المتنبي مشخّصاً ‏علاج «بنات ‏الدهر»‏

هرب من ‏‏«الحجر ‏الصحي» في ‏مصر وقُتل ‏‏«سليماً» على ‏مشارف بغداد

المتنبي مشخّصاً ‏علاج «بنات ‏الدهر»‏
TT

المتنبي مشخّصاً ‏علاج «بنات ‏الدهر»‏

المتنبي مشخّصاً ‏علاج «بنات ‏الدهر»‏

قدم شاعر ‏العربية الكبير ‏أبو الطيب ‏المتنبي وصفات ‏علاجية لمصائب ‏الدهر المتعددة، ‏كتبها في ‏‏«روشتات» ‏شعرية غاية في ‏الروعة والجمال، ‏انطلقت من ‏تجربة ومواقف ‏تعرض لها ‏الشاعر ‏شخصياً في ‏حياته الضاجّة ‏الصاخبة، لكنها ‏وصفات تعدت ‏واقعه الشخصي ‏إلى واقع ‏الإنسانية كلها.‏
ولعل من ‏الصعوبة ‏الإحاطة بكل ‏وصفات المتنبي ‏الشعرية، لكن، ‏وفي ظل جائحة ‏‏«كوفيد - ‏‏19». التي ‏اجتاحت العالم ‏بأسره بعد أن ‏خلفت موتى ‏ومصابين ‏بالملايين، وما ‏سببته من ذعر ‏وخوف ‏وإجراءات ‏احترازية، يمكن ‏الوقوف على ‏نماذج من هذه ‏الوصفات التي ‏قدمها شاعر ‏العربية لمحبي ‏شعره لعلاج ‏كثير من الجوائح ‏والمواقف ‏والمصاعب ‏والآمال والآلام ‏التي تواجه ‏الإنسان، ويقف ‏عاجزاً عن حلّها ‏ولا يجد إزاءها ‏من خيار سوى ‏اليأس واختيار ‏الموت.‏
أولى هذه ‏الالتقاطات ما ‏قاله المتنبي، ‏عقب مفارقته ‏سيف الدولة ‏الحمداني، ‏وتوجُّهه إلى ‏مصر، بعد أن ‏كاتبه كافور ‏الإخشيدي ‏بالمسير إليه في ‏الفسطاط، ‏وأنشده إياها ‏عام 957م، ‏التي يعرّض فيها ‏بسيف الدولة، ‏بعد قصة جرت ‏أحداثها في ‏مسألة باللغة، ‏بحضرة سيف ‏الدولة والشاعر، ‏بين أبي الطيب ‏اللغوي، وابن ‏خالويه، فتكلَّم ‏أبو الطيب ‏المتنبي، وضعّف ‏قول ابن ‏خالويه، ولم يجد ‏ابن خالويه من ‏رد غير أن يخرج ‏من كمه مفتاحاً ‏من حديد، ‏ويشير به إلى ‏المتنبي. فقال ‏المتنبي: «ويحك ‏اسكت فإنك ‏أعجمي ‏وأصلك خوزي ‏فمالك ‏والعربية؟!»، ‏فضرب وجه ‏المتنبي بذلك ‏المفتاح فأسال ‏دمه على وجهه ‏وثيابه، فغضب ‏المتنبي من ذلك، ‏لا سيما إذ لم ‏ينتصر له سيف ‏الدولة، لا قول ‏ولا فعل، وكان ‏ذلك أحد ‏أسباب مفارقته ‏لسيف الدولة.‏
بدأ المتنبي ‏قصيدته بمطلع ‏يخاطب فيه ‏نفسه:‏

كفى بكَ داءً ‏أن ترى الموتَ ‏شافيا
وحَسبُ المنايا ‏أن يكنَّ أمانيا

ثم فسر ما ذكره ‏في هذا البيت ‏بالقول: ‏
تمنيت المنية لما ‏تمنيتُ أن تجد ‏صديقاً مصافياً ‏فأعجزك أو ‏عدواً يداريك، ‏فلم تجده، وهذه ‏نهاية اليأس ‏الذي يختار فيه ‏الموت على ‏البقاء.‏

تمنَّيتها لما تمنيتَ ‏أن ترى
صديقاً فأعيَا أو ‏عدواً مُداجياً

ثم أعطى المتنبي ‏في ذات ‏القصيدة حلاً ‏للتعامل مع ‏‏«الغادر»، حتى ‏ولو جاء الغدر ‏في موقف ‏عارض، كما ‏حدث للشاعر ‏عندما لم ينتصر ‏له سيف الدولة، ‏وهو يشاهد ‏الدم يسيل على ‏وجهه، فأخذ ‏يعرض بسيف ‏الدولة ويقول ‏لقلبه: إني ‏أحببتك قبل أن ‏تحبه، أي سيف ‏الدولة، وهو قد ‏غدر بي فلا ‏تغدر أنت ‏أيضاً، بمعنى: لا ‏تكن مشتاقاً إليه ‏ولا مقيماً على ‏حبه، فإنك إن ‏أحببت من غدر ‏بي فلست بوافٍ ‏لي.‏
حَببتكَ قلبي قبلَ ‏حُبّكَ من نأى
وقد كان غداراً ‏فكُن أنتَ وافيا
مواصلاً في بيت ‏آخر القول ‏لقلبه: أعلم أنك ‏تشكو فراقه ‏‏(أي سيف ‏الدولة) لإلفكَ ‏إياه، ثم هدد ‏قلبه فقال: إن ‏شكوتْ فراقه ‏تبرأت منك:‏

وأعلم أن البين ‏يشكيك بَعدهُ
فلستَ فؤادي ‏إن رأيتكَ ‏شاكيا.‏

ليعلن أن ‏الدموع إذا ‏جرت على فراق ‏الغادر، كانت ‏غادرة بصاحبها ‏لأنه ليس من ‏حق الغادر أن ‏يُبكى على ‏فراقه:‏

فإن دموعَ العين ‏غُدرٌ بربها
إذا كُنَّ إثرَ ‏الغادرينَ جواريا

ثم يواصل أبو ‏الطيب طرح ‏مزيد من ‏الوصفات حول ‏إبطال العطايا ‏والصداقات ‏والجود بالمن ‏والأذى، وكأنه ‏ينظر إلى الآية ‏الكريمة: «يَا ‏أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا ‏لَا تُبْطِلُوا ‏صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ ‏وَالْأَذَىٰ»، ‏معتبراً أن الجود ‏إذا كُدر بالمن ‏بطل الحمد ولم ‏يبق المال، ‏فيُفقدان كلاهما، ‏مشدداً على أن ‏أخلاق النفس ‏تدل على ‏صاحبها فيعرف ‏جوده أطبع هو ‏أم تكلف:‏

إذا الجودُ لم ‏يُرزقْ خلاصاً ‏من الأذى
فلا الحمد ‏مكسوباً ولا ‏المالُ باقيا
وللنفس أخلاق ‏تدلُّ على الفتى
أكانَ سخاءً ما ‏أتى أم تساخيا

ويبحر المتنبي في ‏إعطاء ‏‏«وصفات ‏حكمية»، ناهياً ‏عن المبالغة في ‏الاشتياق والهيام ‏به لمن لا يبادل ‏الود بمثله، ‏مخاطباً قلبه بألا ‏يشتاق إلى مَن ‏فارقه، لأنه ‏بذلك يصفي ‏وده من ليس ‏بصاف له، كما ‏أعطى وصفاً في ‏صحة «الإلف» ‏بتفضيله الشيب ‏على الصبى لو ‏خُيّر بينهما ‏لكثرة إلفه ‏للأول وهو من ‏الاستحالة أن ‏يتحقق:‏

أقلّ اشتياقاً أيها ‏القلب ربما
رأيتكَ تصفي ‏الود من ليس ‏صافيا
خُلِقتُ ألُوفاً لو ‏رجعتُ إلى ‏الصّبى
لفارقتُ شيبي ‏موجعَ القلبِ ‏باكيا

وفي موضع آخر ‏وبالتحديد عام ‏‏959م، أي ‏بعد عام على ‏مفارقته سيف ‏الدولة، نالت ‏أبا الطيب حمى ‏وهو في مصر ‏وصف حاله ‏معها بقصيدة ‏رائعة، حيث ‏كان رهن ‏الإقامة الجبرية ‏بما يشبه الحجر ‏الصحي في زمن ‏‏«الكورونا»، ‏ويعرض في ‏القصيدة ‏بالرحيل بعد أن ‏أصابه اليأس من ‏تحقيق آماله ‏ومطالبه عند ‏كافور ‏الإخشيدي، ‏بمنحه ضيعة أو ‏ولاية، وفي ‏القصيدة ‏وصفات ‏حكمية، بل ‏وعلاج لمصائب ‏الدهر، بنات ‏الدهر، ومنها ‏الحمى التي أتت ‏من الزحام، ‏حيث ألزمته ‏الفراش وغادر ‏بعدها مصر ‏هارباً فيما يمكن ‏تسميته ‏بـ«الهروب ‏السياسي ‏الأكبر»، بدأ ‏قصيدته الميميمة ‏بمخاطبة ‏صاحبيه اللذين ‏يلومانه على ‏ركوب الأخطار، ‏طالباً منهما تركه ‏يسلك ‏الصحارى بغير ‏دليل يهديه لأنه ‏خبير بمسالكها، ‏لافتاً في أحد ‏أبيات القصيدة ‏إلى إحدى ‏الظواهر في ‏المجتمعات ‏الإنسانية، وهي ‏ظاهرة انتشار ‏الفساد في عموم ‏الخلق، وهو ما ‏جعل الشاعر ‏يتهم من اختاره ‏لمودته لعلمه أنه ‏واحد منهم:‏
وصرتُ أشكُّ ‏فيمن أصطفيهِ
لعلميَ أنهُ بعض ‏الأنامِ
ولم أرَ في عيوبِ ‏الناسِ شيئاً
كنقصِ القادرين ‏على التمام ِ

ثم يعبّر الشاعر ‏عن ملله من ‏لزومه الإقامة ‏الجبرية في أرض ‏مصر، بعد أن ‏أصابته الحمى ‏ومراقبة كافور ‏له، خشية ‏الهروب، وكأنه ‏يعيش أيام العالم ‏هذا اليوم في ‏الحجر الصحي ‏الإجباري في ‏زمن ‏‏«الكورونا»، ‏مبرزاً مرضه ‏الذي طال حتى ‏ملّه الفراش، بعد ‏أن كان هو يمل ‏الفراش، معبراً ‏عن ألمه في ‏غربته وقلة ‏عائديه في ‏مرضه، وتراكم ‏الهموم عليه، ‏وكثرة حساده، ‏لوفور فضله ‏وصعوبة مراميه؛ ‏لأنه يطلب ‏شيئاً عظيماً ‏وصعب المنال ‏وهو «المُلْكْ»، ‏مقدماً وصفاً ‏لأعراض الحمى، ‏من خلال صور ‏وخيال رهب لا ‏يجيده إلا هو، ‏معتبراً أن وصفة ‏الطبيب الذي ‏عاينه وشخّص ‏حالته لم تكن ‏دقيقة عندما ‏أرجع سبب ‏علته إلى الطعام ‏والشراب الذي ‏يتناوله، مشدداً ‏على أن الطبيب ‏ليس في قاموسه ‏الطبي أن مرضه ‏كان بسبب ‏طول إقامته ‏والقعود عن ‏الأسفار، مثله ‏في ذلك مثل ‏الفرس الجواد:‏

أقمتُ بأرض ‏مِصْر فلا ورائي
تخبُّ بي الركاب ‏ولا أمامي
ومَلني الفراش ‏وكان جنبي
يمل لقاءه في كل ‏عامِ
قليلٌ عائدي ‏سقم فؤادي
كثيرٌ حاسدي ‏صعبٌ مرامي
وزائرتي كأنّ بها ‏حياءً
فليسَ تزور إلا ‏في الظلامِ
أبنتَ الدهرِ ‏عندي كلُّ بنتٍ
فكيفَ وصلتِ ‏أنتِ من الزحامِ
يقولُ ليَ ‏الطبيبُ أكلتَ ‏شيئاً
وداؤكَ في ‏شرابكَ والطعامِ
وما في طبهِ أني ‏جوادٌ
أضرّ بجسمهِ ‏طول الجمامِ

وفي قصيدة ‏أكثر فيها ‏التشاؤم على ‏نفسه بما لم يقع ‏له في غيرها، ‏وما لم يخطر ‏على قلبه في ‏جميع أسفاره مع ‏كثرتها، وكأنه ‏ينعى بها نفسه، ‏وإن لم يقصده، ‏يشخّص المتنبي ‏في أبيات رائعة ‏خصصها بمدح ‏عضد الدولة ‏بعد ارتحاله من ‏شيراز، ‏ومفارقته ‏لأعمال فارس، ‏بعد أن نال ‏عطايا كثيرة ‏ليلقى حتفه ‏على يد فاتك ‏الأسدي، بعد ‏اجتيازه دير ‏العاقول وهو ‏على مشارف ‏بغداد، وذلك ‏في عام 964م ‏وهي آخر شعر ‏قاله:‏

أروحُ وقد ‏ختمتَ على ‏فؤادي ‏
بحبكَ أن يحلّ ‏به سواكا
وقد حمَّلتني ‏شكراً طويلاً
ثقيلاً لا أطيقُ ‏به حراكا
إذا استشفيت ‏من داءٍ بداءٍ
فأقْتَلُ ما أعلّكَ ‏ما شفاكَ
وأنى شئتِ يا ‏طرقي فكوني
أذاة أو نجاة أو ‏هلاكا

ونختتم هذه ‏الالتقاطات من ‏شعر شاعر ‏العربية الكبير ‏ببيت من الشعر ‏ضمن قصيدة ‏طويلة قالها في ‏سيف الدولة، ‏في أحد معاركه ‏مع الروم:‏
فكانَ أثبتُ ما ‏فيهم جسومَهُمُ
يسقطنَ حولكَ ‏والأرواح تنهزمُ



مقاهي جدة التاريخية في رمضان… حين يصبح المساء طقساً اجتماعياً

مقاهي جدة التاريخية تستقطب السياح ليستمتعوا بالقهوة وأصالة المكان (الشرق الأوسط)
مقاهي جدة التاريخية تستقطب السياح ليستمتعوا بالقهوة وأصالة المكان (الشرق الأوسط)
TT

مقاهي جدة التاريخية في رمضان… حين يصبح المساء طقساً اجتماعياً

مقاهي جدة التاريخية تستقطب السياح ليستمتعوا بالقهوة وأصالة المكان (الشرق الأوسط)
مقاهي جدة التاريخية تستقطب السياح ليستمتعوا بالقهوة وأصالة المكان (الشرق الأوسط)

في جدة التاريخية، يبدأ المساء متأخراً في رمضان. بعد الإفطار وصلاة التراويح تتبدل ملامح الأزقة القديمة؛ تفتح المقاهي أبوابها على إيقاع مختلف، وتتحول الجلسات إلى محطات لقاء لا يقصدها الزوار بحثاً عن القهوة فقط، بل عن تجربة كاملة يعيشون فيها تفاصيل المكان. بين برحة نصيف وشارع الذهب، تتشكل اليوم هوية جديدة لمقاهي «البلد»، حيث يلتقي الجيل الجديد بتاريخ المدينة، في محاولة لإعادة تعريف المقهى داخل فضاء تراثي عمره قرون.

«ميناء»... حين يصبح المقهى نقطة انطلاق

خلف بيت نصيف مباشرة، اختار مقهى ميناء أن يكون جزءاً من التحول الذي تشهده المنطقة، لا مجرد مشروع جديد داخلها. المقهى يصفه مالكه محمد جوجو بأنه محاولة للمشاركة في صناعة التغيير نفسه، عبر تقديم القهوة المختصة ضمن قراءة معاصرة للمكان، تحافظ على التاريخ دون أن تمسّه.

مقهى ميناء نقطة التقاء وانطلاق لاكتشاف أزقة جدة التاريخية (الشرق الأوسط)

يقول جوجو لـ«الشرق الأوسط» إن الفكرة لم تكن إنشاء مقهى فقط، بل إعادة صياغة مفهوم المقهى والمحمصة داخل بيئة تاريخية، بحيث يلتقي الزمن الماضي بالحاضر في تجربة واحدة. فالمكان معاصر بطبيعته، لكنه يعيش داخل تاريخ طويل يجب احترامه لا استبداله. فاختيار الموقع جاء نتيجة علاقة شخصية مع جدة التاريخية؛ إذ أمضى جوجو عاماً كاملاً في دراسة الهندسة الإسلامية، والحرف التقليدية في البلد، متتبعاً تفاصيل الرواشين، والنجارة، والخزف، والجبس، قبل أن يقرر أن يبدأ مشروعه من هنا تحديداً.

يقول جوجو: «أصل جدة هو البلد»، معتبراً أن تأسيس المشروع في هذا الموقع منحه جذوراً حقيقية قبل التفكير في أي توسع لاحق. ولا يركّز ميناء على المنتج وحده، بل على التجربة الكاملة. فالقهوة المختصة -خاصة البن اليمني- تكتسب معنى إضافياً بوجود المقهى في حارة اليمن، بينما تتحول الخدمة والتواصل مع الزوار إلى جزء أساسي من هوية المكان.

«نحن لا نبيع قهوة فقط، بل نبيع تجربة»، يوضح جوجو، مشيراً إلى أن الزوار يقصدون جدة التاريخية لا للشراء السريع، بل للعيش داخل المكان. ومن هنا جاء اسم «ميناء»؛ نقطة ترسو عندها الرحلات قبل أن تنطلق من جديد. كثير من الزوار يبدأون جولتهم من المقهى، ثم يعودون إليه طلباً لتوجيهات جديدة لاكتشاف بقية الأزقة والمعالم، ليصبح المكان محطة تجمع تنطلق منها تجربة البلد كاملة.

ويمتد ارتباط المقهى بالمنطقة إلى التعاون مع حرفيين محليين شاركوا في تصميم عناصر المكان، من الإضاءة المصنوعة يدوياً إلى البلاطات والزخارف، في محاولة لخلق علاقة حقيقية بين المشروع والبيئة الحرفية المحيطة به. وخلال رمضان، يتجه المقهى إلى تطوير منتجات مستوحاة من الهوية المحلية، مثل الآيس كريم بنكهات عربية، ومشروبات مرتبطة بالمذاق الرمضاني، في استمرار لفكرة المزج بين التجربة المعاصرة وروح المكان التاريخي.

زوار جدة التاريخية يتجمعون في المقاهي بعد صلاة التراويح (الشرق الأوسط)

رمضان... موسم المقاهي الأكبر

يرى القائمون على المقاهي في المنطقة أن رمضان يمثل الذروة الحقيقية لحضور جدة التاريخية، إذ تتحول الأزقة إلى فضاء اجتماعي مفتوح يستقبل ملايين الزوار، معظمهم من داخل المملكة، يبحثون عن تجربة مختلفة لليالي الشهر الفضيل. وعلى شارع الذهب، أحد أكثر شوارع البلد حركة، افتُتح مقهى ميغوستا، وكانت انطلاقته الفعلية في منتصف شهر رمضان الماضي. ويقدم المقهى، المصمم بأسلوب ريفي بسيط داخل بيئة تاريخية، القهوة والمشروبات الحديثة، مع جلسات داخلية وخارجية تستوعب الزوار خلال جولتهم الليلية. يؤكد مالكه بسام ياسر أن رمضان يشكل موسماً رئيساً للسياحة المحلية، حيث يبحث الزوار عن أماكن تمنحهم تجربة المكان بقدر ما تقدّم لهم المشروبات، ما يدفع المقاهي إلى إضافة منتجات موسمية، ونكهات مرتبطة بالشهر الفضيل.

ومن أمام بيت نصيف مباشرة، يواصل مقهى هولا لوبز حضوره في جدة التاريخية حيث اختار مالكه أحمد أبو طه الموقع انطلاقاً من قناعته بأن البلد تمثل البيئة الأصدق لخلق تجربة تجمع بين التاريخ والحياة المعاصرة.

مقاهي جدة التاريخية تستعد لاستقبال زوارها مساءً في رمضان (الشرق الأوسط)

في رمضان، تتغير هوية المقهى بإضافة منتجات مستوحاة من تاريخ جدة تُقدَّم بنكهات حديثة تمنح الزوار تجربة متجددة دون الابتعاد عن روح المكان. ويبحث رواد المقاهي عن الأجواء الشعبية، والنكهات المرتبطة بالذاكرة، إلى جانب أسلوب الترحيب الذي يعكس طريقة استقبال أهل جدة قديماً.

وتتمثل الطقوس اليومية في تزيين المكان، واستقبال الزوار بطريقة تمنحهم شعور المشاركة في أجواء الشهر، مع الحفاظ على الطابع التاريخي عبر تطوير المنتجات بما ينسجم مع هوية الموقع. ويختصر أبو طه ليالي رمضان بوصفه ليالي رمضان في المقهى بأنها «ليالٍ تاريخية بنكهة حضارية».

مقاهي جدة التاريخية تجمع بين القهوة الحديثة وروح المكان التراثي (الشرق الأوسط)

المقاهي... قلب المشهد الليلي

وفي الشهر الفضيل، لا تعد مقاهي جدة التاريخية مجرد أماكن جلوس، بل نقاط اجتماع، ومحطات انطلاق داخل المدينة القديمة. يجلس الزوار طويلاً، يتبادلون الأحاديث، أو يخططون لمحطتهم التالية، بينما تتحول القهوة إلى سبب للبقاء أكثر، ومع كل موسم رمضاني تعيد مقاهي جدة التاريخية رسم علاقتها بالمدينة؛ بين الماضي الذي يحتفظ به المكان، والحاضر الذي يصنعه رواده.


عادات غذائية خاطئة تزيد الوزن في رمضان

الوجبات المتوازنة تساعد على إنقاص الوزن في رمضان (المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين)
الوجبات المتوازنة تساعد على إنقاص الوزن في رمضان (المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين)
TT

عادات غذائية خاطئة تزيد الوزن في رمضان

الوجبات المتوازنة تساعد على إنقاص الوزن في رمضان (المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين)
الوجبات المتوازنة تساعد على إنقاص الوزن في رمضان (المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين)

قد يبدو شهر رمضان فرصة مثالية لمن يسعون للتخلص من الوزن الزائد؛ إذ يعتقد بعضهم أن الامتناع عن الطعام والشراب من الفجر حتى المغرب يكفي لإنقاص الدهون تلقائياً. لكن خبراء التغذية يؤكدون أن فقدان الوزن لا يعتمد على الصيام وحده، بل يتأثر بشكل كبير بالعادات الغذائية الخاطئة خلال وجبتَي الإفطار والسحور. ويحذر المختصون من أن بعض السلوكيات الشائعة قد تعرقل خسارة الوزن، بل قد تؤدي إلى زيادته رغم الصيام، وفق صحيفة «بورنيو بوست»، الماليزية.

وتشدد الدكتورة نورشام جوليانا نور الدين، رئيسة مجموعة أبحاث الإيقاع الحيوي ونمط الحياة بكلية الطب والعلوم الصحية في جامعة العلوم الإسلامية الماليزية، على أن فقدان الوزن يعتمد على إجمالي السعرات الحرارية ونوعية الطعام وحجم الحصص والنشاط البدني.

وتوضح أن الإفراط في تناول الأطعمة الغنية بالسكر والدهون خلال الإفطار أو السحور قد يؤدي إلى زيادة الوزن، خصوصاً عند قلة الحركة واضطراب النوم؛ لأن الطاقة الزائدة تُخزن على شكل دهون. ومع ذلك، تشير إلى أن الصيام يمكن أن يساعد في ضبط الوزن إذا ترافق مع تغذية متوازنة ونشاط بدني منتظم.

القهوة والسهر ليلاً

في السنوات الأخيرة، أصبحت جلسات القهوة بعد التراويح شائعة، خصوصاً بين الشباب. وتوضح نور الدين أن شرب القهوة ليلاً ليس مثالياً من الناحية الفسيولوجية؛ إذ يعرقل النوم بسبب تأثير الكافيين الذي يمنع إفراز المواد المحفزة للنوم في الدماغ، ما يؤدي إلى تعب خلال النهار. كما أن القهوة مدرّة للبول، ما يزيد فقدان السوائل في وقت يحتاج فيه الجسم لتعويضها. بالإضافة إلى ذلك، قد تعوق مركبات القهوة امتصاص بعض المعادن مثل الحديد والكالسيوم، وتنصح بتجنب القهوة عند الإفطار.

الأكل الليلي المتكرر

يميل بعض الصائمين إلى تناول وجبات إضافية بعد التراويح، غالباً تكون غنية بالكربوهيدرات والسكريات. ويحذر الخبراء من أن الأكل المتأخر ليلاً يُبطئ عملية الأيض، ويعيد الجسم إلى وضع تخزين الطاقة، مما يقلل من فوائد الصيام في حرق الدهون. وتوصي نورشام بالاعتدال وتجنب الأطعمة الثقيلة أو السكرية التي قد تسبب اضطرابات في الهضم والنوم.

أهمية وجبة السحور

تشير نور الدين إلى أن تخطي السحور قد يخل بتوازن الجسم؛ لأن توقيت الوجبات يلعب دوراً مهماً في ضبط الساعة البيولوجية؛ فالسحور يهيئ الجسم لبداية يوم الصيام ويساعد الأعضاء على العمل بكفاءة، ما يدعم استقرار الطاقة.

كما تحذر من بدء الإفطار أو السحور بمشروبات وأطعمة شديدة الحلاوة، مثل المشروبات المحلاة والحلويات؛ لأنها تسبب ارتفاعاً سريعاً في سكر الدم يتبعه هبوط مفاجئ يؤدي إلى التعب وزيادة الرغبة في تناول السكريات. وتشير أيضاً إلى أن الإفراط في الملح يزيد الشعور بالعطش ويؤثر على جودة النوم، مما قد يؤدي إلى الجفاف أثناء الصيام.

توقيت الوجبات

تؤكد الدكتورة أرياتي أحمد، الأستاذة المشاركة بكلية العلوم الصحية في جامعة السلطان زين العابدين الماليزية، أن توقيت الإفطار والسحور عامل أساسي للحفاظ على الصحة خلال رمضان.

وتنصح بالبدء بأطعمة خفيفة سهلة الهضم لتجنب الانتفاخ أو الارتجاع، وللحد من الإفراط في الأكل نتيجة الجوع الشديد. أما السحور، فيوفر طاقة مستدامة ويحسن مستوى الترطيب قبل ساعات الصيام الطويلة.

الرياضة خلال الصيام

تدحض الدكتورة أرياتي الاعتقاد بأن النشاط البدني لا بدَّ أن يتوقف خلال رمضان، مشيرة إلى أن التمارين الخفيفة إلى المتوسطة مفيدة للحفاظ على اللياقة والكتلة العضلية وضبط الوزن.

وتوصي بممارسة أنشطة خفيفة قبل الإفطار بنحو 30 إلى 60 دقيقة، مثل المشي أو التمدد، أو بعد الإفطار بساعة إلى ساعتين لممارسة تمارين القوة المعتدلة.


قبل أضواء «سيزار»… معركة جديدة بين السينما الفرنسية والذكاء الاصطناعي

صورة تعبيرية عن الجدل بين السينما الفرنسية والذكاء الاصطناعي (شاترستوك)
صورة تعبيرية عن الجدل بين السينما الفرنسية والذكاء الاصطناعي (شاترستوك)
TT

قبل أضواء «سيزار»… معركة جديدة بين السينما الفرنسية والذكاء الاصطناعي

صورة تعبيرية عن الجدل بين السينما الفرنسية والذكاء الاصطناعي (شاترستوك)
صورة تعبيرية عن الجدل بين السينما الفرنسية والذكاء الاصطناعي (شاترستوك)

في وقت تستعد فيه السينما الفرنسية للاحتفاء بنجومها على سجادة جوائز «سيزار» الحمراء، يرتفع صوت الاحتجاج داخل الوسط الفني ضد الذكاء الاصطناعي، بعد تحرّك لافت قاده نحو 4 آلاف ممثل ومخرج ندَّدوا بما وصفوه بـ«النهب المنظّم» عبر استخدام أصواتهم وصورهم من دون إذن.

وفي مقال نُشر على موقع صحيفة «لو باريزيان»، ونقلته «وكالة الصحافة الفرنسية»، حذَّرت هيئة «أدامي» التي أطلقت المبادرة قائلة: «نشهد تحوّلاً عميقاً في مهنتنا منذ وصول الذكاء الاصطناعي. هذه الأداة القيِّمة لبعض المهن هي أيضاً وحش نهم للفنانين من أمثالنا».

وضمَّت قائمة الموقِّعين أسماء بارزة في السينما الفرنسية، من بينهم سوان أرلو، وجيرار جونيو، وجوزيه غارسيا، إلى جانب الممثلات ليا دروكر، وإلودي بوشيه، وكارين فيار، في خطوة عكست حجم التوتر المتصاعد داخل الأوساط الفنية.

وشدَّد الفنانون على أن استنساخ الأصوات بات ظاهرة متكررة، مؤكدين أن القلق يزداد مع كل أسبوع جديد، في ظل منافسة تكنولوجية شرسة قد تغيّر شكل المهنة نفسها. وأشاروا أيضاً إلى أن الفنانين الأقل شهرة هم الأكثر هشاشة، إذ قد تدفعهم ضغوط العمل أحياناً إلى التنازل عن حقوقهم، رغم ما قد يحمله ذلك من مخاطر على سمعتهم ومسارهم المهني.

وطالب الموقِّعون بوضع إطار قانوني واضح ينظِّم استخدام الذكاء الاصطناعي في المجال الفني، بما يضمن تحقيق توازن حقيقي بين الابتكار التقني وحماية حقوق التأليف والحقوق المجاورة.

ويأتي هذا التحرُّك ضمن موجة متصاعدة من المبادرات الفنية في مواجهة تأثير الذكاء الاصطناعي، إذ شهدت باريس مؤخراً وقفة احتجاجية شارك فيها عدد من الفنانين والممثلين.

وفي تطور أثار ضجة واسعة، اتهمت استوديوهات هوليوودية كبرى مؤخراً برمجية صينية تُدعى «سيدانس 2.0» بانتهاك حقوق التأليف، بعد انتشار فيديو مولَّد بالذكاء الاصطناعي جمع بين توم كروز وبراد بِت وحقق انتشاراً كبيراً على مواقع التواصل.

وبين وعود التكنولوجيا ومخاوف الفنانين، تبدو معركة السينما مع الذكاء الاصطناعي قد بدأت فعلياً، معركة قد تُعيد رسم حدود الإبداع وحدود المهنة في السنوات المقبلة.