هجوم على معبد يهودي يخلف 4 قتلى.. ومواجهات عنيفة في القدس والضفة

عباس يدين العملية.. وأوباما يدعو الفلسطينيين والإسرائيليين إلى التهدئة

شرطي إسرائيلي يقف أمام مدخل الكنيس الذي تعرض لهجوم خلّف 4 قتلى (رويترز)
شرطي إسرائيلي يقف أمام مدخل الكنيس الذي تعرض لهجوم خلّف 4 قتلى (رويترز)
TT

هجوم على معبد يهودي يخلف 4 قتلى.. ومواجهات عنيفة في القدس والضفة

شرطي إسرائيلي يقف أمام مدخل الكنيس الذي تعرض لهجوم خلّف 4 قتلى (رويترز)
شرطي إسرائيلي يقف أمام مدخل الكنيس الذي تعرض لهجوم خلّف 4 قتلى (رويترز)

وضعت عملية قتل 4 إسرائيليين داخل كنيس يهودي في القدس، أمس، في هجوم فلسطيني هو الأعنف منذ 2008، القيادتين الإسرائيلية والفلسطينية في حالة تأهب أمني خشية تدهور الأوضاع إلى حرب دينية لا يمكن السيطرة عليها فورا، ويمكن أن تمتد إلى الخارج.
وبينما تعهد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وقادته بالرد بقوة، واتهم الرئيس الفلسطيني محمود عباس وحماس بالتسبب في إشعال حرب دينية محتملة، دعا عباس إلى الهدوء، وأدان حادثة الكنيس في مستهل اجتماع أمني عالي المستوى، أعقب اتصالا بينه وبين وزير الخارجية الأميركي جون كيري الذي دعاه إلى ضبط الأوضاع والسيطرة عليها وإدانة العملية ووقف أي تحريض فلسطيني.
وقال عباس الذي ترأس اجتماعا للمجلس الأمني المصغر: «ندين الحادثة التي وقعت في القدس بشدة، ولا نقبل بأي حال من الأحوال أن يعتدى على المدنيين وعلى الأماكن الدينية ودور العبادة، وفي الوقت الذي ندين هذا العمل أدنّا وندين أيضا الاعتداء على الحرم القدسي وعلى الأماكن المقدسة وحرق المساجد والكنائس لأن كل هذه الأعمال تخالف كل الشرائع السماوية، ولا تخدم المصلحة المشتركة التي نعمل فيها من أجل إقامة الدولتين، دولة فلسطين إلى جانب دولة إسرائيل». وطالب عباس بالحفاظ على التهدئة، التي تم التفاهم حولها مع الملك عبد الله الثاني ملك الأردن ووزير الخارجية الأميركي جون كيري في عمان، ومع كل الأطراف المعنية (بنيامين نتنياهو).
وأفاق الإسرائيليون والفلسطينيون فجر أمس على هجوم نادر على مصلى يهودي تابع لمدرسة دينية في «حي هار نوف» اليهودي في القدس الشرقية أوقع 4 قتلى إسرائيليين يحملون الجنسيتين الأميركية والبريطانية، إضافة إلى منفذَي الهجوم الفلسطينيين اللذين استخدما سلاحا ناريا وآلة حادة في الهجوم على الكنيس. وقال موقع «nrj» الإسرائيلي إن منفذي الهجوم قد يكونان أرادا الانتقام على ما يبدو للفتى الفلسطيني محمد أبو خضير الذي أحرقه مستوطنون في بداية يونيو (حزيران) الماضي، على اعتبار أن والد أحد المتهمين بقتله يصلي يوميا في هذا الكنيس.
ولم تؤكد الجهات الأمنية الإسرائيلية هذه النظرية.
وأعلنت الشرطة الإسرائيلية أن الهجوم أسفر عن مقتل الحاخام موشيه تفيرسكي البالغ من العمر 59 عاما (أميركي)، والحاخام كالمان لفين، البالغ من العمر خمسين عاما (أميركي)، وإريه كوبينسكي البالغ من العمر 43 عاما (أميركي)، وأبراهام غولدبرغ البالغ من العمر 68 عاما (بريطاني)، وقد دفنوا جميعا أمس في مقبرة غفعات شاؤول، بينما أصيب سبعة آخرون بجراح، بينهم اثنان حالتهما خطيرة جدا.
وقال شهود عيان إسرائيليون إن الفلسطينيين هاجما نحو 25 شخصا كانوا يصلّون وقت إطلاق النار. وأعلن فورا أن منفذي الهجوم هما عدي وغسان أبو جمل، وهما أولاد عم من جبل المكبر في القدس.
وباركت الفصائل الفلسطينية هذه العملية واعتبرتها رد فعل طبيعيا على «الجرائم الإسرائيلية». وتبنت الجبهة الشعبية العملية، حيث قالت كتائب أبو علي مصطفى، أمين عام الجبهة الذي اغتالته إسرائيل في رام الله عام 2001، إن العملية «رد شعبي ووطني طبيعي على ما يرتكبه الإسرائيليون من جرائم بحق الشعب الفلسطيني»، كما باركت حماس والجهاد الإسلامي العملية، وقالت الحركتان إنها «رد طبيعي على الجرائم الإسرائيلية المستمرة بحق القدس والمقدسات».
وأفادت عائلة الجمل بأن قوات الاحتلال اقتحمت منزلي عدي وغسان، وقامت بتفتيشهما بشكل دقيق وخربت محتوياتهما، ثم اعتقلت 12 فردا من العائلتين، بينهم 3 سيدات، وهن والدة وزوجة غسان، وأشقاؤه، منذر وجمال وعماد ومراد ومعاوية، ووالدة وشقيق عدي. وعلى إثر ذلك انتشر مستوطنون في شوارع الضفة وأخذوا يهتفون بالموت للعرب، وذلك بعدما تعهد وزير الأمن الداخلي يتسحاق اهرونوفيتش بتسليح الإسرائيليين للدفاع عن أنفسهم. كما هاجم مستوطنون مدرسة فلسطينية في قرية عوريف جنوب نابلس قبل أن يتصدى لهم الأهالي ويتدخل الجيش الإسرائيلي، وهو ما تسبب في حدوث إصابات، كما سجلت مواجهات في مناطق مختلفة في الضفة قبل أن تندلع من جديد في البلدة القديمة في القدس نفسها.
ودعا وزراء ونواب اليمين الإسرائيلي إلى تشديد العقوبات على «الفلسطينيين وعائلاتهم»، كما طالب رئيس المجلس المركزي في حزب الليكود الحاكم، داني دنون، بعدم الاكتفاء بهدم بيوت عائلات منفذي العمليات، بل طرد هذه العائلات إلى قطاع غزة أو إلى لبنان، ووعد نتنياهو بدراسة الاقتراح.
وإزاء هذه الهجمة الثأرية المنفلتة، خرج رئيس جهاز المخابرات العامة (الشاباك)، يورام كوهن، محذرا من أجواء التصعيد الإسرائيلية. ودعا في اجتماع مع لجنة الخارجية والأمن في الكنيست (البرلمان الإسرائيلي)، إلى التوقف عن مهاجمة الرئيس الفلسطيني وتحميله مسؤولية الإرهاب، وأوضح أن التدهور في القدس بدأ مع قيام مواطنين يهود بقتل الفتى المقدسي محمد أبو خضير ببشاعة، وقال إن هذا الحدث كان حاسما في نشوء المواجهة الكبرى في القدس الشرقية في الشهور الأخيرة. وأضاف وسط ذهول النواب بأن «الأحداث المتتالية المتعلقة بالحرم القدسي، وضمن ذلك اقتحامات مجموعات يهودية للحرم ومشاريع القوانين لتغيير الوضع القائم في الحرم، صعدت رد الفعل في القرى في القدس الشرقية». ودعا الوزراء وأعضاء الكنيست إلى الحفاظ على الاعتدال والحوار بهذا الخصوص، والامتناع عن دخول الحرم في هذه الفترة، وذلك بسبب رد الفعل الذي تثيره هذه الاقتحامات في الجانب الفلسطيني.
وبينما أصدر قادة الأحزاب العربية في الكنيست الإسرائيلي بيان إدانة، استغل قادة الأحزاب السياسية في الائتلاف الحكومي هذه العملية للتحريض على السلطة الفلسطينية وحركة حماس. ولكن بعض نواب المعارضة رفضوا إعفاء نتنياهو وحكومته قائلين إن «الإرهاب شيطاني ويجب مكافحته بلا رحمة، ولكن الجمود في عملية السلام والتحريض الأرعن من الوزراء ونواب الائتلاف يؤديان هما أيضا إلى تدهور أمني».
ومباشرة بعد هذه العملية أدان الرئيس الأميركي باراك أوباما «الهجوم المروع»، ودعا إسرائيل والفلسطينيين إلى التهدئة. وقال أوباما: «في هذه اللحظات الحساسة في القدس أصبح من المهم جدا بالنسبة إلى القادة الإسرائيليين والفلسطينيين والمواطنين العاديين العمل معا للتعاون على خفض التوترات ورفض العنف والسعي إلى إيجاد سبيل نحو السلام».
كما وصف وزير الخارجية الأميركي جون كيري الهجوم على المعبد اليهودي بأنه «وحشية حمقاء». وقال للصحافيين خلال زيارة للندن قبل اجتماع مع وزير الخارجية البريطاني فيليب هاموند: «ببساطة هذا لا مكان له في السلوك الإنساني».
من جهته، حذر وزير الخارجية الألماني فرانك - فالتر شتاينماير من نشوب موجة عنف جديدة في الشرق الأوسط، بعد الهجوم على الكنيس اليهودي. وقال شتاينماير أمس أثناء زيارته للعاصمة الأوكرانية كييف: «إن تحول دور العبادة إلى ساحة لشن هجوم على المؤمنين الأبرياء يعد تجاوزا مروعا في الوضع المحتدم بالفعل حاليا».
وأضاف الوزير الألماني أن الوصول إلى مواجهة دينية يضفي على النزاع القائم حاليا في الشرق الأوسط «بعدا جديدا وخطيرا».
وفي باريس أدان الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند الهجوم الذي استهدف الكنيس اليهودي في القدس، ووصفه بـ«الاعتداء البغيض». وأعرب، بحسب بيانات قصر الإليزيه أمس، عن قلقه البالغ إزاء «سلسلة أعمال العنف في القدس وإسرائيل والضفة الغربية». كما ندد الاتحاد الأوروبي بشدة بالهجوم، ودعا «كل قادة المنطقة» إلى «بذل أقصى جهودهم فورا لتهدئة الوضع». وقالت وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي: «إنه عمل إرهاب ضد مصلين خلال صلاة الفجر، وهو مدان من كل وجهات النظر». وأضافت: «أدعو كل قادة المنطقة إلى العمل معا وبذل أقصى جهودهم لتهدئة الوضع فورا ومنع تصعيد جديد».
كما أدان وزيرا الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، والفنلندي أركي تيوميويا ساكاري، أمس الاعتداء في مؤتمر صحافي عقده الوزيران التركي والفنلندي بعد إجراء محادثات ثنائية، بحسب وكالة الأناضول للأنباء التركية. وقال الوزير التركي: «ندين الهجمات على الأماكن المقدسة. وكنا قد أدنّا هجمات إسرائيل على المسجد الأقصى أيضا.. ونحن نشهد تصعيدا الآن، فالموقف المتهور من جانب إسرائيل تجاه غزة مستمر، غير أنه ليس هناك أي مبررات للهجوم على الكنيس اليهودي».
من جانبه أدان وزير الخارجية الفنلندي الهجوم، وقال إن الشعور المتزايد بالإحباط في المنطقة سوف يتسبب في مثل هذا النوع من العنف.



«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
TT

«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)

اعتبر الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، قيام إسرائيل بتعيين سفير فيما يسمى «أرض الصومال»، وهو إقليم الشمال الغربي لجمهورية الصومال الفيدرالية، «خطوة باطلة»، وأعرب عن إدانته البالغة للقرار الذي جاء بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي كدولة مستقلة.

وأشار أبو الغيط، في بيان صادر عن «الجامعة العربية»، الجمعة، إلى أن الإجراء الإسرائيلي «خطوة باطلة وغير قانونية وتمثّل تصعيداً خطيراً وانتهاكاً صارخاً لسيادة جمهورية الصومال ووحدة أراضيها، ومخالفة صريحة لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي، وإجراء لا يترتب عليه أي أثر قانوني».

وأكد المتحدث باسم الأمين العام للجامعة، جمال رشدي، على «الموقف العربي الحازم الذي عبر عنه مجلس جامعة الدول العربية، في اجتماعه غير العادي بتاريخ 28 من شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، والذي رفض بشكل قاطع أي شكل من أشكال الاعتراف أو التعامل مع الإقليم خارج إطار السيادة الصومالية».

ولفت إلى أن «التحركات الإسرائيلية تمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي العربي وللسلم والأمن في البحر الأحمر وخليج عدن والقرن الأفريقي، ومحاولة خطيرة لإعادة تشكيل الخارطة الجيوسياسية في المنطقة بما يهدد حرية الملاحة والتجارة الدولية».

ويأتي الإعلان عن تعيين سفير إسرائيلي في إقليم «أرض الصومال» وسط تسريبات ببدء تدشين قاعدة إسرائيلية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الحالي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وكانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.


الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)

في تحرك يعكس توجهاً لتعزيز مسار التعافي الشامل، كثّفت الحكومة اليمنية خلال مشاركتها في اجتماعات الربيع 2026 لمجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في واشنطن، جهودها لتوسيع الشراكات الدولية، مع التركيز على ثلاثة مسارات رئيسية، هي: تمكين السلطات المحلية، دعم الإصلاحات الاقتصادية، معالجة أزمة المياه المتفاقمة، خصوصاً في مدينة عدن.

وتُظهر هذه التحركات، التي قادها عدد من الوزراء والمسؤولين الاقتصاديين، محاولة لإعادة بناء الثقة مع المؤسسات المالية الدولية، واستقطاب الدعم الفني والمالي اللازمين لمواجهة التحديات المتراكمة التي خلفتها سنوات الحرب، إلى جانب تداعيات التوترات الإقليمية على الاقتصاد اليمني الهش.

وتصدر ملف تمكين السلطات المحلية جدول أعمال اللقاءات مع البنك الدولي، حيث ناقشت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع فريق البنك سبل دعم الحكومة في تطوير العلاقة بين المركز والمحافظات، بما يعزز تقديم الخدمات والتنمية الاقتصادية على المستوى المحلي.

وأكد وزير الإدارة المحلية، بدر سلمة، أن هذا الملف يحظى بأولوية لدى مجلس القيادة الرئاسي، مشيراً إلى اعتماد نهج تدريجي يقوم على تأهيل السلطات المحلية أولاً، ثم تطبيق نماذج اللامركزية في عدد محدود من المحافظات قبل التوسع.

ويهدف هذا التوجه، حسب المسؤولين، إلى تقليل المخاطر المرتبطة بالتحول السريع، والاستفادة من التجارب التطبيقية، بما يضمن بناء نموذج مستدام للحكم المحلي، قادر على الاستجابة لاحتياجات المواطنين.

من جانبها، شددت أفراح الزوبة على أن تمكين السلطات المحلية يمثل ركيزة أساسية في بناء «عقد اجتماعي جديد» بين الدولة والمواطن، معتبرة أن هذا المسار يسهم في تعزيز الاستقرار المؤسسي وتهيئة بيئة مواتية للتنمية.

وأبدى البنك الدولي استعداده للعب دور الشريك التقني، عبر تقديم الدعم الفني والاستفادة من التجارب الدولية المقارنة، فيما اتفق الجانبان على تشكيل فريق فني مشترك لمتابعة هذا الملف، والتحضير لمؤتمر دولي مرتقب في يونيو (حزيران) المقبل.

أزمة المياه في عدن

في موازاة ذلك، برز ملف المياه بوصفه من أكثر القضايا إلحاحاً، خصوصاً في مدينة عدن التي تواجه أزمة حادة نتيجة تراجع الموارد المائية وتداخل مياه البحر مع الخزانات الجوفية.

وخلال لقاء جمع وزير المياه والبيئة، توفيق الشرجبي، مع مسؤولي البنك الدولي، جرى استعراض واقع الأزمة، حيث تعتمد المدينة بشكل رئيسي على خزان دلتا تُبن الذي يشهد انخفاضاً مستمراً في منسوب المياه.

وتسعى الحكومة إلى إطلاق مشروع استراتيجي لتحلية مياه البحر، بوصفه حلاً طويل الأمد لأزمة المياه، ضمن برنامج متعدد المراحل يمتد لعشر سنوات، ويُعد الأول من نوعه في اليمن.

اجتماعات يمنية في واشنطن لاستجلاب الدعم الدولي (سبأ)

ويتضمن البرنامج ثلاث مراحل رئيسية، تبدأ بإدارة الموارد المائية وتحسين خدمات المياه والصرف الصحي، إلى جانب تجريب محطات تحلية صغيرة تعمل بالطاقة الشمسية، قبل الانتقال إلى إنشاء محطة تحلية كبرى لعدن، ثم التوسع إلى مناطق أخرى.

وأكدت وزيرة التخطيط أهمية إشراك القطاع الخاص ومؤسسات التمويل الدولية منذ المراحل الأولى، بما يعزز فرص الاستثمار ويضمن استدامة المشاريع، في ظل توجه حكومي لتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

كما اتفق الجانبان على تشكيل لجنة فنية مشتركة للتحضير لمشروع محطة التحلية الكبرى، واستكمال متطلبات عرض المرحلة الأولى على مجلس إدارة البنك الدولي خلال مايو (أيار) المقبل، مع التحضير المبكر للمراحل اللاحقة.

استئناف الحوار مع صندوق النقد

على صعيد الإصلاحات الاقتصادية، شهدت اجتماعات واشنطن تقدماً في استئناف مشاورات المادة الرابعة بين اليمن وصندوق النقد الدولي، بعد انقطاع دام سنوات، في خطوة تعكس رغبة الحكومة في إعادة الانخراط في مسار الإصلاحات الاقتصادية.

وخلال لقاء جمع محافظ البنك المركزي اليمني ووزير المالية مع مسؤولين في الصندوق، جرى بحث الخيارات المتاحة لدعم المرحلة المقبلة، بما يشمل معالجة الاختلالات في السياسات المالية والنقدية.

ويُنظر إلى هذه المشاورات بوصفها مدخلاً أساسياً للاستفادة من برامج التمويل التي يقدمها الصندوق، إلى جانب تعزيز الثقة الدولية بالاقتصاد اليمني.

الإصلاحات التي تقودها الحكومة اليمنية تحظى بدعم دولي (سبأ)

وأكد المسؤولون اليمنيون التزامهم بمواصلة تنفيذ الإصلاحات اللازمة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي، في وقت يواجه فيه الاقتصاد ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وأسعار السلع والطاقة.

كما تناولت اللقاءات تداعيات التصعيد الإقليمي في الشرق الأوسط، وتأثيره على الاقتصادات الهشة، بما في ذلك اليمن، حيث تسببت هذه التطورات في زيادة الأعباء على المالية العامة وميزان المدفوعات.

في سياق موازٍ، بحث وزير المالية ومحافظ البنك المركزي مع رئيس صندوق النقد العربي تنفيذ برنامج الإصلاحات الشاملة، مع التركيز على البيانات المالية ومستوى التقدم في تنفيذ مصفوفة الإصلاحات.

وأكدت الحكومة التزامها بمواصلة الإصلاحات في المجالات المالية والنقدية، بما يسهم في تعزيز الموارد العامة، ومكافحة الفساد، وترسيخ مبادئ الشفافية والحوكمة.

وأشاد المسؤولون بالدعم المقدم من السعودية وصندوق النقد العربي، معتبرين أنه يشكل ركيزة أساسية لجهود التعافي الاقتصادي.

من جانبه، جدد صندوق النقد العربي تأكيده على مواصلة دعم الحكومة اليمنية، بما يعزز الاستقرار الاقتصادي ويحسن الأوضاع العامة في البلاد.


صراعات النفوذ تفجّر الداخل الحوثي المتصدّع

تجمع لقبائل قيفة اليمنية رفضاً لأحكام إعدام حوثية على 11 فرداً من أبنائها (إكس)
تجمع لقبائل قيفة اليمنية رفضاً لأحكام إعدام حوثية على 11 فرداً من أبنائها (إكس)
TT

صراعات النفوذ تفجّر الداخل الحوثي المتصدّع

تجمع لقبائل قيفة اليمنية رفضاً لأحكام إعدام حوثية على 11 فرداً من أبنائها (إكس)
تجمع لقبائل قيفة اليمنية رفضاً لأحكام إعدام حوثية على 11 فرداً من أبنائها (إكس)

وسط العزلة التي تعيشها الجماعة الحوثية، تتزايد أحداث العنف التي تعكس حدوث تحوّلات عميقة في علاقتها بالمكونات المجتمعية وقدرتها على فرض الهيمنة، وعجزها عن إدارة الخلافات الداخلية، حيث تتقاطع المصالح وتتصادم على النفوذ والموارد، في ظل غياب آليات مستقرة لضبط هذا التنافس، مع اتساع رقعة الاستياء الشعبي وعدم الثقة في المؤسسات الخاضعة للجماعة.

وفي إحدى أحدث وقائع الفوضى الأمنية وأخطرها، تحوّل مقر إدارة أمن مديرية جبل رأس، جنوب محافظة الحديدة (غرب)، الثلاثاء الماضي، إلى ساحة اشتباك مفتوح بين قيادات من داخل الجماعة نفسها، في مواجهة استخدمت فيها الأسلحة الرشاشة وسط أحياء سكنية مكتظة.

وذكرت مصادر محلية أن توتراً متصاعداً بين القيادي محمد عباس القحيف المعين من قبل الجماعة مديراً لأمن المديرية، والقيادي الميداني أبو بشار حبيب مطلق، تحول إلى مواجهة مباشرة بالأسلحة الرشاشة داخل المقر الأمني، أسفرت عن إصابة عددٍ من العناصر من الجانبين، بالإضافة إلى إصابة مدني، حالته حرجة، بفعل انتقال الاشتباكات إلى الخارج.

وشهدت الأسابيع الماضية مقتل عددٍ من القادة الأمنيين والميدانيين الحوثيين في محافظات الجوف والمحويت وصنعاء والبيضاء.

الحوثيون يستغلون التصعيد الإقليمي للتغطية على سوء المعيشة وتردي الخدمات (رويترز)

ويرى صلاح علي صلاح، الباحث السياسي اليمني، أن هذه الصراعات «ليست جديدة، لكنها أصبحت أكثر وضوحاً وتكراراً»، نتيجة تراكم شبكات نفوذ تشكّلت خلال سنوات الحرب، أعادت توزيع مراكز القوة داخل الجماعة، وأضعفت أدوار قوى قبلية واجتماعية كانت شريكة أو مستفيدة في مراحل سابقة.

ويشير صلاح في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن المرحلة الراهنة تشهد تحولاً لافتاً، يتمثل في انتقال التوترات من أطراف المشهد إلى داخل بنية الجماعة نفسها، مع بروز خلافات بين القيادات والمشرفين، مدفوعة بالتنافس على النفوذ والموارد والصلاحيات، وهي خلافات لم تعد قابلة للاحتواء إلا عبر تدخلات مباشرة من القيادة العليا.

وتعددت خلال الأيام الماضية وقائع العنف المرتبطة بالخلافات الشخصية وانتشار السلاح بين قيادات حوثية وسكان في عدد من المحافظات، ففي صنعاء قُتِل الشيخ القبلي عبد الرزاق العذري، على يد شقيقه محمد، وهو مسلح تابع للجماعة، بعد خلاف على قطعة أرض في مديرية أرحب شمال العاصمة المختطفة.

تجيير الأمن والقضاء

في سياق هذا الانفلات الأمني، قُتل شيخ قبلي آخر في منطقة قيفة في مديرية رداع التابعة لمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، وشخص آخر في مركز المديرية.

وحسب المصادر المحلية، فإن الشيخ محمد الربيحي قُتل في كمين مسلح نصبه مجهولون، بينما سقط رجل مسن ينتمي إلى محافظة إب، خلال وجوده في مدينة رداع، برصاص مسلحين قبليين، دون الكشف عن ملابسات الواقعة.

وتعدّ مديرية رداع في البيضاء مسرحاً مفتوحاً لانفلات أمني من جهة، ومواجهة بين السكان والجماعة الحوثية من جهة أخرى.

باحثون يرجحون أن انشغال الحوثيين بالتصعيد الإقليمي أدى إلى تراجع سيطرتهم الداخلية (غيتي)

وتعتزم قبائل قيفة اتخاذ مواقف تصعيدية رافضة لقرار قضائي من محكمة تابعة للجماعة بإعدام 11 شخصاً من أبنائها، على خلفية نزاع قبلي سابق مع قبائل سنحان في محافظة صنعاء.

ومنذ أشهر تطور نزاع على أرض بين أحد شيوخ المنطقة وقيادي حوثي في مديرية سنحان، إلى اشتباك مسلح أسفر عن مقتل شخصين من كل طرف، ورغم تدخل وساطة لتهدئة الموقف واحتجاز أشخاص من الجانبين رهائن لضمان التسوية، فوجئت قبائل قيفة بصدور قرارات إعدام جماعية دون علمها بحدوث أي إجراءات قضائية.

ووفقاً لما أوردته مصادر محلية فإن أبناء قيفة يتهمون القيادي الحوثي يحيى الرزامي، بالوقوف خلف القرار القضائي والانحياز لصالح قبائل سنحان، سعياً إلى إذلالهم بسبب مواقفهم المناهضة لنفوذ الجماعة وممارساتها.

وكانت المديرية شهدت، الشهر الماضي، مقتل ملاطف الجاكي، المكنى أبو حامد، أحد أبرز القيادات العقائدية للجماعة الحوثية التي اعترفت بالواقعة، دون أن تقدم أي تفاصيل عنها أو من يقف خلفها، مكتفية بتشييعه في صنعاء، بحضور عدد من القيادات المتوسطة والميدانية.

ويرجح المحلل في الشأن اليمني باسم منصور أن يكون للعزلة التي تعيشها الجماعة الحوثية دور في فقدانها القدرة على إدارة الخلافات الداخلية أو السيطرة على أحداث العنف، ففي حين تنشغل القيادات العليا بالتطورات العسكرية والأمنية المحلية والإقليمية، تلجأ القيادات الميدانية إلى التصرف برعونة في مواجهة الاستياء الشعبي أو في إدارة المشهد الأمني.

ويوضح منصور لـ«الشرق الأوسط» أن القيادات العليا مضطرة للاختفاء وتأمين نفسها خوفاً من أي استهداف إسرائيلي، في حين يجد المشرفون والقادة الميدانيون أنفسهم في مواجهة غضب الشارع وسط مخاوفهم من انهيار سيطرة الجماعة.

غضب معكوس

تزايدت في الآونة الأخيرة حوادث العنف لحل الخلافات الشخصية، في مختلف مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، ما أدى إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى، وسط غياب الأجهزة الأمنية الحوثية وتدخلها المتأخر، في حين يشكو السكان من بطء إجراءات الأجهزة القضائية وفسادها وعدم قدرتها على حل النزاعات.

ويذهب باحث في الإعلام والسياسة، يقيم في صنعاء، إلى أن الظروف المعيشية المعقدة وتردي الخدمات في مناطق سيطرة الجماعة تسببت في وقوع السكان تحت ضغوط نفسية كبيرة تدفعهم إلى التهور في تصرفاتهم وحل خلافاتهم.

صعوبة العيش في مناطق سيطرة الحوثيين تدفع إلى مزيد من الفوضى الأمنية (غيتي)

ويبين الباحث، الذي طلب من «الشرق الأوسط» التحفظ على هويته حفاظاً على سلامته، أن غضب السكان يتزايد يومياً بفعل ممارسات الجماعة الحوثية وإجراءاتها التي أدت إلى مفاقمة معاناتهم، إلا أن هذا الغضب ينفجر في الخلافات الشخصية، ويتطور إلى عنف لا محدود.

ولم تعد الأجهزة الأمنية أداة لفرض النظام، بل أصبحت ساحة لتصفية الحسابات كما حدث في مديرية جبل رأس، بينما تفقد المؤسسات القضائية ثقة السكان، وتتحول إلى خصم لهم ما يتيح المزيد من الانفلات في بيئة يسودها انتشار السلاح وغياب الردع، وتآكل دور المؤسسات القضائية والأمنية.

وفي ظل استمرار هذا المشهد، يبقى المدنيون هم الحلقة الأضعف، عالقين بين صراعات الأجنحة الحوثية في الأعلى، وفوضى السلاح في الميدان، دون أفق واضح لاستعادة الحد الأدنى من الاستقرار.