الولايات المتحدة والنظام العالمي بعد جائحة «كورونا»

تصوير عريسين قرب نهر يانغتسي في ووهان بعد سماح السلطات بعودة الحركة المحدودة إلى المدينة التي انطلق منها الوباء (رويترز)
تصوير عريسين قرب نهر يانغتسي في ووهان بعد سماح السلطات بعودة الحركة المحدودة إلى المدينة التي انطلق منها الوباء (رويترز)
TT

الولايات المتحدة والنظام العالمي بعد جائحة «كورونا»

تصوير عريسين قرب نهر يانغتسي في ووهان بعد سماح السلطات بعودة الحركة المحدودة إلى المدينة التي انطلق منها الوباء (رويترز)
تصوير عريسين قرب نهر يانغتسي في ووهان بعد سماح السلطات بعودة الحركة المحدودة إلى المدينة التي انطلق منها الوباء (رويترز)

أي عالم سينهض بعد انتهاء أزمة «كورونا»؟ ما هي القوى التي ستخرج منتصرة وتلك التي ستهزمها هذه الحرب التي يخوضها العالم مع عدو البشرية الجديد؟
أسئلة قد تبدو مبكرة فيما العالم يحبس أنفاسه بانتظار أي أمل للخروج من هذه المحنة. لكنها أسئلة تشغل منذ اليوم صانعي السياسات في مراكز الأبحاث والمؤسسات الحكومية المسؤولة عن صياغة قرارات المستقبل. ونحن نشهد تزاحماً منذ الآن على قطف ثمار أي «انتصار» يتحقق في هذه المواجهة، كما تفعل دول مثل ألمانيا وكوريا الجنوبية وسنغافورة وسواها، فيما تغرق الدولتان الأكبر، الصين والولايات المتحدة في سلسلة من الاتهامات المتبادلة حول المسؤولية عن انتشار هذه الكارثة العالمية، وتعلن سلطات بكين أن مدينة ووهان، التي انطلق منها الوباء، صارت قادرة على استعادة حركتها الاقتصادية وحياتها الطبيعية، ولو بصورة محدودة.
في صفحة «قضايا» محاولة لتسليط الضوء على نتائج المعركة مع «كورونا» على مستقبل العلاقات الدولية، من خلال مقالات للدكتور محمد كمال والدكتور بول سالم، وجوزيف بوريل، منسق السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي.

الأزمة الصحية التي تمر بها الولايات المتحدة والعالم عموما، هي الأكبر منذ نحو مائة عام. وتداعياتها الاقتصادية قد تكون الأعمق منذ كساد الثلاثينات الكبير. والتنبؤ الدقيق بمسار الخروج من هذه الأزمة الشاملة غير ممكن في الوقت الراهن. إلا أن هناك عدداً من السيناريوهات المحتملة لهذا الخروج.
السيناريو الأكثر تفاؤلا يرى أن الخروج من هذه الأزمة قد يكون ممكنا خلال الأشهر الثلاثة المقبلة، اعتمادا على فعالية «التباعد الاجتماعي» واحتمال التقدم السريع في إيجاد علاجات فعالة للمصابين. هذا السيناريو يفترض أن الناس قد يبدأون تدريجيا بالعودة إلى أعمالهم، وأن اقتصادات الدول التي ستعاني من الركود بطبيعة الحال، ستبدأ بالتعافي في أواخر عام 2020 وبدايات عام 2021.
أما السيناريو الأشد قتامة، فيتوقع أن يستمر الوباء في الانتشار لمدة لا تقل عن 12 شهرا وقد تمتد إلى 18 شهرا – أي إلى أن يتم اكتشاف وتجربة وتوزيع لقاح - مع استمرار تطبيق سياسات العزل والإغلاق. ومن المرجح أن يؤدي ذلك إلى انكماش اقتصادي في الولايات المتحدة وفي دول العالم، يماثل الكساد الكبير في الثلاثينات من القرن الماضي، وقد يتجاوزه أثرا. وبناء على هذا السيناريو القاتم، فقد يحتاج التعافي الاقتصادي في الولايات المتحدة، وغيرها من الدول المؤثرة في الاقتصاد العالمي، وقتا أطول، وهذا الوقت قد يمتد إلى عام 2022. ووفق هذا السيناريو، فإن التداعيات الاجتماعية والسياسية والأمنية التي ستنجم عن ارتفاع معدلات البطالة وتزايد أعداد المعوزين والفقراء، غير قابلة للتوقع الدقيق في هذه اللحظة.
فيما يخص الولايات المتحدة، وبصرف النظر عن الوقت الذي سيستغرقه التعافي، فإن الاقتصاد سيشهد انكماشا ملحوظا، وستحتاج قطاعات أساسية مثل النقل والطاقة والتأمين وقتا طويلا للتعافي. ومن المرجح أن يتحول الأميركيون إلى إيلاء اهتمام متزايد لأوضاعهم الذاتية، الصحية والاقتصادية تحديداً. ما يعني انصرافا متزايدا عن الاهتمام بالسياسات الخارجية. كما أن الإدارة السياسية للبلاد ستنحو نحو اليسار، حيث بات الحزبان الرئيسيان، الجمهوري والديمقراطي، يوليان أهمية مضاعفة لدور القطاع العام في توفير الدعم لسكان ومؤسسات البلاد.
وتعتبر الانتخابات الرئاسية الأميركية، المقرر إجراؤها في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، عاملا أساسيا في تظهير التغيرات التي ستطرأ على سياسات واشنطن. من المستحيل راهنا، التنبؤ بمن سيكون الفائز في هذه الانتخابات: الرئيس ترمب أو نائب الرئيس السابق جو بايدن. في حال فوز ترمب فإن أولوياته ستكون الاهتمام بالشؤون الداخلية، ومن المرجح أن يدفع باتجاه مزيد من عزلة الولايات المتحدة عن العالم، ويضعف وشائج العلاقات مع الحلفاء والشركاء الدوليين، وسيعمد إلى تقليص مساهمة واشنطن في المؤسسات الدولية.
جو بايدن من جهته مقتنع بأهمية التعاون الدولي، وإذا فاز سيحاول إعادة الولايات المتحدة إلى موقع قيادي مع حلفائها في الناتو وفي جميع أنحاء العالم، وسيسعى إلى إحياء الدور الأميركي في المؤسسات الدولية. لكن فوزه لن يغير كل شيء. فتركيز الجمهور الأميركي، والكونغرس أيضا، بات موجها نحو الداخل وسيبقى، ولن يقدم دعما كبيرا لأي أدوار خارجية كبيرة أو مكلفة للولايات المتحدة.
فضلا عن هذا، يجب أن يكون واضحا لنا أن الولايات المتحدة لم تعد تحتل المركز المهيمن على السياسة العالمية الذي كانت تشغله في الماضي، وهذا أمر لا يغير في موازينه هوية ساكن البيت الأبيض أو شخصيته. لقد سبق لروسيا والصين أن تناطحتا لموازنة الولايات المتحدة في كثير من مناطق العالم ومجالات الاهتمام.
إلى هذا، فإن أحد المخاوف الرئيسية التي لا يمكن تجاهلها في الولايات المتحدة يتعلق باحتمال ألا تُجرى الانتخابات الرئاسية في نوفمبر المقبل. وإذا لم تتم هزيمة الفيروس، أو إذا عاد للانتشار مرة أخرى في سبتمبر (أيلول) وأكتوبر (تشرين الأول)، فلن يتردد الرئيس ترمب في إعلان أن الظروف غير مناسبة لإجراء الانتخابات، خصوصا إذا كانت لديه خشية من خسارتها. ومن المرجح أن يؤيده مجلس الشيوخ الذي يسيطر عليه الجمهوريون في قراره، وقد توافق المحكمة العليا على قرار كهذا، خصوصا أن ترمب سبق وأن رشح عددا من قضاتها. ووفق هذا السيناريو ستدخل الولايات المتحدة في أخطر أزمة دستورية، مهددة للديمقراطية، منذ الحرب الأهلية التي شهدت سنوات 1861 - 1865 فصولها.
في كل الأحوال، فإن الولايات المتحدة ستخرج من هذه الأزمة أضعف اقتصاديا وسياسيا، وأكثر تركيزا على شؤونها الداخلية، وأقل اهتماما باستعادة نفوذها الآفل عالميا، أو التورط في صراعات ونزاعات إقليمية في الشرق الأوسط أو أي مكان آخر.
من جهة ثانية من المرجح أن يواصل النظام الدولي مسار تفككه الذي شهدناه على مدى الأعوام السابقة. وكنا قد شهدنا خلالها مواجهة روسية لمحاولات توسيع حلف الناتو في أوروبا الشرقية، كما ساهمت موسكو في عمليات إضعاف اللحمة بين دول الاتحاد الأوروبي، وبفعالية أيضا، من خلال دعمها لصعود الحركات السياسية اليمينية في غير مكان من القارة. الصين من جهتها، قامت بمواجهة الهيمنة الأميركية في المحيط الهادي، وفي أوراسيا. وكان من شأن التقاطع الصيني الروسي المساهمة في إنهاء الهيمنة الأميركية التي ترسخت بعد انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1990. والتي تزعزعت بعد نشوب الخلاف بين روسيا والصين والغرب حول مدى التدخل في ليبيا، وبعدما نشرت روسيا قواتها في سوريا.
ما يسمى «النظام العالمي» الذي استمر بعد انهيار الكتلة السوفياتية يرجح أن وشائجه ستضعف أكثر بسبب الوباء. فبعد انتهاء هذه الأزمة ستكون الولايات المتحدة أضعف من ذي قبل، وستسعى إلى فصل اقتصادها عن الاقتصاد الصيني، ومن المرجح أن ينصب تركيزها على قضاياها الداخلية. في المقابل ستواصل الصين وروسيا محاولاتهما لتوسيع نفوذهما في المناطق التي تخدم مصالحهما.
وفي وقت توقع البعض أن هذه الأزمة ستزيد من التعاون الدولي، فإن المرجح أن يحدث العكس. وها قد انخرطت الولايات المتحدة وروسيا والصين في حرب معلوماتية، يسعى كل طرف فيها إلى إلقاء اللوم على الآخر في التسبب بأزمة كورونا.
في حال فاز ترمب بولاية ثانية فإن الاتجاه الحالي من التوتر سيتعزز، وسيودع العالم إمكانية التعاون الدولي الفعلي. أما إذا فاز بايدن، فقد يسعى لإعادة بناء التعاون الدولي، ولكن طريقه إلى تحقيق ذلك وعر ومحفوف بالصعاب ولا نعلم ماذا سيكون موقف الزعيمين الصيني والروسي.

- رئيس معهد الشرق الأوسط - واشنطن


مقالات ذات صلة

دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى

علوم عاملون مختبريون يفحصون عينات فيروس «كوفيد» ميدانياً

دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى

الفيروسات تتطور بشكل عادي لدى الحيوانات، إلا أنها تتطور بشكل جذري عند إصابتها الإنسان.

كارل زيمر (نيويورك)
صحتك اللقاح يُعطى عن طريق الأنف عبر رذاذ أنفي (أرشيف - أ.ب)

لقاح أنفي قد يحمي من «كورونا» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي في آنٍ واحد

طوَّر باحثون أميركيون لقاحاً جديداً قادراً على الوقاية من عدة فيروسات في آنٍ واحد، بما في ذلك «كوفيد-19» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

التطعيم يحمي الأم ووليدها

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)
صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.