جنوب السودان.. ثمن الاستقلال

بعد أكثر من عامين على ميلادها.. لا تزال تحلم بالخروج من دوامة الحروب

جنوب السودان.. ثمن الاستقلال
TT

جنوب السودان.. ثمن الاستقلال

جنوب السودان.. ثمن الاستقلال

بعد عامين وأشهر من ولادة أحدث دول العالم «جمهورية جنوب السودان»، وقبل أن تنسى الآذان إيقاعات الاحتفال بـ«الاستقلال»، وقبل أن يجف عرق الرقص الاحتفالي عن الأجساد في تلك الليلة، عادت البنادق لتزمجر مجددا في عاصمة الدولة الوليدة «جوبا»، وتسيل دماء الرفاق في شوارعها، محل «عرق البناء» الذي وعد به «الثوار» شعب جنوب السودان، وساقوه به إلى حلم الاستقلال.
زمجرة البنادق وصليل الحرب هذه المرة ليست استمرارا للحرب الأهلية الطويلة بين شطري السودان، التي دامت أكثر من نصف قرن، وأثمرت الاستفتاء الذي أدى إلى انفصال جنوب السودان عن السودان وإعلان استقلاه، بل هي بنادق «ثوار التحرير»، وصناع حلم الانفصال، التي ربما ملت الرقاد بعد تيقظ طويل، فلم تجد صدورا تتوجه إليها، إلا صدور «أبناء الثورة»، ملهاة تثبت صحة المقولة «الثورة تأكل أبناءها».
منتصف ديسمبر (كانون الأول) العام الماضي 2013، اشتعلت حرب الرفاق في جوبا، بين قمة حكم «الحركة الشعبية لتحرير السودان»، الرئيس سلفا كير ميارديت ونائبه السابق رياك مشار، في صراع مرير على السلطة، واستمرت النيران مشتعلة منذ ذلك الوقت، وأدت إلى مقتل عشرات الآلاف، وتشريد الملايين، ولا يعرف أحد أو يستطيع التكهن بكيف ومتى تتوقف.
وبعد يوم واحد من توقيع آخر اتفاقات وقف إطلاق النار بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا بين الرئيس سلفا كير ميارديت ونائبه السابق 9 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، عاد الطرفان لتبادل الاتهامات عن مسؤولية كل منهما عن استمرار القتال. ونقلت «الشرق الأوسط» وقتها أن الحركة الشعبية المتمردة نفت اتهامات الحكومة لها بخرق الاتفاق قبل جفاف الحبر الذي به كتب.
وقالت إن القوات الحكومية هاجمت مواقعها في مدينة بانتيو عاصمة ولاية الوحدة الغنية بالنفط، ما دفع بالهيئة الحكومية للتنمية في دول شرق أفريقيا «إيقاد»، التي تتولى الوساطة بين الفريقين، إلى التهديد بالتدخل عسكريا حال خرق أي من الطرفين للاتفاق الذي وقع برعايتها.
وقال وزير الإعلام في جنوب السودان مايكل ماكوي لـ«الشرق الأوسط» إن القوات الموالية لنائب رئيس جنوب السودان السابق رياك مشار مستمرة في القتال ضد القوات الحكومية (الجيش الشعبي لتحرير السودان).
وجزم ماكوي أن الرئيس سلفا كير ميارديت أصدر تعليماته للقوات الحكومية بالبقاء في مواقعها وأن تلتزم بالاتفاق إلا عند الدفاع عن النفس، وأوضح أن قواته لن تقف مكتوفة الأيدي، في حالة الهجوم عليها بانتظار وسطاء «إيقاد». ووصف ماكوي قوات مشار بأنها «غير منضبطة ولا تخضع لنظام»، ما يجعلها تنتهك اتفاقات وقف إطلاق النار مرارا.
وأرجعت الحركة الشعبية المعارضة بقيادة رياك مشار في بيان الكرة إلى ملعب الخصم، وقالت على لسان كبير مفاوضيها تعبان دينق إن القوات الحكومية شنت هجوما على مواقع قواتها في مدينتي «بانتيو وفاريانق» بولاية الوحدة، وأرجع البيان العمليات في المنطقة إلى أنها «غنية بالنفط»، ما جعلها هدفا عسكريا ثمينا، تدور حوله عمليات «كر وفر» من الطرفين، رغم توقف تصدير النفط منها بسبب الحرب منذ سبتمبر (أيلول) 2013.
وفي تفنيده للاتهامات الحكومية اتهم دينق قوات تابعة لـ«الجبهة الثورية»، وهي تحالف من الحركة الشعبية الشمالية، وحركات مسلحة من دارفور، بمهاجمة قواته في بلدتي تور والحفرة.
وأدان دينق ما سماه الهجوم السافر الذي شنته القوات الحكومية وحلفائها على مواقعه عقب يوم واحد من توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، ودعا الوسطاء والأمم المتحدة ودول الترويكا للتحقيق في الاعتداء.
وذكر متحدث باسم القوات المتمردة أن الحكومة شنت هجوما على قواته في ولايات الوحدة وجونقلي وأعالي النيل رغم توقيع الاتفاق، ثم سارعت إلى الإعلام لتتهم حركته بخرق الاتفاق.
الثيمة الرئيسية للقتال الذي يدور في هذا البلد أن الاتفاقات لا يلتزم بها، وأن سيل الاتهامات المتبادلة بالخروقات لا ينتهي، وأن تحذيرات رعاة السلام تذهب عادة أدراج الرياح، وهو الأمر الذي يثير حفيظة المجتمع الدولي ضد فرقاء جنوب السودان، الذي بدا واضحا عقب القمة الطارئة لرؤساء دول «إيقاد» والاتحاد الأفريقي وقائد التمرد رياك مشار في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا 6 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي.
وفي تلك القمة، قال رئيس الوزراء الإثيوبي هايلي ماريام ديسالين إن صبر الأفارقة والمجتمع الدولي بدأ في النفاد، وإن الأوان آن ليقدم الجنوبيون التنازلات للوصول إلى سلام دائم في بلادهم، وحذر من إمكانية اتخاذ المجتمع الدولي لإجراءات ضد الطرفين، حال عدم تنفيذهم الاتفاقات الموقعة بينهما، خصوصا اتفاق يناير (كانون الثاني) الماضي.
وقال مبعوث الولايات المتحدة للسودان وجنوب السودان السفير دونالد بوث إن الصراع تحول إلى قتال دموي تسبب في نزوح مليوني مواطن، وأن الأوان آن لينزل وقف العدائيات إلى أرض الواقع، بيد أن بوث أشار إلى أن المجتمع الدولي يعتقد أن الطرفين لن يصلا إلى اتفاق سلاح لأن كل طرف يريد أن يكون رابحا من الحرب والسلام.
ودعا المبعوث بوث الطرفين لتقديم التنازلات اللازمة، للتعامل مع الموضوعات الكثير المعلقة، ومن بينها وضع حمَلة السلاح، ومستقبلهم في حالة التوصل إلى سلام. وفي ذات الوقت دعا إلى ما سماه «المحاسبة» التي تحول دون اللجوء إلى الثأر، ثم وضع الجزرة أمام الفريقين بقوله إن المجتمع الدولي مستعد لمساعدة الجنوبيين إذا ساعدوا أنفسهم.
وقال وزير الدفاع في جنوب السودان كوال مجنق هاتفيا لـ«الشرق الأوسط» إن الأوضاع في جنوب السودان هادئة الآن وإن الأطراف ملتزمة باتفاق وقف إطلاق النار، ما عدا المناوشات المحدودة التي أعقبت وقف إطلاق النار 10 نوفمبر الحالي، والتي هاجمت فيها قوات التمرد منطقة «شرق ريك»، وكانت هي الهجوم الوحيد.
وأضاف مجنق في حديثه للصحيفة أن المحادثات كانت تسير بصورة جيدة، بيد أن الوسطاء أرادوا إتاحة الفرصة للفرقاء للمزيد من التشاور مع قياداتهم للوصول إلى اتفاق سلام نهائي، وتوقع استئناف التفاوض في الرابع والعشرين أو السادس والعشرين من الشهر الحالي. وأبدى تفاؤله بقرب الوصول إلى اتفاق سلام ينهي الحرب في الجنوب، بيد أنه قال إن بعض قيادات الحركة المتمردة قد لا تلتزم بوقف إطلاق، وإن قوات من الجيش الأبيض غير موحدة ولها قياداتها المحلية، وهي قد لا توافق على وقف إطلاق النار لأنها لا تحارب لأسباب سياسية، بل لأسباب اقتصادية تتمثل في نهب ممتلكات المواطنين. لكن مجنق توقع أن يرفض بعض جنود التمرد الاستمرار في الحرب، لأنهم ذاقوا ويلات الحرب، مهما حققوا من انتصارات في الميدان. سياسيا، قال مجنق إن فريق التفاوض يملك الصلاحيات الكافية للوصول إلى اتفاق، بيد أنه أضاف: «المتمردون طبعا يريدون منصب رئيس وزراء بسلطات تنفيذية، أو أن يكون نائب رئيس، لكنْ هناك نائب رئيس موجود أصلا هو جيمس واني إيقا، لا يمكن أن يكون ضحية للنزاع، لأن الأمر سيكون شبيها بجزاء سنمار، أما الطلب بإعطاء رئيس الوزراء سلطات أعلى من سلطات نائب الرئيس فهذا طلب غير معقول»، وأضاف: «رغم هذا أعتقد أننا سنصل إلى اتفاق سلام إذا كانوا جادين في السلام». ويطالب المتمردون بقيادة رياك مشار للوصول إلى اتفاق سلام دائم بتعيين رئيس وزراء بصلاحيات تنفيذية، وتقاسم السلطة والثروة، وبحكم فيدرالي لجنوب السودان، لكن الرئيس سلفا كير ميارديت أعلن عن قبوله بتعيين رئيس وزراء من المتمردين دون صلاحيات، حسب إفادات منسوبة إلى المتحدث الرئاسي أتينج ويك أتينج، وهو الأمر الذي لا يقبله المتمردون.
وحسب أتينج فإن الرئيس سلفا كير قبل صيغة لتقاسم السلطة مع المتمردين التي طرحها الوسطاء تتضمن تعيين رئيس وزراء، بيد أنه اشترط أن لا يكون للمنصب صلاحيات تنفيذية، استنادا إلى رغبته في تحقيق السلام بالبلاد.
ونقلت تصريحات عن المتحدث باسم القوات الموالية لرياك مشار جيمس قاديت قوله إن تعيين رئيس للوزراء من دون صلاحيات تنفيذية لا قيمة له، وإنهم لن يقبلون بهذا.
في الوقت ذاته، فإن المتحدث الرئاسي أكد أن الرئيس سلفا كير لا يعارض من حيث المبدأ اعتماد الفيدرالية نظاما للحكم في جنوب السودان، بيد أنه يشترط حدوث السلام أولا، ليتحقق الاستقرار ليتمكن المواطنون من المشاركة في عملية شاملة لتحديد نوع الحكم الذي يريدونه.
ويعتقد على نطاق واسع أن موضوعات جولة التفاوض المقبلة، نهاية الشهر الحالي، ستدور موضوعاتها حول هذه الخلافات، وأن إمكانية الوصول إلى اتفاق سلام يوقف الحرب أصبحت مواتية لعدة أسباب، من بينها تطاول الحرب دون استطاعة أي من الفريق من هزيمة الآخر، إضافة إلى الضغوط الإقليمية والدولية العنيفة التي تمارس عليهما من أجل للوصول إلى اتفاق سلام، وإنهاء الحرب. بيد أن تحليلات متشائمة تزعم أن الحرب الدائرة في جنوب السودان، وعلى الرغم من كونها بدأت كصراع سياسي داخل الحزب الحاكم «الحركة الشعبية»، فإنها اتسمت لاحقا بطابع قبلي بين أكبر قبيلتين في البلاد «دينكا الموالين لسلفا كير ميارديت، نوير الموالين لرياك مشار»، ما يصعب من إيقافها، وهو الأمر الذي لمح إليه المبعوث الأميركي السفير دونالد بوث حين طالب بوضع ترتيبات تحدد مصير المتقاتلين من الطرفين منعا للثارات التي قد تجدد اشتعال الحرب.
ويقول المحلل السياسي السوداني خالد التجاني النور في حديث لـ«الشرق الأوسط» إن جنوب السودان يدفع ثمن تقسيم السودان، وثمن التشخيص الخاطئ لحل أزمة العلاقة بين شقي السودان، ما جعل أهل الجنوب يعتقدون أن الانفصال يمكن أن يأتيهم بما يحلمون به.
ويصف التجاني ما حدث بأن جنوب السودان استورد مشكلات السودان الموحد وأعاد إنتاجها بشكل مستقل، ومع زوال المبرر الحقيقي الذي يتمثل في إدارة أزمة الحكم في السودان كله، أعاد الجنوب إنتاج الأزمة في جنوب السودان.
ويعتبر التجاني ما حدث «عظة كافية» للكشف عدم وجود عمق في نظرة الطرفين لقضية الحرب والسلام، ويقول: «أهم ما في اتفاقية السلام الشامل كان اتفاق مشاكوس الإطاري الذي أكد على أولوية وحدة السودان، بينما كان الاختراق الرئيس في نيفاشا هو تأسيس نظام ديمقراطي يتيح المساواة والعدالة والمواطنة والمحاسبة والمساءلة، بما يمكن من حل كل مشكلات البلاد المختلفة، لكن للأسف فإن طرفي اتفاقية السلام، المؤتمر الوطني والحركة الشعبية، تآمرا على حل أزمة الحكم في السودان، وتنكرا للشرط الأساسي للاتفاقية، وساعد كل منهما الطرف الآخر لتحقيق ما يريد، فالمؤتمر الوطني الحاكم في السودان ليس لديه مانع في التخلص من الجنوب إذا كان الأمر يحقق له استقرارا في الشمال، والحركة الشعبية اعتبرت الانفصال ثمنا كافيا للتخلي عن مشروعها في السودان الجديد».
ويرى التجاني أن ما يحدث في شمال وجنوب السودان هو أن كلا الطرفين يدفع ثمن قصر نظرهما السياسي وضعفهما القيادي شمالا وجنوبا، ويقول: «القيادتان في الشمال والجنوب تتصفان بمستوى عالٍ من الضعف، كان واضحا جدا أن الانفصال لن يمر مرور الكرام، ونتج عن ذلك دولتان فاشلتان بامتياز، الوضع في الشمال ليس أحسن حالا مما هو عليه في الجنوب، فهو الآخر يدفع ثمن التقسيم».
ويحمل التجاني المجتمع الدولي مسؤولية ما يحدث في جنوب السودان لأنه كان طرفا أساسيا في اتفاقية السلام، دون أن يقوم برعايتها والوصول بها لإحداث التحول الديمقراطي الأساس المقبول لوحدة السودان.
واتهم التجاني المجتمع الدولي ومجلس الأمن بالمسير وراء طموحات الحركة الشعبية ومقاصد المؤتمر الوطني، فدفع الأشياء باتجاه استفتاء تقرير المصير وضمان استقلال جنوب السودان، دون أن يضع أية تحوطات لما يترتب على الانفصال، يقول: «أي شخص يفهم أن التقسيم سيؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمة في البلدين، لأن الطبقة السياسية المتناحرة وطموحاتها ستعيد إنتاج الأزمة».
ويوضح أن المجتمع الدولي بدلا عن الانحياز إلى الشعب في شقي البلاد في تحقيق طموحاته في الحرية والديمقراطية، آثر تنفيذ ما تريده النخب في الشمال والجنوب على حساب المواطنين.
ويضيف: «جنوب السودان دخل في نزاع ليس من السهل حله، فمشكلة جنوب السودان لم تعد مجرد صراع سياسي بين النخب، لكنها تنزلت للواقع الاجتماعي بكل تفاصيله، وبالتالي تحول الصراع السياسي إلى نزاع قبلي مستند إلى بنية المجتمع في الجنوب القائمة على القبلية، ومع عدم تشكل حاضن مدني أصبحت القبيلة هي الأساس الاجتماعي، ما جعل الصراع يتحول إلى صراع حاد على مستوى الجذور، على رأسه أكبر مكونين في جنوب السودان (الدينكا والنوير)، وتحول لما يشبه الثارات القبلية».
ويعتقد التجاني أن محاولات حل الصراع على مستوى النخب السياسية لن توقف الثارات القبلية، ويضيف: «عندما انشقت مجموعة مشار عام 1991 نفذت مقتلة عظيمة جدا ضد الدينكا، اعترف بها رياك مشار واعتذر عنها وهو في السلطة، والآن ينتقم الدينكا مما حدث في ذلك الوقت».
ورأى أن الصراع الذي انقلب إلى صراع قبلي لا يملك فيه القادة السلطة الفعلية، وأن المجتمع الدولي ليس لديه ما يفعله في الجنوب، ويضيف: «إن الذين دفعوا بتقسيم السودان تحت وهم وإغراء تحقيق طموحات الجنوبيين في الحرية، اتضح أنه كان حلا زائفا، والمجتمع الدولي لم يهتم بتأسيس بنية تحتية لدولة مدنية في الجنوب، وفشلت عملية تحويل الحركة الشعبية من حركة مناضلين ومقاتلين إلى سلطة مدنية سياسية».
ويؤكد التجاني أن المجتمع الدولي لم يعد لديه ما يقدمه لجنوب السودان، وبالتالي فإن الجنوب مرشح لـ«عقود من الصراع الدموي وعدم الاستقرار»، بسبب طبيعة التوازنات القائمة، ولعدم وجود طرف بمقدوره تحقيق انتصار عسكري حاسم، في ظل صراع اجتماعي في وجود تخلف تنموي كبير.
ولا يعتقد أن التفاوض بين النخب على تقاسم السلطة سيوصل إلى حل لأزمة جنوب السودان، وينهي حديثه بالقول: «للأسف الشديد، الجنوب دخل حالة فوضى ستستمر سنوات طويلة».
يشار إلى أن الحرب اشتعلت في جنوب السودان في 15 ديسمبر 2013 الماضي، عقب اتهامات لقوات موالية لنائب الرئيس السابق رياك مشار في الحرس الرئاسي بمحاولة «انقلاب عسكري»، ويذكر الشهود أن تصفيات كبيرة تمت لعشيرة «نوير» نفذتها قوات حكومية في جوبا، ثم انتقل الصراع لأماكن أخرى في البلاد، خصوصا في مناطق إنتاج النفط، ولايات الوحدة وجونقلي وأعالي النيل، وهو الصراع الذي كلما حلم الناس بانطفاء نيرانه، تشتعل من جديد، ويعم القتل على الهوية.
وعلى الرغم من وجود «مجموعة سياسية» يقف على رأسها الأمين العام للحركة الشعبية السابق باقان أموم وقيادات أخرى، اتهمت بادئ الأمر بموالاة رياك مشار، وعرفت بمجموعة «المعتقلون الأحد عشر»، بيد أنها آثرت أن تأخذ موقفا محايدا في القتال، ما جعل تأثيرها أقل بكثير من ثقلها السياسي، ما يؤشر إلى أن الحرب هناك قطعت الشوط السياسي لنهايته ودخل الشوط القبلي والعشائري، وهو شوط طويل لا يستطيع أحد تحديد زمان نهايته.



ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
TT

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد، من وجهة نظر كثيرين، «القوة القادرة» على كسر ثنائية الصراع التقليدي بين شرق البلاد وغربها. وبسقوط هذا «الرهان»، لم تعد العملية السياسية في ليبيا تُقرأ بوصفها خريطة نفوذ انتخابي مقسّمة بين «الثلاثة الكبار» كما كانت. إذ زاد «زلزال» اغتيال سيف من تعقيدات المشهد المعقّد بالأساس، ما يؤثر أولاً على مسار «المصالحة الوطنية»، ومن ثم يمدّد الصراع السياسي ويطيل أمد عقد الانتخابات المأمولة.

هاتا تيتيه (وكالة الأنباء الليبية)

 

سيف الإسلام القذافي، الذي رحل عن عمر (53 سنة)، ظل ليبيون - من بينهم أنصاره - يعدونه الوجه الإصلاحي لنظام والده، والوريث المحتمل للسلطة، و«الخيار الثالث» في مواجهة المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس.

أما الآن، فيتوقّع لهذه المساحة التي تركها «الخيار الثالث» خلفه أن تتحوّل إلى ساحة للصراع بين القوى المهيمنة التي تسابق الزمن لاستقطاب ما تبقى من هذا التيار، في محاولة لإعادة التوازن لمركب سياسي بات يغرق في لجة التجاذبات الإقليمية والجمود الدستوري.

مع هذا، يرى سياسيون ومحللون التقتهم «الشرق الأوسط» أن موت سيف «لن يترتب عليه أي شيء يتعلق بحلحلة الأزمة، ما دام بقيت الأطراف والأجسام السياسية الحالية تتصدر المشهد العام»، بينما يَعِدُ موالون لتياره بـ«لملمة شملهم والاصطفاف من جديد خلف قيادة مرتقبة».

مفترق طرق تاريخي

والحقيقة، أن ليبيا تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن يؤدي التشظي السياسي إلى ولادة بدائل وطنية جديدة تنقذ البلاد، وإما تظل الأوراق مبعثرة بانتظار معجزة تلمّ الشمل في مشهد لم يعد يحتمل مزيداً من المغامرات أو المماطلة.

فليبيا تعاني منذ إسقاط نظام معمر القذافي عام 2011، صراعاً مريراً على السلطة بين جبهتي غرب ليبيا وشرقها. وتسعى البعثة الأممية منذ قدومها إلى ليبيا من أجل العمل على تسوية سياسية بين الأطراف المتنازعة، من دون تقدم حتى الآن.

والمبعوثة الأممية هانا تيتيه تواصل مسارها التحاوري مع الساسة والنخب الليبية، سعياً من أجل التوصل إلى نتيجة قبل الاتجاه إلى مجلس الأمن الدولي في 18 فبراير (شباط) الحالي لتقديم إحاطتها الجديدة، بينما يتمسك المتحكمون في السلطة بـ«اشتراطاتهم» من أجل إجراء الانتخابات. كذلك يستبق ذهاب تيتيه إلى مجلس الأمن تعقيدات عدة تتحكم في المشهد العام، وتصلّب في المواقف بين رئيسي مجلس النواب و«الأعلى للدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة، فضلاً عن دم سيف المسفوح، الذي لم يُعلم - حتى الآن - قاتله، وسط استنتاجات عدة بتمدد الصراع وليس طيه.

بمناطق عدة في وسط وشمال وجنوب ليبيا، لا يزال أنصار سيف الإسلام والقبائل المحبّة له يتلقون فيها العزاء، آملين في «الاقتصاص لدمه» قريباً، وعاقدين العزم على «رصّ الصفوف من جديد». إذ ظلت مدينة الزنتان (غرب ليبيا) تأوي سيف القذافي منذ اعتقلته «كتيبة أبو بكر الصديق» في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011، وبقي تحت حمايتها حتى سقط قتيلاً بعد اغتياله مساء 3 فبراير الحالي.

التحقيق في الاغتيال

النيابة العامة في طرابلس فتحت تحقيقاً في مقتل سيف. إذ أوفد مكتب النائب العام الصديق الصور فريقاً يضمّ أطباء شرعيين وخبراء إلى الزنتان وفحصوا جثته، التي أفادت تقارير غير رسمية بأنها تلقت 18 رصاصة.

وخلّفت جنازة سيف الحاشدة، التي احتضنتها مدينة بني وليد، حالة من التجاذب الحاد؛ فالأنصار - ومن بينهم شقيقه الساعدي - عدّوها «استفتاءً شعبياً ووطنياً على شعبية الرجل الذي فاز بالانتخابات وهو ميت»، بينما رآها المعارضون «صُنعت على مواقع التواصل وبواسطة الذكاء الاصطناعي».

«التهويل» و«التهوين» اللذان اكتنفا الجنازة عكسَا قدراً من الاحتقان المتراكم والمرشح للظهور أكثر في مقبل الأيام، الأمر الذي استدعى الشيخ علي أبو سبيحة، رئيس الفريق السابق لسيف القذافي بملف «المصالحة الوطنية»، للدخول على خط الأزمة. أبو سبيحة عدّ «الجموع الزاحفة» لحضور جنازة سيف، أنها «تريد القول بصوت واحد للذين يحلمون بسقوط مشروعه: أنتم واهمون»، مصعداً من حديثه توبيخاً دون أن يأتي على اسم أحد: «لقد سقط مشروعكم بإذلال الشعب الليبي وتفتيته ورهن خيراته وإرادته وحريته واستقلاله لأعدائه».

إرباك المشهد السياسي

كان ظهور سيف الإسلام - بعد اختفائه لدى الزنتان قرابة 10 سنوات، لتقديم ملف ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2021 - قد تسبب في إرباك المشهد السياسي وحسابات «خصومه». وفي هذه الأثناء، طعنت مفوضية الانتخابات بترشحه، لكن بعد مداولات ومظاهرات من أنصاره قضت محكمة سبها (جنوب ليبيا) برفض الطعن وإلزامها بإعادته إلى السباق، علماً بأن الانتخابات أُجلت بداعي وجود «قوة قاهرة» حالت دون استكمالها.

حينها، قال عماد السايح، رئيس المفوضية، إن عقبات أمنية وقضائية وسياسية شكّلت «قوة قاهرة» منعت عقدها في موعدها، مشترطاً زوالها ومصادقة مجلس النواب لإجرائها، وذلك بالنظر إلى وجود ما سميت «شخصيات جدلية» أرادت خوض السباق الانتخابي.

أما الآن، بعد خروج سيف من دائرة الضوء، لم يتبقَّ من تلك الشخصيات، وفق مراقبين، سوى رئيس حكومة «الوحدة»، بالإضافة إلى القائد العام لـ«الجيش الوطني». ويسود اعتقاد لدى بعض المتابعين أنه برحيل سيف الإسلام، زالت إحدى العقبات التي كانت تعترض إجراء الانتخابات في ليبيا، لكن هذه النظرة التفاؤلية تصطدم بواقع يكرّسه العداء والجهوية و«الدم الجديد» الذي سال في مكان قصي بالزنتان.

محللون كثيرون، منهم ناصر أبو ديب، يرون أن الوضع في ليبيا بعد موت سيف لا يختلف عما قبله، ويعتقدون أن الأمر «سيبقى على ما هو عليه» ما دام ارتبط بـ«سلطة الأمر الواقع». بل إن محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، وصف الوضع في ليبيا بأنه «عدميٌّ وعبثيٌّ». ودافع بعيو عن وجهة نظره في حوار مع «الشرق الأوسط» بأنه «لا يوجد شيء يسمى كتلة النظام السابق، وأن سيف الإسلام كان يمثل نتوءاً للغاضبين». وأردف: «هؤلاء ليسوا كتلة بقدر ما هم حالة هلامية، ومَن حضر جنازته ليسوا ملايين بقدر ما كانوا 20 ألفاً على الأكثر». ثم تابع: «لم يكن لدى سيف أي حظوظ لحكم البلاد؛ وليبيا لن يحكمها أحد بعد معمر القذافي؛ وكنت أقول هذا الكلام وهو على قيد الحياة... وأعتقد الوضع في ليبيا سيظل هكذا في حالة سيولة بعيداً عن سلطة موحدة؛ فالدولة لن تتشكل في المدى المنظور، وستكون البلاد ساحة صراعات دولية وتصفية حسابات».

الأسرة القذافية... والولاءات المحلية

تنتمي أسرة القذافي إلى مدينة سرت (وسط ليبيا) الخاضعة حالياً لحكم المشير حفتر، في حين تقع مدينة بني وليد في (شمال غرب)، وكان سيف الإسلام يحظى فيها بدعم اجتماعي وسياسي.

وظلّ فريق سيف القذافي - الذي يقوده أبو سبيحة - منخرطاً في كل الفعاليات السياسية المتعلقة بـ«المصالحة الوطنية» حتى قبل اغتيال سيف بقرابة شهر، إذ حضر الاحتفال الذي عقده المجلس الرئاسي في 7 يناير (كانون الثاني) الماضي للتوقيع على «الميثاق الوطني للمصالحة».

راهناً، يتخوّف متابعون من عودة العنف السياسي على خلفية غضبة موالين لسيف، خصوصاً إذا ما عُرف الطرف الذي قتله، لكن هذا التخوّف يترجم إلى معطى آخر يتمثل في تعطّل مسار «المصالحة» الذي كان يشارك فيه أنصاره، وهو ما يراكم الضغينة والغضب في النفوس.

وحقاً، تتصارع في المشهد الليبي المعاصر عدة تيارات آيديولوجية وسياسية، يسعى كل منها لفرض رؤيته وتثبيت سيطرته على مفاصل الدولة، ما خلق حالة من الاستقطاب الحاد. وتتوزّع الولاءات في ليبيا بين ثلاث كتل رئيسية تمثل محطات مفصلية في تاريخ البلاد الحديث، هي:

- التيار «السبتمبري» أو «الخضر»، وهم الموالون لنظام القذافي.

- تيار «17 فبراير» وتمثله القوى التي ثارت عام 2011، وترفض أي عودة لحكم الفرد أو «النظام الجماهيري».

- وتيار «الكرامة»، وهو التكتل الذي يلتف حول عملية الكرامة والقوات المسلحة بشرق ليبيا.

وهنا يسلّط أبو ديب الضوء على الوضع الراهن، معتقداً أن ليبيا «لن تشهد أي حلحلة سياسية ما دام بقيت ما تسمى (الأجسام الفاعلة في المشهد) التي تحرك الخيوط في شرق البلاد وغربها»، ومن ثم تُمدِّد الصراع، وقال إن «سيف القذافي على مدى 15 عاماً لم يفعل شيئاً، ولم يقدم مشروعاً سياسياً لوطنه». وأضاف: «الأجسام الموجودة في المشهد تعطّل أي حراك سياسي، وتبدد أي نقطة ضوء في الأفق البعيد؛ وبالتالي أعتقد أن المشهد سيبقى على ما هو عليه».

«ليبيا الغد»

جدير بالذكر، أن سيف الإسلام القذافي أطلق مشروع «ليبيا الغد» قبل عام 2011 بوصفه رؤية إصلاحية شاملة لبناء دولة حديثة عبر مشاريع تنموية، تتضمن جامعات ومناطق حرة، أبرزها تطوير «زوارة - رأس أجدير». وهو المشروع الذي توقف بسقوط نظام والده.

ويرجع أبو ديب خلال كلامه إلى «الشرق الأوسط» إشكالية ما يجري في بلده «إلى الليبيين أنفسهم؛ وتأزّم الأمر بوجود بعثة الأمم المتحدة وما تسميه الحوار المهيكل، والتدخلات الأميركية من جهة ثانية، وصفقات البيزنس»، ويزيد: «لن تكون هناك حلحلة سياسية بوجود هذه الأطراف، بل أعتقد أن المسألة ستزداد تعقيداً».

وانتهى أبو ديب إلى أن «الخيار الثالث ذهب دون رجعة؛ ولن يجد أنصار سيف رمزية يضعونها في المقدمة لصعوبة التوافق على شخصية يمكن أن تقود هذا الخيار. فبمقتل سيف انتهى هذا الخيار، وسيذوب المؤيدون في المجتمع الليبي من أجل الإصلاح».

هذا، ولا تزال في ليبيا مدن عدة على ولائها للنظام السابق، من بينها سرت (في الوسط) وبني وليد (شمال غرب)، بالإضافة إلى غات وأوباري (جنوباً) وزليتن وصبراتة (غرباً). وكل عام تلوّح بصور القذافي ونجله سيف الإسلام، والرايات الخضراء المعبرة عن الحقبة «الجماهيرية» أثناء الاحتفال بـ«ثورة الفاتح». ويُعتقد تصادم أصحاب هذه المشاريع الثلاثة وهم: «السبتمبريون» و«الفبرايريون» و«الكرامة». يبقى الصراع على السلطة هو المحرك الأساسي الذي يعيق الوصول إلى توافق وطني شامل يجمع شتات هذه التوجهات تحت مظلة دولة مدنية واحدة. ويخلص الدكتور مصطفى الزايدي، رئيس حزب «الحركة الوطنية» أمين «اللجنة التنفيذية للحركة الشعبية» إلى أن جريمة اغتيال سيف الإسلام سيكون لها تأثير مدمر على عملية «المصالحة الوطنية»، ذلك أن «الرصاصات الغادرة التي أُطلقت عليه أصابت، فيمن أصابت، مشروعَ المصالحة الذي رُفع كشعار من كثير من القوى الوطنية للخروج من المأساة التي سببتها (مؤامرة 2011) على ليبيا والليبيين».

وأضاف الزايدي في مقال لصحيفة «الموقف الليبي» عن أن «نسبة كبيرة من (الخضر)، وفي مقدمتهم الشهيد الدكتور سيف الإسلام، صدَّقوا أو تقبَّلوا لأسباب أخلاقية، كذبة روّجها المجتمع الدولي بأن انتخابات حرة ونزيهة قد تكون نقطة البداية لعملية مصالحة تاريخية، هدفها مساعدة الليبيين في طيِّ ملف الأزمة». واختتم: «لكن مع مضي الوقت ثبت أن ذلك لم يكن سوى دعاية في محاولة لمكياج وجه المؤامرة، وإعادة تقديمها في صورة مقبولة لليبيين».

 

حقائق

ليبيا: جرائم كثيرة... و«الفاعل مجهول»

اتسعت قائمة الجرائم التي تعذّر التوصل إلى مرتكبيها في ليبيا لتشمل فئات متنوعة من المجتمع، بجانب عمليات الإخفاء القسري منذ إسقاط النظام السابق في عام 2011، لكنها تبرز نمط «الإفلات من العقاب» الذي ساد في فترات كثيرة.

وخلال الحروب والمعارك التي شهدتها ليبيا، حدثت اشتباكات واسعة وانتهاكات ضد المدنيين أدّت إلى قتل واختفاء عشرات الأشخاص في مناطق متعددة، وأحياناً بقيت هويات من ارتكبوا أعمال القتل مجهولة بسبب تداخل الجماعات المسلحة وتغيّر السيطرة على الأراضي. واستهلت عملية الاغتيالات في ليبيا بمقتل اللواء عبد الفتاح يونس رئيس أركان الجيش الوطني الليبي الأسبق عام 2011، في ظروف غامضة بعد استدعائه للتحقيق، رغم وجود اتهامات لجهات معينة، من بينها ما كان يسمى «مجلس شورى ثوار بنغازي». وفيما يلي بعض أبرز جرائم الاغتيال:

- عام 2013: اغتيال المحامي والناشط السياسي عبد السلام المسماري، في مدينة بنغازي.

- عام 2014: اغتيال كل من الصحافية نصيب ميلود وخطيبها في مدينة سبها. ومفتاح بوزيد رئيس تحرير صحيفة «برنيق»، وسلوى بوقعيقيص المحامية والناشطة الحقوقية البارزة في بنغازي. والشيخ محمد بن عثمان في مصراتة. وفريحة البركاوي عضو «المؤتمر الوطني العام» السابقة، في درنة.

- عام 2016: اختطاف الشيخ نادر العمراني عضو دار الإفتاء بطرابلس، وتصفيته في ظروف غامضة.

- عام 2019: تصفية عضوة مجلس النواب سهام سرقيوة في بنغازي.

يضاف إلى ما سبق، صُدم المجتمع الليبي عام 2025 إثر مشاهدة مقاطع مصورة «مسربة» للنائب إبراهيم الدرسي، وهو على ما يبدو معتقلاً في زنزانة، والأغلال معلقة في عنقه، وكانت أسرته أعلنت عن خطفه في 18 مايو (أيار) 2024 من منزله ببنغازي، ومذاك التاريخ لم يكشف عن مصيره ولا عن الجناة.

 


أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
TT

أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة

منذ الأحد الماضي، تهبّ على البرتغال «رياح ثورية» جديدة، فيها من نكهة «ثورة القرنفل» التي أطاحت ديكتاتورية الدكتور أنطونيو سالازار في ربيع عام 1974 من غير إطلاق رصاصة واحدة، وتجدّد الأمل المتلاشي منذ سنوات في تغليب الخطاب السياسي المعتدل والجامع على جموح التطرّف اليميني والشعبوي الذي يهدد بإعادة أوروبا إلى عهد الظلمات الذي قطّع أوصالها في النصف الأول من القرن الفائت. هذه الرياح الثورية الجديدة تحمل اسم الاشتراكي أنطونيو خوسيه سيغورو، الذي كان غائباً عن المشهد السياسي البرتغالي مند عشر سنوات، لكنه عاد ليقرّر، ضد رغبة القيادات التاريخية للحزب، خوض الانتخابات الرئاسية التي أجريت دورتها الثانية مطلع هذا الشهر. وهذا ما حصل، بالفعل، وحقق سيغورو فوزاً كاسحاً على منافسه الشعبوي أندريه فنتورا، حامل لواء اليمين المتطرف والمفعم بالحنين إلى الحقبة الديكتاتورية التي طوى البرتغاليون صفحتها منذ خمسين سنة.

ثمة انتصارات عدة في الانتصار الذي حققه أنطونيو سيغورو، الأحد الماضي، في انتخابات البرتغال الرئاسية، منها: انتصار الأسلوب التوافقي الرزين على أسلوب التفرقة والتحريض الذي اتسم به الخطاب اليميني والشعبوي المتطرّف. ومنها أيضاً انتصار النهج اليساري الوسطي الذي يواجه أصعب مراحله في البرتغال منذ سقوط الحكم العسكري، ويعاني من تراجع مطّرد على امتداد المشهد السياسي الأوروبي. وهذا، ناهيك من انتصار الرجل الذي قرّر وحده الإبحار عكس رياح حزبه وخاض معركته منفرداً ضد الزعامات الاشتراكية الراسخة.

بالتالي، ليس مستغرباً أن قوى وأوساطاً أوروبية عدة، يسارية ومحافظة، سارعت إلى الإعراب عن ارتياحها لهذا الفوز، كونها ترى فيه تباشير انعطاف في المشهد السياسي الأوروبي القلق من تمدّد اليمين المتطرّف الذي بات يدقّ أبواب الحكم في أكثر من عاصمة.

النشأة والمسيرة

أبصر أنطونيو خوسيه سيغورو النور قبل 63 سنة في واحدة من أفقر القرى البرتغالية. وكان قد قرر العودة إليها عام 2014 عندما تخلّى عن النشاط السياسي بعدما خسر الانتخابات الأولية في حزبه ضد أنطونيو كوستا، الرئيس الحالي للمجلس الأوروبي.

تلك كانت معركة قاسية جداً، بل من أبشع المعارك التي دارت داخل «البيت الاشتراكي» البرتغالي، شبيهة بتلك التي دارت ذات يوم بين الزعيم التاريخي خورخي سامبايو وأنطونيو غوتيريش، الأمين العام الحالي لمنظمة الأمم المتحدة. ويومذاك انتهت بشرخ حزبي عميق بقيت آثاره حتى اليوم، وساعدت اليمين المتطرف على مواصلة صعوده.

سيغورو تولّى حقائب وزارية عدة في الحكومات الاشتراكية السابقة، وكان عضواً في البرلمان الأوروبي. وهو ينتمي إلى «تيار» غوتيرّيش الذي سبق أن ترأس عدة حكومات برتغالية نهجت خطاً يسارياً معتدلاً، وتميّز بالانفتاح على الحوار مع القوى الأخرى. وعندما وقعت البرتغال تحت وطأة الأزمة المالية والاقتصادية الطاحنة - وكانت حينذاك تخضع لحكومة يمينية محافظة - أيّد سيغورو التدابير التقشّفية القاسية التي فرضها الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وبرّر موقفه هذا بأن رئيس الوزراء الاشتراكي السابق جوسيه سقراط هو الذي كان تقدّم بطلب المساعدة من المؤسسات الدولية للخروج من الأزمة. وأطلق يومها عبارته الشهيرة التي تحولّت إلى شعاره السياسي الذي خاض به الانتخابات الرئاسية؛ إذ قال: «الحوار هو الأداة الأساسية لأي عمل سياسي».

لغة الحوار

من ثم، لعل انفتاح سيغورو الدائم على الحوار كان السبب الرئيس في حصوله على دعم قوى سياسية أخرى، من كتل اليمين واليسار؛ إذ أيّده كل من الرئيس اليميني السابق هنيبعل كافاكو سيلفا، والمرشح الشيوعي أنطونيو فيليبي الذي نافسه في الجولة الأولى. لكن الأغرب من ذلك كان الدعم الذي حصل عليه من أنصار رئيس المجلس الأوروبي والأمين العام السابق للحزب الاشتراكي، أنطونيو كوستا، الذي يعدّ ألدّ خصومه السياسيين داخل الحزب منذ سنوات. وكان كوستا قد سرّب عشية الانتخابات قراره دعم سيغورو، رغم تمايز الأخير عن نهجه، مردّداً: «كوستا يمثّل رجال الأعمال والشركات داخل الحزب الاشتراكي».

ما يُذكر أنه عندما أعلن سيغورو، مطالع الصيف الماضي، ترشحه للانتخابات الرئاسية، واجه معارضة واسعة وشديدة داخل الحزب الاشتراكي الذي ما زال يخضع لتأثير قوي من أنطونيو كوستا والقيادات الموالية له. إلا أن إصراره على الترشّح سواء بتأييد من الحزب أو من دونه، دفع معارضيه إلى التراجع، خاصة أن الشخصيات الاشتراكية النافذة فشلت في التوافق حول مرشح آخر، بل ربما لأن حظوظ أي مرشح اشتراكي في الفوز بدت شبه معدومة، كما كانت تظهر استطلاعات الرأي.

التدريس بعيداً عن السياسة

خلال السنوات الـ12 التي انكفأ سيغورو طيلتها عن العمل السياسي، انصرف إلى التدريس في جامعة لشبونة المستقلة والمعهد العالي للعلوم الاجتماعية والسياسية. وأسّس عدة مؤسسات صغيرة للسياحة الريفية والتصنيع الزراعي في مسقط رأسه بيناماكور. إلا أنه لمح بعد إعلان فوزه في الانتخابات أنه سيتخلّى عن أنشطته التجارية قبل تسلّم مهامه، مدركاً أن الحكومة السابقة التي شكّلها اليميني لويس مونتينغرو بعد هزيمة الاشتراكيين الأخيرة، إنما سقطت بسبب تضارب المصالح الذي نشأ عن إبقائه على المؤسسة العائلية التي كان يديرها بعد توليه رئاسة الحكومة.

لكن يبدو سيغورو مصراً على ألا يتخلّى عن حياته العائلية العادية؛ إذ أفاد بأن زوجته ستواصل نشاطها المهني في إدارة الصيدلية التي تملكها في العاصمة، وأنه لن يقيم في قصر بيليم (بيت لحم) الرئاسي إلا في الحالات الاستثنائية، بل سيقيم في منزله الواقع على بعد 90 كيلومتراً من لشبونة.

وللعلم، الرئيس المنتخب أمضى الأسبوعين الأخيرين من حملته الانتخابية في زيارات إلى المناطق المنكوبة بسبب الأعاصير المتلاحقة التي ضربت البرتغال وما زالت تداعياتها الكارثية ظاهرة إلى اليوم. ولقد وعد بتخصيص قدر كبير من اهتمامه في الأسابيع الأولى من ولايته لمتابعة ملف الأضرار التي نجمت عن تلك الأعاصير.

فوز تحدّى التوقعات

أبرز ما في الفوز الذي حققه سيغورو، ضد كل التوقعات، كان حصوله على ضعفي الأصوات التي نالها في الجولة الأولى من الانتخابات. وهو ما يؤكد تضافر الغالبية الساحقة من الناخبين لتأييد مرشح رئاسي يحترم قواعد اللعبة الديمقراطية بمواجهة منافسه الشعبوي المتطرف فنتورا، الذي أظهر غير مرة مناسبة ازدراءه بهذه القواعد واستعداده لتجاوز الأحكام الدستورية من أجل تحقيق أهداف مشروعه السياسي.

ناهزت حصيلة سيغورو 67 في المائة من الأصوات، بينما لم يتعدّى فنتورا الـ33 في المائة، مع أن هذا الأخير كان جمع في الجولة الأولى نسبة 31 في المائة متقدماً على 11 مرشحاً.

انعكاسات وتوقعات

في تصريحاته الأولى بعد الفوز، أعرب سيغورو عن شديد تأثره بالدعم الواسع الذي ناله من «الناخبين الذين يحرصون على القيم والمبادئ الدستورية التي رسختها ثورة القرنفل»، مذكراً ومفتخراً بانتمائه إلى الطبقة المتواضعة. وقال إن الغالبية التي صوّتت له أصبحت اليوم مجمل الشعب البرتغالي، وكرّر ما ردده مراراً خلال الحملة الانتخابية: «أنا حرّ، أعيش حياتي من غير مَراسٍ، وحريتي هي ضمان استقلاليتي». وكذلك شدّد على التزامه الثابت بـ«ثقافة الوفاق» لمعالجة المشاكل التي تعاني منها البلاد، معترفاً بأن نتيجة الاقتراع تجاوزت توقعاته.

وحقاً، يشكّل انتصار سيغورو أيضاً عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد عشرين سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية محافظة على رأس الدولة، لكنه بالتأكيد ليس انتصاراً للحزب الاشتراكي. أولاً، لأن الترشيحات لمنصب رئيس الجمهورية لها طابع شخصي وليست حزبية بموجب الدستور. وثانياً لأن ترشح سيغورو كان مرفوضاً في المرحلة الأولى من القيادات الاشتراكية.

واللافت أن اعتراض زملائه على ترشحه في البداية، تبدّد فور إعلان فوزه؛ إذ سارع الجميع إلى إعلان اصطفافهم بجانبه، بينما كان هو يؤكد طي صفحة الماضي بقوله: «ما يهمني هو المستقبل الذي سنبنيه معاً».

في المقابل، لا شك في أن هذا الفوز يعطي جرعة زائدة من التفاؤل للحزب الاشتراكي الذي يمرّ في أصعب مرحلة من تاريخه، لا سيما بعد الهزيمة القاسية التي تعرّض لها في الانتخابات العامة الأخيرة عندما حلّ في المرتبة الثالثة، وراء حزب «شيغا» اليميني المتطرف الذي أسسه فنتورا عام 2019.

وكان أوّل المحتفلين بفوز سيغورو، زعيم الحزب الاشتراكي جوزيه لويس كارنيرو، الذي وصف هذا الفوز بأنه انتصار «لجميع الديمقراطيين وللحقوق الدستورية»، ونوّه بالدعم الواسع الذي حظي به سيغورو خارج الدائرة الاشتراكية، بدليل نيله دعم العديد من الشخصيات اليمينية.

وعلى غرار ما فعل خلال الحملة الانتخابية، تعهّد سيغورو باحترام الولاء الدستوري للحكومة التي يقودها اليميني لويس مونتينغرو. وقال إنه لن يقف حجر عثرة في وجه تنفيذها برنامجها، لكنه نبّه إلى أنه سيكون حازماً في مطالبتها بالحلول الناجعة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وكان تفاقم بعضها بفعل الأعاصير الشديدة التي ضربت البرتغال خلال الأسابيع المنصرمة، وأحدثت دماراً واسعاً في المصانع والمحاصيل الزراعية والبنى التحتية. وشملت الخسائر وفاة العشرات وتشرّد الآلاف من المواطنين، ما استوجب تدخل القوات المسلحة إلى جانب أجهزة الدفاع المدني والإسعاف.

وفي المقابل، لقد أكد الرئيس المنتخب أنه لن يصادق على مشروع تعديل قانون العمل الذي وضعته الحكومة ولاقى معارضة شعبية واسعة انتهت بإضراب عام شلّ الحركة في البلاد.

أما فنتورا، فقد سارع من ناحيته إلى الاعتراف بفوز سيغورو، لكنه اعتبر أن نيله أكثر من ثلث الأصوات يشكّل إنجازاً بحد ذاته؛ لأنه كان يواجه «كل المنظومة التي أعلنت الحرب» ضد ترشحه.ويطمح فنتورا، الآن، من خلال هذا التأييد الذي ناله إلى تجاوز شعبية التحالف الحاكم بقيادة رئيس الحكومة مونتينغرو، ثم تشكيل الحكومة بعد الانتخابات المقبلة، معتبراً أن حصوله على 1.7 مليون صوت بعد ست سنوات فقط من تأسيس «شيغا»، يمنحه الحق في قيادة اليمين البرتغالي، ومتوقعاً الوصول إلى سدة الحكم قريباً.


«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
TT

«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)

شاعت تسمية «ثورة القرنفل» (Revolucao dos Carvos) على الانقلاب العسكري الذي أطاح النظام الديكتاتوري في البرتغال الذي كان يُعرف باسم «الدولة الجديدة»، وكان يحكم سيطرته على البلاد منذ عام 1926. أما سبب التسمية فكان أن الضبّاط والجنود الذين نفّذوا الانقلاب - والذين ينتمون إلى «تيار القوات المسلحة» - كانوا يجوبون شوارع العاصمة لشبونة صباح 25 أبريل (نيسان) 1974 واضعين أزهار القرنفل في فوهات بنادقهم ومدافع دباباتهم، بعدما أسقطوا النظام من غير إطلاق رصاصة واحدة.

ذلك الانقلاب قادته مجموعة من الضباط الشيوعيين واليساريين الذين سئموا الحروب التي زجّهم فيها النظام ضد الانتفاضات الشعبية والحركات المسلحة في المستعمرات البرتغالية. ولقد كانت إشارة انطلاقه أغنية بعنوان «وبعد الوداع» منتصف ليل 24 أبريل.

كان الانقلاب بداية مسار سريع تمخّض عن إعادة النظام الديمقراطي، وإجراء أول انتخابات حرة في العام التالي. وقبل نهاية ذلك العام، كانت جميع مستعمرات البرتغال في أفريقيا وآسيا؛ أي أنغولا والرأس الأخضر وغينيا بيساو وموزامبيق وسانتو تومي/ برنسيبي وتيمور الشرقية، قد نالت استقلالها. وبجانب ذلك تنازلت السلطة البرتغالية الجديدة عن جزيرة ماكاو لصالح الصين الشعبية (التي ضمّت الجزيرة رسمياً إليها عام 1999).

بعد أيام قليلة من إسقاط الديكتاتورية أطلق الانقلابيون سراح جميع المعتقلين السياسيين، وعاد الزعماء المنفيون في الخارج، يتقدّمهم الاشتراكي ماريو سواريش، والشيوعي آلفارو كونيال، اللذان لعبا دوراً سياسياً رئيساً في السنوات اللاحقة.

بعدها حاول الضباط الشيوعيون في الحركة الانقلابية توجيه دفّة التغيير نحو نظام اشتراكي إثر تأميم القطاع المصرفي بكامله، ومعظم الشركات الصناعية الكبرى. ولكن في الانتخابات الأولى التي أُجريت ربيع العام التالي كان الفوز حليف الاشتراكيين الديمقراطيين الذين كانوا يتمتعون بدعم من الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) في ألمانيا، ومن الحزب الاشتراكي الفرنسي.

وفي خريف عام 1975 فشلت مجموعة من الضباط الشيوعيين في محاولتها لقلب النظام، فأجرت الحكومة حملة تطهير واسعة في صفوف القوات المسلحة؛ أبعدت الشيوعيين عن المراكز القيادية، وأحالت المسؤولين عن المحاولة الانقلابية إلى المحاكمة.

وكان من الطبيعي أن يكون لـ«ثورة القرنفل» تأثير على الوضع في «الجارة» إسبانيا، حيث كان النظام الديكتاتوري يعيش مرحلة صعبة مع تدهور صحة الجنرال فرنشيسكو فرنكو، وبات يخشى تكرار التجربة البرتغالية التي شكّلت قفزة نوعية في الانتقال السلمي والسريع إلى الديمقراطية.

وهذا ما حصل فعلاً بعد وفاة فرنكو خريف عام 1975؛ إذ انتقلت إسبانيا بشكل سلمي إلى نظام ملكي دستوري، في عملية انتقال مثالية أصبحت مادة تدرّس في العديد من كليات العلوم السياسية في العالم.