المتنبي مشخّصاً ‏علاج «بنات ‏الدهر»‏

هرب من ‏‏«الحجر ‏الصحي» في ‏مصر وقُتل ‏‏«سليماً» على ‏مشارف بغداد

المتنبي مشخّصاً ‏علاج «بنات ‏الدهر»‏
TT

المتنبي مشخّصاً ‏علاج «بنات ‏الدهر»‏

المتنبي مشخّصاً ‏علاج «بنات ‏الدهر»‏

قدم شاعر ‏العربية الكبير ‏أبو الطيب ‏المتنبي وصفات ‏علاجية لمصائب ‏الدهر المتعددة، ‏كتبها في ‏‏«روشتات» ‏شعرية غاية في ‏الروعة والجمال، ‏انطلقت من ‏تجربة ومواقف ‏تعرض لها ‏الشاعر ‏شخصياً في ‏حياته الضاجّة ‏الصاخبة، لكنها ‏وصفات تعدت ‏واقعه الشخصي ‏إلى واقع ‏الإنسانية كلها.‏
ولعل من ‏الصعوبة ‏الإحاطة بكل ‏وصفات المتنبي ‏الشعرية، لكن، ‏وفي ظل جائحة ‏‏«كوفيد - ‏‏19». التي ‏اجتاحت العالم ‏بأسره بعد أن ‏خلفت موتى ‏ومصابين ‏بالملايين، وما ‏سببته من ذعر ‏وخوف ‏وإجراءات ‏احترازية، يمكن ‏الوقوف على ‏نماذج من هذه ‏الوصفات التي ‏قدمها شاعر ‏العربية لمحبي ‏شعره لعلاج ‏كثير من الجوائح ‏والمواقف ‏والمصاعب ‏والآمال والآلام ‏التي تواجه ‏الإنسان، ويقف ‏عاجزاً عن حلّها ‏ولا يجد إزاءها ‏من خيار سوى ‏اليأس واختيار ‏الموت.‏
أولى هذه ‏الالتقاطات ما ‏قاله المتنبي، ‏عقب مفارقته ‏سيف الدولة ‏الحمداني، ‏وتوجُّهه إلى ‏مصر، بعد أن ‏كاتبه كافور ‏الإخشيدي ‏بالمسير إليه في ‏الفسطاط، ‏وأنشده إياها ‏عام 957م، ‏التي يعرّض فيها ‏بسيف الدولة، ‏بعد قصة جرت ‏أحداثها في ‏مسألة باللغة، ‏بحضرة سيف ‏الدولة والشاعر، ‏بين أبي الطيب ‏اللغوي، وابن ‏خالويه، فتكلَّم ‏أبو الطيب ‏المتنبي، وضعّف ‏قول ابن ‏خالويه، ولم يجد ‏ابن خالويه من ‏رد غير أن يخرج ‏من كمه مفتاحاً ‏من حديد، ‏ويشير به إلى ‏المتنبي. فقال ‏المتنبي: «ويحك ‏اسكت فإنك ‏أعجمي ‏وأصلك خوزي ‏فمالك ‏والعربية؟!»، ‏فضرب وجه ‏المتنبي بذلك ‏المفتاح فأسال ‏دمه على وجهه ‏وثيابه، فغضب ‏المتنبي من ذلك، ‏لا سيما إذ لم ‏ينتصر له سيف ‏الدولة، لا قول ‏ولا فعل، وكان ‏ذلك أحد ‏أسباب مفارقته ‏لسيف الدولة.‏
بدأ المتنبي ‏قصيدته بمطلع ‏يخاطب فيه ‏نفسه:‏

كفى بكَ داءً ‏أن ترى الموتَ ‏شافيا
وحَسبُ المنايا ‏أن يكنَّ أمانيا

ثم فسر ما ذكره ‏في هذا البيت ‏بالقول: ‏
تمنيت المنية لما ‏تمنيتُ أن تجد ‏صديقاً مصافياً ‏فأعجزك أو ‏عدواً يداريك، ‏فلم تجده، وهذه ‏نهاية اليأس ‏الذي يختار فيه ‏الموت على ‏البقاء.‏

تمنَّيتها لما تمنيتَ ‏أن ترى
صديقاً فأعيَا أو ‏عدواً مُداجياً

ثم أعطى المتنبي ‏في ذات ‏القصيدة حلاً ‏للتعامل مع ‏‏«الغادر»، حتى ‏ولو جاء الغدر ‏في موقف ‏عارض، كما ‏حدث للشاعر ‏عندما لم ينتصر ‏له سيف الدولة، ‏وهو يشاهد ‏الدم يسيل على ‏وجهه، فأخذ ‏يعرض بسيف ‏الدولة ويقول ‏لقلبه: إني ‏أحببتك قبل أن ‏تحبه، أي سيف ‏الدولة، وهو قد ‏غدر بي فلا ‏تغدر أنت ‏أيضاً، بمعنى: لا ‏تكن مشتاقاً إليه ‏ولا مقيماً على ‏حبه، فإنك إن ‏أحببت من غدر ‏بي فلست بوافٍ ‏لي.‏
حَببتكَ قلبي قبلَ ‏حُبّكَ من نأى
وقد كان غداراً ‏فكُن أنتَ وافيا
مواصلاً في بيت ‏آخر القول ‏لقلبه: أعلم أنك ‏تشكو فراقه ‏‏(أي سيف ‏الدولة) لإلفكَ ‏إياه، ثم هدد ‏قلبه فقال: إن ‏شكوتْ فراقه ‏تبرأت منك:‏

وأعلم أن البين ‏يشكيك بَعدهُ
فلستَ فؤادي ‏إن رأيتكَ ‏شاكيا.‏

ليعلن أن ‏الدموع إذا ‏جرت على فراق ‏الغادر، كانت ‏غادرة بصاحبها ‏لأنه ليس من ‏حق الغادر أن ‏يُبكى على ‏فراقه:‏

فإن دموعَ العين ‏غُدرٌ بربها
إذا كُنَّ إثرَ ‏الغادرينَ جواريا

ثم يواصل أبو ‏الطيب طرح ‏مزيد من ‏الوصفات حول ‏إبطال العطايا ‏والصداقات ‏والجود بالمن ‏والأذى، وكأنه ‏ينظر إلى الآية ‏الكريمة: «يَا ‏أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا ‏لَا تُبْطِلُوا ‏صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ ‏وَالْأَذَىٰ»، ‏معتبراً أن الجود ‏إذا كُدر بالمن ‏بطل الحمد ولم ‏يبق المال، ‏فيُفقدان كلاهما، ‏مشدداً على أن ‏أخلاق النفس ‏تدل على ‏صاحبها فيعرف ‏جوده أطبع هو ‏أم تكلف:‏

إذا الجودُ لم ‏يُرزقْ خلاصاً ‏من الأذى
فلا الحمد ‏مكسوباً ولا ‏المالُ باقيا
وللنفس أخلاق ‏تدلُّ على الفتى
أكانَ سخاءً ما ‏أتى أم تساخيا

ويبحر المتنبي في ‏إعطاء ‏‏«وصفات ‏حكمية»، ناهياً ‏عن المبالغة في ‏الاشتياق والهيام ‏به لمن لا يبادل ‏الود بمثله، ‏مخاطباً قلبه بألا ‏يشتاق إلى مَن ‏فارقه، لأنه ‏بذلك يصفي ‏وده من ليس ‏بصاف له، كما ‏أعطى وصفاً في ‏صحة «الإلف» ‏بتفضيله الشيب ‏على الصبى لو ‏خُيّر بينهما ‏لكثرة إلفه ‏للأول وهو من ‏الاستحالة أن ‏يتحقق:‏

أقلّ اشتياقاً أيها ‏القلب ربما
رأيتكَ تصفي ‏الود من ليس ‏صافيا
خُلِقتُ ألُوفاً لو ‏رجعتُ إلى ‏الصّبى
لفارقتُ شيبي ‏موجعَ القلبِ ‏باكيا

وفي موضع آخر ‏وبالتحديد عام ‏‏959م، أي ‏بعد عام على ‏مفارقته سيف ‏الدولة، نالت ‏أبا الطيب حمى ‏وهو في مصر ‏وصف حاله ‏معها بقصيدة ‏رائعة، حيث ‏كان رهن ‏الإقامة الجبرية ‏بما يشبه الحجر ‏الصحي في زمن ‏‏«الكورونا»، ‏ويعرض في ‏القصيدة ‏بالرحيل بعد أن ‏أصابه اليأس من ‏تحقيق آماله ‏ومطالبه عند ‏كافور ‏الإخشيدي، ‏بمنحه ضيعة أو ‏ولاية، وفي ‏القصيدة ‏وصفات ‏حكمية، بل ‏وعلاج لمصائب ‏الدهر، بنات ‏الدهر، ومنها ‏الحمى التي أتت ‏من الزحام، ‏حيث ألزمته ‏الفراش وغادر ‏بعدها مصر ‏هارباً فيما يمكن ‏تسميته ‏بـ«الهروب ‏السياسي ‏الأكبر»، بدأ ‏قصيدته الميميمة ‏بمخاطبة ‏صاحبيه اللذين ‏يلومانه على ‏ركوب الأخطار، ‏طالباً منهما تركه ‏يسلك ‏الصحارى بغير ‏دليل يهديه لأنه ‏خبير بمسالكها، ‏لافتاً في أحد ‏أبيات القصيدة ‏إلى إحدى ‏الظواهر في ‏المجتمعات ‏الإنسانية، وهي ‏ظاهرة انتشار ‏الفساد في عموم ‏الخلق، وهو ما ‏جعل الشاعر ‏يتهم من اختاره ‏لمودته لعلمه أنه ‏واحد منهم:‏
وصرتُ أشكُّ ‏فيمن أصطفيهِ
لعلميَ أنهُ بعض ‏الأنامِ
ولم أرَ في عيوبِ ‏الناسِ شيئاً
كنقصِ القادرين ‏على التمام ِ

ثم يعبّر الشاعر ‏عن ملله من ‏لزومه الإقامة ‏الجبرية في أرض ‏مصر، بعد أن ‏أصابته الحمى ‏ومراقبة كافور ‏له، خشية ‏الهروب، وكأنه ‏يعيش أيام العالم ‏هذا اليوم في ‏الحجر الصحي ‏الإجباري في ‏زمن ‏‏«الكورونا»، ‏مبرزاً مرضه ‏الذي طال حتى ‏ملّه الفراش، بعد ‏أن كان هو يمل ‏الفراش، معبراً ‏عن ألمه في ‏غربته وقلة ‏عائديه في ‏مرضه، وتراكم ‏الهموم عليه، ‏وكثرة حساده، ‏لوفور فضله ‏وصعوبة مراميه؛ ‏لأنه يطلب ‏شيئاً عظيماً ‏وصعب المنال ‏وهو «المُلْكْ»، ‏مقدماً وصفاً ‏لأعراض الحمى، ‏من خلال صور ‏وخيال رهب لا ‏يجيده إلا هو، ‏معتبراً أن وصفة ‏الطبيب الذي ‏عاينه وشخّص ‏حالته لم تكن ‏دقيقة عندما ‏أرجع سبب ‏علته إلى الطعام ‏والشراب الذي ‏يتناوله، مشدداً ‏على أن الطبيب ‏ليس في قاموسه ‏الطبي أن مرضه ‏كان بسبب ‏طول إقامته ‏والقعود عن ‏الأسفار، مثله ‏في ذلك مثل ‏الفرس الجواد:‏

أقمتُ بأرض ‏مِصْر فلا ورائي
تخبُّ بي الركاب ‏ولا أمامي
ومَلني الفراش ‏وكان جنبي
يمل لقاءه في كل ‏عامِ
قليلٌ عائدي ‏سقم فؤادي
كثيرٌ حاسدي ‏صعبٌ مرامي
وزائرتي كأنّ بها ‏حياءً
فليسَ تزور إلا ‏في الظلامِ
أبنتَ الدهرِ ‏عندي كلُّ بنتٍ
فكيفَ وصلتِ ‏أنتِ من الزحامِ
يقولُ ليَ ‏الطبيبُ أكلتَ ‏شيئاً
وداؤكَ في ‏شرابكَ والطعامِ
وما في طبهِ أني ‏جوادٌ
أضرّ بجسمهِ ‏طول الجمامِ

وفي قصيدة ‏أكثر فيها ‏التشاؤم على ‏نفسه بما لم يقع ‏له في غيرها، ‏وما لم يخطر ‏على قلبه في ‏جميع أسفاره مع ‏كثرتها، وكأنه ‏ينعى بها نفسه، ‏وإن لم يقصده، ‏يشخّص المتنبي ‏في أبيات رائعة ‏خصصها بمدح ‏عضد الدولة ‏بعد ارتحاله من ‏شيراز، ‏ومفارقته ‏لأعمال فارس، ‏بعد أن نال ‏عطايا كثيرة ‏ليلقى حتفه ‏على يد فاتك ‏الأسدي، بعد ‏اجتيازه دير ‏العاقول وهو ‏على مشارف ‏بغداد، وذلك ‏في عام 964م ‏وهي آخر شعر ‏قاله:‏

أروحُ وقد ‏ختمتَ على ‏فؤادي ‏
بحبكَ أن يحلّ ‏به سواكا
وقد حمَّلتني ‏شكراً طويلاً
ثقيلاً لا أطيقُ ‏به حراكا
إذا استشفيت ‏من داءٍ بداءٍ
فأقْتَلُ ما أعلّكَ ‏ما شفاكَ
وأنى شئتِ يا ‏طرقي فكوني
أذاة أو نجاة أو ‏هلاكا

ونختتم هذه ‏الالتقاطات من ‏شعر شاعر ‏العربية الكبير ‏ببيت من الشعر ‏ضمن قصيدة ‏طويلة قالها في ‏سيف الدولة، ‏في أحد معاركه ‏مع الروم:‏
فكانَ أثبتُ ما ‏فيهم جسومَهُمُ
يسقطنَ حولكَ ‏والأرواح تنهزمُ



ما أكثر السمات المكروهة في المدير؟

يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
TT

ما أكثر السمات المكروهة في المدير؟

يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)

بينما كان فيكتور ليبمان، المؤلف الحاصل على ماجستير في إدارة الأعمال، يتحدث مع سيدة عملت لسنوات عديدة في عدة مؤسسات مرموقة، وكانت خلال الحديث تسترجع مسيرتها المهنية، ذكّرت ليبمان بحقيقة إدارية جوهرية.

وكانت السيدة تستمتع بعملها في معظمه، وفق حديثها، ولم يمرّ عليها سوى مرة واحدة لم تُعجبها، وهي تتذكرها جيداً. وكانت السيدة تعمل عادةً باستقلالية تامة، لكنّ أحد المديرين قرر، حينها، التدخّل بشكل مفرط في تفاصيل مهامها اليومية، وأصبح متسلطاً بشكل مُفاجئ.

ووفق ما ذكره موقع «سيكولوجي توداي» المعني بالصحة النفسية والعقلية، فقد كان التأثير فورياً. ازداد إحباط السيدة من العمل، وتراجع استمتاعها به. وكان هذا مثالاً نموذجياً على أن تدخّل الإدارة بشكل مفرط في التفاصيل (الإدارة التفصيلية) يجعل الموظفين لا يستجيبون بشكل جيد.

التدخل المفرط

يكمن الفرق الرئيسي بين الإدارة الدقيقة (المعقولة) والإدارة التفصيلية (المفرطة) في الحاجة إليها. ومن الطبيعي أن يمرّ الموظف بأوقات لا يؤدي فيها عمله على النحو المطلوب، لذا يحتاج المدير، وقتها، إلى متابعة دقيقة لكيفية إنجاز المهام اليومية. وهذا من أساسيات الإدارة الجيدة.

ويختلف هذا تماماً عن الإدارة التفصيلية، حيث يتدخل المدير بشكل مفرط في أدق تفاصيل عمل الموظف، حتى وإن كان هذا الموظف كفؤاً في وظيفته.

وتُعدّ الإدارة التفصيلية المفرطة شائعة جداً. فعلى مرّ السنين، أُجريت العديد من الدراسات الاستقصائية حول هذا الموضوع، وتشير نتائجها عادةً إلى أن نسبة الموظفين الذين يشعرون بأنهم تعرّضوا للإدارة التفصيلية المفرطة في مرحلة ما من مسيرتهم تتراوح بين 60 و70 في المائة.

السيطرة في العلاقات

ويكره الناس الإدارة التفصيلية، لأنها تتعلق بمفاهيم الاستقلالية والتحكم. وسواء رغبنا في ذلك أم لا، فإن المديرين والموظفين تربطهم علاقة، فهم يلتقون باستمرار، وحتى في ظل العمل عن بُعد، يتواصلون بانتظام. وقليلون هم من يرضون بالخضوع للسيطرة في العلاقات، أو بالتدخل في تفاصيل حياتهم اليومية؛ فهذا يُؤدي إلى الإحباط والسخط. وليس من المستغرب أن تنطبق هذه الديناميكيات نفسها داخل بيئة العمل وخارجها.

ومن المعروف أن الإدارة التفصيلية تُؤدي إلى نتائج سلبية عديدة في العمل. وتشمل هذه النتائج عادة مشكلات؛ مثل: انخفاض الروح المعنوية، ونقص الابتكار والإبداع، وانخفاض الإنتاجية.


فنانون من مصر والسعودية والكويت يرسمون «صندوق الدنيا»

لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
TT

فنانون من مصر والسعودية والكويت يرسمون «صندوق الدنيا»

لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)

استعاد فنانون من عدة دول عربية بينها مصر والسعودية والكويت والبحرين، فكرة «صندوق الدنيا» الذي يضم الحكايات الغرائبية والقصص القديمة والتراثية، عبر لوحاتهم التي جسدت مشاهد طبيعية من البيئات العربية التي يتداخل فيها الواقع مع الأسطورة مع التراث بطريقة جمالية وفنية مميزة.

المعرض الذي نظمه ملتقى عيون الدولي للفنون رقم 27 استضافه قصر الإبداع بمدينة السادس من أكتوبر (غرب القاهرة) التابع لوزارة الثقافة المصرية، ليوم واحد فقط، السبت، وضم نحو 60 عملاً لفنانين من أجيال مختلفة، يمثلون تجارب ومدارس فنية متنوعة.

ويشير منسق المعرض، الفنان مصطفى السكري، إلى الزخم الذي شهده المعرض بمشاركة أعمال لفنانين من عدة دول عربية، يعبّرون بأعمالهم عن رؤاهم الفنية وتراثهم والخصائص المميزة لبيئتهم سواء من السعودية أو الكويت أو البحرين أو الإمارات.

لوحة للفنانة السعودية عائدة التركستاني (الشرق الأوسط)

ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «المعرض السابع والعشرين للملتقى انطلق من فكرة التنوع والمفاجأة والسحر الكامن وراء فكرة صندوق الدنيا الذي كان إحدى تقنيات التسلية القديمة، وقد تجسد في أكثر من عمل بالمعرض عبر التصوير والنحت والغرافيك وأشغال فنية بالحرق على الخشب».

وأضاف أن «فكرة صندوق الدنيا تقوم على أن كل صندوق للدنيا به حدوتة، وكل فنان أخذ الحدوتة التي رآها وقرر التعبير عنها بأسلوبه وتقنياته سواء بالرسم أو النحت أو بالخيوط أو غيرها من التقنيات، لمنح كل فنان مساحة كافية ليتخيل الحكاية التي يقدمها للمشاهد من صندوق الدنيا».

ويضم المعرض العديد من العمال التي تحتفي بالمرأة سواء في مشاهد شعبية أو تراثية أو حديثة، كما ارتكزت بعض الأعمال على أفكار مرتبطة بالبيئة الشعبية والحياة في الريف والحقول والحيوانات، بينما عبَّرت بعض الأعمال عن الحضارة المصرية القديمة عبر رموز وتفاصيل مختلفة.

لوحات عن المرأة في المعرض (الشرق الأوسط)

وجاءت الأعمال العربية معبِّرة عن حس فني مميز يستخدم الكتل والألوان بطريقة مميزة للتعبير عن حالة نفسية أو اجتماعية أو تراثية مرتبطة بالتراث والتاريخ الخاص بصاحب العمل.

ويبدو التنوع في المدارس الفنية واضحاً في الأعمال التي يميل بعضها إلى الأسلوب الكلاسيكي أو التعبيري أو التأثيري، فيما تجنح أعمال أخرى إلى التجريد والسريالية، ووفق منسق المعرض، «فقد اهتم الملتقى بالتنوع بين الأجيال والفئات المشاركة بالمعرض من فنانين كبار وطلبة وكذلك مواهب من ذوي الاحتياجات الخاصة، جاءت أعمالهم معبرة عن موضوع المعرض وعن القضايا التي تشغلهم والحكايات التي أرادوا أن يرووها بالريشة والألوان»، على حد تعبيره.


«البوستة»... طابع البريد يغادر الخطابات إلى فاترينة التذكارات

الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
TT

«البوستة»... طابع البريد يغادر الخطابات إلى فاترينة التذكارات

الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)

يظل مشهد الفنانة شويكار وهي تتخلى عن زوجها الطيب الذي قام بدوره فؤاد المهندس، معللة غيابها بأنها «ذاهبة لإحضار طابع بوستة» في فيلم «الراجل ده هيجنني»، دالاً ومعبراً عن قيمة هذا الطابع ورمزيته وحضوره في الحياة اليومية للمصريين، خصوصاً في فترة الستينات من القرن الماضي، ولكن «طابع البريد» هذا لم يعد حاضراً بالقوة نفسها في الحياة اليومية، وربما انحصر حضوره في المخاطبات الرسمية.

حين توجه هاني محمد (48 سنة)، متخصص في البرمجيات، إلى مكتب البريد المجاور لمنزله في القاهرة وطلب طوابع بريد من موظفة المكتب، لاحظ نظرة مندهشة على ملامحها ألحقتها بحماس شديد مقدمة له أنواعاً مختلفة من الطوابع، وفهم منها أنه من النادر أن يطلب أحد طوابع بريد إلا من أجل المصالح الحكومية أو المعاملات الرسمية، وحين أخبرها أن الطوابع التي يريدها سيعطيها لأطفاله (7 سنوات - و10 سنوات) ليضعوها على خطابات يرسلونها لأصدقائهما، قدمت له طوابع تذكارية عن المتحف المصري وحديقة الحيوان ومعالم أخرى شهيرة بمصر.

يقول هاني لـ«الشرق الأوسط»: «كانت تجربة غريبة، فمنذ التسعينات تقريباً لم أحاول شراء طوابع بريد، لكنني وجدت أن الطوابع ما زال يتم تداولها، ولكن بشكل رمزي وتذكاري، فيما عدا المعاملات الرسمية والحكومية والبنكية التي تتطلب إلصاق الطوابع عليها كما فهمت من موظفي البريد».

عدد من طوابع البريد المصرية الحديثة (الشرق الأوسط)

وأكد مطلعون بهيئة البريد أن الطوابع موجود منها الكثير وما زالت تطبع بشكل تذكاري، عليها صور شخصيات أو أماكن أو أحداث أو مناسبات، وما زالت تقوم بدورها كوسيلة للتواصل والتوثيق والمقاصة المالية، وإن كان حضورها في المراسلات الشخصية بين الأفراد تراجع، ولكن دورها في الخطابات الرسمية والطرود والعديد من الأغراض الأخرى ما زال حيوياً.

ويعود إنشاء «البوستة» أو البريد المصري إلى عام 1865 في عهد الخديو إسماعيل، الذي اشترى حق امتياز البوستة الأوروبية، وظلت الطوابع تحمل الطابع التاريخي والتوثيقي في العهد الملكي وحتى الجمهوري وإلى فترة التسعينات والألفينات.

وهو ما رصده معرض استضافه المتحف القومي للحضارة المصرية تحت عنوان «أثر في طابع»، شاركت فيه جهات مختلفة، من بينها هيئة البريد، ونادي الرواد المصري لهواة جمع الطوابع، كما نظمت الجمعية المصرية لهواة طوابع البريد أكثر من معرض عن طوابع البريد وسماتها التاريخية والتوثيقية والنادر منها.

يعاود هاني محمد الحديث عما حصل عليه من طوابع بقيمة زهيدة نسبياً بعضها لا يتجاوز جنيهَين (الدولار يساوي نحو 47 جنيهاً مصرياً)، وبعضها يصل إلى 10 أو 20 جنيهاً، ويقول: «وجدت طوابع تحمل معالم شهيرة مثل المتحف المصري الكبير أو الأهرامات أو توت عنخ آمون، وأيضاً أخذت بعض الطوابع التي تحمل مشاهد وصوراً من حديقة الحيوان وأعطيتها لأبنائي الذين تحمسوا لفكرة إرسال خطابات لزملاء لهم».

أحد مكاتب البريد المصرية (الشرق الأوسط)

في حين يرى الخبير في الإعلام الرقمي و«السوشيال ميديا»، محمد فتحي، أن «توقّف الناس عن استخدام البريد الورقي لم يكن قراراً مفاجئاً، بل نتيجة طبيعية لتغيّرات كبيرة في أسلوب الحياة ووسائل التواصل، وأهم الأسباب السرعة والتكلفة والسهولة والراحة وتعدد البدائل الكثيرة من تطبيقات وبرامج كثيرة ومتاحة طوال الوقت»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الهاتف الذكي متاح دائماً، لا حاجة للذهاب إلى مكتب بريد أو انتظار مواعيد».

ولفت إلى أنه بخلاف الاستخدام الشخصي اتجه أيضاً عدد من الجهات والمؤسسات للتحول الرقمي واعتمدت على المراسلات الإلكترونية، مشدداً على أن «البريد الورقي لم يتوقف لأنه سيئ؛ بل لأن الزمن تغيّر وتحوّل من وسيلة تواصل أساسية إلى قيمة رمزية وحنين ثقافي».

من فعالية أقامها متحف الحضارة المصرية عن الطوابع (متحف الحضارة المصرية)

وفي أبريل (نيسان) 2025 نظمت الهيئة القومية للبريد احتفالية بمناسبة مرور 100 عام على إصدار أول طابع بريد تذكاري مصري، وهي المناسبة التي عدّها وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، الدكتور عمرو طلعت، «تعكس تفرد تاريخ مصر وعمق حضارتها»، مشيراً إلى أن «طوابع البريد المصري هي مرآة لحضارة مصر وتاريخها السياسي والاجتماعي والثقافي والفني على مدار أكثر من قرن ونصف قرن».

ولفت، في بيان للهيئة، إلى أنه منذ 2021 تم إدخال الرموز التفاعلية (QR Codes) على الطوابع البريدية لتوفير معلومات كاملة عن الطابع، بما يمثل خطوة تعكس توجه البريد نحو الرقمنة والاعتماد على التكنولوجيا الحديثة.

فيما أشارت أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر صالح، إلى أن «التغيرات والتطورات المتسارعة في وسائل التواصل المجتمعي أدت لاختفاء المخاطبات الورقية وغياب طابع البريد بوظيفته التقليدية في حياتنا اليومية»، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «قديماً كان الخطاب له دلالة مهمة على روابط اجتماعية ملؤها الدفء والحميمية، حتى كتبت من أجله الأغاني والأفلام وتغنى به الكثيرون، وكان من له قريب في الخارج يهرع كل يوم صباحاً إلى صندوق البريد ينتظر خطاباً من قريبه، لكن الآن التواصل يتم عبر الأجهزة الذكية وهي طبيعة العصر الذي نعيشه».