«كوفيد ـ 19» قد يعيد التفكير في اقتصاد السوق

اشتداد الأزمة ربما يدعم اليمين المتشدد ومدارس أخرى للاقتصاد

متسوقون في سوق بالعاصمة الإيطالية روما أمس (إ.ب.ا)
متسوقون في سوق بالعاصمة الإيطالية روما أمس (إ.ب.ا)
TT

«كوفيد ـ 19» قد يعيد التفكير في اقتصاد السوق

متسوقون في سوق بالعاصمة الإيطالية روما أمس (إ.ب.ا)
متسوقون في سوق بالعاصمة الإيطالية روما أمس (إ.ب.ا)

في الوقت الذي ازداد فيه تفشي فيروس كورونا، حول العالم، ضارباً خططاً حكومية ودولية في مقتل، اتجهت الأنظار حيناً إلى قوة الاقتصادات أولاً وكيف يمكن الاستناد عليها وقت الأزمات، إلا أن ظهور أول 2000 حالة وفيات وإصابة بكوفيد 19، كان كفيلاً بإظهار الجانب الخفي لاقتصاد السوق.
تكالب المواطنون على الأسواق للشراء والتخزين، وسط محاولات حثيثة من الحكومات لتوفير المستلزمات الأولية، لفترة غير محددة، وطبع الأموال محلياً لتوفير الأموال، أمام مخاوف من انتهاء السلع، مما قد يجعل المعروض أمام الطلب بنسبة واحد إلى 100، وهو ما يرفع معدل التضخم إلى مستويات فنزويلا، (نحو 10 آلاف في المائة رسمياً في 2019 و200 ألف في المائة وفقاً لتوقعات صندوق النقد).
مع محاولات من بعض التجار ورجال الأعمال لإخفاء سلع معينة للاتجار بها وقت اشتداد الأزمة، مما رفع الأسعار وزاد الطلب. كل هذا وسط اختفاء تام لمظاهر العولمة، (وقف الطيران وإغلاق عالمي ومحلي أيضاً) مما قد يعيد التفكير في اقتصاد السوق، الذي يفقد جزءاً رئيسياً منه بتأميم الدولة لشركات ومؤسسات، وهو ما يحدث حالياً، في معظم الدول المتقدمة، التي تنادي باقتصاد السوق.
وصحيح أن أي ظروف استثنائية يجب التعامل معها بإجراءات استثنائية، فإن الإغلاقات الحالية في معظم دول العالم أكدت أن الحاجة إلى العولمة تقل أمام ظرف واقعي قد يطول أمده. ولا يغيب عن المشهد العام ما تمر به إيطاليا، التي تواجه أسوأ ركود منذ الحرب العالمية الثانية، وهو ما من شأنه تعزيز اليمين المتشدد.
رئيس البرلمان الألماني فولفجانج شويبله، قال أمس، إن أزمة كورونا سيكون لها عواقب اجتماعية واسعة المدى. وأوضح في تصريحات لصحيفة «أوجسبورجر ألجماينه» الألمانية الصادرة أمس السبت: «يتعين علينا إعادة تعريف العلاقة بين اقتصاد السوق والتنظيم الحكومي... لقد اهتز يقيننا بشدة في أن كل شيء سيسير على ما يرام بطريقة أو بأخرى... علينا التفكير الآن فيما إذا كان ذلك له علاقة بأننا بالغنا في تقدير كثير من الأمور». وكان الاقتصاد العالمي يتشابك أكثر فأكثر، من خلال دعوات دولية وحكومية ومؤسسات مالية، للتكامل الاقتصادي أحياناً، وتبادي المصالح أحياناً أخرى، وهو ما انتشر بشكل واسع تحت مسمى (العولمة).
غير أن شويبله ذكر أن الأزمة تكشف مشكلة التشابك العالمي، وقال: «العولمة تعني للأسف أيضاً تغير المناخ وانقراض الأنواع»، موضحاً أن الأمر لا يتعلق بتوقف آليات اقتصاد السوق، «لكن لا بد من إعادة تقييم الإطار الذي نتحرك فيه».
وإذا ما قررت الدول الإغلاق الحر، وليس إجباراً بسبب كورونا، فإن الاقتصاد العالمي سيشهد بالكاد، ظهور مدارس جديدة للاقتصاد، تحاول فرض سيطرتها من خلال تسويق نقاط قوتها، ما قد ينتج عنه حرب أسعار في السلع واتفاقات تجارية جديدة.
ومن هنا، قال رئيس البرلمان الألماني، إنه يتعين أيضاً إعادة هيكلة السوق الداخلية الحرة وحركة السياحة في أوروبا في أسرع وقت ممكن، بالإضافة إلى مراعاة عدم إلحاق أضرار إضافية بالاقتصاد عبر الرقابة المستمرة على الحدود في وقت تحتاج فيه أوروبا على نحو مُلح إلى تحسين قدرتها على التصرف.
واقتصاد السوق، الذي يخضع للعرض والطلب، لا يمكن العمل به كلية وقت الأزمات، وهو ما قد يأخذ البعض في ربطه بمحاولات الحكومات بفتح اقتصاد من جديد، حتى مع استمرار انتشار فيروس كورونا.
ويقفز على السطح هنا، أزمة الديون، التي ستتطلب وقتاً وإعادة هيكلة في أدوات الدين الحكومية لكل دولة، حتى تستطيع جدولة هذه الديون، فيما بعد. وسط إجراءات محمودة بإلغاء ديون دول فقيرة، أو تأجيلها وعدم احتساب فوائد عليها.
- محاولات فتح الاقتصاد
بينما أعلنت ألمانيا والسويد والدنمارك عن مواعيد لفتح تدريجي للاقتصاد من جديد، وإعادة دورة العمل، قرر الرئيس الأميركي دونالد ترمب، التصدي لإجراءات العزل، فيما باتت بلاده من كبرى دول بؤر الفيروس في العالم. فيما لا يزال أكثر من نصف سكان العالم في منازلهم بهدف الحد من انتشار الفيروس التاجي المستجد.
وقال ترمب على «تويتر»: «حرروا مينيسوتا!»، «حرروا ميشيغان!» و«حرروا فرجينيا!» فيما يستعد ناشطون، في هذه الولايات إلى تحدي قرارات العزل الخاصة بكل ولاية. وهذه الولايات الثلاث يحكمها ديمقراطيون أمروا السكان بالبقاء في منازلهم.
في الأثناء حذر صندوق النقد الدولي من أن قادة العالم يواجهون تحدياً مزدوجاً: سواء كان صحياً واقتصادياً مع ركود غير مسبوق منذ 1929 يلوح في الأفق. وبسبب عدم وجود إجراءات حماية اجتماعية، اضطر ملايين الأميركيين إلى اللجوء إلى البنوك الغذائية. واعتبر صندوق النقد الدولي والبنك الدولي أنه لا يزال يتعين تأمين 44 مليار دولار لتمويل حملة مكافحة الأزمة الصحية والاقتصادية في أفريقيا. وفي أوروبا، بدأت بعض الدول تخفيف إجراءات العزل بحذر مثل النمسا أو الدنمارك. وأعلنت ألمانيا أن كورونا «تحت السيطرة» في البلاد، وبدت بذلك أكبر دولة أوروبية تدير الأزمة الصحية بأفضل شكل.
- خسائر فادحة
تكون الخسائر السمة الغالبة وقت الأزمات، خصوصاً قطاع الاستثمار، وتحديداً الأسهم، فقد تكبدت صناديق الثروة السيادية الأضخم في العالم خسائر بنحو 67 مليار دولار منذ بداية العام بفعل تأثير أزمة فيروس كورونا على حيازات رئيسية لها.
جاء جزء كبير من ذلك، حوالي 40 مليار دولار، من حصص في حوزة وحدة لمؤسسة الصين للاستثمار في مؤسسات مالية صينية مثل: بنك الصين للإنشاء والبنك الصناعي والتجاري الصيني وبنك الصين والبنك الزراعي الصيني، وفقاً لحسابات أجراها خافيير كابابي، مدير أبحاث الثروات السيادية لدى مركز «آي إي» لحوكمة التغيير.
حلل كابابي بيانات من 15 صندوقاً مختلفاً باستثمارات أولية تزيد على المليار دولار لتقدير الخسائر غير المحققة. وقال: «بعض الحصص الكبيرة اشتريت أثناء الأزمة المالية العالمية، وتلك الحصص في بنوك أوروبية مثل باركليز وكريدي سويس كانت تعاني».
اشترى جهاز قطر للاستثمار في كريدي سويس خلال 2008 ويحوز حاليا حصة تبلغ 5.21 في المائة، في حين يملك الصندوق النرويجي 4.98 في المائة، ويحوز الجهاز القطري 5.87 في المائة في باركليز، وفقا لبيانات رفينيتيف. وتملك تماسيك القابضة السنغافورية 16 في المائة في ستاندرد تشارترد، وهو استثمار بدأته في 2006 قبل الأزمة المالية.
وأسهم البنوك الثلاثة منخفضة بين 39 و49 في المائة منذ بداية السنة.
كان معهد التمويل الدولي قال في تقديرات له الشهر الماضي إن صناديق الثروة السيادية الخليجية قد تشهد أصولها انخفاضاً بمقدار 296 مليار دولار بنهاية العام الحالي، في خسائر سيأتي معظمها من تراجعات سوق الأسهم والبقية من تخارجات تقوم بها الحكومات التي تشتد حاجتها إلى السيولة.
ورغم ذلك، ما زال بعض الصناديق يبحث عن صفقات. فقد كون صندوق الاستثمارات العامة السعودي حصصاً في أربع شركات نفط أوروبية: رويال داتش شل وتوتال الفرنسية وإكوينور النرويجية وإيني الإيطالية، فضلاً عن 8.2 في المائة في كارنيفال كورب للرحلات البحرية.
وأوضح كابابي أن الاستثمارات التي يبدو أنها تؤتي ثمارها وسط الإغلاقات الشاملة لقطاعات ضخمة من الاقتصاد العالمي هي تلك التي في شركات المخازن واللوجيستيات.
وقال: «الكثير من المستودعات في أنحاء العالم وبخاصة في أوروبا مملوك لصناديق ثروة سيادية والاتجاه نحو التجارة الإلكترونية يدعم مع هذه الأزمة العديد من الشركات الناشئة التي تعمل في توصيل الطعام أو غيره وتسيطر عليها صناديق سيادية مثل أوبر وجراب وديدي».
يملك صندوق الاستثمارات العامة السعودي 4.27 في المائة من أوبر، وفقاً لأحدث بيانات رفينيتيف التي ترجع إلى ديسمبر (كانون الأول). وخصص الصندوق 45 مليار دولار لصندوق رؤية سوفت بنك البالغ 100 مليار دولار وهو بدوره مساهم في أوبر أيضاً.


مقالات ذات صلة

لقاح أنفي قد يحمي من «كورونا» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي في آنٍ واحد

صحتك اللقاح يُعطى عن طريق الأنف عبر رذاذ أنفي (أرشيف - أ.ب)

لقاح أنفي قد يحمي من «كورونا» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي في آنٍ واحد

طوَّر باحثون أميركيون لقاحاً جديداً قادراً على الوقاية من عدة فيروسات في آنٍ واحد، بما في ذلك «كوفيد-19» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

التطعيم يحمي الأم ووليدها

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)
صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

البنوك السعودية تُسجل عاماً تاريخياً في 2025 وتستعد لمرحلة جديدة خلال 2026

أفراد يدخلون أحد فروع «البنك الأهلي» في السعودية (رويترز)
أفراد يدخلون أحد فروع «البنك الأهلي» في السعودية (رويترز)
TT

البنوك السعودية تُسجل عاماً تاريخياً في 2025 وتستعد لمرحلة جديدة خلال 2026

أفراد يدخلون أحد فروع «البنك الأهلي» في السعودية (رويترز)
أفراد يدخلون أحد فروع «البنك الأهلي» في السعودية (رويترز)

شهد عام 2025 محطة تاريخية فارقة للبنوك السعودية التي سجلت أرباحاً قياسية بلغت 24.5 مليار دولار (ما يعادل 92 مليار ريال)، وبنمو سنوي نسبته 16 في المائة، وبفارق 3.46 مليار دولار (13 مليار ريال) مقارنةً بعام 2024. وفي وقت تترقب الأسواق أداء القطاع خلال العام الجاري، تشير التوقعات إلى نمو أكثر اعتدالاً واستقراراً، وسط رهانات على استمرار الإنفاق الحكومي في دعم المشاريع الكبرى بوصفها ركائز أساسية تحافظ على زخم الطلب الائتماني.

وقد جاء هذا الأداء القوي ثمرةً لتضافر عوامل استراتيجية، بدءاً من قوة الملاءة المالية للبنوك، وصولاً إلى توسع مَحافظ الإقراض. كما أن الأرقام المسجَّلة لم تكن بمعزل عن التقييمات الدولية؛ إذ يؤكد صندوق النقد الدولي أن القطاع المصرفي السعودي يتمتع بمرونة عالية، ومستويات رسملة قوية، وسيولة وفيرة، مع انخفاض ملحوظ في القروض المتعثرة لتصل إلى أدنى مستوياتها منذ عام 2016. ويشير إلى أن البنوك السعودية أثبتت قدرتها على تحمل الصدمات الاقتصادية وتقلبات أسعار النفط بفضل اختبارات الضغط الصارمة، وأن القطاع المصرفي السعودي يمتلك أساسات صلبة تمكّنه من مواصلة دعم نمو الاقتصاد غير النفطي.

العاصمة السعودية (واس)

ما البنوك؟

شمل هذا الأداء القوي المصارف العشرة المدرجة في السوق السعودية، وهي: «البنك الأهلي السعودي»، ومصرف «الراجحي»، و«بنك الرياض»، و«البنك السعودي الأول»، و«البنك السعودي الفرنسي»، و«البنك العربي الوطني»، ومصرف «الإنماء»، وبنك «البلاد»، و«البنك السعودي للاستثمار»، و«بنك الجزيرة».

تصدر «البنك الأهلي السعودي» قائمة البنوك من حيث صافي الأرباح، مسجلاً 25 مليار ريال، بنسبة نمو بلغت 18 في المائة. وجاء «مصرف الراجحي» في المرتبة الثانية من حيث صافي الأرباح، لكنه حقق أعلى نسبة نمو بين المصارف المدرجة، تجاوزت 26 في المائة، لتصل أرباحه إلى أكثر من 24.7 مليار ريال. في حين حل «بنك الرياض» ثالثاً بأرباح بلغت 10.4 مليار ريال، وبنسبة نمو بلغت 12 في المائة.

مبنى «الراجحي» في العاصمة السعودية (أ.ف.ب)

هيمنة البنوك الكبرى

وفي تعليق على النتائج المالية، قال محلل الأسواق المالية، وعضو «جمعية الاقتصاد» السعودية، الدكتور سليمان آل حميد الخالدي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن نتائج القطاع البنكي خلال عام 2025 تظهر أداءً استثنائياً، وهو نمو يعكس قوة القطاع المصرفي ومتانته، حيث تصدر البنك الأهلي السعودي ومصرف الراجحي المشهد، مما يؤكد استمرار هيمنة البنوك الكبرى المدعومة بقاعدة رأسمالية قوية وانتشار واسع.

وأضاف أن هذا النمو جاء مدفوعاً بعدة عوامل رئيسية، أبرزها استمرار ارتفاع أسعار الفائدة خلال معظم فترات العام، مما عزَّز صافي دخل العمولات الخاصة، كما أسهم التوسع في الإقراض، خصوصاً التمويل العقاري وتمويل الشركات المرتبطة بمشاريع «رؤية السعودية 2030»، في زيادة حجم الأصول المدرّة للدخل، كذلك استفادت البنوك من تحسن جودة الأصول وانخفاض المخصصات مقارنةً بفترات سابقة، إلى جانب التوسع في الخدمات الرقمية التي رفعت كفاءة التشغيل وخفضت التكاليف.

ويتوقع الخالدي أن يشهد القطاع المصرفي السعودي نمواً أكثر اعتدالاً خلال 2026، مع احتمالية استقرار أو تراجع أسعار الفائدة، مما قد يضغط نسبياً على الهوامش الربحية، مضيفاً أن استمرار الإنفاق الحكومي والمشاريع الكبرى، إضافةً إلى نمو القطاع غير النفطي، سيُبقي الطلب على التمويل عند مستويات قوية.

ويُرجِّح أن تركز البنوك على تنويع مصادر الدخل عبر الرسوم والخدمات الاستثمارية، وتعزيز التحول الرقمي لرفع الكفاءة، لافتاً إلى أن القطاع المصرفي السعودي سيبقى في موقع قوي، مدعوماً ببيئة اقتصادية مستقرة وإصلاحات هيكلية، مما يجعله قادراً على الحفاظ على مستويات ربحية جيدة رغم التحديات المحتملة.

أرباح «تاريخية»

من جهته، وصف المحلل المالي ناصر الرشيد، خلال تصريح له لـ«الشرق الأوسط»، أرباح القطاع لعام 2025 بأنها «تاريخية»، وتأتي مدفوعةً بالنمو المستمر في الأعمال بالاقتصاد السعودي والنمو السنوي للميزانية الحكومية، مضيفاً أن البنوك جزء من المنظومة المالية، كما أن القطاع البنكي هو القطاع الأكثر دعماً لمؤشر السوق السعودية.

وفي تحليل لنمو أرباح البنوك، أرجع الرشيد ذلك إلى نمو صافي الدخل من الفوائد والعمليات التشغيلية، الناتج من توسع محفظة الإقراض المصرفي، ونمو الدخل من الرسوم المصرفية والعمولات، وكذلك التوسع القوي في محفظة الإقراض وارتفاع حجم القروض البنكية وزيادة الطلب على التمويل من الشركات والأفراد، مما أسهم في زيادة الأرباح.

مبنى بنك الرياض (الشرق الأوسط)

نمو الطلب على الائتمان

وأشار إلى أن تحسن البيئة الاقتصادية وتشغيل بعض المشاريع الضخمة ضمن «رؤية 2030» عزَّزا الطلب على التمويل المصرفي وزادا الطلب على الائتمان، بالإضافة إلى تحسن مستويات الربحية التشغيلية وانخفاض تكاليف المخاطر في بعض البنوك وارتفاع الطلب على التمويل، كما حقق بعض البنوك أرباحاً رأسمالية من بيع الأصول والاستثمارات، مما أسهم في زيادة صافي الربح السنوي للقطاع البنكي.

وأضاف أن غالبية البنوك استفادت من تنوع مصادر الدخل وحققت مكاسب من الأدوات المالية المتنوعة، كالصكوك، والاستثمارات الأخرى، بالإضافة إلى استفادتها من الاستقرار والتخفيض النسبي في أسعار الفائدة، مما أسهم في تحسين الهوامش الربحية لدى بعض البنوك.

ورغم هذا الأداء الاستثنائي، يرى محللون أن القطاع المصرفي يواجه عدداً من التحديات في عام 2026؛ لعل أبرزها احتمال ضغوط الهوامش الربحية الناتجة عن اتجاهات أسعار الفائدة. بالإضافة إلى ذلك، يتطلب التسارع الرقمي استثمارات مستمرة في الأمن السيبراني لمواكبة التهديدات المتطورة، إلى جانب التحدي المتمثل في الحفاظ على جودة الأصول في ظل بيئة ائتمانية متسارعة، وهو ما يفرض على البنوك انتهاج سياسات تحوطية مرنة تضمن استدامة الربحية والنمو في آن واحد.


انهيار شركة رهن بريطانية كبرى يضع البنوك العالمية في مواجهة الخسائر

الحي المالي في لندن (إ.ب.أ)
الحي المالي في لندن (إ.ب.أ)
TT

انهيار شركة رهن بريطانية كبرى يضع البنوك العالمية في مواجهة الخسائر

الحي المالي في لندن (إ.ب.أ)
الحي المالي في لندن (إ.ب.أ)

يواجه القطاع المصرفي العالمي حالة من الترقب المشوب بالحذر عقب الانهيار المفاجئ لشركة «ماركت فاينانشال سوليوشنز (MFS)»، وهي شركة بريطانية متخصصة في تقديم الرهن العقاري، وسط مزاعم خطيرة بالاحتيال وتضليل المستثمرين.

هذا الانهيار لم يقتصر تأثيره على الشركة ذاتها، بل امتد ليشكل تهديداً مباشراً لمؤسسات مالية كبرى في «وول ستريت» ولندن، مما أعاد إلى الأذهان ذكريات مؤلمة عن ضعف معايير الاكتتاب التي سبقت الأزمات المالية الكبرى، وجسّد تحذيرات المدير التنفيذي لبنك «جي بي مورغان»، جيمي ديمون، بشأن وجود «صراصير» كامنة في أسواق الائتمان تنتظر الظهور مع تراجع السيولة، وفق ما ذكرت صحيفة «فاينانشال تايمز».

خيوط الأزمة

بدأت فصول الأزمة عندما تقدمت شركتا «أمبر بريدجينغ» و«زيركون بريدجينغ» بطلب قضائي ضد شركة «ماركت فاينانشال سوليوشنز»، كاشفتين عن «مخالفات جسيمة» في إدارة حسابات الشركة المالية. وبناءً على هذه المعطيات، وافق رئيس محكمة الإعسار والشركات في لندن، القاضي نيكولاس بريغز، على وضع الشركة تحت الإدارة القضائية، واصفاً مزاعم الاحتيال الموجهة ضدها بأنها «بالغة الخطورة».

ويكمن جوهر الاتهامات في ممارسة «الرهن المزدوج»، حيث يُزعم أن الشركة استخدمت الأصول العقارية ذاتها ضمانات للحصول على قروض متعددة، مما أدى إلى «عجز كبير» في الضمانات العقارية التي تغطي قروض المقرضين. هذا التلاعب، الذي يتطلب تحقيقاً عاجلاً، يعني أن المؤسسات المالية التي ضخت مليارات الجنيهات في الشركة وجدت نفسها أمام أصول متضخمة القيمة أو غير موجودة في الواقع، مما دفع القضاء البريطاني إلى تعيين خبراء من شركة «أليكس بارتنرز» لإدارة عملية التصفية والبحث في حجم الخسائر التي قد تصل إلى 930 مليون جنيه إسترليني (1.3 مليار دولار).

هيكلية السيطرة

لم يكن انهيار «إم إف إس» نتيجة سوء إدارة مؤسسي فحسب، بل سلّط الضوء على نموذج «الملكية المطلقة». فقد تأسست الشركة عام 2006 على يد باريش رجا، الذي كان يدير الشركة بصفته المدير الوحيد والمسيطر المطلق على الأقسام كافة، بمشاركة زوجته براثيبا رجا بصفتها عضو مجلس إدارة، حيث كان الزوجان هما المساهمين الوحيدين. ورغم أن الشركة كانت تدّعي في منشوراتها الترويجية أنها تمتلك فِرقاً لإجراء «العناية الواجبة المعززة»، فإن تركيز الصلاحيات في يد فرد واحد أتاح تمرير عمليات تمويل مشبوهة بعيداً عن الرقابة الداخلية الفعالة. وفي محاولة لاحتواء الموقف، أصدر رجا بياناً زعم فيه أن الأزمة هي «مأزق تقني وإجرائي» وليست فشلاً في جودة الأصول، وهي تصريحات قوبلت بتشكيك واسع من الدائنين والمحللين القانونيين.

شعار «باركليز» (رويترز)

ارتدادات عالمية

أحدث هذا السقوط صدمة في أروقة المال، خصوصاً مع انكشاف حجم تعرض المؤسسات المالية الكبرى. ويَبرز بنك «باركليز» بوصفه أحد أكثر المتضررين بحجم تعرض يقدَّر بنحو 600 مليون جنيه إسترليني، مما أدى إلى تراجع أسهم البنك في بورصة لندن، وفق صحيفة «التايمز».

ولم تكن المؤسسات الأميركية بمنأى عن هذا الزلزال؛ إذ يواجه بنك «جيفريز» (الذي تعرض سابقاً لخسائر من انهيار «فيرست براندز»)، وشركة «أطلس إس بي بارتنرز» التابعة لـ«أبولو غلوبال مانجمنت»، إلى جانب «ويلز فارغو» و«سانتاندير» و«تي بي جي»، ضغوطاً متزايدة لتقييم خسائرها. وتشير التقديرات إلى أن إجمالي التمويلات التي قدمتها هذه المؤسسات للشركة المنهارة تجاوزت ملياري جنيه إسترليني، مما دفع صناديق التحوط الائتماني للبدء بتحليل دفاتر الشركة، متوقعةً عمليات بيع قسرية لديون الشركة بخصومات حادة لاسترداد ما يمكن استرداده.

صلات مشبوهة

كشفت التحقيقات التي تحدثت عنها «فاينانشال تايمز» عن أن جزءاً كبيراً من أعمال «إم إف إس» كان مرتبطاً بتمويل عقارات مرتبطة بوزير بنغلاديشي سابق. فقد كانت الشركة تمول استثمارات ضخمة مرتبطة به منذ عام 2019، وشمل ذلك مئات العقارات في إنجلترا وويلز. أثار هذا الملف تساؤلات حادة حول مدى امتثال الشركة لقوانين مكافحة غسيل الأموال، خصوصاً أن الأصول المعلنة للسياسي في بلاده كانت لا تتناسب مطلقاً مع حجم ثروته العقارية في بريطانيا، التي جمدت الوكالة الوطنية لمكافحة الجريمة جزءاً كبيراً منها في وقت سابق.

وقد عززت هذه القضية من الانتقادات الموجَّهة إلى شركات الائتمان التي تلهث خلف عوائد مرتفعة دون التدقيق الكافي في جودة الأصول، وهو ما وصفه جيمي ديمون مؤخراً بـ«الأفعال الغبية» التي تعيد تذكير المحللين بما حدث في عام 2008.

شعار شركة «جيفريز فاينانشال غروب» معروض على شاشة في بورصة نيويورك (رويترز)

أزمة ثقة تتجاوز «إم إف إس»

لا يمثل انهيار «إم إف إس» حالة منعزلة، بل هو حلقة في سلسلة من الإخفاقات التي ضربت شركات أميركية مؤخراً، مثل «فيرست براندز» و«تريكولور هولدينغز»، اللتين تواجهان بدورهما تحقيقات بتهم احتيال وتزييف فواتير. وتؤكد هذه الوقائع المتسارعة أن ثقافة «التوسع السريع» و«النمو غير المدروس» في سوق الإقراض المدعوم بأصول قد خلقت بيئة هشة. ومع استمرار التحقيقات، يظل السؤال الأهم الذي يطرحه المستثمرون حالياً: هل يعد انهيار «إم إف إس» جرس إنذار أخير قبل ظهور حالات احتيال أخرى في أسواق الائتمان الخاص، أم أنه مجرد فصل آخر من تداعيات السيولة الرخيصة التي تلاشت في ظل أسعار الفائدة المرتفعة؟

في ظل هذه المعطيات، تجد البنوك الدولية نفسها اليوم في موقف دفاعي، مطالبةً بتعزيز معايير الرقابة والمحاسبة، بينما يراقب العالم ما إذا كان هذا الانهيار سيقود إلى موجة من الملاحقات القضائية التي قد تغير قواعد اللعبة في سوق الإقراض العقاري الموازي.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


أسعار الجملة الأميركية تفوق التوقعات وتُجدد مخاوف الضغوط التضخمية

متسوقة تدفع عربة تسوق داخل متجر كوستكو قبل تخفيضات «بلاك فرايدي» في أرلينغتون بفيرجينيا (رويترز)
متسوقة تدفع عربة تسوق داخل متجر كوستكو قبل تخفيضات «بلاك فرايدي» في أرلينغتون بفيرجينيا (رويترز)
TT

أسعار الجملة الأميركية تفوق التوقعات وتُجدد مخاوف الضغوط التضخمية

متسوقة تدفع عربة تسوق داخل متجر كوستكو قبل تخفيضات «بلاك فرايدي» في أرلينغتون بفيرجينيا (رويترز)
متسوقة تدفع عربة تسوق داخل متجر كوستكو قبل تخفيضات «بلاك فرايدي» في أرلينغتون بفيرجينيا (رويترز)

سجّلت أسعار الجملة في الولايات المتحدة ارتفاعاً فاق التوقعات، خلال الشهر الماضي، في إشارة إلى استمرار الضغوط التضخمية عند مستويات تفوق ما كان يُنتظر.

وأعلنت وزارة العمل، الجمعة، أن مؤشر أسعار المنتجين – الذي يقيس التضخم عند بوابة الإنتاج قبل انتقاله إلى المستهلكين – ارتفع بنسبة 0.5 في المائة مقارنة بشهر ديسمبر (كانون الأول)، وبنسبة 2.9 في المائة على أساس سنوي حتى يناير (كانون الثاني) 2025. وكانت توقعات الاقتصاديين، وفقًا لمسح أجرته شركة «فاكت سيت»، تشير إلى زيادة شهرية قدرها 0.3 في المائة، وسنوية بنحو 1.6 في المائة.

وعند استثناء أسعار الغذاء والطاقة شديدة التقلب، ارتفعت أسعار الجملة الأساسية بنسبة 0.8 في المائة على أساس شهري و3.6 في المائة على أساس سنوي، متجاوزةً بدورها تقديرات المحللين.

في المقابل، تراجعت أسعار الطاقة؛ إذ انخفضت أسعار البنزين بالجملة بنسبة 5.5 في المائة مقارنة بديسمبر، وبنسبة حادة بلغت 15.7 في المائة على أساس سنوي.

وجاءت الزيادة مدفوعة بشكل رئيسي بارتفاع أسعار الخدمات بالجملة، نتيجة اتساع هوامش الربح لدى تجار التجزئة والجملة.

ويأتي تقرير أسعار المنتجين بعد أسبوعين من إعلان وزارة العمل أن أسعار المستهلكين ارتفعت بنسبة 2.4 في المائة فقط على أساس سنوي، الشهر الماضي، لتقترب بذلك من هدف التضخم البالغ 2 في المائة الذي يسعى إليه الاحتياطي الفيدرالي.

وكان عدد من الاقتصاديين قد أبدوا مخاوف من أن تؤدي الرسوم الجمركية المرتفعة التي فرضها الرئيس دونالد ترمب على الواردات إلى تسريع وتيرة التضخم، إلا أن تأثيرها حتى الآن جاء أقل من المتوقع، رغم بقاء معدلات التضخم أعلى من المستوى المستهدف من قبل الاحتياطي الفيدرالي.

وتُعدّ أسعار الجملة مؤشراً استباقياً لمسار تضخم المستهلكين، كما تحظى بمتابعة دقيقة من قبل الاقتصاديين نظراً إلى أن بعض مكوناتها - لا سيما مؤشرات الرعاية الصحية والخدمات المالية - تدخل ضمن حساب مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي، وهو المقياس المفضل لدى «الاحتياطي الفيدرالي» لرصد التضخم.