أسرار العقل البشري وحقيقة الصورة الذهنية للجسم

عالم أميركي يكشفها عبر كتاب «أشباح في الدماغ»

أسرار العقل البشري وحقيقة الصورة الذهنية للجسم
TT

أسرار العقل البشري وحقيقة الصورة الذهنية للجسم

أسرار العقل البشري وحقيقة الصورة الذهنية للجسم

تصدر قريباً عن دار «صفحة 7 للنشر والتوزيع» في السعودية، النسخة العربية من كتاب «أشباح في الدماغ... كشف أسرار العقل البشري» تأليف: ف. س. راماشاندران، وأن الكتاب قد صدر في أميركا عام 1998. وشاركت في تأليفه ساندرا بليكسلي، المراسلة العلمية لصحيفة نيويورك تايمز لأكثر من أربعة عقود، وهي متخصصة في علم الأعصاب.
ويشير راماشاندران في الكتاب، الذي ترجمه الشاعر والمترجم المصري الدكتور عبد المقصود عبد الكريم، إلى أن عمله مع المرضى الذين يعانون من أمراض عصبية غريبة ألقى ضوءاً جديداً على المعمار العميق للدماغ، ولفت إلى أن النتائج التي توصل إليها تخبر عن حقيقة العقل الإنساني؛ وكيف يشيد الصورة الذهنية للجسم؛ لماذا نضحك، ولماذا نكتئب؟ كيف نتخذ القرارات ونخدع أنفسنا ونحلم؟ وربما أيضاً لماذا نكون ماهرين في الفلسفة والموسيقى والفن؟
وقد اشتهر المؤلف بتجاربه ونظرياته الواسعة في علم الأعصاب السلوكي، وهو أستاذ متميز في قسم علم النفس بجامعة سان فرانسيسكو، ويشغل منصب مدير مركز الدماغ والإدراك هناك، وقد درس بعد حصوله على بكالوريوس الطب في الهند، علم الأعصاب التجريبي في جامعة كمبردج، وحصل منها على شهادة الدكتوراه.
وتركزت معظم أبحاثه في مجالات علم الأعصاب السلوكي والفيزياء النفسية البصرية، وهو علم يدرس العلاقة بين العالم الفيزيائي والسلوك البشري، وهو مجال كلاسيكي له تطبيقات واسعة الانتشار في العلوم البصرية الحديثة.
بعد ذلك، تحول راماشاندران إلى العمل على الجوانب الأوسع لعلم الأعصاب بما في ذلك الأطراف الشبحية والألم الشبحي. واخترع طريقة العلاج بالمرآة، التي تستخدم الآن لعلاج مبتوري الأطراف بألم في أطرافهم الشبحية، والمساعدة في استعادة التحكم الحركي في ضحايا السكتة الدماغية بأطراف ضعيفة.
ويطرح الكتاب بأسلوب شيق العديد من الظواهر المرتبطة بالدماغ وطب الأعصاب، وهي ظواهر بالغة التعقيد بطبيعتها، مستعيناً بوصف لحالات المرضى وبالرسوم التوضيحية. ويحتوي أيضاً على تمهيد كتبه طبيب الأعصاب البريطاني أوليفر ساكس (1933 - 2015)، وهو عضو في جمعية الكلية الملكية للأطباء في بريطانيا، كما يضم تصديراً بقلم المؤلف.
والكتاب مزود بهوامش، للمترجم والمؤلف، وقائمة بأهم المراجع. وقد حرص المترجم على أن تكون الهوامش التي يقدمها في أقل الحدود وأن تكون مختصرة قدر الإمكان، لمساعدة القارئ غير المتخصص، وحرص على كتابة الأسماء والمصطلحات وأسماء الكتب باللغة الأصلية إلى جانب الترجمة لتسهيل الرجوع إليها لمن يرغب في المزيد من المعرفة.
قام راماشاندران - حسبما يوضح الكتاب - بعمل كبير حول طبيعة الأطراف الشبحية وعلاجها، تلك الأشباح العنيدة والمعذِّبة أحياناً، وهي «أشباح» الأذرع والسيقان التي فقدت قبل سنوات أو عقود، لكن الدماغ لم ينسها، موضحا أن الشبح قد يبدو في البداية مثل طرف طبيعي، جزءاً من الصورة الذهنية الطبيعية للجسم؛ لكنه، منفصل عن الإحساس الطبيعي أو الفعل الطبيعي، ويمكن افتراض خاصية مرضية، تصبح مزعجة، أو «مشلولة»، أو مشوهة، أو مؤلمة بشكل لا يطاق.
ويشير العالم الأميركي إلى أن حقيقة الألم والطرف الشبحي «غير حقيقيين»، لكن تزيد من صعوبة علاجهما، أن المرء لا يستطيع التخلي عن الطرف الشبحي الذي يبدو مشلولاً.
وقال إنه في محاولة للتخفيف من مثل هذه الأشباح، دُفِع الأطباء ومرضاهم إلى اتخاذ تدابير صارمة ويائسة من أجل قطع مسارات الألم أو المسارات الحسية في الحبل الشوكي، وتدمير مراكز الألم في الدماغ نفسه.
لهذه المشاكل التي تبدو مستعصية على الحل، يقدم راماشاندران مقاربة جديدة ومختلفة، تنبع من استفساراته حول حقيقة الأشباح، وكيف تنشأ وأين تنشأ في الجهاز العصبي. لقد اعتبر تقليدياً أن أشكال التمثيل في الدماغ، بما في ذلك الصورة الذهنية للجسم والأوهام، ثابتة.
لكن راماشاندران وآخرين غيره أظهروا أن عمليات إعادة التنظيم المدهشة في الصورة الذهنية للجسم تحدث بسرعة كبيرة في غضون ثمانٍ وأربعين ساعة، وربما في فترة أقل من ذلك بكثير بعد بتر أحد الأطراف.
إن الأطراف الشبحية، من وجهة نظره، تنشأ عن عمليات إعادة تنظيم للصورة الذهنية للجسم في القشرة الحسية في الدماغ، ويمكن بعد ذلك الحفاظ عليها بما يصفه بالشلل. لكن إذا كانت هناك مثل هذه التغيرات السريعة التي تكمن وراء نشأة الشبح، وإذا كان هناك مثل هذه المرونة في القشرة الدماغية، فهل يمكن عكس العملية؟ هل يمكن خداع الدماغ للتخلص من الشبح؟
وباستخدام جهاز «الواقع الافتراضي» المبتكر، وهو صندوق بسيط به مرآة متحركة، وجد راماشاندران أنه يمكن مساعدة المريض عن طريق جعله يلقي نظرة على الطرف الطبيعي الذراع اليمنى الطبيعية للمريض، على سبيل المثال، التي تُرَى الآن على الجانب الأيسر من الجسم، بدلاً من الذراع الشبحية. قد تكون نتيجة ذلك لحظية وسحرية، تتنافس فيها النظرة الطبيعية للذراع مع الشعور بالشبح. التأثير الأول لهذه العملية هو أن الشبح المشوه قد يستقيم، وقد يتحرك الشبح المشلول؛ وفي النهاية، قد لا يكون هناك أي شبح على الإطلاق.
ويتحدث راماشاندران عن هذه التجربة المتميزة بروح الدعابة مشيرا إلى أنها تعتبر «أول بتر ناجح لطرف شبحي»، كما يتحدث عن كيفية القضاء الحتمي على الألم الناجم عنه، وذلك إذا تم القضاء على هذا الشبح لأنه إذا لم يكن هناك شيء يجسده، فلن يكون بمقدوره أن يبقى بعد ذلك.
ويكتشف راماشاندران، أن المرايا قد تكون ذات فائدة كبيرة في تمكين مثل هؤلاء المرضى من الاعتراف من جديد بالجانب الذي رفضوا من قبل اعتباره جانبا يخصهم؛ رغم ذلك، في حالة المرضى الآخرين، فإن فقدان الشعور «بالجانب الأيسر»، وهو نصف المرء ونصف العالم، عميق للغاية لدرجة أن المرايا قد تحفزه وتجعله أكثر عمقاً، من خلال التشوش في العدسة التي يتم النظر فيها، وهو يبحث عن طريقة لرؤية ما إذا كان هناك شخص ما يتربص «خلف» المرآة أو «في» المرآة. وراماشاندران هو أول من يصف «عمل المرآة» هنا. إنه ليس مجرد مقياس لمثابرة ذهنه شخصيا، لكنه مقياس لعلاقته الحساسة والداعمة مع المرضى مما جعله يتمكن من متابعة هذه المتلازمات حتى أعماقها.
ويتناول راماشاندران متلازمة أخرى عن التعرّف الخاطئ، وهي متلازمة كَبْجَرَس، حيث يرى المريض شخصيات مألوفة له ومحبوبة باعتبارهم محتالين. هنا أيضاً، يمكنه تحديد أساس عصبي واضح للمتلازمة، إزالة الإشارات العاطفية المعتادة والحاسمة للتعرف، إلى جانب تفسير لا يبدو غير طبيعي لأشكال مؤثرة من الإدراك المتعدي.



محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً