بعد نحو مائة يوم من ظهور «كوفيد-19» الذي أوقع حتى الآن أكثر من مائة ألف ضحيّة في أوروبا، وبعد أسابيع من العزل التام الذي أفرغ معظم المدن الأوروبية من مظاهر الحياة الطبيعية والأنشطة المألوفة، بدأت رسمياً مرحلة النهوض من حالة الشلل الاقتصادي ومن الإغماء الاجتماعي الذي لم تعرف له القارة مثيلاً في تاريخها.
لكن رغم النداءات المتكررة لتوحيد معايير انطلاق ما اصطلح على تسميته المرحلة الثانية وتنسيق التدابير بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، ما زالت كل حكومة «تغنّي على ليل» وضعها الصحي وظروف انتشار الوباء فيها، وتتحرّك على وقع أزمتها الاقتصادية وأحياناً حسب مقتضيات الحسابات السياسية الداخلية.
والقاسم الوحيد المشترك بين خطط العودة إلى ما يشبه الحياة الطبيعية في أوروبا هو الحذر الشديد في تحديد الجداول الزمنية والتدابير الوقائية المرافقة لاستئناف النشاط الاقتصادي. وهو حذر نابع من المجهول الواسع الذي تتحرّك فيه كل خطوة، ومن الانتكاسات المتربّصة وراء كل هفوة أو خطأ في الحسابات والتقديرات التي من شأنها أن تقضي على أسابيع عديدة من الجهود والتضحيات الجبّارة وتعيد الكارثة إلى فصلها الأول.
الكل يدرك مصاعب العودة إلى الحياة الطبيعية في هذه الظروف، ويعرف أن المسار المحفوف بمخاطر كثيرة سيكون طويلاً وبطيئاً، وأن إقفال الاقتصاد بمرسوم أسهل بكثير من إنهاضه تحت سيف الوباء المسلّط على كل مرافق الحياة. لكن الهاوية الاقتصادية التي سقطت فيها الدول الأكثر تضرراً تحولّت إلى مشروع انفجار كبير مؤجل بفعل الحظر والخوف الذي يفرض سيادته على كل القرارات.
المحطة الأولى لإقلاع قطار العودة كانت إسبانيا التي حتى نهاية الأسبوع الماضي كانت تحتل المرتبة الأولى عالمياً في عدد الوفيّات مقارنة بعدد السكّان قبل أن تتقدّم عليها بلجيكا، والأرقام الأخيرة تحمل على التفاؤل بعد أن تراجع عدد الوفيات لليوم الثالث على التوالي إلى أدنى مستوى منذ أربعة أسابيع، رغم أن الإصابات الجديدة ما زالت تواصل الارتفاع، حيث بلغت 4218 أمس (الاثنين)، نصفها في العاصمة مدريد البؤرة الرئيسية منذ بداية انتشار الوباء.
وتراجع الحكومة الإسبانية حساباتها وخطواتها كل ليلة وتعيد تصويب بوصلة قراراتها في ضوء البيانات الواردة من مختلف الأقاليم التي ينتشر فيها الفيروس بنسب متفاوتة جداً في بعض الأحيان، حتى إنها تدرس تفويض صلاحيات تنظيم المرحلة الثانية إلى الحكومات الإقليمية.
لكن الأوساط العلمية تحذّر من مغبّة الإفراط في التفاؤل والانسياق وراء تراجع الأرقام لتخفيف التدابير الوقائية ودفع الناس إلى الاعتقاد بأن النهاية قد بدأت. فقد بات من المؤكد اليوم، أن العقبة الرئيسية في وجه العودة إلى الحياة الطبيعية هو التفشّي الناجم عن المصابين الذين لا تظهر عليهم عوارض خارجية، وهم الأكثرية، وبالتالي فإن الفيروس سيبقى منتشراً لفترة طويلة صامتاً ومخفيّاً عن الأنظار. وتفيد دراسة وضعها معهد الصحة العامة في جامعة هارفارد بأن تدابير التباعد الاجتماعي يجب أن تستمرّ حتى عام 2022 أو حتى إيجاد علاج فعّال أو لقاح يؤكد الخبراء أنه لن يكون جاهزاً قبل منتصف العام المقبل في أحسن الأحوال.
إيطاليا من جهتها تسير على طريق محفوفة بالألغام، يضغط عليها الوضع الاقتصادي كونها الدولة الأولى التي أعلنت الحظر التام منتصف الشهر الماضي، ولأنها تعرف اليوم أن المرحلة الأولى كانت دامية وطويلة بسبب من الانتشار المخفي للفيروس وسرعة تفشّيه وتعذّر رصده من غير قدرة كافية على كشف أكبر عدد ممكن من الإصابات ومتابعة تحركاتها.
وأكثر ما تخشاه الحكومة الإيطالية التي يحيط برئيسها فريق يضمّ نحو 250 من المستشارين والخبراء يمدّونه بالمعلومات والتوصيات لإدارة الأزمة، موجة ثانية سريعة من التفشّي، خصوصاً أن ميلانو والمناطق المحيطة بها ما زالت تسجّل أرقاماً مرتفعة من الإصابات الجديدة والوفيّات. يضاف إلى ذلك أن الأنظومة الصحية التي بدأت تستعيد أنفاسها تدريجيّاً، ستتعرّض لموجة جديدة من الضغط لمعالجة الحالات المرضيّة الأخرى المتراكمة بسبب من التفرّغ لـ«كوفيد-19» منذ مطلع الشهر الماضي، كما يُخشى أن يؤدي تخفيف تدابير العزل إلى انتشار واسع للوباء في المناطق الجنوبية التي ما زال تفشّيه محدوداً فيها؛ وهي موصوفة بقلة انضباط سكّانها وامتثالهم للقوانين.
ورغم أن الحكومة الإيطالية لم تحدد بعد موعداً رسميّاً لانطلاق المرحلة الثانية، مكتفية بالتلميح إلى أنها قد تبدأ في الرابع من الشهر المقبل، عندما يتوقف الانتشار في إقليم أومبريا ثم في الأقاليم الجنوبية منتصف الشهر المقبل وتوسكانة في نهايته، تفيد المعلومات بأن أكثر من مائة ألف مؤسسة في جميع أنحاء البلاد قد استأنفت نشاطها أو أن بعضها لم يتوقّف عن العمل رغم تدابير الحظر التام. وكان حاكم إقليم توسكانة قد اشتكى من ذلك، خصوصاً أن معظم هذه المؤسسات لا يستوفي شروط الوقاية المرعيّة، وقال إن هذه المؤسسات التي توجّه إنتاجها إلى التصدير بشكل رئيسي تشكّل خطراً على الجهود المبذولة لاحتواء الوباء نهائياً في المرحلة الثانية.
ومع انطلاق المرحلة الثانية في ألمانيا التي سمحت بفتح المتاجر التي لا تزيد مساحتها على 8000 متر مربّع ووكالات بيع السيارات والدراجات والمكتبات وبعض حدائق الحيوانات، أعلنت الدنمارك خطتها لاستئناف النشاط الاقتصادي بعودة الحلّاقين وأطباء الأسنان وأخصائيي العلاج الفيزيائي إلى العمل وفتح دور الحضانة، وفي النمسا استعادت دور السينما في الهواء الطلق نشاطها وفتحت محلات «ماكدونالدز» مطاعمها مجدداً.
وأمام الترقّب الحذر لما قد تؤول إليه التدابير المتخذة في هذه المرحلة، عادت منظمة الصحة العالمية لتنبّه مجدداً إلى مغبّة التسرّع في العودة إلى الدورة العادية للحياة الاقتصادية والاجتماعية، واقترحت عدم الإقدام عليها قبل استيفاء الشروط التالية:
> التريّث حتى التأكد من السيطرة الكاملة على الوباء، أي إلى أن يتوقف سريان الفيروس بشكل كامل في المناطق قبل استئناف النشاط فيها.
> أن تكون الأنظومة الصحية قادرة على رصد وتأكيد وعزل ومعالجة كل إصابة ومتابعة مسرى تواصلها.
> أن تكون الأنظومة الصحية مجهّزة لإدارة مخاطر الإصابات المستوردة، وأن يكون فتح الحدود الجوية في مرحلة متأخرة.
> أن يكون السكّان على درجة عالية من الوعي والالتزام والقدرة على التعايش مع الواقع الجديد.
> وأن تطبّق في المدارس وأماكن العمل تدابير وقائية صارمة.
وقبل أيام معدودة من القمة الأوروبية الحاسمة المقررة الخميس المقبل، أعلنت الحكومة الإسبانية عن اقتراح سيتقدّم به رئيس الوزراء بيدرو سانشيز لتأسيس صندوق ضخم بقيمة 1500 مليار يورو يوزّع على الدول الأكثر تضرراً في شكل مساعدات أو قروض ميسّرة لعشرين عاماً. وقالت مصادر رسمية إسبانية إن الاقتراح قابل للتفاوض مع الدول الأخرى.
ويأتي هذا الاقتراح كحل توفيقي بين ما تطالب به إيطاليا وتدعمها فرنسا من إسراع في اتخاذ موقف أوروبي موحّد لمواجهة الأزمة، والتشدّد الذي تبديه ألمانيا وهولندا اللتان ترفضان فكرة السندات التي يبدو أن المفوضية الأوروبية بدأت تميل نحوها معدّلة. وكانت المفوضية الأوروبية قد سرّبت أمس معلومات حول اقتراح تعتزم تقديمه في القمة لطرح سندات أوروبية بقيمة ألف مليار يورو يضمنها الاتحاد من موازنته للفترة من 2021 إلى 2027 وتوزّع على البلدان الأكثر تضرراً كديون هالكة أو قروض ميسّرة.
11:53 دقيقه
أوروبا «تخرج من الشلل»... ومخاوف من عودة «الكارثة» إلى المربع الأول
https://aawsat.com/home/article/2244391/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-%C2%AB%D8%AA%D8%AE%D8%B1%D8%AC-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%84%D9%84%C2%BB-%D9%88%D9%85%D8%AE%D8%A7%D9%88%D9%81-%D9%85%D9%86-%D8%B9%D9%88%D8%AF%D8%A9-%C2%AB%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%A7%D8%B1%D8%AB%D8%A9%C2%BB-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D8%A8%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D9%84
أوروبا «تخرج من الشلل»... ومخاوف من عودة «الكارثة» إلى المربع الأول
- مدريد: شوقي الريّس
- مدريد: شوقي الريّس
أوروبا «تخرج من الشلل»... ومخاوف من عودة «الكارثة» إلى المربع الأول
مواضيع
مقالات ذات صلة
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة


