، تصبح ألمانيا بأكملها تفرض ارتداء الكمامات الصحية في المحال التجارية، ويتعلق القرار الذي تبناه مجلس شيوخ برلين بحماية الأنف والفم. وسمح بوضع مناديل، كما ذكرت وكالة الصحافة الفرنسية. وسواء كانوا يرغبون في ذلك أو لا يرغبون، يمتثل الألمان فعلياً بوضع كمامات في وسائل النقل. وقال إيميل الشاب الذي كان ينتظر الثلاثاء قطار الضواحي في محطة في برلين، إن الكمامة «تنزلق وتجعلنا نتنفس بصعوبة». وأضاف «لكن إذا كان ذلك لتجنب الإصابة (بالفيروس)، فلا بأس».
ودعت السلطات الألمانية السكان إلى التزام الحذر في مواجهة الوباء. وستستعرض الحكومة الفيدرالية والمناطق اليوم القرار التي ينتظر إعلانه في السادس من مايو (أيار)، حول إجراءات محتملة لتخفيف العزل.
- رفع تدريجي للقيود في روما وباريس
في فرنسا، قدم رئيس الوزراء إدوار فيليب، الثلاثاء، خريطة طريق لإعادة تشغيل البلاد تدريجياً اعتباراً من 11 مايو، وهو موعد كان حدده الرئيس إيمانويل ماكرون من قبل. ووافق أغلبية النواب على الخطة التي انتقدتها المعارضة، معتبرة أن الكثير من نقاطها «غامضة». وتشمل هذه الخطة إجراء فحوص واسعة وإعادة فتح المدارس تدريجيا، وإعادة فتح المحلات التجارية (لكن من دون المقاهي والمطاعم)، وفرض ارتداء أقنعة واقية في وسائل النقل العام.
وستبقى دور السينما والمتاحف الكبيرة والمسارح مغلقة وكذلك الشواطئ، بينما لن يستأنف الموسم الرياضي للعام 2019 – 2020، وستكون التجمعات لأكثر من عشرة أشخاص محظورة. وحذّر رئيس الوزراء الفرنسي في خطاب في الجمعية الوطنية الفرنسية من أنه «سيكون علينا التعايش مع الفيروس». وأضاف أن «الإفراط بعدم الاكتراث سيؤدي إلى انتشار الوباء مجدداً والإفراط بالحذر سيجعل البلاد بأكملها تغرق» بسبب التبعات الاقتصادية للوباء. أما في إيطاليا، فلن تفتح المدارس أبوابها قبل سبتمبر (أيلول). وفي هذا البلد الذي دفع الثمن الأكبر للوباء في أوروبا، حدّدت إجراءات تخفيف العزل اعتباراً من الرابع من مايو، ومن بينها استمرار حظر التجمعات المحظورة وحظر التنقل بين المناطق وفرض وضع أقنعة واقية في وسائل النقل. وبدأت ميلانو عاصمة لومبارديا المنطقة الإيطالية الأكثر تأثرا بالوباء، بإعداد المترو الخاص بها للرفع التدريجي للعزل في محاولة لفرض مسافات الأمان في داخله.
كما بدأت دول أوروبية أخرى رفعاً تدريجياً للعزل فعلياً بإعادة فتح الكثير من الشركات، لكن في إطار أوامر صارمة بالإبقاء على «التباعد الاجتماعي»، من بينها النرويج، والدنمارك، وسويسرا، والنمسا، وألمانيا.


مقالات ذات صلة

لقاح أنفي قد يحمي من «كورونا» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي في آنٍ واحد

صحتك اللقاح يُعطى عن طريق الأنف عبر رذاذ أنفي (أرشيف - أ.ب)

لقاح أنفي قد يحمي من «كورونا» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي في آنٍ واحد

طوَّر باحثون أميركيون لقاحاً جديداً قادراً على الوقاية من عدة فيروسات في آنٍ واحد، بما في ذلك «كوفيد-19» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

التطعيم يحمي الأم ووليدها

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)
صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

تقارير: أميركا تستعد لشحن أسلحة من كوريا الجنوبية إلى الشرق الأوسط

رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ (د.ب.أ)
رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ (د.ب.أ)
TT

تقارير: أميركا تستعد لشحن أسلحة من كوريا الجنوبية إلى الشرق الأوسط

رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ (د.ب.أ)
رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ (د.ب.أ)

قال رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ، اليوم الثلاثاء، إن بلاده لا تستطيع منع القوات الأميركية من شحن بعض الأسلحة خارجها، لكن ذلك لن يؤثر على قدرة الردع في مواجهة كوريا الشمالية، وذلك بعد تقارير عن تجهيز هذه الأسلحة لإعادة نشرها في الشرق الأوسط.

وأضاف: «يبدو أن هناك جدلاً في الآونة الأخيرة بخصوص شحن القوات الأميركية المتمركزة في كوريا بعض الأسلحة خارجها»، مشيراً إلى أنه على الرغم من أن سيول قد عبّرت عن معارضتها، فإنها ليست في وضع يسمح لها بتقديم مطالب، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وذكر وزير الخارجية الكوري الجنوبي تشو هيون، يوم الجمعة، إن الجيشين الأميركي والكوري الجنوبي يناقشان إمكان إعادة نشر بعض منظومات الدفاع الصاروخي «باتريوت» الأميركية المتمركزة في كوريا الجنوبية لاستخدامها في الحرب على إيران.

بدوره، قال وزير الدفاع التايواني ويلينغتون كو، الثلاثاء، إن الولايات المتحدة لم تتواصل مع تايبه بشأن نقل أسلحة إلى الشرق الأوسط.

وقال كو، في حديثه لصحافيين في البرلمان، إن إعادة نشر أي من الأسلحة الأميركية الصنع لدى تايوان لن تحدث إلا إذا طلبت الولايات المتحدة ذلك. وأضاف أنه في حالة حدوث ذلك، ستكون الولايات المتحدة مسؤولة عن نقلها.

وقال كو: «لكن حتى الآن، لم يتصلوا بنا بشأن استخدام أي من عتادنا ذي الصلة في الحرب بين الولايات المتحدة وإيران».

والولايات المتحدة هي المورد الرئيسي للأسلحة لتايوان، التي تمتلك صواريخ «باتريوت» في ترسانتها.

وتواجه تايوان، التي تحكمها حكومة ديمقراطية، ضغوطاً عسكرية متزايدة من الصين، التي تعتبر الجزيرة جزءا من أراضيها. وترفض حكومة تايوان مطالبات بكين بالسيادة.

وأفادت تقارير إعلامية نقلاً عن مصادر في الحكومة الكورية الجنوبية أن أنظمة باتريوت يجري تجهيزها لإعادة نشرها في الشرق الأوسط، حيث وصلت طائرات نقل عسكرية أميركية ثقيلة إلى أوسان لنقلها.


إندونيسيا: فقدان 3 بحارة في غرق قاطرة استُهدفت بمضيق هرمز

ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
TT

إندونيسيا: فقدان 3 بحارة في غرق قاطرة استُهدفت بمضيق هرمز

ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)

فُقد ثلاثة بحّارة إندونيسيين بعد غرق سفينة قاطرة، الجمعة، في مضيق هرمز، وفق ما أعلنت وزارة الخارجية الإندونيسية.

وأفادت الوزارة في بيان أن «ناجياً إندونيسياً يعالَج حالياً من حروق بمدينة خصب في عُمان. وما زالت السلطات المحلية تبحث عن الإندونيسيين الثلاثة الآخرين»، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وشهدت السفينة قبل أن تغرق انفجاراً تسبّب في اندلاع حريق، وفق بيان الوزارة التي أشارت إلى فتح تحقيق.

 

 

وأثارت الحرب اضطرابات في الأسواق العالمية وارتفعت أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها منذ عدة سنوات مع إغلاق مضيق هرمز فعلياً.


في عالم المحاور والاصطفافات... هل يقع الصدام الكبير بين الولايات المتحدة والصين؟

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

في عالم المحاور والاصطفافات... هل يقع الصدام الكبير بين الولايات المتحدة والصين؟

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)

يتخوّف العالم من تداعيات الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، ومن احتمال توسّعها، ودخول أطراف أخرى فيها لتتحوّل إلى حرب عالمية تحمل الرقم ثلاثة، مع العلم أن ثمة من يرى أن هذه الحرب بدأت قبل سنوات من دون أن تتخذ الطابع العسكري والجغرافي الكلاسيكي المباشر.

وفي السياق، يتساءل كثيرون في واشنطن عمّا يعنيه الهجوم على إيران بالنسبة إلى الصين. وهؤلاء هم من «صقور» السياسة الذين يضعون روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران في محور واحد موحّد يعمل لضرب قوة الولايات المتحدة، وإعادة تشكيل النظام الدولي.

من هنا ترى بعض الأوساط المتشددة في واشنطن أن الحرب الراهنة تشكّل في بُعدها الأعمق خطوة استراتيجية ضد الصين التي لا خلاف في أروقة السياسة الخارجية الأميركية على كونها الخصم الأول الذي يهدّد مكانة بلادهم، ومرتبتها الأولى في الاقتصاد، والسياسة، والقوة العسكرية، وباختصار في النفوذ العالمي.

ما هي إذن أسباب الصدام المحتمل بين أميركا والصين واحتمالات وقوعه؟

مقاتلتان أميركيتان من طراز «إف 18 - هورنيت» تقلعان من حاملة الطائرات «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

السباق الاقتصادي

دخل الصراع الاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين مرحلة حاسمة في عامي 2025 وبداية 2026، عبر فرض رسوم جمركية مرتفعة، وهدنة هشة لاحقة أسفرت عنها محادثات في جنيف. وكانت هذه الحرب التجارية التي انطلقت في عام 2018 قد تصاعدت حدتها منذ عودة دونالد ترمب إلى سدّة الرئاسة في أوائل عام 2025.

بلغة الأرقام، يبلغ الناتج المحلي الصيني 20.6 تريليون دولار مع نمو متوقع نسبته 5 في المائة في 2026، مقابل 31.4 تريليون دولار، ونسبة نمو متوقع 2.2 في المائة في 2026 للولايات المتحدة. ويتوقع محللو «سيتي غروب» أن يتجاوز حجم الاقتصاد الصيني نظيره الأميركي في منتصف ثلاثينات القرن الحالي، تبعاً لوتيرة نمو الناتج المحلي الإجمالي في كل من البلدين. لكن آراء أخرى تقول إن الاقتصاد الصيني قد لا يتجاوز الاقتصاد الأميركي، أقلّه في المدى المنظور، بالنظر إلى القوة الهائلة، والمزايا الجيوسياسية التي تتمتع بها الولايات المتحدة على الصين.

ويقول الباحث يانجونغ هوانغ في تقرير نشره مجلس العلاقات الخارجية (مقرّه نيويورك): «قبل سنوات، تحدث الرئيس الصيني شي جينبينغ عن صعود الشرق وتراجع الغرب للدلالة على أن الصين، بعد أن نهضت وتجددت، كانت على وشك أن تحل محل الحضارة الغربية المتراجعة، التي تمثلها الولايات المتحدة». إلا أن الموازين تبدّلت نسبياً، خصوصاً في مرحلة ما بعد جائحة «كوفيد 19»، إذ تعافى الاقتصاد الأميركي بقوة، في حين تعثر الاقتصاد الصيني، وتراجعت وتيرة نموّه، بحيث صار بعيداً عن نسبة 7 في المائة وما فوق التي حققها على مدى سنوات.

مهما يكن من أمر، سيبقى السباق الاقتصادي قائماً ومحموماً بين الجانبين اللذين يملك كل منهما أدواته: الصين تتسلح بروح الابتكار، والولايات المتحدة تستثمر نفوذها وجبروتها على مستوى العالم. ولا شك في أن واشنطن وبكين تنظر إحداهما إلى الأخرى بعين الحذر والتخوّف، لذا تمضي الأولى في سياسة التضييق على الثانية التي تمضي في سياسة بناء القوة العسكرية لتحصّن نفوذها الذي لا بد منه لتواصل تقدّمها الاقتصادي.

نقاط الاشتباك

في موازاة الاشتباك الاقتصادي–التجاري (الرسوم والمعادن النادرة ومبادرة «الحزام والطريق» وسوى ذلك...)، هناك نقاط اشتباك قد تتحول إلى فتائل اشتعال وتفجير يمكن تعدادها على النحو الآني:

1- بحر الصين الشرقي: تعيش الصين واليابان حالة توتر حاد في بحر الصين الشرقي، وطالما أن الولايات المتحدة تؤكد أن جزر سينكاكو (تسميها الصين دياويو) يجب أن تديرها اليابان -أي إنها تقع تحت مظلة الحماية التي يوفرها التحالف الأميركي الياباني-، فإن احتمال وقوع صدام بين بكين وواشنطن يبقى قائماً. بل إن اندلاع قتال بين الصين واليابان قد يرغم واشنطن على دعم طوكيو، وخوض مواجهة عسكرية مباشرة مع بكين.

2-بحر الصين الجنوبي: يصف الكاتب السياسي الأميركي روبرت كابلان بحر الصين الجنوبي بأنه «مرجل آسيا». وهو مسرح توتر دائم بين والصين والدول المشاطئة الأخرى، خصوصاً تايوان، والفلبين، وماليزيا، وبروناي، وإندونيسيا، وفيتنام، حليفة الولايات المتحدة. فمع إعلان بكين ما يُعرف بخط النقاط التسع الذي يقول عملياً إن المنطقة بحيرة صينية شاسعة، يبقى احتمال أن يشعل أي احتكاك أزمة أكبر قد تشعر الولايات المتحدة بأنها مضطرة للتدخل فيها، خصوصاً أن حجم الرهانات في هذه المياه كبير، لأن سلعاً تقدر قيمتها بتريليونات الدولارات تسلك هذا الممر البحري الحيوي، وقد تكون تريليونات أخرى من الموارد كامنة تحته في شكل نفط، وغاز طبيعي، ومعادن ثمينة.

«لياوننغ» أول حاملة طائرات صنعتها الصين التي تملك الآن 3 حاملات (أرشيفية - رويترز)

3- تايوان: معلوم أن الصين لم تتخلَّ عن سياسة «صين واحدة» التي تؤكد أن تايوان جزء لا يتجزأ منها، وأنها ستستعيدها عاجلاً أم آجلاً عبر «إعادة التوحيد السلمي» في إطار دولة واحدة ونظامين، لكنها ترفض استبعاد استخدام القوة العسكرية، لا سيما إذا أعلنت تايوان استقلالها، أو تدخلت قوى أجنبية في الخلاف الذي قد يتحوّل إلى نزاع.

ومعلوم أيضاً أن الولايات المتحدة تتبنى سياسة «الصين الواحدة» التي تعترف بجمهورية الصين الشعبية مع تعزيز علاقات قوية وغير رسمية مع تايوان، بهدف الحفاظ على الوضع الراهن، ومعارضةً أي تغييرات أحادية الجانب من أي من الجانبين، مع تقديم الدعم العسكري الدفاعي لتايوان، ودعم مشاركتها في المنظمات الدولية من دون الاعتراف بها كدولة.

4- حادث عرَضيّ: قد يؤدي أي حادث عرضيّ في البحار أو الأجواء بين أميركا والصين إلى احتكاك عسكري فاشتباك، وربما ما هو أوسع. والموقع الأخطر في هذا السياق هو المحيط الهادئ، الأكبر في العالم، والذي يشكل ممراً حيوياً، بل شريان حياة للاقتصاد الصيني. فمن دون حرية الملاحة هناك ستصاب حركة التصدير ومعها الاقتصاد الصيني ككل بمقتل. ويجب ألا ننسى أن تحالف «أوكوس» الأمنيّ الثلاثي بين أستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الذي أُعلن إنشاؤه في 15 سبتمبر (أيلول) 2021 يحمل هدفاً معلناً هو جعل المحيطين الهندي والهادئ مساحة مفتوحة، وآخر مضمراً هو إقفال ما أمكن من المسالك المائية في وجه الصين وطموحاتها.

العالم يترقّب

الواضح أن الصين التي نكرر أنها تعمل بدأب على تعزيز قوتها العسكرية التقليدية والنووية وبالطبع السيبرانية، تتجنب اتخاذ مواقف حادة وصدامية فيما يدور من صراعات، إلا أن صراعها الاقتصادي المرير مع الولايات المتحدة مستمر ومتصاعد. وبالتالي يجدر السؤال: هل يمكن لصاحبي الاقتصادين الأول والثاني في العالم ألا يتصادما؟

المدمرة الأميركية «ديلبرت دي بلاك» تطلق صاروخ «توماهوك» في إطار عملية «ملحمة الغضب» (رويترز)

رغم أن فكرة وقوع هذا الصدام تبدو بعيدة، فإن عدد نقاط التوتر التي قد تشعل النزاع كبير بما يكفي لعدم استبعاد هذا الاحتمال تماماً، خصوصاً إذا قررت الصين اعتماد استراتيجية جيوسياسية مماثلة لما تعتمده أميركا...

هل سيعمل الطرفان النوويان على إيجاد سبل لخفض التوترات التي قد تقود إلى مواجهة عسكرية مباشرة ستشارك فيها أطراف أخرى مصطفة علناً وضمناً في عالم يعجز عن الخروج من سياسة المحاور والاستقطابات؟

تلك هي المسألة...