أسرار العقل البشري وحقيقة الصورة الذهنية للجسم

عالم أميركي يكشفها عبر كتاب «أشباح في الدماغ»

أسرار العقل البشري وحقيقة الصورة الذهنية للجسم
TT

أسرار العقل البشري وحقيقة الصورة الذهنية للجسم

أسرار العقل البشري وحقيقة الصورة الذهنية للجسم

تصدر قريباً عن دار «صفحة 7 للنشر والتوزيع» في السعودية، النسخة العربية من كتاب «أشباح في الدماغ... كشف أسرار العقل البشري» تأليف: ف. س. راماشاندران، وأن الكتاب قد صدر في أميركا عام 1998. وشاركت في تأليفه ساندرا بليكسلي، المراسلة العلمية لصحيفة نيويورك تايمز لأكثر من أربعة عقود، وهي متخصصة في علم الأعصاب.
ويشير راماشاندران في الكتاب، الذي ترجمه الشاعر والمترجم المصري الدكتور عبد المقصود عبد الكريم، إلى أن عمله مع المرضى الذين يعانون من أمراض عصبية غريبة ألقى ضوءاً جديداً على المعمار العميق للدماغ، ولفت إلى أن النتائج التي توصل إليها تخبر عن حقيقة العقل الإنساني؛ وكيف يشيد الصورة الذهنية للجسم؛ لماذا نضحك، ولماذا نكتئب؟ كيف نتخذ القرارات ونخدع أنفسنا ونحلم؟ وربما أيضاً لماذا نكون ماهرين في الفلسفة والموسيقى والفن؟
وقد اشتهر المؤلف بتجاربه ونظرياته الواسعة في علم الأعصاب السلوكي، وهو أستاذ متميز في قسم علم النفس بجامعة سان فرانسيسكو، ويشغل منصب مدير مركز الدماغ والإدراك هناك، وقد درس بعد حصوله على بكالوريوس الطب في الهند، علم الأعصاب التجريبي في جامعة كمبردج، وحصل منها على شهادة الدكتوراه.
وتركزت معظم أبحاثه في مجالات علم الأعصاب السلوكي والفيزياء النفسية البصرية، وهو علم يدرس العلاقة بين العالم الفيزيائي والسلوك البشري، وهو مجال كلاسيكي له تطبيقات واسعة الانتشار في العلوم البصرية الحديثة.
بعد ذلك، تحول راماشاندران إلى العمل على الجوانب الأوسع لعلم الأعصاب بما في ذلك الأطراف الشبحية والألم الشبحي. واخترع طريقة العلاج بالمرآة، التي تستخدم الآن لعلاج مبتوري الأطراف بألم في أطرافهم الشبحية، والمساعدة في استعادة التحكم الحركي في ضحايا السكتة الدماغية بأطراف ضعيفة.
ويطرح الكتاب بأسلوب شيق العديد من الظواهر المرتبطة بالدماغ وطب الأعصاب، وهي ظواهر بالغة التعقيد بطبيعتها، مستعيناً بوصف لحالات المرضى وبالرسوم التوضيحية. ويحتوي أيضاً على تمهيد كتبه طبيب الأعصاب البريطاني أوليفر ساكس (1933 - 2015)، وهو عضو في جمعية الكلية الملكية للأطباء في بريطانيا، كما يضم تصديراً بقلم المؤلف.
والكتاب مزود بهوامش، للمترجم والمؤلف، وقائمة بأهم المراجع. وقد حرص المترجم على أن تكون الهوامش التي يقدمها في أقل الحدود وأن تكون مختصرة قدر الإمكان، لمساعدة القارئ غير المتخصص، وحرص على كتابة الأسماء والمصطلحات وأسماء الكتب باللغة الأصلية إلى جانب الترجمة لتسهيل الرجوع إليها لمن يرغب في المزيد من المعرفة.
قام راماشاندران - حسبما يوضح الكتاب - بعمل كبير حول طبيعة الأطراف الشبحية وعلاجها، تلك الأشباح العنيدة والمعذِّبة أحياناً، وهي «أشباح» الأذرع والسيقان التي فقدت قبل سنوات أو عقود، لكن الدماغ لم ينسها، موضحا أن الشبح قد يبدو في البداية مثل طرف طبيعي، جزءاً من الصورة الذهنية الطبيعية للجسم؛ لكنه، منفصل عن الإحساس الطبيعي أو الفعل الطبيعي، ويمكن افتراض خاصية مرضية، تصبح مزعجة، أو «مشلولة»، أو مشوهة، أو مؤلمة بشكل لا يطاق.
ويشير العالم الأميركي إلى أن حقيقة الألم والطرف الشبحي «غير حقيقيين»، لكن تزيد من صعوبة علاجهما، أن المرء لا يستطيع التخلي عن الطرف الشبحي الذي يبدو مشلولاً.
وقال إنه في محاولة للتخفيف من مثل هذه الأشباح، دُفِع الأطباء ومرضاهم إلى اتخاذ تدابير صارمة ويائسة من أجل قطع مسارات الألم أو المسارات الحسية في الحبل الشوكي، وتدمير مراكز الألم في الدماغ نفسه.
لهذه المشاكل التي تبدو مستعصية على الحل، يقدم راماشاندران مقاربة جديدة ومختلفة، تنبع من استفساراته حول حقيقة الأشباح، وكيف تنشأ وأين تنشأ في الجهاز العصبي. لقد اعتبر تقليدياً أن أشكال التمثيل في الدماغ، بما في ذلك الصورة الذهنية للجسم والأوهام، ثابتة.
لكن راماشاندران وآخرين غيره أظهروا أن عمليات إعادة التنظيم المدهشة في الصورة الذهنية للجسم تحدث بسرعة كبيرة في غضون ثمانٍ وأربعين ساعة، وربما في فترة أقل من ذلك بكثير بعد بتر أحد الأطراف.
إن الأطراف الشبحية، من وجهة نظره، تنشأ عن عمليات إعادة تنظيم للصورة الذهنية للجسم في القشرة الحسية في الدماغ، ويمكن بعد ذلك الحفاظ عليها بما يصفه بالشلل. لكن إذا كانت هناك مثل هذه التغيرات السريعة التي تكمن وراء نشأة الشبح، وإذا كان هناك مثل هذه المرونة في القشرة الدماغية، فهل يمكن عكس العملية؟ هل يمكن خداع الدماغ للتخلص من الشبح؟
وباستخدام جهاز «الواقع الافتراضي» المبتكر، وهو صندوق بسيط به مرآة متحركة، وجد راماشاندران أنه يمكن مساعدة المريض عن طريق جعله يلقي نظرة على الطرف الطبيعي الذراع اليمنى الطبيعية للمريض، على سبيل المثال، التي تُرَى الآن على الجانب الأيسر من الجسم، بدلاً من الذراع الشبحية. قد تكون نتيجة ذلك لحظية وسحرية، تتنافس فيها النظرة الطبيعية للذراع مع الشعور بالشبح. التأثير الأول لهذه العملية هو أن الشبح المشوه قد يستقيم، وقد يتحرك الشبح المشلول؛ وفي النهاية، قد لا يكون هناك أي شبح على الإطلاق.
ويتحدث راماشاندران عن هذه التجربة المتميزة بروح الدعابة مشيرا إلى أنها تعتبر «أول بتر ناجح لطرف شبحي»، كما يتحدث عن كيفية القضاء الحتمي على الألم الناجم عنه، وذلك إذا تم القضاء على هذا الشبح لأنه إذا لم يكن هناك شيء يجسده، فلن يكون بمقدوره أن يبقى بعد ذلك.
ويكتشف راماشاندران، أن المرايا قد تكون ذات فائدة كبيرة في تمكين مثل هؤلاء المرضى من الاعتراف من جديد بالجانب الذي رفضوا من قبل اعتباره جانبا يخصهم؛ رغم ذلك، في حالة المرضى الآخرين، فإن فقدان الشعور «بالجانب الأيسر»، وهو نصف المرء ونصف العالم، عميق للغاية لدرجة أن المرايا قد تحفزه وتجعله أكثر عمقاً، من خلال التشوش في العدسة التي يتم النظر فيها، وهو يبحث عن طريقة لرؤية ما إذا كان هناك شخص ما يتربص «خلف» المرآة أو «في» المرآة. وراماشاندران هو أول من يصف «عمل المرآة» هنا. إنه ليس مجرد مقياس لمثابرة ذهنه شخصيا، لكنه مقياس لعلاقته الحساسة والداعمة مع المرضى مما جعله يتمكن من متابعة هذه المتلازمات حتى أعماقها.
ويتناول راماشاندران متلازمة أخرى عن التعرّف الخاطئ، وهي متلازمة كَبْجَرَس، حيث يرى المريض شخصيات مألوفة له ومحبوبة باعتبارهم محتالين. هنا أيضاً، يمكنه تحديد أساس عصبي واضح للمتلازمة، إزالة الإشارات العاطفية المعتادة والحاسمة للتعرف، إلى جانب تفسير لا يبدو غير طبيعي لأشكال مؤثرة من الإدراك المتعدي.



«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص
TT

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

في مايو (أيار) من عام 1950، وفي مدينة سان فرانسيسكو، كبرى مدن الغرب الأميركي، أعلنت الأميرة أو «البرنسيسة» فتحية ابنة الملك فؤاد وصغرى شقيقات الملك فاروق زواجها من رياض غالي الذي لا يحمل إلا لقباً متواضعاً يمتلكه عامة الناس ويمنحه الناس بعضهم البعض على سبيل المجاملة وهو لقب «الأفندي».

كما أن الزوج فضلاً عن ذلك قبطي ينتمي إلى الكنيسة الأرثوذكسية، وكان طبيعياً أن يثير إعلان زواج أميرة مسلمة من شاب قبطي حملة صحافية شهرّت بالسلوك الاجتماعي للأسرة المالكة في مصر، وأن يفجر أزمة سياسية بدأت بأمر ملكي يقضي بتجريد «صاحبة السمو الملكي» الأميرة فتحية ووالدتها «صاحبة الجلالة» الملكة نازلي من ألقابهما الملكية لتصبحا فتحية هانم فؤاد ونازلي هانم صبري، وانتهت بالقضاء على النظام الملكي بعد ذلك بأعوام قليلة. تلك هى اللحظة الدرامية المتفجرة بالأسئلة والمشحونة بحقائق تشبه الخيال، التي يعيد كتابتها من كل أوجهها السياسية والاجتماعية والثقافية المؤرخ المصري الراحل صلاح عيسى في كتابه الشهير «البرنسيسة والأفندي»، الذي صدرت منه طبعةٌ جديدةٌ في جزأين عن «دار الكرمة» بالقاهرة.

يتميز الكتاب بجمال الطرح الأدبي وعمق تفكيك الحدث وبراعة قراءة دلالاته، لا سيما أنه بعده بسنوات عديدة أطلق الأفندي رياض غالي خمس رصاصات على رأس زوجته البرنسيسة فتحية ثم أطلق الرصاصة السادسة والأخيرة على رأسه. وذلك عقب مغادرة البرنسيسة الصغيرة جناحها المزين باللونين الأبيض والأخضر، اللذين كانا يتألف منهما العلم المصري آنذاك، في فندق «فيرمونت» بالولايات المتحدة لتظهر بعد قليل في مدخل البهو حتى تدافع الصحافيون ليحتشدوا حولها يطلبون في أصوات متداخلة تعليقها على البيان الرسمي الذي أذاعه الديوان الملكي في القاهرة بإحالة قضيتها إلى مجلس البلاط، فردت بصوت لم يخل من توتر خفيف: «إن كثيرات من صديقاتي الأميركيات لا يرين فيما فعلت شيئاً يدعو للعجب فلماذا كل هذه الضجة التي تثور في مصر؟».

ويعود السبب الرئيسي لإطلاق رياض النار على حبيبته وزوجته هو رغبتها القاطعة في الانفصال عنه نهائياً والعودة إلى مصر، وذلك بعد أن ساءت حالتهما المادية وأعلنا الإفلاس نتيجة خسارتها كل أموالها وأموال والدتها الملكة نازلي في مضاربات البورصة والاستثمارات الفاشلة. وظل رياض غالي بجانب الجثة لعدة ساعات، ثم وجه المسدس إلى رأسه، وأطلق النار محاولاً الانتحار، غير أن الرصاصة لم تقتله، بل أصابته بتهتك في خلايا المخ أدى إلى إصابته بالشلل التام والعمى لاحقاً حيث قضى نحبه داخل السجن.

فيما رأى البعض الأمر وكأنه عقاب على ما فعلته البرنسيسة حفيدة الخديو إسماعيل، التي تزوجت من شاب من أواسط الناس وليس بين أصول شجرة عائلته من حمل يوماً لقباً من ألقاب التشريف.

كان هذا «الأفندي» موظفاً حكومياً في الدرجة الخامسة بالكادر الفني العالي في وزارة الخارجية إلا أنه كان قد استقال من عمله قبل إتمام زواجه من «البرنسيسة» بشهور حين أصدرت الوزارة قراراً بنقله من وظيفته كسكرتير ثالث بالقنصلية المصرية بمرسيليا في محاولة لإبعاده عن الأميرة الصغيرة، فأصبح بذلك لا يستحق على الأكثر إلا لقب «أفندي سابق».

ولأن البرنسيسة الصغيرة الجميلة والأفندي القبطي كانا يسيران طيلة السنوات الأربع السابقة على ذلك التاريخ فوق خريطة القارتين الأميركية والأوروبية بصحبة الملكة الوالدة نازلي إلى أن استقرا أخيراً في سان فرانسيسكو، فإن الضجة العلنية التي ثارت في القاهرة كانت خاتمة شهور من المباحثات السرية بين العاصمة المصرية وعدد من المدن الأميركية عبر اتصالات شخصية وتليفونية وبرقية سريعة ومكثفة غاضبة ومهددة وراجية ومستعطفة على كل مستوى وعلى أعلى مستوى تحاول منع هذا الزواج.

ولكن البرنسيسة الصغيرة الرقيقة تمسكت بغرامها العنيف للأفندي، وأعلنت لكل الوسطاء تصميمها على الزواج، حتى بدا لهؤلاء الوسطاء أنها تقمصت دور البطولة في فيلم سينمائي أميركي من النوع الذي ينتهي عادة بزواج الفتاة الجميلة ابنة المليونير من فارس الأحلام الوسيم متواضع الأصل والثروة.

وكان لافتاً مساندة الملكة نازلي للأميرة، فدفعتها بذلك إلى العناد، وحين أشهرت القاهرة في وجه الملكة الأم سيف التهديد بتجريدها من لقبها الملكي قالت بحزم: «لن أكسر قلب ابنتي الصغيرة من أجل لقب تافه هو صاحبة الجلالة».

ويرى صلاح عيسى أن قصة زواج البرنسيسة فتحية من رياض أفندي غالي عام 1950 تعيد طرح الأسئلة ذاتها التي طرحتها الدعوى التي رفعها عام 1904 عبد الخالق السادات أمام محكمة مصر الشرعية العليا يطلب فيها التفرقة بين ابنته صفية السادات وبين زوجها الشيخ علي يوسف، أشهر الصحافيين العرب المسلمين في عصره، لعدم التكافؤ بينهما في النسب وفي المهنة. وقالت الدعوى إن الزوجة تنتمي إلى أسرة من الأشراف بينما الزوج فلاح بسيط بلا أصل معروف، والد الزوجة - لا الزوجة نفسها - يعمل بمهنة شريفة هي مشيخة السادة، بينما يعمل الشيخ علي يوسف في أخس المهن وأدناها، وهي مهنة الصحافة، بحسب ما قيل آنذاك.

وخلال نصف القرن الذي فصل بين القضيتين، شُغل المجتمع المصري بعشرات من القضايا كان موضوعها هو الزواج بين «أولاد وبنات الذوات» من ناحية وبين «أولاد وبنات الشعب» من ناحية أخرى، من أشهرها زواج السيدة صفية السادات نفسها بعد وفاة الشيخ علي يوسف من المطرب زكي عكاشة، وزواج الوجيه محمد بك شعراوي من المطربة فاطمة سرس، وزواج أكثر من أمير وأميرة من العائلة المالكة من أجنبيات وأجانب.

ويتوقف صلاح عيسى عند مفارقة صارخة على مستوى الوعي الثقافي في هذا السياق، حيث كانت الثورات القومية العربية تتقدم خلال تلك العقود وهي ترفع أعلام الحرية والإخاء والمساواة في حقوق المواطنة، وتحظر التفرقة بين المواطنين بسبب اللون أو الجنس أو الدين أو المعتقد، وتجعل صيانة الحريات العامة أو الشخصية أحد أهم حقوق المواطنة التي يكفلها الدستور كعقد اجتماعي بين المحكومين والحاكمين للجميع دون تمييز.

كما كانت الجماهير العربية تخرج في مظاهرات عارمة غضباً لانتهاك تلك الدساتير، وتستبسل دفاعاً عنها إلى درجة الاستشهاد أحياناً، كما أن كثيرين من الكتاب والمفكرين والزعماء السياسيين من منظري وقادة العصر الليبرالي العربي كانوا يتحمسون نظرياً للدفاع عن هذه المبادئ، إلا أن هذا النمط من الزيجات المختلطة بين أولاد الأصول و«من لا أصل لهم» كان ينفجر كالقنابل تحت أقدام الجميع فيخل باتزانهم ويكشف عن التناقض بين ما يذيعونه من آراء وما يتخذونه من مواقف عملية، فإذا بحشود الجماهير التي تفتح صدرها للرصاص ببسالة دفاعاً عن الدستور تندفع بالدرجة نفسها من البسالة للتظاهر دفاعاً عن نقاء الدم واحتجاجاً على تهجين البذور!


«فلسفتي» لخالد الغنامي

«فلسفتي» لخالد الغنامي
TT

«فلسفتي» لخالد الغنامي

«فلسفتي» لخالد الغنامي

صدر عن «مؤسسة الانتشار العربي» كتابُ «فلسفتي» للكاتب السعودي الزميل خالد الغنامي. جاء الكتاب في 360 صفحة، وهو عبارة عن مقالات كثيرة متوسطة الحجم، قُسّمت إلى أربعة أبواب: «الفلسفة والقلق والمعرفة» و«التصوف» و«الفن بوصفه تجربة ومعرفة» و«الأخلاق والحياة».

جاء في تقديم الكتاب:

لم تتشكل هذه الصفحات وفق خطة مسبقة، ولا انطلقت من تصور كتابي واضح. ما حدث أقرب إلى تراكم بطيء لأفكار متفرقة، ثم إلى لحظة شعرتُ فيها بأن هذا التراكم لم يعد محتملاً في صمته، وأنه يطلب شكلاً ما، لا لأنه نضج أو اكتمل، بل لأنه صار يضغط عليّ بوصفه تجربة فكرية عشتها أكثر مما كتبتها.

كثير مما يرد هنا لم يصدر عن رغبة في بناء موقف، ولا عن ثقة بامتلاك رؤية مميزة، بل عن احتكاك مباشر بما تطرحه الحياة من أسئلة صغيرة ومزعجة، وعن شعور متكرر بأن الإجابات الجاهزة، مهما بدت مطمئنة، تُغفل توترات أساسية، أو تؤجل التفكير فيها بدل مواجهتها. من هنا جاءت الكتابة بوصفها محاولة للفهم قبل أي شيء، ومحاولة للإصغاء للتجربة وهي تتشكل، لا لتقنينها أو إغلاقها.


تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص
TT

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

في روايته «السماء الثامنة»، يطرح الكاتب والروائي المصري محمد سلماوي الحب بوصفه آصرة لا يمكن عزلها عن التاريخ والذاكرة الجمعية، فيتداخل معهما ليطرح سؤالاً مركزياً حول إمكانية «النجاة» في عالم يتعرض فيه كل شيء للهدم والاقتلاع القسري.

صدرت الرواية أخيراً عن «دار الكرمة» للنشر بالقاهرة، وتبدأ من لحظة ذروة؛ من خبر منشور عن استشهاد الطبيب المصري «عمر المهدي» في أثناء قيامه بجراحة لطفل بالمستشفى المعمداني في «غزة»، وهي اللحظة التي تُصيب البطلة «إيمان» بصدمة عنيفة، لتفتح السرد على مسارين متوازيين؛ الأول يعود بها إلى سنوات الجامعة وبدايات علاقتها العاطفية بـ«عمر»، بينما يتتبع المسار الثاني حياتها المعاصرة بعد أن أصبحت زوجة لمهندس زراعي طموح، اختارته امتثالاً لضغوط أسرتها للابتعاد عن حبيب سنواتها الجامعية، وزواجها ممن «تنطبق عليه شروط عائلتها الميسورة»، ليصبح اقتلاع الحب من منابته الأولى أحد الاختبارات المبكرة التي ستترك أصداءها العميقة في حياة البطلين لاحقاً.

منذ تلك اللحظة المبكرة، لا تبدو الحرب على «غزة» مجرد خلفية سياسية للرواية، بل تتحوّل إلى لحظة استرداد لوعي قديم، واكتشاف لهوية دفنتها البطلة طويلاً تحت حياة أكثر امتثالاً واستقراراً ظاهرياً، قبل أن يُعيد استشهاد «عمر» استدعاء نبوءة «السماء الثامنة» التي أخبرها بها ذات يوم، تحت ظلال أشجار عتيقة، حين تبادلا الحديث عن الحب وسماواته السبع وهما في سنوات الجامعة، وهي السماء التي ستدرك إيمان معناها بعد أن صار الوصول إليها مستحيلاً.

دين قديم

يطل السرد على سنوات الجامعة، وتشكّل حب «إيمان» و«عمر» داخل فضاء مُشبّع برومانسية البدايات وجسارة الأحلام، وتبدو نزهات الحبيبين وثيقة الصلة بالأماكن التي يعبرانها معاً، كاشفةً عن وعيهما بامتدادها التاريخي؛ لا سيما في حديقة الحيوان، بأشجارها العتيقة الممتدة منذ عصر الخديو إسماعيل.

وعبر جولات تتقاطع فيها الثقافة بالفن والتاريخ، تظهر المدينة كذاكرة حيّة مُهددة، خاصة مع الإشارات المتكررة في الرواية إلى هدم الفيلات ذات الطُرز المعمارية التاريخية، وتحويل البيوت القديمة إلى أبراج سكنية، وكأن الرواية تضع مصير العلاقات الإنسانية ومصير المدينة داخل المسار نفسه؛ فكما يُنتزع العاشقان من حلمهما القديم، تُنتزع الأمكنة بدورها من ذاكرتها، لتتحول القاهرة تدريجياً من فضاء حميمي للتجوال والحب، إلى مدينة تفقد ملامحها القديمة تدريجياً.

يعتني السرد برسم شخصية «عمر» بوصفه نموذجاً متسقاً مع الحب والقضية معاً؛ فهو طالب كلية الطب الحالِم الذي يقود مظاهرات منذ كان طالباً ضد الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين حتى يستشهد بعد سنوات وهو يمارس مهنته متطوعاً في غزة، يتحدث عن «السماوات السبع للعشق»، حيث تمثل المرتبة السابعة «الهُيام»، قبل أن يلمّح إلى معنى آخر للحب يتجاوز المشاعر الفردية: «لا تقتصر السماء الثامنة على المشاعر التي تجمع العاشقين، إنما تسمو بهما معاً إلى مرحلة التضحية في سبيل القضايا الكبرى».

إلا أن حلم «عمر» بالوصول مع حبيبته إلى «السماء الثامنة» لا يكاد يتجاوز عتبة الحلم، بعد أن تخضع «إيمان» لضغوط أسرتها وتبتعد عنه، لتتحوّل تلك السماء تدريجياً إلى ما يشبه النبوءة الروحية التي تظل الرواية تستدعيها باستمرار.

ولا تدرك «إيمان» المعنى الحقيقي لهذه النبوءة إلا متأخرة، عبر الفقد والذنب، حين يتحوّل خبر استشهاد «عمر» من مجرد صدمة عاطفية إلى لحظة تعيد فيها تقييم حياتها التي تكتشف زيفها، فتغدو رحلتها إلى «رفح» محاولة متأخرة لإنقاذ ما تبقّى من ذاتها القديمة، وسداد دين قديم تجاه رجل عجزت يوماً عن التمسك باختياره له: «اعذرني يا عمر، تأخرت في اتخاذ قراري ولكني اتخذته أخيراً، وهأنذا قد جئتك بكامل إرادتي».

رغم غلبة القضية الفلسطينية على عالم الرواية، فإن حضورها لا يأتي بوصفه مساراً منفصلاً عن الحياة الشخصية للأبطال، بل يتسلل تدريجياً داخل نسيجهم العاطفي والإنساني، بحيث تبدو التحوّلات السياسية جزءاً من تكوين الوعي نفسه، لا مجرد خلفية للأحداث، فمنذ الإحالة إلى الحرب الأخيرة على غزة، تفتح الرواية طبقات متعددة من الذاكرة السياسية المصرية، عبر استدعاء مظاهرات الطلبة ضد الاحتلال الإسرائيلي في زمن الرئيس السادات، وما ارتبط بها من لحظات استقطاب سياسي، في إشارة إلى التشققات التي أصابت المجال العام مبكراً، وإلى هشاشة فكرة التضامن نفسها تحت ضغط الانقسامات السياسية.

في هذا السياق، لا تظهر جماعات «الإسلام السياسي» في الرواية كعنصر منفصل عن المشهد، بل كقوة تتغلغل تدريجياً داخل النسيج الوطني، مستفيدة من مساحات سمحت بها الدولة ذاتها في لحظات معينة، قبل أن تتحوّل إلى بنية تعمل في الخفاء وتعيد تشكيل المجال الاجتماعي والسياسي من الداخل، غير أن الرواية لا تتوقف طويلاً عند التحليل المباشر، بقدر ما تترك هذه التحوّلات تنعكس على مصائر الشخصيات.

لا تبدو الحرب على «غزة» مجرد خلفية سياسية للرواية، بل تتحوّل إلى لحظة استرداد لوعي قديم

إحالات فنية

ومع انتقال السرد إلى غزة، يقترب النص من الجانب الأكثر قسوة في الحرب، خاصة عبر تفاصيل العمل داخل مستشفياتها، حيث يصبح الجسد الفلسطيني نفسه مساحة يومية للعنف والحصار، ليقترب السرد مع نهاية الرواية من المشهد الذي يضطر فيه «عمر» إلى إجراء عملية بتر لمصاب من دون استخدام «مُخدر»، بعدما منع الاحتلال الإسرائيلي دخول الإمدادات الطبية، هنا لا تكتفي الرواية بإدانة الحرب من بعيد، بل تقترب من أثرها المادي المباشر على الجسد الإنساني، كاشفة كيف يتحوّل الطب نفسه من فعل إنقاذ إلى مواجهة شبه مستحيلة مع الألم.

تمتلئ الرواية بإحالات فنية وأدبية بوصفها امتداداً شعورياً للشخصيات نفسها، فعندما تُزيّن «إيمان» شعر «عمر» بزهور البنفسج، يحيلنا السرد إلى صورة الإله «باخوس» في لوحة «كارافاجيو» الشهيرة، وحين تعثر البطلة لاحقاً بين أشيائها القديمة على الرواية الفرنسية «الأميرة دي كليف» تجد نفسها متقاطعة مصيرياً مع بطلتها؛ امرأة ممزقة بين حب حقيقي وحياة اختارتها تحت ضغط، قبل أن يفيض بها الذنب هي الأخرى، وتستدعي الرواية تحديداً قرار «الأميرة دي كليف» في نهايتها «باللجوء إلى الخدمة العامة للتكفير عن ذنبها»، وهو ما ينعكس بدوره على رحلة «إيمان» إلى رفح، بوصفها محاولة متأخرة للخلاص، أو لسداد دين عاطفي وأخلاقي قديم، ليصبح توظيف الفنون في الرواية أقرب إلى انعكاسات مرآوية شجية.

ولا تبدو هذه الإحالات الفنية والأدبية منفصلة عن التكوين النفسي للأبطال، بقدر ما تكشف عن الطريقة التي يرى بها «عمر» و«إيمان» العالم؛ فالحب عندهما لا يتشكل في فراغ، بل عبر الفن، والموسيقى، والكتب، والمدينة القديمة بكل طبقاتها الثقافية والرمزية لذلك تأتي استعادة اللوحات والروايات والأماكن التاريخية بوصفها محاولة لمقاومة القبح والعنف المحيطين بهما، وكأن الشخصيتين تحاولان الاحتماء بالجمال من عالم يتآكل تدريجياً تحت وطأة الحرب والهدم والخسارات المتتالية.

من ثم، في موازاة رثاء الحب، تبدو «السماء الثامنة» في أحد مستوياتها رثاءً لأبرياء الحرب، ومحاولة للتمسك بما تبقى من الحب والحقوق والذاكرة، في عالم يتآكل فيه البشر والمدن معاً.