ترجمة روايات إلى العربية أكثر من مرة يعكس عشوائية وفوضى وأزمة نشر

أرجعوها إلى افتقاد الوعي الثقافي وغياب بنك المعلومات الخاص بها

ترجمة روايات إلى العربية أكثر من مرة يعكس عشوائية وفوضى وأزمة نشر
TT

ترجمة روايات إلى العربية أكثر من مرة يعكس عشوائية وفوضى وأزمة نشر

ترجمة روايات إلى العربية أكثر من مرة يعكس عشوائية وفوضى وأزمة نشر

ما الدوافع وراء ترجمة بعض الأعمال الروائية الأجنبية إلى العربية أكثر من مرة، من قبل مترجمين متعددين، خصوصا في حال فوز كتاب هذه الروايات بجوائز عالمية؟ هل يتعلق الأمر بسوق النشر، أم يعكس أزمة ثقة في الترجمة نفسها والمترجمين أيضا؟ أم يشير إلى افتقاد عالمنا العربي مؤسسات أكاديمية ومعاهد متخصصة، تتعامل مع الترجمة كعلم وفن، لها دورها الحيوي في تطوير الفكر والمعرفة الإنسانية، وجذب القارئ للنص المترجم بمتعة خاصة.
«الشرق الأوسط» استطلعت آراء نخبة ممن لهم باع في الترجمة، في محاولة لسبر أغوار هذه الفجوة الشائكة بين المترجم والنص الذي يقوم بترجمته، والقارئ المثقف المتلقي له، والبحث عن وشائج صحية لهذه العلاقة.
يقول الشاعر والمترجم محمد عيد إبراهيم: «الترجمة من جديد، سؤال مهم للثقافة العربية. فهناك كتب تتم ترجمتها مرتين أو أكثر، في حين توجد كتب أخرى لم يلتفت إليها أحد. وهذه مسألة شائكة، إذ لم يكن هذا شائعًا في النصف الأول من القرن العشرين، ولا في معظم نصفه الثاني، لأن المهم كان ترجمة الكتب أولاً بأول. مثلاً دار (الكاتب المصري) التي كان يديرها طه حسين كانت تترجم الأدب الفرنسي بالتزامن مع دار (غاليمار)، فيصدر الكتاب باللغتين في وقت واحد. وهي خطوة حضارية بالغة الأهمية. وفي الستينات راحت هيئة الكتاب تصدر سلسلة (الألف كتاب) التي أخرجت تنويعة هائلة للثقافة الأجنبية، وغيرها».
ويوجه محمد عيد سهام النقد إلى الدولة، مشيرا إلى أنها «بعدما تخلت عن دورها إلى حدّ ما، راحت مشروعات الترجمة في طريق فردي، حيث صار لكلّ مترجم ذائقة، من دون خطّة عامة تختار وتسعى إلى تقديم المميز والخطير في تلك الثقافات المختلفة إلى القارئ العربيّ. لكن علينا أن لا نغفل طبعًا، الدور الكبير الذي تقوم به مؤسسات عربية كبيرة، كالمنظمة العربية للترجمة، والمركز القومي للترجمة أحيانا، وسلسلة الجوائز في هيئة الكتاب، و(عالم المعرفة) في الكويت، ومركز (كلمة) في أبوظبي وغيرها».
ويرى صاحب الترجمة الشيقة لقصيدة النثر الأميركية «مقدمة لقصيدة النثر - أنماط ونماذج» أن للترجمة المتعددة للكتاب الواحد مساوئ كثيرة، لافتا إلى أن هناك دُور نشر «تتاجر في كتب المشاهير، وخصوصا من يفوز بجائزة كبرى، حتى لو صدرت من قبل. ويتابع: «حكاية الترجمة في مصر والبلاد العربية لا تزال بحاجة إلى رؤى منظمة، وخبرات محنكة في توجيه المترجمين إلى المزيد، مما لم يُترجم من قبل. فنحن في مسيس الحاجة إلى نواحٍ مختلفة وحداثية لم نتعرف عليها. وهناك نواحٍ علمية لا يقترب منها أحد أو على استحياء، كالفنون الجميلة مثلاً، عدا العلوم الأخرى المنتشرة التي تحتاج إلى جهود مترجمينا، مثل نصوص الحداثة وما بعدها... إلخ».
أما الكاتبة الروائية سهير المصادفة، المسؤولة عن ترجمة «سلسلة الجوائز»، المعنية أساسا بترجمة الروايات العالمية الفائزة بجوائز إلى العربية، وهي واحدة من أهم إصدارات الهيئة المصرية العامة للكتاب، فتؤكد أن العالم العربي يفتقر إلى ببلوغرافيا وحصر شامل لإنجازات الترجمة بشكل عام، منذ أوائل القرن العشرين وحتى الآن، بهدف ترتيب المكتبة العربية، وإعادة تنقيح وطبع الكتب التي نفدت، وشراء حقوق الملكية الفكرية لمن يستحق من الرواد.
وبنبرة أسى، تقول صاحبة رواية «لهو الأبالسة»: «لقد بُحَّت أصواتنا في التأكيد على أن العالم العربي يعجز، حتى الآن، عن تكوين بنك معلومات للترجمة، وهو عمل مؤسسي ضخم. كذلك نحتاج إلى نشر خطط الترجمة المستقبلية لإعادة نشر هذه الكنوز، لتكون خطوة على درب التنسيق الذي تفتقر إليه المؤسسات المعنية بالترجمة عند ترجمتها للأدب والفكر المعاصر، مما أدى إلى مزيد من العشوائية، وتبديد جهود المترجمين المحترفين الذين هم، في الأصل، قلة قليلة في العالم العربي».
وحول طبيعة المترجم في العالم العربي، تقول المصادفة: «المترجم لا يعرف ماذا يترجم زميله في هذه اللحظة، ومن ثم نجد العنوان الواحد بترجمات مختلفة، كما أن هناك بعض المترجمين الذين حققوا أسماء لامعة في مجال الترجمة، وتطلبهم دُور النشر بالاسم لإعادة ترجمة العمل المترجم نفسه منذ أشهر أو سنوات.
وتطرح المصادقة، في ختام حديثها، سؤالا مهما قائلة: «إننا نجد ترجمة أفضل من ترجمات أخرى عدة. لكن لماذا لم يحدد الناشر بأنها ستكون الأفضل قبل النشر وتبديد الجهد والمال؟ أظن أن غياب الرؤية الاستراتيجية للنهوض بالترجمة في العالم العربي مسؤول مسؤولية كاملة عن تدني معدلات الترجمة الناجمة عن عشوائية الإنجاز».
أما الشاعر والكاتب المترجم طاهر البربري فيؤكد أن فوضى الترجمة لا تنفصل عن حالة الفوضى الحادثة في الثقافة العربية. ويقول: «لا أعتقد أن هناك دوافع منهجية لها علاقة أصيلة بالعمل في حقل ترجمة النصوص الأدبية، تفضي إلى ترجمة عمل أدبي من لغته الأم / المصدر إلى لغة أخرى أكثر من مرة سوى حالة العبث والفوضى التي تعيش في مغبتها ثقافة مثل الثقافة العربية. هناك وهم كبير مرتبط بالجوائز الأدبية في مجال الرواية، إضافة إلى عقدة نقص ضاربة بجذورها في ثقافتنا، تجعلنا نتعامل بكثير من الإكبار والإجلال مع أي جائزة أجنبية، ومن ثم تصيبنا على الفور حمى نقلها إلى العربية في محاولة تجارية، أظنها فاشلة، لتحقيق بعض الربح المالي».
وينتقد البربري غياب خطط التنسيق والربط بين دُور النشر العربية، لافتا إلى أن الأمر لا يتعلق فقط بالروايات الأجنبية الحائزة على جوائز، بل ويتجاوز هذا إلى أعمال شعرية وفكرية وكتابات مرجعية كبيرة. لا يوجد تنسيق بين مؤسسات النشر العربية، ولا توجد خطط طموحة أو غير طموحة، مشيرا إلى أن مشروع «كلمة» بدولة الإمارات يعمل في واد، ومؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم في واد آخر، والأمر ذاته ينطبق على المركز القومي للترجمة بمصر، بالإضافة إلى عشرات دُور النشر الخاصة على مستوى العالم العربي،
ويخلص البربري، الذي ينادي بنقابة خاصة للمترجمين إلى القول: «نحن باختصار ثقافة تحترف المتاجرة في الخسران بلا شك. عملنا في حقل الترجمة للأسف ما زلت أراه ممارسة فردية، لا تخلو من نوازع مغرضة لتسليط الضوء على ظواهر أو شخصيات ذات حضور سياسي أو أدبي معين، ولا علاقة لها بمتطلبات بناء واقع ثقافي محترم ومحايد يدعم الحضور المعرفي ويجعله مقدما على العبث الدعائي، الذي تديره بسفه، مؤسساتنا ومشروعاتنا الثقافية. الكارثة الأكبر ترتبط بشدة بأقسام تدريس اللغات في العالم العربي، وما ينبثق عنها لا علاقة له، من قريب أو بعيد، بفكرة الترجمة أو التلاقح بين الثقافات وعمليات الفرز التي يسفر عنها نشاط الترجمة».
وحول أهمية إعادة الترجمة الأدبية، كحافز لتنشيط آليات التفكير، على المستوى الأكاديمي العلمي والفني، تقول الكاتبة والمترجمة الدكتورة نجوى السودة: «يمكن أن نقترب من النص الأدبي من خلال محورين مختلفين: وجهة نظر الكاتب الذي قدم النص، ووجهة نظر القارئ، المثقف، والناقد الذي يحاول أن يرسم وجهة نظره حول النص».
وتستدرك السودة متسائلة: «لكن ما الذي يدفع المترجم، روحيا وسياسيا، إلى ترجمة ذلك الكتاب أو الرواية؟ وتجيب مؤكدة أنه يندرج تحت هذه النقطة أيضا أن ندرك أهمية ترجمة أدب اللغات الأوسع انتشارا وقراءة في العالم التي يثار جدل حولها، كالإنجليزية مثلا، ولماذا تحتل مكان الصدارة كلغة مقروءة ومترجمة تصل إلى كم لا يعد من القراء، ولذا يعاد ترجمة النصوص من اللغة الأم إليها فيفقد النص الكثير من روحه وخصوصيته، ولا يجد كثير من القراء إلا أن يجاروا الناشرين وعامة القراء».
وتؤكد السودة أن اللغة الإنجليزية تفتح الباب على مصراعيه لدور النشر الأجنبية، لتنشر ما تود تبعا لأهداف تدخل فيها السياسة العالمية في بعض الأحيان، وتتقلص بالتبعية أدوار اللغات الأقل انتشارا. وتشير هنا إلى أهمية الدور الذي لعبته اللغة العربية وقت الغزو العربي لإسبانيا، وكيف تضاءل حجمها كثيرا. وتذكر أن الإسبان كانوا وقت الغزو يطلبون اللغة العربية كي يتعاملوا بها ويقرؤوا بها ويدرسوا أيضا. وتضيف: «منذ القرن الثامن إلى القرن الثاني عشر صارت العربية هي اللغة العلمية للإنسانية. وخلال تلك الحقبة كان كل من ابتغى أن يتقدم في العالم، ويصبح ماهرا ورجلا مثقفا، يدرس اللغة العربية، تماما كما هو حال اللغة الإنجليزية في وقتنا الحالي، حيث تفتح الباب للتقدم العلمي والفني للطموحين».



رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان
TT

رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان

يحتفظ الكاتب السويسري نيليو بيدرمان، البالغ من العمر 22 عاماً، بذكرياتٍ غريبةٍ عن زياراته لممتلكات عائلته القديمة في طفولته. فرغم نشأته في عائلةٍ متوسطة الحال في زيوريخ، فإن والده ينحدر من عائلةٍ أرستقراطيةٍ في المجر، كانت تبيع المجوهرات للعائلات المالكة في وقتٍ ما، لكن النظام الشيوعي صادر ممتلكاتها لاحقاً.

يتذكر بيدرمان في مقابلةٍ حديثةٍ قائلاً: «كنا نسافر دائماً إلى القلاع التي كانت ملكاً لنا»، واصفاً إياها بأنها «تشبه قلاع القصص الخيالية». وقد تحوّلت إحدى هذه الممتلكات إلى مصحةٍ للأمراض النفسية، وزُيّنت جدرانها بصورٍ لأجداده، يقول: «كان الناس هناك يعرفوننا، ولم أستطع التماهي مع ذلك». ساعدت هذه التجربة بيدرمان على البدء بكتابة روايته «لازار»، التي تدور أحداثها حول عائلة أرستقراطية، عندما كان لا يزال مراهقاً.

نُشرت الرواية في ألمانيا في سبتمبر (أيلول) الماضي، وحصدت سيلاً من الإشادات النقدية («ملحمية، مأساوية، ومؤلمة، عاصفة، حالمة، ورومانسية للغاية»، كما كتب أحد النقاد في صحيفة «زود دويتشه تسايتونغ»، إحدى أكبر الصحف اليومية في البلاد).

بقيت الرواية 29 أسبوعاً على قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في ألمانيا، محولةً مؤلفها الشاب (بشكل مثير للدهشة) إلى نجم أدبي بين ليلة وضحاها، وقورنت برواية «آل بودنبروك»، الملحمة العائلية لتوماس مان عام الصادرة عام 1901. وتنشر دار «ساميت بوكس» ​​ترجمتها باللغة الإنجليزية هذا اليوم، الثلاثاء.

كيف يكتب مراهق رواية تاريخية؟

منذ الخريف، بدت وسائل الإعلام الألمانية مهووسة بسؤال كيف يمكن لمراهق أن يكتب رواية تاريخية تقليدية واسعة النطاق. قال بيدرمان، وهو يحتسي شاي الأعشاب في مقهى وسط زيوريخ: «يتوقع معظم الناس أن يكون أول كتاب للشاب عن حياته... لكن حتى لو تجاهلنا سني، فقد وجد الناس أن أسلوب الكتاب ولغته قديما الطراز، وهذا أمر مثير للاهتمام».

ساعدت الواقعية السحرية بيدرمان على كشف خيوط القصة، يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع».

يتميز بيدرمان بتواضعه الشديد في حديثه، فهو طويل القامة، هادئ الطباع، ذو شارب خفيف وقصة شعر متدلية شائعة بين شباب جيل زد السويسريين. ويقول إنه بدأ كتابة الروايات عندما كان في الحجر الصحي خلال الجائحة، ونظمت مدرسته الثانوية مسابقة كتابة حول «نهايات العالم». فازت قصته القصيرة، التي تتناول شاباً يُفكّر بالانتحار، بالجائزة الكبرى وقيمتها 200 فرنك، أي ما يُعادل 250 دولاراً أميركياً تقريباً، و«كان مبلغاً كبيراً»، مُضيفاً أنه دفعه للتفكير في مشاريع كتابة روائية أكثر طموحاً.

وكما في رواية «آل بودنبروك»، تتناول رواية «لازار» أجيالاً مُتعددة من عائلة واحدة، عائلة فون لازار، التي تحمل الرواية اسمها، التي تُواجه أحداثاً مُضطربة في المجر بين عامي 1900 و1956. تبدأ الرواية في ضيعة ريفية، مع ولادة لايوش، وهو صبي ذو بشرة «شفافة»، لبارون يُدعى ساندور وزوجته ماريا. تنقلب حياتهم، إلى جانب حياة طفلي لايوش، بيستا وإيفا، رأساً على عقب بسبب الحربين العالميتين، وتفكك الإمبراطورية النمساوية المجرية، والقمع الشيوعي.

يتميز الكتاب بنطاقه التاريخي وطابعه الصوفي أحياناً - فبغض النظر عن بشرة لايوش الشفافة، تقع ضيعة العائلة بجوار غابة تبدو سحرية تبتلع أفراد العائلة. ويبدو أن أسلوبه يستحضر الأشباح، ما دفع القراء إلى مقارنته ليس فقط برواية «مارش راديتسكي» لجون مان وجوزيف روث، بل أيضاً برواية «مائة عام من العزلة» لغابرييل غارسيا ماركيز.

أتاحت عناصر الواقعية السحرية لبيدرمان حرية أكبر في تخييل أحداث حقيقية. يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع. شعرت بالذنب، لأنني كنت أتساءل عما إذا كان مسموحاً لي حتى بتغيير تاريخ العائلة»، ويضيف موضحاً أن النبرة الصوفية منحته المسافة اللازمة «للكتابة كما أريد».

ويعتزم توم تيكوير، مخرج فيلم «اركضي يا لولا اركضي»، المشارك في ابتكار المسلسل التلفزيوني «بابل برلين»، تحويل الرواية إلى فيلم. وفي بيان أعلن فيه عن هذا التحويل، وصفها بأنها «رواية تأخذنا في رحلة عبر تقلبات الحياة - والحب - وتجعلنا سعداء بطريقة مؤثرة، بشكل مثير للقلق في وقت ذاته».

في مقابلة، قال آدم سوبوتشينسكي، محرر قسم الأدب في صحيفة «دي تسايت» الألمانية، إن الضجة التي أثيرت حول الكتاب تعود جزئياً إلى التباين بين عمر بيدرمان و«اتساع نطاق الرواية وعمق منظورها التاريخي».

وأوضح أن روايات العائلة مثل «لازار» تحظى بشعبية خاصة في ألمانيا «بالتحديد لأن العديد من العائلات هنا، لأسباب مختلفة، تشتتت أو تورطت في الحرب». وأشار إلى أن الكتاب يتناول جزئياً فترتين لا تزالان محوريتين في الهوية الألمانية: النازية والستالينية.

* خدمة «نيويورك تايمز»


الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية
TT

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

عن مؤسسة «هِم» في ويلز، صدرت ترجمة عربية لكتاب «فلنَدَع شعوب العالم تغني» عن الويلزية. ويضم الكتاب قصائد مختارات من عدة مجموعات لمينا إلفين، وهي شاعرة وكاتبة مسرحية ويلزية حائزة على جوائز، تكتب باللغة الويلزية، وتُرجمت أعمالها إلى أكثر من ثماني عشرة لغة. نشرت أربعة عشر مجموعة شعرية، وروايات للأطفال، ونصوصاً أوبرالية لملحنين بريطانيين وأميركيين، بالإضافة إلى مسرحيات للتلفزيون والإذاعة. أحدث مجموعاتها ثنائية اللغة هي: «بوندو» (2017) و«مورمور» (2012)، الصادرتان عن دار «بلوداكس بوكس»، وقد اختيرت الأخيرة ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر في خريف 2012، لتكون بذلك أول مجموعة شعرية ويلزية مترجمة إلى الإنجليزية تُختار لهذا الغرض.

* حصلت على جائزة أنيما إنترانزا الدولية للشعر الأجنبي عام 2009، وعلى العديد من الجوائز، منها جائزة كتاب العام عن مجموعتها الشعرية «أديرين باخ ميون لاو» (عصفور في اليد) عام 1990، كما وصلت إلى القائمة النهائية للجائزة نفسها عن مجموعتها «قبلة الرجل الأعمى» (كوسان دين دال) عام 2001، واختيرت مختاراتها الشعرية التي شاركت في تحريرها مع جون رولاندز ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر عام 2003).

وبرزت مينا إلفين كواحدة من أكثر الشخصيات الأدبية الويلزية تميزاً وأهمية. وهي من الشخصيات البارزة. ويطرح عملها رؤية ثاقبة لقضايا الهوية واللغة والانتماء، تمثل مزيجاً نادراً من القومية اللغوية والاتزان الشعري، خالقةً شعراً يتردد صداه على المستويين الشخصي والسياسي.

لا تقتصر مكانة إلفين الشعرية في ويلز، بل لعبت أيضاً دوراً محورياً في الشعر البريطاني على نطاق أوسع.

وُلدت مينا إلفين في ويلز عام 1952، وهي أمة غنية بتقاليدها الشفوية وتاريخها العريق في التعبير الشعري. وتشكل الثقافة الويلزية، بتأكيدها العميق على الأغنية والشعر والحفاظ على الهوية من خلال اللغة، الركيزة الأساسية لأعمال إلفين الأدبية.

ومنذ نعومة أظفارها، انغمست إلفين في إيقاعات اللغة الويلزية وجمالها. وقد أثَّر هذا الأساس اللغوي في حياتها وشعرها. في شبابها، انخرطت في النضال من أجل تكريس اللغة الويلزية في الحياة العامة، والشعر بالنسبة لها ليس مجرد جمالية، بل هو فعل مقاومة وبقاء وتأكيد على الذات.

ترجمة القصائد إلى العربية روان سكر، ولارا متّى.

ضمت هذه المختارات 31 قصيدة اختيرت من مجموعات سابقة نشرتها دار «بلوداكس بوكس». وكتبت أصلاً باللغة الويلزية، ثم تُرجمت إلى الإنجليزية، وتتُرجم لأول مرة إلى العربية.

من الكتاب:

حلقات النمو

أبصر كيف يتفتح الأطفال

بعناية الأشجار

وكيف تتفشى الاستعارات

من البني والأخضر

الجذع مركب

يحملهم على التوهج

والفرع معبر

لاقتحام السفينة

بساط الثوم البري

بحر فوار، والقراّص

ينحشر في مبرد الريح

وبرحمة،

تنحني الأغصان لرتق التداعي

لتستلّ بلسماً لتكوي اللحاء

من التقرحات تسيل الدماء،

وفي تخطو الصبية

راغبة عن المرج

ترتد الاستعارات

إلى كينونة الأشجار

وفي المقابل

تفري العوارض بصيرتنا النافذة.


«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر
TT

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

في روايته «ترف الانكفاء» (دار الآداب - بيروت)، يقدّم الكاتب والروائي السعودي وائل هادي الحفظي بطله بوصفه نتاجاً لقوى متقاطعة؛ فهو ابن الصدمة المبكرة، والوعي المفرط، وعالمٍ تحكمه الكليشيهات، والرأسمالية المُتغوّلة.

منذ البداية، لا يضع الكاتب بطله في مسارٍ حكائي تقليدي، بل يقدّمه وقد اتخذ قراراً ثورياً بهجر عمله المكتبي، والاعتزال طوعاً داخل شقته التي لا تتجاوز تسعين متراً لمدة أسبوعٍ كامل، ليجد نفسه في مواجهة اختبارٍ شاقٍ لعلاقته بنفسه وبالعالم.

في هذا الفضاء المغلق، لا يتحرّك البطل عبر أحداث، بقدر ما يتحرّك داخل وعيه نفسه، وعلاقته بالأشياء والقيم، فيقرّر أن يتخلّى عن مُنبّهه الذي «يصرخ» كل صباحٍ، بالتوازي مع تخليه عن وظيفته المكتبية، في محاولةٍ للانسحاب من إيقاعٍ قسريٍ يشبه في بنيته «عجلة الهامستر»، حيث يصبح الركض شرطاً للبقاء، ويغدو التوقف عنه مجازفةً بالحياة.

وعبر ضمير المتكلم الذي يُلازم النص، يتكشف عالم هذا البطل المشحون ضد الخارج؛ إذ يحمل داخله رفضاً متراكماً يتحول إلى نفورٍ صامت يدفعه إلى الانسحاب داخل قوقعته. وهكذا لا يواجه العالم بالتصادم معه، بل بالابتعاد عنه، حين يقرّر ترك وظيفته الآمنة، باحثاً عن أخرى وراء شاشةٍ تكفل له الحد الأدنى من البقاء. غير أن هذا الانسحاب لا يخفّف وطأة التجربة، بل يزجّ به في اختباراتٍ أكثر صخباً مع ذاته.

يُطوّع الكاتب لغة السارد بوصفها أداةً لهذا الاختبار، في محاولةٍ لضبط إيقاع وعيه المتسارع، الذي يتحول إلى مختبرٍ لتصفية الأفكار وفق منطق فرزٍ حادٍ لا يخلو من غضبٍ، يميّز بين ما يستحق البقاء وما يمكن الاستغناء عنه. ويعكس عنوان الرواية هذا المنطق بدوره، حيث يتبدّى «الانكفاء» كتعبيرٍ مشحونٍ بحساسيةٍ شعرية، تماثل حركة بطلٍ يختار الانكفاء والاكتفاء على السواء، وهو يعيد تموضعه خارج العالم، نشداناً للخلاص عبر العزلة والكتابة.الإنسان المعاصر والحجري

يترك السرد للبطل سجيته عبر تداعٍ حرٍ طليق، وفي الوقت نفسه يتخذ من التلكؤ إيقاعاً يحاكي ضيق المكان الذي يضع فيه نفسه طواعية. في هذا التوتر بين الانسياب والبطء، تبدو حمولة البطل المعرفية عبئاً عليه، إذ تمرّ عبر وعيه مصطلحات مثل «الاحتراق الوظيفي»، الذي يُشخَّص به، محمّلةً بدلالاتها المجازية والنمطية، كواحدة من سجون اللغة المُعلّبة التي نتعاطى معها، أو تعبير «سيكولوجية الإنسان الحداثي»، بوصفه محاولةً لإعادة تسمية التجربة دون فهمها. في المقابل، يصك البطل لغته الخاصة، كما في تعبير «حداً ائتمانياً للتحمّل»، حيث تُفهم المشاعر عبر قاموسٍ اقتصادي، في إشارة إلى تغلغل منطق السوق حتى في إدراك الذات.

في هذا السياق، يُجادل البطل «ماسلو» وهرمه الشهير، متسائلاً عن معنى الاحتياجات الإنسانية، بينما يحاصر نفسه داخل شقته لمدة أسبوعٍ كاملٍ، مختبراً مفهوم الاحتياج ذاته لا بوصفه نظرية مُجردة بل تجربة معاشة.

ومن هنا، يمدّ النص خيطاً بين هذا الوعي بمنطق الاستهلاكية، وصراع الإنسان الأبدي مع البقاء، فيقول: «أظن أنني، عندما أقوم بهذا الفعل الاستهلاكي، لا أفرق كثيراً عن إنسان العصر الحجري»، ليضع الإنسان المعاصر والحجري في كفتي ميزان؛ فكما كان الأول يصطاد بدافع البقاء، يبدو البطل وكأنه يعيش داخل منظومة صيدٍ من نوعٍ آخر، لا يقوم به بل يُمارس عليه. يتجلّى ذلك عبر ومضاتٍ يومية: «تساءلت إن كان اليوتيوب يعرف عن آلام ظهري وحالتي النفسية أكثر مني؟»، حيث تتحوّل الخوارزميات إلى صيادٍ حديث، يلتقط الإشارات الدقيقة للاحتياج، ويعيد توجيهها في صورة منتجات، كأن البطل بانسحابه من العالم، يُحاكي إنسان الكهف، لكن في مفارقة لافتة؛ فبينما كان الأول يصطاد ليبقى، يحاول البطل أن ينجو من كونه هدفاً للصيد داخل منظومته المعاصرة.

ماكينة خياطة

يُطل بنا النص على طفولة البطل، فتتبدّل معها اللغة والنبرة؛ حيث يستعيد العالم عبر حواس طفلٍ في الثامنة؛ من خلال صوت ماكينة خياطة الأم، ورائحة السدر، وكوب اللبن الصباحي الذي يكشف غيابه ذات صباحٍ عن موت الأم، فيصير تدريباً أول على التماهي مع لغة الأشياء، فيقول: «ما أعرفه حقاً، أنا وآلة الخياطة، هو أن أمراً ما قد حدث»، بينما يتجلّى وراء صدمة الفقد منطق التعلّق لدى الطفل في أبسط صوره: «ما أعرفه أن الأطفال لا يستطيعون العيش بدون أمهاتهم».

لا يطرح النص هنا الفقد كحدث، بل باعتباره اختلالاً كاملاً في النظام، يكفي وحده لإعادة تشكيل العلاقة بالعالم في ضوء الاستسلام لمنطقها، حيث «الحياة لا تكترث لجاهزيتك» كما يقول البطل، الذي تبدو حياته ومنطقه في الاستغناء ردّ فعلٍ لذلك الاكتشاف المبكر.

وتكشف لغة السرد تشبّعه بمحاولات فهم حياته عبر نظرياتٍ كـ«أثر الفراشة» و«الدومينو»، حيث يكفي سقوطٌ واحدٌ حتى يتبعه كل شيءٍ، ليقوده هذا الإدراك إلى سخريةٍ واعية، ومحاولاتٍ للتكيّف مع عالمٍ محكومٍ بمنطق القسوة والسوق، تجعله «يفكر بجيبه».

لا يفقد النص، الذي يحتفظ بتداعيه الحر، خيطه الداخلي بل يعيد تشكيل إيقاعه تدريجياً مع بدء تواصل البطل مع طبيبة نفسية إلكترونياً، ومن خلال مجادلاته المتقطعة معها، تبدأ ملامح أعمق للبطل في التشكل، كاشفةً عن تصوراته للحب والحياة والفقد.

غير أن هذا الانفتاح لا يكسر الدائرة، بل يعمّقها؛ فمنذ تصدير الرواية ببيت المعري: «تعبٌ كلّها الحياة، فما أعجبُ إلا من راغبٍ في ازدياد»، يتبدّى البؤس بنية وجودية مستمرة، يُعاد إنتاجها داخل الوعي، فلا تخرج المشاعر عن مدارها، بل تعود إليه في كل مرة، حيث يتجاور الحزن مع ما يبدو نقيضه، ويصدران عن المصدر نفسه: «ولا نحزن إلا من حيث نسعد».

هكذا، لا يبدو الاستغناء في النص اختياراً بسيطاً بقدر ما ينكشف بوصفه «ترفاً» له تكلفته الباهظة، على نحو ما يُحيل إليه عنوان الرواية نفسه. فكما أن الانخراط في العالم له ثمنه، فإن الانسحاب منه لا يخلو من خسائر، وبين هذين الحدّين، لا يسعى السرد إلى تبرير هذا الاختيار بقدر ما يضعه موضع مساءلة: «فكم من الخسائر كان عليك أن تتجنب حتى تعيش؟».