قلق في دمشق بعد فرض الحكومة قيوداً على توزيع الخبز

خبراء يحذّرون من تجاوز «الخطوط الحمر»

بائع معجنات في دمشق القديمة يرتدي قناعاً للوقاية من «كورونا» أمس (أ.ف.ب)
بائع معجنات في دمشق القديمة يرتدي قناعاً للوقاية من «كورونا» أمس (أ.ف.ب)
TT

قلق في دمشق بعد فرض الحكومة قيوداً على توزيع الخبز

بائع معجنات في دمشق القديمة يرتدي قناعاً للوقاية من «كورونا» أمس (أ.ف.ب)
بائع معجنات في دمشق القديمة يرتدي قناعاً للوقاية من «كورونا» أمس (أ.ف.ب)

رغم حالة الفقر في مناطق سيطرة الحكومة السورية وتفشي وباء «كورونا»، تتمسك الحكومة بتوزيع مادة الخبز المدعوم عبر «البطاقة الذكية»، ما قد يجعل الحصول على الرغيف صعباً.
ورأى مواطنون في القرار «خيانة» لهم لأنه يلغي «الخطوط الحمر» التي وضعها حزب «البعث» الحاكم، في وقت اعتبر خبراء أن القرار قد يكون مقدمات لرفع الدعم عن الخبز كما حصل في مواد أخرى في ظل العجز الحكومي بتأمين المستلزمات المعيشية للمواطنين.
وبعد تراجع ظاهرة الازدحام الكبير على الأفران في دمشق لتأمين الخبز بالسعر الحكومي المدعوم (خمسين ليرة للربطة الواحدة المؤلفة من ثمانية أرغفة)، التي كانت تحدث في السنوات الأولى للحرب المتواصلة منذ أكثر من تسع سنوات، عادت هذه الظاهرة منذ بداية العام الجاري، وتفاقمت مع الإجراءات الاحترازية لاحتواء تفشي وباء «كورونا» التي أعلنتها الحكومة منتصف مارس (آذار) الماضي، وترافق ذلك مع إعلان الأفران انتهاء عملها في ساعات غير معتادة، في مؤشر على نقص في مادة الدقيق المخصصة لها والتي تتسلمها من الحكومة.
وسط هذه الحال، تزايدت تلميحات الحكومة إلى أنها ستقر توزيع الخبز للمواطنين عبر «البطاقة الذكية» التي تعطى للناس لضبط الحصول على أي مادة، بعد «النجاح مبدئيا في توزيعه بهذه الطريقة عبر المخاتير ولجان الأحياء». وقالت بأن القرار يهدف إلى «ترشيد الاستهلاك»، و«منعاً للمتاجرة بالخبز أو تحويله لعلف للدواب، حيث تم توفير 40 في المائة من الكميات التي كانت تخبز في السابق»، علما بأن عملية التوزيع هذه أحدثت أمام سيارات التوزيع ازدحاما مماثلا لما كان يحصل على الأفران، ووصل سعر ربطة الخبز «المدعوم» في السوق السوداء إلى أكثر من 600 ليرة. (الدولار الأميركي يساوي 1250 ليرة).

- رفض ونداءات
وقوبلت تلميحات الحكومة بحملات رفض، ظهرت على منصات التواصل الاجتماعي وتضمنت نداءات للرئيس بشار الأسد للتدخل ووقف هذا الإجراء، وذلك بسبب التجربة الفاشلة والمريرة للمواطنين في الحصول على مادتي الغاز والمازوت ومواد تموينية رئيسية (سكر، أرز، زيت نباتي، شاي) من خلال «البطاقة الذكية». إذ أنه رغم إعلان الحكومة أن مخصصات العائلة أسطوانة غاز واحدة كل 23 يوما، تؤكد كثير من العائلات أنها لم تستلم أي أسطوانة رغم مرور 75 يوما على تسجيلها. ويقضي الكثير من المسؤولين عن العائلات نهارا كاملا أمام المؤسسات الحكومية للحصول على مواد السكر والأرز والزيت النباتي والشاي، وربما لا يحصل عليها في ذات اليوم، وإن حصل عليها تكون ناقصة لبعض المواد.
لكن وزير التجارة الداخلية وحماية المستهلك عاطف النداف، قال بعد الرفض لتوزيع الخبز على المواطنين عبر «البطاقة الذكية»، في مؤتمر عقده الاثنين الماضي ستمضي الحكومة في تنفيذ هذه الطريقة. ونقلت عنه مواقع إلكترونية وصفحات على موقع «فيسبوك»: إن التنفيذ يمكن أن يبدأ اعتبارا من الأربعاء (اليوم)، وذكر أنه «خلال ٤ أيام انخفض استهلاك الخبز عبر التوزيع عن طريق المعتمدين»، في إشارة إلى المخاتير ولجان الأحياء، في حين أن الكثير من الأحياء يصلها الخبز مرة كل يومين أو ثلاثة بعد أن يكون غير صالح للاستهلاك بسبب طريقة التجميع والنقل السيئة.

- خيانة
«لؤي» مواطن كباقي معظم المواطنين الذين كانوا يترقبون ما سيقوله النداف، يوضح لـ«الشرق الأوسط»: «أليس كافيا وجود حرب وغلاء وفقر و«كورونا». الحكومة خانت الناس وباتت تحاربهم برغيف خبزهم الذي يعتبر مادة أساسية لهم ولا يمكنهم الاستغناء عنها». وتوضح سيدة منزل تعمل مدرسة في مرحلة التعليم الثانوي لـ«الشرق الأوسط»، أن «الناس باتت محرومة حتى من قرص الفلافل، من البيضة، وفوق كل ذلك الحكومة تعمل من أجل أن يصبح الحصول على رغيف الخبز حلما للناس»!، وتضيف: «كل خطوطهم الحمر التي طالما قالوا إنها لن يتم الاقتراب منها من غاز ومازوت وتموين انمحت، والآن يمحون آخرها وأهمها»!
وخلال سنوات الحرب وفي ظل العقوبات الاقتصادية، تراجع سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار الأميركي من نحو 50 ليرة إلى أكثر من 1250 ليرة وتضاعفت الأسعار أكثر من 30 ضعفا، وبات أكثر من 86 في المائة من المواطنين في مناطق سيطرة يعيشون تحت خط الفقر.
من جهته، يوضح أنه تم تعيين 473 معتمدا، و108 أفران، و86 بقالية في دمشق لتوزيع الخبر على المواطنين عبر «البطاقة الذكية»، بسعر 50 ليرة سورية للربطة الواحدة، يضاف إليها 10 ليرات أجور النقل، ما يعني زيادة بلغت 20 في المائة على السعر الحكومي «المدعوم».

- مجال للتلاعب
اللافت في حديث النداف، إعلانه أنه «يحق لكل معتمد ١٠ في المائة من الكمية لتسليمها للعائلات أو الأشخاص غير مالكي البطاقة الذكية، بعد تسجيل اسمه والرقم الوطني لديه»!، وهو ما قد يؤدي إلى تلاعب كبير في مصير هذه الكمية من قبل المعتمدين.
ومن دون أن يذكر عدد المتوفر منها، تحدث النداف عن «زيادة عدد الأجهزة الإلكترونية القارئة للبطاقة الذكية في الأفران وجاهزيتها بشكل كامل»، على حين لم يذكر عدد الأجهزة التي ستوزع على المعتمدين، وسط معلومات أن دمشق تحتاج إلى ألف جهاز المتوفر منها لا يتجاوز المائة جهاز، الأمر الذي سيتسبب بحدوث حالات ازدحام كبيرة على المنافذ التي تتوفر فيها الأجهزة، علما بأن ثمن الجهاز الواحد يقدر بـأكثر من 450 ألف ليرة سورية.
وفي محاولة للالتفاف على الرفض، تراجع النداف عن تصريحات سابقة لمسؤولين في الوزارة حددوا فيها الحصص اليومية للعائلات من الخبز «المدعوم» بربطة واحدة يوميا للأسرة التي يبلغ عدد أفرادها حتى 3 أشخاص، وربطتين للأسر بين 4 - 7 أفراد، بينما تحصل على 3 ربطات الأسر التي تتجاوز 7 أفراد، وذكر أنه «يحق لكل مواطن الحصول على الكمية التي يرغب بها من الخبز بشكل يومي عبر البطاقة الذكية».
ويرى خبراء اقتصاديون لـ«الشرق الأوسط» فضلوا عدم ذكر أسمائهم، أن قرار الحكومة المتعلق بالخبز ليس سببه كما «تزعم ترشيد الاستهلاك بقدر ما هو نقص في مادة الدقيق كباقي المستلزمات المعيشية للسوريين وعجز الحكومة عن تأمينها في ظل العقوبات المفروضة على سوريا وتفاقم هذا العجز مع انعدام حركة الشحن التي فرضها تفشي وباء كورونا».

- أسعار أغلى من العالمية
ويلفت أحد هؤلاء الخبراء إلى «احتمال أن يكون هذ القرار تمهيدا لرفع الدعم نهائيا عن مادة الخبر»، مشيرا إلى أن «سيناريوهات مشابهة حصلت إزاء مواد كانت مدعومة مثل الغاز والبنزين والمازوت، إذ انقطت تلك المواد ومن ثم توافرت بكميات قليلة مع رفع أسعارها لتصل إلى أغلى مما هي عليه في السوق العالمية، علما بأن أسعار بعض المواد الغذائية في الأسواق السورية حاليا تفوق ثلاثة أضعاف ما هي عليه في الأسواق العالمية. إذ أن كيلو السكر بالسوق العالمية أقل من 20 سنتا أي يساوي 220 ليرة سورية بينما في السوق السورية حاليا بـ600 ليرة!».
ومما يعزز التكهنات بنية الحكومة رفع الدعم عن «الخبز»، نقل مواقع إلكترونية خلال الأسبوع الجاري عن مسؤول في محافظة دمشق، أن الحكومة تدرس رفع أسعار «الخبز السياحي» والكعك وخبز الصمون، على أن تصدر التسعيرة الجديدة الأسبوع المقبل. وبرر المسؤول ما ستقدم عليه الحكومة بـ«الارتفاع الكبير في كلف الإنتاج»، مشيرا إلى أن التسعيرة السابقة صدرت عندما كان سعر الطحين 150 ليرة بينما اليوم سعره أكثر من 350 ليرة، إضافة لارتفاع سعر الزيت والمحسنات.
وشهدت أسعار «الخبز السياحي» ارتفاعاً خياليا خلال الفترة الماضية ليصل سعر الكيلو إلى 750 ليرة، بينما وصل سعر كيلو الكعك إلى 1400 ليرة، أما خبز الصمون (باغيت) فبلغ سعر الكيلو منه نحو 700 ليرة، علما بأن سعر كيلو «الخبز السياحي» في آخر تسعيرة حكومية يبلغ 350 ليرة، والكعك بالسمسم بـ850 ليرة، وبدون سمسم 800 ليرة، والصمون الطري 400 ليرة والقاسي 450.
وقبل 2011 كانت سوريا تنتج أربعة ملايين طن من القمح في العام، وكان بإمكانها تصدير 1.5 مليون طن، في وقت قدر تقرير أممي، إنتاج القمح فيها العام الماضي بنحو 1.2 مليون طن، وهو أدنى مستوى منذ 29 عاما، وسط معلومات أنها تسلمت منه نحو 500 ألف طن فقط، وأن يتراجع الإنتاج أكثر هذا العام.
وكانت محافظات الجزيرة (الحسكة، ودير الزور، والرقة) التي تسيطر على معظمها «قوات سوريا الديمقراطية»، إضافة إلى حلب، تشكل الخزّان الاستراتيجي للقمح لأكثر من 23 مليون سوري.
وفي العام الماضي أبدت الحكومة استعدادها لشراء كل القمح الذي يقدم لها عبر مراكز الشراء والتجميع، بينما أعلنت الأمم المتحدة أن هناك 13 مليون شخص من السكان في سوريا يحتاجون إلى مساعدات إنسانية.
وبينما يقوم عدد من المزارعين في المناطق الخاضعة لسيطرة «قوات سوريا الديمقراطية» ببيع محاصيل القمح لـ«الإدارة الذاتية»، يقوم مزارعون في مناطق الفصائل المسلحة المدعومة من تركيا ببيع القمح لمراكز تابعة للحكومة المؤقتة المدعومة من تركيا.
وخلال الصيف الماضي، اندلعت حرائق غامضة في الأراضي المزروعة بمحصول القمح سواء الأراضي الواقعة تحت سيطرة الحكومة أو «الإدارة الذاتية» أو مناطق الفصائل المسلحة المدعومة من تركيا، مع تبادل تلك الأطراف الاتهامات بالوقوف وراء تلك الحرائق.
وتحتاج المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة ما بين مليون ومليون ونصف طن سنوياً لسد احتياجاتها من مادة الطحين، ولذلك تقوم «المؤسسة العامة لتجارة وتصنيع الحبوب» التابعة للحكومة منذ اندلاع الحرب في البلاد بطرح مناقصات عالمية للشراء.
وكشفت مصادر تجارية غربية الأسبوع الماضي عن أن «المؤسسة العامة لتجارة وتخزين وتصنيع الحبوب» في سوريا طرحت مناقصة جديدة لشراء 200 ألف طن من قمح اللين لتصنيع الخبز للتوريد من روسيا وحدها.
كما أفادت المؤسسة بتلقي البلاد 25 ألف طن من القمح الروسي كمساعدات عبر ميناء اللاذقية، وقالت في بيان: «وصلت إلى مرفأ اللاذقية باخرة محملة بخمسة وعشرين ألف طن من القمح الطري كمساعدة من روسيا إلى الشعب السوري».


مقالات ذات صلة

دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى

علوم عاملون مختبريون يفحصون عينات فيروس «كوفيد» ميدانياً

دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى

الفيروسات تتطور بشكل عادي لدى الحيوانات، إلا أنها تتطور بشكل جذري عند إصابتها الإنسان.

كارل زيمر (نيويورك)
صحتك اللقاح يُعطى عن طريق الأنف عبر رذاذ أنفي (أرشيف - أ.ب)

لقاح أنفي قد يحمي من «كورونا» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي في آنٍ واحد

طوَّر باحثون أميركيون لقاحاً جديداً قادراً على الوقاية من عدة فيروسات في آنٍ واحد، بما في ذلك «كوفيد-19» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

التطعيم يحمي الأم ووليدها

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)
صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

تدهور الخدمات الصحية يفاقم معاناة المرضى في صنعاء

إغلاق البوابة الرئيسية لقسم الطوارئ في «مستشفى الكويت» بصنعاء (فيسبوك)
إغلاق البوابة الرئيسية لقسم الطوارئ في «مستشفى الكويت» بصنعاء (فيسبوك)
TT

تدهور الخدمات الصحية يفاقم معاناة المرضى في صنعاء

إغلاق البوابة الرئيسية لقسم الطوارئ في «مستشفى الكويت» بصنعاء (فيسبوك)
إغلاق البوابة الرئيسية لقسم الطوارئ في «مستشفى الكويت» بصنعاء (فيسبوك)

يشكو مرضى وذووهم في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء من تدهور غير مسبوق في الخدمات الصحية داخل المستشفيات الحكومية الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، بالتوازي مع نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية وارتفاع تكاليف العلاج، وتعطل بعض الأجهزة الحيوية، الأمر الذي فاقم من أعبائهم المالية في ظل تدهور أوضاعهم الاقتصادية والمعيشية.

ويقول مرضى ومرافقون تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» إن المستشفيات الحكومية التي كانت تُعد سابقاً الملاذ الأخير للفئات الفقيرة، أصبحت اليوم عاجزة عن تقديم الحد الأدنى من الرعاية الصحية، الأمر الذي يدفع كثيراً من المرضى إلى البحث عن العلاج في المستشفيات الخاصة، رغم أن تكاليفها تتجاوز قدرتهم المالية المحدودة.

وتشهد أقسام الطوارئ في عدد من المستشفيات الرئيسية في صنعاء ازدحاماً شديداً، من بينها مستشفيات «الثورة» و«الجمهوري» و«الكويت» و«السبعين» و«المستشفى العسكري»، في ظل نقص ملحوظ في الكوادر الطبية، وتعطل كثير من الأجهزة التشخيصية والعلاجية.

معدات طبية معطلة في مستشفى حكومي خاضع للحوثيين بصنعاء (فيسبوك)

ويؤكد سكان أن هذا الواقع يؤدي في كثير من الحالات إلى تأخر تقديم الرعاية للحالات الطارئة والحرجة؛ خصوصاً في ظل الضغط الكبير على هذه المرافق التي تستقبل يومياً أعداداً متزايدة من المرضى القادمين من العاصمة ومناطق ريفية مجاورة.

وبسبب نقص الأدوية والمستلزمات الطبية داخل المستشفيات، يضطر كثير من المرضى إلى شراء المحاليل والعلاجات وحتى بعض المستلزمات الطبية من الصيدليات الخارجية، وهو ما يزيد من معاناتهم المالية في ظل أوضاع اقتصادية متدهورة، وانقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين الحكوميين منذ سنوات.

أزمات متعددة

ويتحدث عاملون في القطاع الصحي في صنعاء عن تحديات كبيرة تواجه معظم المستشفيات الحكومية، من أبرزها: نقص التمويل، وانقطاع رواتب العاملين الصحيين منذ سنوات، إلى جانب محدودية الإمدادات الطبية، وتراجع الدعم المقدم للقطاع الصحي.

ويقول هؤلاء العاملون إن سنوات الصراع والانقسام السياسي والحرب المستمرة أدت إلى إنهاك المنظومة الصحية بشكل كبير، وهو ما انعكس مباشرة على مستوى الخدمات الطبية المقدمة للسكان.

كما يشيرون إلى أن مستشفيات كثيرة تعاني نقصاً في الأطباء المتخصصين والكوادر التمريضية، في وقت تزداد فيه أعداد المرضى الذين يقصدون هذه المرافق بحثاً عن العلاج.

«مستشفى الشرطة» الخاضع للجماعة الحوثية في صنعاء (فيسبوك)

ويؤكد «محمد. ع»، وهو مريض قلب في صنعاء، أنه اضطر إلى الانتظار ساعات طويلة في قسم الطوارئ في «المستشفى الجمهوري»، قبل أن يتمكن من مقابلة طبيب.

وقال إن الدواء الذي وصفه له الطبيب لم يكن متوفراً داخل المستشفى، ما اضطره إلى شرائه من صيدلية خارجية بأسعار مرتفعة؛ مشيراً إلى أن المشكلة لا تقتصر على نقص الأدوية فحسب؛ بل تمتد أيضاً إلى نقص الأطباء المتخصصين.

ولا يختلف الحال بالنسبة إلى «أم سمير»، وهي والدة لطفل يعاني التهاباً رئوياً؛ إذ تقول إن معاناتها بدأت منذ لحظة وصولها إلى «مستشفى الثورة» قادمة من إحدى مناطق ريف صنعاء.

وأوضحت أن إدارة المستشفى أخبرتها أن بعض الأجهزة الطبية معطَّلة، وأن عليها إجراء الفحوصات في مركز خاص خارج المستشفى، وهو ما يمثل عبئاً مالياً كبيراً بالنسبة إلى أسرة بالكاد تستطيع توفير تكاليف المواصلات.

تجمع لمرضى يمنيين وذويهم في باحة أحد المستشفيات الحكومية بصنعاء (فيسبوك)

كما يروي «خالد»، وهو اسم مستعار لموظف حكومي في صنعاء، تجربة مشابهة بعد نقله والده المسن إلى «مستشفى الكويت» بسبب مضاعفات مرض السكري.

وقال إن الأسرة الطبية أخبرته بعدم توفر أسرَّة شاغرة، وأن معظمها مخصص لحالات أخرى، ما اضطر الأسرة إلى نقل والده إلى مستشفى خاص رغم تكاليف العلاج المرتفعة.

تحذيرات أممية

في ظل هذه الظروف، يحذِّر مختصون في القطاع الطبي من أن استمرار تدهور الخدمات الصحية قد يؤدي إلى تفاقم معاناة آلاف المرضى؛ خصوصاً المصابين بالأمراض المزمنة والنساء الحوامل والأطفال، الذين يعتمدون بشكل أساسي على المستشفيات الحكومية للحصول على الرعاية الطبية.

ويتهم ناشطون يمنيون الجماعة الحوثية بفرض قيود على الحصول على الخدمات الصحية داخل بعض المرافق الحكومية، مؤكدين أن هذه الخدمات باتت في كثير من الحالات خاضعة لمعايير الولاء والانتماء.

حملات تعسف حوثية تستهدف عيادات خدمات صحية (إكس)

ويطالب هؤلاء الجهات المعنية والمنظمات الإنسانية الدولية بتكثيف الدعم للقطاع الصحي في اليمن، وضمان وصول الأدوية والمستلزمات الطبية إلى المستشفيات، بما يسهم في تخفيف معاناة المرضى وضمان حصولهم على الرعاية الصحية الأساسية.

وتأتي هذه التحذيرات بالتوازي مع تنبيه صادر عن المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة، التي حذَّرت من احتمال إغلاق مئات المرافق الصحية في اليمن خلال عام 2026، بسبب العجز الحاد في التمويل.

وأوضحت المنظمة أن نحو 453 مرفقاً صحياً مهدد بالتوقف عن العمل إذا استمر نقص الدعم المالي، مشيرة إلى أن نحو 60 في المائة فقط من المرافق الصحية في البلاد تعمل حالياً بكامل طاقتها.

وأكدت المنظمة أن تراجع التمويل المخصص للقطاع الصحي قد يضع ملايين اليمنيين أمام مخاطر صحية متزايدة، في بلد يعاني بالفعل من واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

وشددت على أن توفير الرعاية الصحية الأساسية يعد أحد أهم عوامل الاستقرار المجتمعي، محذِّرة من أن انهيار مزيد من المرافق الصحية قد يؤدي إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية والصحية في اليمن خلال الفترة المقبلة.


إجراءات يمنية لتوحيد التشكيلات الأمنية وتعزيز القرار الإداري

لجنة هيكلة ودمج التشكيلات الأمنية اليمنية تواصل أعمالها في عدن (إعلام حكومي)
لجنة هيكلة ودمج التشكيلات الأمنية اليمنية تواصل أعمالها في عدن (إعلام حكومي)
TT

إجراءات يمنية لتوحيد التشكيلات الأمنية وتعزيز القرار الإداري

لجنة هيكلة ودمج التشكيلات الأمنية اليمنية تواصل أعمالها في عدن (إعلام حكومي)
لجنة هيكلة ودمج التشكيلات الأمنية اليمنية تواصل أعمالها في عدن (إعلام حكومي)

تسير الحكومة اليمنية في مسار إعادة تنظيم مؤسساتها الأمنية والعسكرية، في إطار جهود أوسع لتعزيز وحدة القرار السياسي والأمني بعد سنوات من التعدد والانقسام اللذين رافقا ظروف الصراع والحرب مع الجماعة الحوثية.

وفي هذا السياق أقرت اللجنة العليا المكلفة بحصر ودمج التشكيلات الأمنية الترتيبات الإدارية والتنظيمية المرتبطة بحصر القوى البشرية وهيكلة الوحدات الأمنية، تمهيداً لدمجها ضمن قوام وزارة الداخلية.

وتأتي هذه الخطوات بالتوازي مع صدور قرارات رئاسية بتعيين ثلاثة محافظين في محافظات لحج وأبين والضالع، في خطوة قالت مصادر حكومية إنها تهدف إلى تعزيز وحدة القرار الإداري والسياسي في المحافظات المحررة، وإعادة ترتيب المؤسسات المحلية بما ينسجم مع مسار إصلاح الدولة وإعادة بناء مؤسساتها.

وعقدت اللجنة الإدارية العليا المكلفة بحصر وتنظيم وتقييم الموارد البشرية في وزارة الداخلية اجتماعاً جديداً في ديوان الوزارة بالعاصمة المؤقتة عدن، برئاسة قائد قوات الأمن الخاصة اللواء عبد السلام الجمالي، وبحضور عدد من القيادات الأمنية وفي مقدمتهم وكيل وزارة الداخلية لقطاع الموارد البشرية والمالية اللواء قائد عاطف.

إجراءات دمج التشكيلات الأمنية اليمنية تتوازى مع دمج الوحدات العسكرية (إعلام حكومي)

ووفق ما أورده الإعلام الأمني، ناقش الاجتماع الترتيبات الإدارية والتنظيمية المتعلقة بعملية حصر وهيكلة القوام البشري للتشكيلات والوحدات الأمنية العاملة في المناطق المحررة، تمهيداً لدمجها ضمن القوام الرسمي لوزارة الداخلية، بما يسهم في توحيد البنية التنظيمية للمؤسسة الأمنية وتعزيز فاعلية العمل المؤسسي.

واستعرضت اللجنة خلال الاجتماع جملة من القضايا المرتبطة بمهامها، وفي مقدمتها الجهود الرامية إلى تطوير الأداء المؤسسي وتعزيز كفاءة العمل الأمني والإداري، بما يسهم في رفع مستوى الانضباط وتفعيل العمل المؤسسي داخل الوزارة.

كما ناقشت السبل الكفيلة بتحسين الأداء الوظيفي وتنمية الموارد البشرية في مختلف القطاعات الأمنية، وصولاً إلى بناء مؤسسات أمنية أكثر تنظيماً وانضباطاً قادرة على تنفيذ مهامها الأمنية بكفاءة وفاعلية.

وبحسب المصادر الرسمية، فإن عملية الهيكلة تستهدف معالجة الاختلالات التي نشأت خلال سنوات الحرب، حين ظهرت تشكيلات أمنية متعددة في المحافظات المحررة، الأمر الذي انعكس على وحدة القرار الأمني والإداري داخل المؤسسة الأمنية.

وفي هذا الإطار، أكد المشاركون في الاجتماع أهمية تنفيذ مهام اللجنة بروح الفريق الواحد، والالتزام بالمعايير المهنية الدقيقة في عمليات الحصر والتقييم، بما يضمن الاستفادة المثلى من الكفاءات والطاقات البشرية العاملة في الأجهزة الأمنية.

قاعدة بيانات حديثة

ناقشت اللجنة كذلك آليات إنشاء قاعدة بيانات حديثة ومتكاملة للموارد البشرية في وزارة الداخلية، بما يساعد على تنظيم معلومات الكوادر الأمنية والعاملين في مختلف التشكيلات، ويسهم في تحسين إدارة الموارد البشرية.

وتهدف هذه الخطوة إلى دعم عملية اتخاذ القرار داخل الوزارة، من خلال توفير بيانات دقيقة حول توزيع القوى البشرية، ومستوى التأهيل والتخصص، بما يسمح بإعادة توزيع الكوادر وفق الاحتياجات الفعلية للوحدات الأمنية.

وحضر الاجتماع أيضاً مدير عام شؤون الضباط في وزارة الداخلية العميد عبده الصبيحي، ومدير عام شؤون الأفراد العميد خالد مقيلب، حيث ناقشوا مضامين قرار تشكيل اللجنة والمهام المناطة بها، وفي مقدمتها حصر وتنظيم وتقييم الموارد البشرية في التشكيلات الأمنية التي تمارس العمل الأمني على أرض الواقع في المناطق المحررة.

وأكدت النقاشات ضرورة الالتزام بخطة زمنية واضحة لتنفيذ مهام اللجنة، مع إعداد تقارير دورية تتضمن نتائج عمليات الحصر والتقييم والتوصيات اللازمة لمعالجة أي اختلالات محتملة في هيكل الموارد البشرية داخل الوزارة.

كما أصدرت اللجنة عدداً من التعليمات التنظيمية والإجراءات الإدارية التي تهدف إلى تسهيل أعمالها خلال المراحل المقبلة، بما يضمن استكمال عمليات الحصر والتدقيق وفق المعايير المعتمدة.

تعيينات محلية

بالتوازي مع هذه الإجراءات المؤسسية، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي قرارات بتعيين محافظين جدد لثلاث محافظات هي لحج وأبين والضالع، في إطار مساعي تعزيز وحدة القرار الإداري والسياسي في المحافظات المحررة.

ونصت القرارات على تعيين وزير النقل السابق والقيادي في الحزب الاشتراكي مراد الحالمي محافظاً لمحافظة لحج، كما جرى تعيين وكيل وزارة الأوقاف مختار الميسري محافظاً لمحافظة أبين.

وفي محافظة الضالع، تم تعيين العميد أحمد القبة محافظاً للمحافظة وقائداً لمحورها العسكري وقائداً لقوات الأمن الوطني فيها، مع ترقيته إلى رتبة لواء.

قائد المواجهة مع الحوثيين عُيّن محافظاً للضالع وقائداً لمحورها العسكري (إعلام محلي)

وتشير المصادر الحكومية إلى أن هذه القرارات تأتي في سياق إعادة ترتيب الإدارة المحلية وتعزيز التنسيق بين المؤسسات المدنية والعسكرية والأمنية، بما يساهم في توحيد القرار في المحافظات المحررة.

وكانت المحافظات المحررة قد شهدت خلال السنوات الماضية ظهور تشكيلات أمنية وعسكرية متعددة نتيجة ظروف الصراع، الأمر الذي ألقى بظلاله على وحدة القرار السياسي والعسكري والأمني.

وبعد تعثر محاولات سابقة لتوحيد هذه التشكيلات، تم تشكيل لجنتين حكوميتين؛ الأولى تتولى مهمة دمج وهيكلة التشكيلات العسكرية ضمن قوام وزارة الدفاع، والثانية معنية بحصر وهيكلة التشكيلات الأمنية ودمجها في إطار وزارة الداخلية.

وتجري هذه العملية تحت إشراف قيادة القوات المشتركة لتحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، في إطار مساعٍ أوسع لإعادة بناء مؤسسات الدولة اليمنية وتعزيز قدرتها على إدارة الملفين الأمني والعسكري بصورة أكثر تنظيماً وفاعلية.


السعودية وكندا تناقشان جهود حفظ أمن المنطقة

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)
وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)
TT

السعودية وكندا تناقشان جهود حفظ أمن المنطقة

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)
وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)

ناقش الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، خلال اتصالٍ هاتفي مع نظيرته الكندية أنيتا أناند، الجمعة، مستجدات التصعيد في المنطقة، والجهود المبذولة للحفاظ على الأمن والاستقرار.

من جانب آخر، بحث وزير الخارجية السعودي، في اتصالٍ هاتفي تلقاه من نظيره الكوري الجنوبي جو هيون، تطورات التصعيد في الشرق الأوسط، والموضوعات ذات الاهتمام المشترك.

إلى ذلك، أشاد سفراء الدول الأوروبية في الرياض بالجهود التي تبذلها السعودية لصون الأمن والاستقرار بالمنطقة، والحفاظ على أمن أراضي المملكة، والتصدي بكفاءة لكل الهجمات الإيرانية السافرة.

أوضح الاجتماع موقف السعودية تجاه الأحداث الجارية وتطوراتها (واس)

وأوضح اجتماع عقده المهندس وليد الخريجي نائب وزير الخارجية السعودي مع سفراء الدول الأوروبية، في الرياض، مساء الخميس، موقف المملكة تجاه الأحداث الجارية وتطوراتها.

وجدَّد السفراء خلال الاجتماع إدانة بلدانهم للاعتداءات الإيرانية الغاشمة على السعودية ودول الخليج، وأخرى عربية وإسلامية، مُعربين عن تقديرهم للمساعدة التي قدمتها المملكة لإجلاء مواطنيهم وتسهيل عودتهم إلى بلدانهم.

حضر الاجتماع من الجانب السعودي، السفير الدكتور سعود الساطي وكيل وزارة الخارجية للشؤون السياسية، والسفير عبد الرحمن الأحمد مدير عام الإدارة العامة للدول الأوروبية.