رفعة الجادرجي... دخل الزخرفة الإسلامية من أبوابها الخلفية فانفتحت أمامه الآفاق

فيلسوف العمارة يغادر متاهته الإبداعية

رفعة الجادرجي
رفعة الجادرجي
TT

رفعة الجادرجي... دخل الزخرفة الإسلامية من أبوابها الخلفية فانفتحت أمامه الآفاق

رفعة الجادرجي
رفعة الجادرجي

عن عمر يناهز الرابعة والتسعين عاماً، غيّب الموت المهندس المعماري رفعة الجادرجي الذي اختطّ لنفسه بصمة خاصة يعرفها المتابعون لمنجزه المعماري، والمتأملون لتجربته الأدبية والفنية، وما جاورها من لمسات فكرية تتجلى في كتبه الأدبية والفنية على حدٍ سواء.
لا يمكن الحديث بعُجالة عن المنجز المعماري للراحل رفعة الجادرجي، لكننا سنكون مُضطرين لذلك بسبب ضيق المساحة، وطبيعة الموضوع الذي لا يخلو من نبرة رثائية، فغالبية العراقيين يتذكّرون نُصب «الجندي المجهول» في ساحة الفردوس ببغداد الذي أنجزه عام 1959، وظلّ شاخصاً حتى عام 1983، حيث قوّضه النظام الديكتاتوري السابق، وأحلّ محله تمثال صدام حسين الذي أسقطه الأميركيون عام 2003. لكن نُصب «الجندي المجهول» ظلّ عالقاً في ذاكرة العراقيين للمسته الجمالية الخالية من التعقيد التي تُذكِّرنا بطاق كسرى، إضافة إلى رمزية النُصب الذي يمثّل الجنود العراقيين الذين ضحّوا بأنفسهم من أجل الوطن.
وإذا كان نُصب «الجندي المجهول» رمزاً وطنياً محلياً، فإن «نُصب الحرية» الذي أُنجز عام 1961 هو رمز شرق أوسطي في أقل تقدير، فلقد ذاع صيته عربياً، رغم موضوعه الذي يروي أحداث ثورة 1958، وتأثيرها على الشعب العراقي. لقد صمم الجادرجي هيكل اللافتة الكونكريتيّة التي حملت منحوتات الفنان جواد سليم الذي مزج هو الآخر بين الكلاسيكية التشخيصية والنَفَس الحداثي.
تتحرّك بناية «بدالة السنك» التي أُنجزت في منتصف سبعينيات القرن الماضي بين التراث والمعاصرة أيضاً، لكنها تذكّر بلمساته الفنية، وتُحيل إليها بسهولة من جهة التصميم، والمواد المحليّة المستعملة في البناء.
هناك عدد كبير من الدور والعمارات التي صممها رفعة الجادرجي، نذكر منها دار حسين جميل، وعلي مظفر، وعارف آغا، وحسن الكرباسي، ونصير الجادرجي، وفخري شنشل، وعبد حسن العزاوي، وما سواها من البنايات والجوامع. والغريب أنه لم يكن يتردد في القول إنه فشل في السيطرة التكوينية لهذه الدار أو تلك العمارة التي لم تستجب لرؤيته التصميمية، ويعزو السبب إلى حداثة خبرته الفنية في هذا المضمار.
هذه مجرد إشارات بسيطة لعدد من التصاميم التي أنجزها الجادرجي، أما جعبته المعمارية الكاملة فتحتاج إلى مساحات واسعة وشرح طويل.
وفي هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى أنّ الجادرجي كان عضواً في «جماعة بغداد للفن الحديث» التي أُسست عام 1951 من قِبل فنانين معرفين، أمثال جواد سليم ومحمد غني حكمت وشاكر حسن آل سعيد، وكان الجادرجي يتناهل معهم في أفكاره ورؤاه الفنية والثقافية.
لم يكن الراحل مهندساً معمارياً فحسب، وإنما كان مصوراً فوتوغرافياً مُرهفاً، لا يكتفي بأسْر اللقطة وتجميد الزمن، فثمة شيء ثالث في غالبية الصور التي يلتقطها ويقدّمها لنا كمتلقّين للفن الفوتوغرافي في محاضرات متعددة لم ينقطع عنها إلا في السنوات الخمس الأخيرة التي حاصره فيها المرض.
أصدر الجادرجي عدداً من الكتب التي تُنظِّر لرؤيته المعمارية، أبرزها «الأخيضر والقصر البلوري» 2013، وتناول فيه محورين أساسيين: الأول، كيف تطورت النواة الفكرية لنظرية جدلية العمارة؟ والثاني، وصف للأبنية التي أنجزها مع عدد من زملائه المهندسين. كما أصدر كتاب «شارع طه وهامر سيمث» الذي قال عنه الناقد نجيب المانع إنّ «هناك عبارات تشير إلى ما مارسه الجادرجي في مهنته من نقد عنيف لذاته، واستعراض لما كان يتصوره أخطاءَه، حتى يتوصل إلى الصواب مهما يكن الطريق إليه وعراً أو شحيحاً بالإمكانيات». كما ذكر جبرا إبراهيم جبرا أنّ «في خطّة الكتاب ولغته التحليلية جرأة في الموقف، وريادة في الرأي، وهما مما تميّز به المؤلف مفكراً وإنساناً ومهندساً معمارياً».
ويمتلك الجادرجي نزعة أدبية تجلّت في مذكراته وسيرته الذاتية، وربما يكون «جدار بين ظلمتين» الذي كتبه بالاشتراك مع زوجته الأديبة بلقيس شرارة هو خير أنموذج للسيرة المزدوجة القائمة على بنية «التوازي والتداخل»، إذ اشترك كلاهما في كتابة الفصول الأربعة التي تؤلف متن النص، حيث كتبت بلقيس الأجزاء الأُوَل من الفصول الأربعة، ثم كتب رفعة بموازاتها الأجزاء الأربعة الأُخر التي تداخلت في السياق العام للسيرة الذاتية «المُزدوَجة» التي يكمّل بعضها بعضاً. وهي أول نص سير - ذاتي يوثّق في آنٍ واحد لتجربة متوازية متداخلة من داخل الظلمة وخارجها. كما تضمنت كتبه الأخرى أجزاءً متفرقة في سيرته الذاتية الحميمة التي توزعت في معظمها بين التطلعات الحُلُمية والعمل اليومي الجاد المثمر الذي يتحول إلى بيوت ومشاريع عمرانية متعددة الأغراض، كان يصوِّرها بكاميرته الشخصية، ويكتب عنها بالتفصيل كاشفاً عن نجاحاته وإخفاقاته في آنٍ معاً. وكان رفعة الجادرجي ناقداً فنياً أيضاً، ويكفي أن نشير إلى الفصل الثالث من كتاب «الأخيضر...»، المُعنون «مع جماعة الرواد»، لنؤكد صحة ما نذهب إليه، فقد كتب عن هذه الجماعة، وناقش توجهاتها الفنية والفكرية، ودورها في المشهد التشكيلي العراقي. لنقرأ ما كتبه عن الفنان فائق حسن، مُركزاً فيه على الجوانب الثقافية والاجتماعية، حيث يقول: «فائق حسن لا يقرأ إلا القليل، وإذا قرأ ففي بعض المجلات الفرنسيّة لا غيرها. معلوماته تكاد تكون معدومة في العلوم والفنون والتاريخ، ولكنه هضم وأتقن هذا القليل بسبب عمق تفكيره، وأصالة أسلوب معيشته... لا يُقحم نفسه في أمور لا يفهمها، بل إن الأحداث تمرُّ من دون أن تمسّ انتباهه، إلا ما يهمهُ منها ويهضمهُ، ويتخذ منه موقفاً خاصاً متميزاً... فائق ضحكته ساذجة، ولباسه بسيط رخيص ولكنه ذو طابع متفرّد». وقد توقف عند بعض أعماله الفنية، وتقنياته التي عدّها «مهنيّة متقدمة» في ذلك الوقت.
يوثِّق الجادرجي حياة الفنان محمود صبري الذي لم يكن الفن شغله الشاغل أول الأمر لأنه كان موظفاً في البنك، بينما كان الرسم هواية يزاولها في أوقات فراغه، لكنه سرعان ما ترك كل شيء، وانقطع للفن التشكيلي. يرصد الجادرجي هذه البدايات، فيقول: «أما على الصعيد الفني، فلم يكن محمود صبري بنظر جواد وفائق أكثر من هاوٍ مبتدئ، إنّ تكنيكه في الرسم والألوان والتكوين ضعيف، ومن أعمال الناشئين، ولكنه كان أول من هزّ بحق الفن العراقي هزّة الإيقاظ من سباته في الرومانتيكية الريفية».
وكان الجادرجي يتفق كثيراً مع محمود صبري الذي يقول «إن للفن وظيفة اجتماعية لا يمكن تجنّبها». وهذا التناغم هو الذي جعلهما صديقين حميمين جداً. ومثلما رصد بيوت الشَعَر والأعراب ودِلال القهوة، انتبه إلى لوحات جواد سليم، مثل «البغداديات» و«ليلة الحِنّة» و«القيلولة»، مُنتظراً من الجميع أن ينفتحوا على مناخات فنية جديدة، وتقنيات معاصرة تنقل الفن التشكيلي العراقي نقلة نوعية تضعه في مقدمة المَشهد، على الصعيد العربي في أقل تقدير.
ويتحدث الجادرجي في هذا الفصل عن تجربته في الزخرفة الإسلامية التي لم يفلح في الدخول إليها من الأبواب الأمامية، فولج إليها من الأبواب الخلفية التي فتحت له آفاقاً واسعة، وأمدّته بكثير من عناصر النجاح والتألق، بعد أن انهمك في التجريد الغربي، وأفادَ من تجارب فنانين بريطانيين وهولنديين كثيرين، أبرزهم بن نيكلسون، وثيو فان دوسبرغ، وخيريت توماس ريتفيلد.
ويميل الجادرجي، سواء في هذا الكتاب أو في كتبه الأخرى، إلى التوثيق بصيغة أدبية، فهو من بين المهندسين المعماريين القلائل الذين كتبوا عن أصدقائهم وأقرانهم في المهنة «الفنية»، تماماً مثلما كتب عن الفنانين التشكيليين، واختبر أفكارهم ورؤاهم الثقافية المحاذية للفن التشكيلي.
والملحوظة الأخيرة التي أسوقها في هذا المضمار هي أنّ الجادرجي كان متواضعاً في المهنة والكتابة، ولم يتعالَ على أحد، ولم يضع الآخرين في منزلة أدنى منه، رغم بعض آرائه النقدية القاسية، بل كان يعرض كتبه وأفكاره لأصدقائه والمقرّبين منه، وينتظر آرائهم في اللغة والأسلوب، والمضامين التي كان يعالجها، ولم يتردد ذات يوم في قبول الأفكار العقلانية الصحيحة التي كانت تُسدى إليه.
... المزيد
 



المخرج الفلسطيني أحمد الدنف: نوثّق حياة غزة بعيداً عن صورة الحرب

أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
TT

المخرج الفلسطيني أحمد الدنف: نوثّق حياة غزة بعيداً عن صورة الحرب

أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)

قال المصوّر والمخرج الفلسطيني أحمد الدنف إنّ فكرة فيلم «ضايل عنا عرض» بدأت مع مخرجته مي سعد، التي كانت تسعى في البداية إلى توثيق ما يحدث داخل غزة عبر تسجيلات صوتية تعكس تفاصيل الحياة اليومية، قبل أن تتطوّر الفكرة لاحقاً إلى مشروع بصري، لافتاً إلى أنّ التعارف بينهما حصل عن طريق المصوّر محمد سالم، وكان نقطة تحوّل مع اقتراح تحويل المشروع إلى تصوير فيديو، ومن خلاله جرى التواصل مع عدد من المصوّرين داخل القطاع.

وأضاف الدنف، الذي لا يزال موجوداً داخل غزة، لـ«الشرق الأوسط»، أنه تلقّى الفكرة بشكل مباشر من مي سعد، التي كانت تتابع عمل فريق السيرك في القطاع، مشيراً إلى أنه شَعَر منذ اللحظة الأولى بأنّ المشروع مختلف وقريب من روحه؛ لأنه لا يركّز على الحرب بقدر ما يسلّط الضوء على الحياة داخل غزة.

وأكد أن ما جذبه للمشاركة هو صدق الفكرة وبساطتها؛ إذ يسعى الفيلم إلى الاقتراب من الناس وتفاصيلهم ومحاولاتهم المستمرة للتمسّك بالحياة، لينطلقوا في العمل على المشروع خطوة خطوة حتى خرج بالشكل الذي يُعبّر عنهم، ويحكي قصتهم.

المخرج والمصوّر الفلسطيني أحمد الدنف صوَّر غزة من زاوية أخرى (فيسبوك)

الفيلم، الذي حصد عدداً من الجوائز، وعُرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «القاهرة السينمائي»، صُوِّر في غزة عام 2024 خلال الحرب، ويتتبّع «سيرك غزة الحرّ» الذي أسّسته مجموعة من الشباب الفلسطينيين الذين رفضوا الاستسلام لليأس رغم الإبادة الجماعية التي يشهدها القطاع، وبين الملاجئ والشوارع المهدّمة وركام المباني المنهارة يواصلون تقديم عروضهم للأطفال، ويذهبون إليهم في كلّ مكان ليمنحوهم لحظات من الفرح والأمل في ظلّ قسوة الواقع الذي يعيشونه.

ووصف الدنف تجربته في العمل مع المخرجة مي سعد بأنها «مميّزة»، لكونها اعتمدت على الثقة والتفاهُم منذ البداية، مع تمتّعها بحسّ إنساني عالٍ، وحرصها على تقديم القصة بصدق من دون مبالغة أو استغلال، وهو ما عدَّه عنصراً مهماً، إلى جانب مساحة واسعة للنقاش وتبادل الأفكار، التي منحته حرّية كبيرة بكونه مصوّراً للعمل انطلاقاً من إحساسه وقربه من الواقع الذي يعيشه في غزة، في مقابل وضوح الرؤية الإخراجية لديها، الأمر الذي خلق توازناً بين الرؤية والتنفيذ.

وأكد أنّ التصوير داخل غزة يُمثّل تحدّياً مستمراً، ليس فقط على المستوى التقني، بل على المستويين الإنساني والنفسي أيضاًح لأنهم عملوا في ظروف غير مستقرّة، من بينها انقطاع الكهرباء، وصعوبة التنقل، ووجود مخاطر أمنية في أيّ لحظة، إلى جانب محدودية الإمكانات التي شكّلت تحدّياً إضافياً، سواء على مستوى المعدات أو الموارد، ممّا فرض عليهم البحث الدائم عن حلول سريعة ومرنة لمواصلة العمل دون فقدان اللحظة.

المخرجة مي سعد خلال مناقشة الفيلم في مهرجان «مالمو» (حساب الدنف في «فيسبوك»)

ولفت إلى أنّ التحدّي الأكبر تمثّل في الحفاظ على التوازن بين توثيق الحقيقة واحترام مشاعر الناس، في ظلّ التعامل مع قصص حسّاسة، وهي تحدّيات يرى أنها منحت الفيلم قوته وصدقه، مع أمنيته بأن يرى الجمهور غزة من زاوية مختلفة، ليس فقط على هيئة أرقام أو أخبار، بل حياة حقيقية مليئة بالمشاعر والأحلام.

وأوضح أنّ الفيلم يُمثّل محاولة للتأكيد على أنّ هناك دائماً مساحة للحياة والفنّ والأمل حتى في أقسى الظروف، مشيراً إلى أنّ عنوان «ضايل عنا عرض» يعكس فكرة الاستمرار والتمسك بالحياة.

وعن تكريمه في مهرجان «الإسكندرية السينمائي للفيلم القصير»، قال الدنف إنه استقبل الخبر بمشاعر مختلطة بين الفرح والمسؤولية؛ لأنّ التقدير في ظلّ هذه الظروف الصعبة يحمل قيمة كبيرة، لكنه في الوقت عينه ليس إنجازاً فردياً، بل يعود إلى كلّ مَن شارك في هذه الرحلة، ولكلّ الأشخاص الذين وثَّق قصصهم؛ لأنّ المهرجان يتمتّع بمكانة مهمّة، وحضوره فيه يُمثّل رسالة بأنّ الصوت والصورة القادمين من غزة قادران على الوصول إلى منصات مؤثرة.

وأشار إلى أنّ التكريم، على المستوى الشخصي، يُمثّل تقديراً لمسيرة مليئة بالتحدّيات، بينما يمنحه مهنياً دفعة للاستمرار والتطور، مع شعور متزايد بالمسؤولية لتقديم أعمال على قدر الثقة.

وعن فيلم «الرجل الذي يطعم أطفال غزة»، أوضح الدنف أنه يأتي في إطار تسليط الضوء على قصص إنسانية حقيقية من داخل غزة، ويركّز على شخصية حمادة شقورة، الذي اختار، رغم الظروف الصعبة، تكريس جهده لتوفير الطعام للأطفال، مشيراً إلى أنه نموذج إنساني بسيط لكنه عميق، وأن قطاع غزة مليء بالقصص الإنسانية الملهمة والمؤثرّة عالمياً.

وأكد أنّ ما جذبه لهذه القصة هو ابتعادها عن الصورة النمطية للحرب، وتركيزها على قيم التضامن والعطاء، خصوصاً تجاه الأطفال، لافتاً إلى أنّ الفيلم توثيقي بحت، قائم بالكامل على الواقع من دون إعادة تمثيل أو تدخُّل درامي، حيث اعتمد على الملاحظة والتوثيق المباشر، مع حضور الجانب السينمائي فقط في الاختيارات البصرية من دون المساس بحقيقة الحدث.

فيلم «ضايل عنا عرض» شارك في «مالمو للسينما العربية» (إدارة المهرجان)

وعن أكثر المشاهد تأثيراً، أشار إلى لحظات انتظار الأطفال للطعام، وما تحمله من مزيج بين الحاجة والأمل، مؤكداً أنّ هذه التفاصيل الصغيرة تحمل ثقلاً إنسانياً كبيراً.

وأكد أنّ تجربة التصوير في غزة تعني العيش داخل الواقع نفسه، وليس مجرد توثيقه، وهو ما يفرض مسؤولية مضاعفة، في ظلّ صعوبة التوازن بين كونه جزءاً من القصة ومصوراً يسعى إلى نقلها بصدق، لافتاً إلى تعرّضه لخسائر كبيرة في معدّاته نتيجة القصف، حيث فقد جزءاً منها مع تدمير منزله، ثم خسر معدات أخرى وسيارته خلال النزوح؛ ما شكّل تحدّياً إضافياً على المستوى المهني.

وأشار إلى أنه لم يكن أمامه خيار سوى الاستمرار؛ لأنّ القصة كانت دائماً أهم من الأدوات، واضطر إلى العمل بالإمكانات المتاحة رغم صعوبتها؛ لأن محدودية الإمكانات قد تؤثر تقنياً في جودة الصورة، لكنها أحياناً تمنحها قوة أكبر لجهة الإحساس والصدق، وهو ما تحقّق عبر اعتماده على حلول بديلة مثل الإضاءة الطبيعية، وتبسيط أسلوب التصوير، والتركيز على اللحظة.

وختم حديثه بالتأكيد على أنّ الاستمرار في ظلّ هذه الظروف ليس سهلاً، لكنه مدفوع بإحساس عميق بالمسؤولية قبل الشغف، مع رؤيته لنفسه جزءاً من الواقع في ظلّ وجود قصص لا بد أن تُروى؛ ما يدفعه إلى مواصلة العمل رغم كلّ التحدّيات.


لماذا يشعر مصريون بزلازل جزيرة كريت اليونانية؟

منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
TT

لماذا يشعر مصريون بزلازل جزيرة كريت اليونانية؟

منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)

ضرب زلزال بقوة 5.77 درجة على مقياس ريختر، صباح الجمعة، منطقة شمال مدينة مرسى مطروح المصرية (شمال غربي مصر) المطلة على البحر المتوسط، بالتزامن مع هزة أرضية شهدتها جزيرة كريت اليونانية، دون تسجيل خسائر في الأرواح أو الممتلكات.

وأعلن المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية في مصر، أن محطات الشبكة القومية لرصد الزلازل سجلت الهزة على بُعد نحو 412 كيلومتراً شمال مرسى مطروح، في تمام الساعة 5:18 صباحاً بالتوقيت المحلي، وعلى عمق 26.85 كيلومتر.

وأوضح المعهد، في بيان، أن بعض المواطنين شعروا بالهزة بشكل خفيف، دون وقوع أي أضرار.

وفي التوقيت ذاته تقريباً ضرب زلزال بقوة 5.7 درجة الساحل الجنوبي لجزيرة كريت في اليونان. وذكر معهد الجيوديناميكا التابع للمرصد اليوناني في أثينا، أن مركز الزلزال وقع على بُعد نحو 23 كيلومتراً جنوب غربي مدينة لاسيثي، وعلى عمق 9.7 كيلومتر، دون ورود تقارير فورية عن إصابات أو أضرار.

وكانت مدينة مرسى مطروح قد شهدت قبل أسبوعين هزة أرضية أخرى، وقعت على بُعد 659 كيلومتراً شمال غربي المدينة، يوم 8 أبريل (نيسان) الحالي عند الساعة 1:35 مساءً بالتوقيت المحلي، وبلغت قوتها 4.8 درجة على مقياس ريختر. وأكد المعهد القومي للبحوث الفلكية آنذاك عدم تلقيه أي بلاغات بشأن الشعور بالهزة داخل مصر، وعدم تسجيل أي خسائر.

«مسافة آمنة»

من جانبه، قال الدكتور شريف الهادي، رئيس قسم الزلازل بالمعهد القومي للبحوث الفلكية، إن جزيرة كريت اليونانية تُعد من أكثر المناطق نشاطاً في الهزات الأرضية في حوض البحر المتوسط وعلى مستوى العالم؛ نظراً لموقعها الجيولوجي الفريد الذي يضعها في قلب حزام «شرق المتوسط» الزلزالي النشط، ما يؤدي إلى تكرار حدوث الهزات الأرضية فيها.

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر، وأن الهزة التي شعر بها سكان مرسى مطروح بشكل خفيف تعود إلى تأثر المنطقة بنشاط زلزالي من مكان آخر، مصدره جزيرة كريت، الواقعة ضمن هذا الحزام الزلزالي النشط.

شدة الشعور بالزلازل تتراجع كلما زادت المسافة بين مركز الزلزال والحدود المصرية (تصوير: عبد الفتاح فرج)

وأوضح أن شدة الشعور بالزلازل تتراجع كلما زادت المسافة بين مركز الزلزال والحدود المصرية، مشيراً إلى أن زلزال كريت الأخير وقع على «مسافة آمنة» تتجاوز 400 كيلومتر من أقرب نقطة للحدود المصرية.

وأكد رئيس قسم الزلازل بالمعهد القومي للبحوث الفلكية، أن مصر تقع على «مسافة آمنة» جغرافياً من حزام «شرق المتوسط» الزلزالي، وهو ما يفسر عدم شعور سكان مصر في أغلب الأحيان بالهزات الخفيفة المتكررة التي تضرب جزيرة كريت، خصوصاً مع وقوع معظمها على أعماق ضحلة داخل البحر، حيث تُمتص نسبة كبيرة من طاقتها؛ لذلك يقتصر التأثير غالباً على الإحساس بالهزات المتوسطة أو القوية التي تضرب كريت، لكن دون تسجيل أضرار في البنية التحتية بمصر، نتيجة تشتت الطاقة الزلزالية قبل وصولها إلى اليابسة.

وأشار الهادي إلى أن درجة الإحساس بهذه الهزات الأرضية داخل مصر تختلف باختلاف طبيعة التربة والتركيب الجيولوجي؛ فالموجات الزلزالية تمر بسرعة أكبر عبر الصخور الصلبة في المناطق الجبلية، ما يقلل الإحساس بها، في حين تتباطأ وتزداد شدتها عند انتقالها إلى التربة الرسوبية الرخوة في وادي النيل والدلتا، وهو ما يطيل مدة الاهتزاز ويزيد من الإحساس به، خصوصاً لدى سكان المباني المرتفعة، وتزداد احتمالات الشعور بالهزات في المدن الساحلية مثل الإسكندرية ومرسى مطروح؛ نظراً لقربهما الجغرافي من سواحل البحر المتوسط.


حركات بطيئة... نتائج أقوى: تمارين خفيفة تُعزّز العضلات بلا إرهاق

الجهد الذكي طريقٌ أقصر للقوة (جامعة إديث كوان)
الجهد الذكي طريقٌ أقصر للقوة (جامعة إديث كوان)
TT

حركات بطيئة... نتائج أقوى: تمارين خفيفة تُعزّز العضلات بلا إرهاق

الجهد الذكي طريقٌ أقصر للقوة (جامعة إديث كوان)
الجهد الذكي طريقٌ أقصر للقوة (جامعة إديث كوان)

أظهرت دراسة أجرتها جامعة إديث كوان الأسترالية أنّ تقوية العضلات وزيادة القوة البدنية لا تتطلَّب بالضرورة مجهوداً مُرهِقاً أو تمارين عالية الشدّة، بل يمكن تحقيق نتائج فعّالة من خلال أداء حركات بطيئة ومتحكم بها.

وأوضح الباحثون أنّ فاعلية التمارين لا ترتبط بالجهد الشديد بقدر ما ترتبط بطريقة أداء الحركة نفسها، وهو ما قد يُغيّر المفهوم الشائع عن اللياقة البدنية مستقبلاً. ونُشرت النتائج، الخميس، في دورية علمية متخصّصة في علوم الرياضة والصحة.

ويقوم الاعتقاد السائد لدى كثيرين على أنّ بناء العضلات وتحسين اللياقة يرتبطان بالتمارين الشاقة ورفع الأوزان الثقيلة أو ممارسة النشاط البدني لمدّة طويلة، وصولاً إلى الإرهاق أو الشعور بالألم العضلي بعد التمرين، على أساس أن «لا فائدة من دون معاناة»، وإنما الدراسة الجديدة تشير إلى أن هذا التصور ليس دقيقاً في جميع الحالات.

وأظهرت النتائج أن بعض أنواع التمارين، مثل التمارين اللامركزية، يمكن أن تُحقّق فوائد ملحوظة للعضلات والقوة البدنية من دون الحاجة إلى مجهود بدني شديد أو تدريب مرهق كما هو شائع في التمارين التقليدية.

وتعتمد التمارين اللامركزية على عمل العضلات خلال إطالتها تحت تأثير مقاومة أو وزن، بدلاً من انقباضها لرفع الحمل. ويحدث ذلك خلال مرحلة «خفض الحركة»، مثل إنزال الأثقال تدريجياً، أو النزول على الدرج، أو الجلوس على الكرسي ببطء.

وتتميّز هذه التمارين بقدرتها على زيادة قوة العضلات وتحسين أدائها مع استهلاك طاقة أقل مقارنة بالتمارين التقليدية. كما أنها تُقلل الضغط الواقع على الجسم، ممّا يجعلها خياراً مناسباً لفئة واسعة من الأشخاص، بمن فيهم كبار السنّ ومرضى الأمراض المزمنة، نظراً إلى كونها أقل إجهاداً للقلب والرئتين.

وتشمل الأمثلة البسيطة لهذه التمارين التي يمكن ممارستها في المنزل: القرفصاء باستخدام الكرسي عبر الجلوس ببطء ثم الوقوف تدريجياً لتقوية عضلات الفخذين والأرداف، وخفض الكعبين من خلال الوقوف على أطراف الأصابع ثم إنزال الكعبين ببطء لتقوية عضلات الساقين، وتمارين الضغط على الحائط عبر دفع الجسم نحو الحائط ثم العودة ببطء لتقوية عضلات الصدر والذراعين بطريقة آمنة وسهلة. ويمكن أن تُحقّق هذه التمارين تحسينات صحية ملموسة في مدة لا تتجاوز 5 دقائق يومياً.

ورغم احتمال الشعور ببعض آلام العضلات في البداية، خصوصاً عند عدم الاعتياد عليها، فإنّ هذه التمارين لا تتطلّب الألم لتحقيق الفائدة الصحية.

وقال الباحث الرئيسي في الدراسة بجامعة إديث كوان، الدكتور كين نوساكا، إنّ الاعتقاد بأنّ التمرين يجب أن يصل إلى حد الإرهاق الكامل يُثني كثيرين عن ممارسة النشاط البدني بانتظام.

وأضاف نوساكا، عبر موقع الجامعة: «بدلاً من ذلك، ينبغي التركيز على التمارين اللامركزية التي تُحقّق نتائج أقوى بجهد أقل بكثير من التمارين التقليدية، ومن دون الحاجة حتى إلى صالة رياضية، ممّا يجعلها عملية وسهلة الاستمرار».