كير ستارمر... المحامي الاشتراكي أمام تحدي إعادة {العمّال} إلى الحكم

بعد سنوات ضائعة في تيه الحياة السياسية البريطانية

كير ستارمر... المحامي الاشتراكي أمام تحدي إعادة {العمّال} إلى الحكم
TT

كير ستارمر... المحامي الاشتراكي أمام تحدي إعادة {العمّال} إلى الحكم

كير ستارمر... المحامي الاشتراكي أمام تحدي إعادة {العمّال} إلى الحكم

اختار حزب العمال البريطاني المعارض السير كير ستارمر، يوم السبت الماضي، زعيماً جديداً له حلفاً لزعيمه السابق جيريمي كوربن. وكان كوربن قد شغل المنصب منذ سبتمبر (أيلول) 2015، وقاد اتجاه الحزب يساراً وسط انقسامات داخلية تفجرت بين التيار الحركي اليساري الراديكالي المدعوم من العديد من التنظيمات المحلية الراديكالية وبعض النقابات العمالية (بقيادة كوربن) من جهة، والتيار المعتدل الاشتراكي الديمقراطي الذي قاد الحزب إبان توليه السلطة تحت رئاستي توني بلير وغوردون براون للحكومة بين 1997 و2010.
ولقد كسب ستارمر، وهو محامٍ ومرجع قانوني مرموق، الذي دعمه المعتدلون، انتخابات الزعامة ضد مرشحة اليساريين الراديكاليين ريبيكا لونغ - بايلي، والمرشحة الثالثة التي تقف بين الجانبين، ليزا ناندي.

يقال إن الأزمات تصنع القادة، أو تحطّمهم. ولا أزمة أكبر في بريطانيا اليوم من جائحة «كورونا» أو (كوفيد - 19)، التي شلّت البلاد وأصابت عشرات الآلاف، وزجّت برئيس الوزراء في غرفة العناية المركزة إلى جانب الآلاف من مواطنيه.
في هذه الظروف غير المسبوقة في زمن السلم، وجد السير كير ستارمر نفسه يقود أهم حزب في المعارضة البريطانية، بعد أيام قليلة من انتخابه زعيماً لحزب العمال.
لقد كان في طليعة أولويات ستارمر المُعلنة إعادة توحيد صفوف الحزب بعد هزيمة فادحة أمام محافظي بوريس جونسون، ومكافحة ظاهرة معاداة السامية في صفوف حزبه، فضلاً عن الكفاح للحفاظ على أقرب علاقات ممكنة مع الاتحاد الأوروبي بعد انتهاء فترة «بريكست» الانتقالية. لكن ما لم يكن يتوقّعه ستارمر، هو أن تُختبر إمكانياته القيادية في نفس أسبوع انتخابه، وأن تتغيّر أولوياته بشكل جذري، لتُختصر في كلمة واحدة «كورونا».

محامٍ... برتبة «فارس»

وُلد كير رودني ستارمر قبل 57 سنة في حي ساذرك بالعاصمة البريطانية لندن للزوجين جوزيفين ورودني ستارمر، الداعمين لحزب العمال. وسُمّي كير تيمّناً بالسياسي الاشتراكي البارز ومؤسس حزب العمال كير هاردي. في المدرسة، تلقى ستارمر دروساً على عزف آلة الكمان مع نورمان سميث، عازف الباس السابق ضمن فرقة «هاوسمارتنز» الموسيقية. ومما يُعرف عنه أنه من أنصار نادي آرسنال اللندني لكرة القدم، على غرار سلفه جيريمي كوربن. وهو لا يزال يلعب كرة القدم كل أسبوع.
إبان سنواته الدراسية المتوسطة والثانوية، انضمّ ستارمر إلى «اشتراكيي إيست ساري الصغار»، قبل أن يلتحق بجامعة ليدز التي تخرج فيها حاملاً إجازة في الحقوق. ثم تابع دراسته العليا في القانون وحصل على شهادة في الدراسات القانونية العليا المعمّقة في جامعة أوكسفورد (كلية سانت إدموند هول).
عمل ستارمر محامياً في قضايا حقوق الإنسان، ودافع عن النقابات والناشطين. كما شارك في القضية المعروفة بـ«ماك ليبل» التي رفعتها سلسلة مطاعم «ماكدونالدز» ضد هيلين ستيل وديفيد موريس لتوزيعهما منشورات تنتقد ممارسات الشركة. وفي التسجيل المصوّر المرتبط بحملته لزعامة الحزب، قال ستارمر: «أمضيت عمري وأنا أدافع عن العدالة وعن المغلوب على أمرهم في وجه أصحاب النفوذ».

التقدير... والبرلمان

وفي 2003، بدأ ستارمر انخراطه في المؤسسات الرسمية عبر وظيفة تضمن امتثال الشرطة في آيرلندا الشمالية بشكل كامل لقوانين حقوق الإنسان. وبعد خمس سنوات، بات مدير النيابة العامة لإنجلترا وويلز. وأشرف بين عامي 2008 و2013 على ملاحقات قضائية لنواب استغلوا نظام النفقات وصحافيين اتُّهموا بعمليات قرصنة للهواتف وشباب على صلة بأعمال شغب 2011، وتقديراً لهذا الأداء ومكافأة له على خدماته للبلاد، منحته الملكة إليزابيث الثانية لقب «سير» (فارس). ثم في عام 2015، انتُخب نائباً في البرلمان (مجلس العموم) عن حزب العمال ليمثّل دائرة هولبورن وسانت بانكراس الانتخابية في وسط لندن.

كفاءة... لا شعبوية

«الرجل يمثل قطيعة مع الماضي، مع أنه لا يوجد شعار بارز أو سياسة خاصة يمكن فك شيفرتها لفهم مشروع ستارمر. وهذا يجعل من الصعب تحديد ما يمثله السير كير سياسياً. لكن ما هو واضح أنه ليس شعبوياً». بهذه الكلمات رحّبت صحيفة «الغارديان» بانتخاب ستارمر على رأس حزب العمال الذي تميل إليه. وأضافت الصحيفة في افتتاحية نشرتها الاثنين الفائت: «إنه يقدّم العمل الدؤوب والخبرة، لا توجيه أصابع الاتهام»، مشيدةً بتعييناته لـ«حكومة الظل»، بالقول «إن رمزية وظائف حزب العمال الثلاث الكبرى، التي سيشغلها سياسيون من الشمال وويلز واسكوتلندا، تبعث برسالة قوية مفادها أن الحزب يهدف إلى تمثيل البلاد بأكملها». أيضاً رحّبت الصحيفة بعودة إد ميليباند، الزعيم الأسبق للحزب، إلى الخط الأمامي عبر منصب وزير الظل للتجارة والطاقة والصناعة.
واقع الحال، أنه كان لا بد من التغيير بعد الهزيمة المريرة الأخيرة التي مُني بها حزب العمال في ديسمبر (كانون الأول) 2019. كذلك تولّدت قناعة من أن رهانات كوربن لم تؤتِ أُكُلها. وبالفعل، انتُخب ستارمر، المعتدل والمؤيد لأوروبا، زعيماً يشكل عملياً نقلة كبيرة عن الراديكاليين والمؤيدين لـ«بريكست».
لقد فاز هذا المحامي اللامع الذي كان كُلّف منذ ثلاث سنوات بإدارة ملف «بريكست» في حزبه، بنسبة 56,2% من أصوات أعضاء الحزب على منافستيه ريبيكا لونغ - بايلي وليزا ناندي. وفي كلمة متلفزة بعد انتخابه، وعد ستارمر، على الفور، بتجاوز الانقسامات التي يعانيها الحزب والمتمحورة حول الخط الذي يجب أن يتبعه بين التشدد أو الانفتاح، لكن أيضاً الخلاف بين المشككين بالمؤسسات الأوروبية والمؤيدين للاتحاد الأوروبي في قضية «بريكست»، وكذلك بشأن إدارة مسألة معاداة السامية داخل الحزب التي يرى البعض أن كوربن تهاون في معالجتها.
وحقاً، كان لافتاً أن ستارمر عبّر مباشرة بعد إعلان انتخابه عن «اعتذاراته» عن معاداة السامية داخل أكبر حزب معارض في بريطانيا. وفي كلمة بثها، قال: «باسم حزب العمال أعتذر»، متعهداً «بنزع سم» معاداة السامية. وانهالت التعليقات الإيجابية على ستارمر، الذي تزامنت اعتذاراته مع احتفالات عيد الفصح اليهودي. وهنا تجدر الإشارة إلى أن الزعيم الجديد متزوّج من يهودية ويتربى ولداهما كيهود.

حملة انتخابات الزعامة

من جهة أخرى، لم تكن انتخابات العمال اعتيادية هذه المرة، إذ لم يعلن اسم الفائز خلال مؤتمر استثنائي كما كان مقرّراً، بل عبر موقع الإنترنت الخاص بالحزب احتراماً لإجراءات مكافحة وباء «كوفيد - 19»، في حين سجل كل من المرشحين الثلاثة خطابات معدة مسبقاً تُبّث في حال الفوز. وفي خطابه تعهّد ستارمر بإنهاض الحزب وقيادته مجدداً نحو تولي السلطة، بعد الهزيمة المدوّية في انتخابات ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أمام المحافظين بقيادة رئيس الوزراء بوريس جونسون، وشهدت خصوصاً خسارة حزب العمال معاقل تقليدية له. تلك كانت ثاني هزيمة انتخابية لجيريمي كوربن منذ انتخابه رئيساً للعمال في عام 2015 بفضل دعم قوي من حركيي قاعدة الحزب، وكانت الأسوأ للعمال منذ 1935.
ستارمر، من جانبه، قال بصراحة: «أنا مدرك لحجم المهمة... مهمتنا هي إعادة الثقة في حزبنا. وسأقود هذا الحزب الكبير إلى حقبة جديدة بشكل تخوّلنا حين يكون الوقت مناسباً أن نخدم بلادنا مجدداً من خلال حكومة». وللعلم، من المتوقع أن تجرى الانتخابات التشريعية المقبلة عام 2024 لكن مهمة توحيد الحزب تمثّل أصعب تحدٍّ أمام ستارمر بسبب الانقسامات العديدة والعميقة التي أنهكته خلال السنوات الماضية.

تحدي وباء «كورونا»

لكن في الوقت الحالي، وكحال معظم ساسة العالم، تشكّل جائحة «كوفيد - 19» (كورونا) التحدي الأكبر أمام الزعيم الجديد لحزب العمال. وهنا نشير إلى أن ستارمر كان من أولى الشخصيات السياسية التي تمنّت لرئيس الوزراء جونسون تعافياً سريعاً وكاملاً، بعد إدخاله العناية المركزة في اليوم العاشر من إصابته بـ«كورونا».
كذلك كان ستارمر داعماً لإجراءات الحجر الصحي والتباعد الاجتماعي التي فرضتها حكومة جونسون، في مسعى لإبطاء تفشي الوباء... وإن كان لم يتوانَ عن توجيه انتقادات قاسية لإدارة الأزمة، خصوصاً بعد تأخر هذه الإجراءات. ونقلت صحيفة «صنداي تايمز» (المحافظة) عن زعيم حزب العمال البريطاني الجديد قوله إن الحكومة البريطانية ارتكبت «أخطاء خطيرة» في التعامل مع تفشي فيروس الوباء، ولم تقدم معدات حماية كافية للعاملين الذين يتعاملون بشكل مباشر مع الجمهور، والتباطؤ في إجراء الفحوص.
ومما قاله ستارمر إن الوزراء «استغرقوا وقتاً طويلاً لشرح سبب تأخرهم في إجراء الفحوص»، ودعا إلى «برنامج لقاح وطني» ضد الفيروس. وأضاف أنه بوصفه زعيماً لحزب العمال، سيقوم بواجبه لعرض حلول. وطبقاً لدراسة، صادرة عن كلية الأطباء الملكية يوم الأحد الماضي، لا يتوجه نحو 20% من موظفي الصحة في بريطانيا، إلى عملهم نظراً لأنهم يخشون من احتمال إصابة زميل أو هم أنفسهم بالفيروس. وقال نحو ربع الأشخاص الذين استُطلعت آراؤهم -وفق وكالة الأنباء الألمانية- إنهم لا يحصلون على معدات حماية كافية لتنفيذ عملهم.
في هذا السياق، فرضت حكومة جونسون، بدعم من المعارضة، عزلاً عاماً للسكان في إطار محاولاتها احتواء تفشي الوباء الذي أودى بحياة أكثر من 7 آلاف شخص في بريطانيا. وأصدرت الحكومة المحافظة كذلك تدابير دعم اقتصادي غير مسبوقة للموظفين والشركات الذين تضرّروا بشكل كبير من الإغلاق.
ويسعى ستارمر الآن إلى لعب دور أكبر في الاستجابة الوطنية لهذه الجائحة، لا سيما أنه حزبه كان غائباً عن الساحة ولم يشارك في بلورة القرارات الأخيرة. وعلى غرار رؤساء الأحزاب الأخرى في المعارضة، تلقى ستارمر دعوة من رئيس الوزراء للمشاركة خلال الأسبوع المقبل في استعراض الوضع المتعلق بانتشار الوباء.
وبعدما كتب جونسون السبت الماضي، على «تويتر»: «بصفتنا رؤساء أحزاب، علينا واجب العمل معاً في فترة الطوارئ الوطنية هذه»، ردّ ستارمر بإيجابية على الدعوة، خلال مكالمة هاتفية مع رئيس الوزراء الذي هنّأه بفوزه. وتعهد بالتعاون «بشكل بنّاء» مع الحكومة «بما فيه المصلحة الوطنية»، قائلاً إنه لن يتوانى عن الإشارة إلى ضعف السلطة في الحالة المعاكسة.

«متمرد» بارز

على صعيد آخر، برز نجم كير ستارمر خلال السنوات الماضية، وصار حديث الإعلام عندما انضمّ في عام 2016، بعد التصويت لصالح الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، إلى النواب العماليين «المتمردين» على ما رأوه غياب دور كوربن القيادي خلال الحملات التي سبقت استفتاء «بريكست». وانضم ستارمر في وقت لاحق من العام ذاته إلى كبار شخصيات الحزب كمتحدّث باسم العمال بشأن «بريكست»، وظل في هذا الموقع حتى الأسبوع الماضي. كما برز من خلال انتقاداته الدقيقة والذكية لنهج المحافظين خلال جلسات النقاش في البرلمان التي كثيراً ما طغى عليها التوتر. ثم إنه يُعزى إليه كذلك الدفع بحزب العمال لتبني سياسة داعية لاستفتاء ثانٍ، وهي خطوة رحّب بها الكثير من أنصار الاتحاد الأوروبي. لكنّ آخرين رأوا أن هذه السياسة همّشت ناخبي الحزب السابقين في شمال إنجلترا وويلز المدافعين المؤيدين للخروح من الاتحاد الأوروبي.

إعادة توحيد الحزب

الراصدون يرون اليوم أن عودة العمال للعب دور معارضة فعال في بريطانيا مرهون بقدرة ستارمر على توحيد صفوفهم، وبالذات، بعدما خسروا مقاعد كانت مضمونة لهم فيما كانت معاقل عمالية تقليدية. ويُذكر أنه على مدى السنوات الماضية، شهد العماليون انقسامات حيال أجندة كوربن اليسارية وكيفية التعامل مع «بريكست» والخلاف بشأن أسلوب التعاطي مع تهمة وجود نزعات معادية للسامية داخل صفوف الحزب. لهذا تعهد ستارمر بتوحيد صفوف الحزب، وإعادته إلى السكة التي من شأنها أن توصله إلى السلطة. وسعى أيضاً لكسب أنصار كوربن عبر التشديد على سجلّه كمدافع عن حقوق الإنسان، وتأكيد «اشتراكيته» والدفاع عن بيان حملة انتخابات ديسمبر (كانون الأول) الذي تعهد ببرنامج استثمارات ضخم وعمليات تأميم.
وفي المقابل، حظي بدعم الوسطيين في الحزب الذين يرون أنه أكثر براغماتية من سلفه ومواقفه مدروسة بشكل أفضل. وقال ستارمر لـ«الغارديان» عبر بث صوتي هذا الأسبوع: «يمكننا قول ما نريده بشأن الكيفية التي نرغب من خلالها تغيير العالم... لكننا إذا خسرنا الانتخابات، فلن تكون لدينا فرصة للقيام بذلك».
في هذه الأثناء، يرفض ستارمر الإفصاح عن السياسات الحالية التي ينوي إبقاءها على حالها، خصوصاً في الوقت الحالي في أوج أزمة تفشي «كوفيد - 19»، واكتفى بتأكيد أنه «ستكون هناك حاجة للقيام بأمور جذرية».


مقالات ذات صلة

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

حصاد الأسبوع استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

من تجارة السيارات والمعدات الثقيلة في نيجيريا إلى دوائر القرار في البيت الأبيض، ومن استقطاب أصوات العرب الأميركيين إلى التفاوض بشأن حروب السودان وليبيا

فتحية الدخاخني (القاهرة)
حصاد الأسبوع ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)

أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

صراعات معقّدة وثروات هائلة...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
حصاد الأسبوع من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)

شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

منذ أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن «صفقة الديزل» مع روسيا، بدا أن الحرب الروسية - الأوكرانية دخلت منعطفاً جديداً عنوانه إعادة النظر في أولويات الأطراف

رائد جبر (موسكو)
حصاد الأسبوع بوتين... المستفيد الأكبر (أ.ف.ب)

جولات ويتكوف... و«سيناريوهات» الحوار

قد يكون المشهد الحالي للأزمة الأوكرانية، بالإضافة إلى المواقف الأوروبية المتشددة حيال مسألة الضغط على الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، بين أسباب مراجعة

حصاد الأسبوع دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

فتح ملف إعادة إعمار المناطق المتضرّرة في لبنان سجالاً سياسياً حول الجهة التي يفترض أن تتحمّل التكلفة، بعدما حمّل «حزب الله» الحكومة مسؤولية أساسية عن الإيواء

«الشرق الأوسط» (بيروت)

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
TT

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب

من تجارة السيارات والمعدات الثقيلة في نيجيريا إلى دوائر القرار في البيت الأبيض، ومن استقطاب أصوات العرب الأميركيين إلى التفاوض بشأن حروب السودان وليبيا والكونغو، قطع مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للعلاقات العربية والأفريقية، مساراً سياسياً غير تقليدي. في هذا المسار، جمع رجل الأعمال اللبناني الأصل بين العلاقات العائلية وشبكات المصالح التجارية والاتصالات السياسية العابرة للقارات، لكنه اصطدم بتعقيدات أزمات القارة السمراء، التي لم تفلح معها حتى الآن سياسة دبلوماسية الصفقات.

قبل سنوات قليلة لم يكن مسعد بولس، رجل الأعمال الأميركي المتحدّر من أصل لبناني، اسماً مألوفاً في أوساط الدبلوماسية الدولية، لا سيما وأنه أمضى معظم حياته المهنية بعيداً عن واشنطن، متنقلاً بين لبنان والولايات المتحدة ونيجيريا. إلا أن زواج نجله مايكل من تيفاني، ابنة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عام 2022، فتح أمامه أبواب العائلة الرئاسية، قبل أن يتحول أحد الوجوه البارزة في حملة ترمب الانتخابية لعام 2024. وخلال أقل من سنتين، صار اسم بولس حاضراً في جهود وقف الحرب بالسودان، وتسوية الانقسام الليبي، وإنهاء النزاع بين رواندا والكونغو الديمقراطية.

النشأة والمسيرةوُلد مسعد فارس بولس عام 1971، لعائلة مسيحية من الروم الأرثوذكس من أبرز عائلات بلدة كفرعقّا في قضاء الكورة بشمال لبنان. والواقع، أن السياسة لم تكن بعيدة عن عائلته، حيث شغل والده منصب رئيس بلدية كفرعقّا، كما ارتبط عدد من أفراد عائلته بالعمل السياسي والنيابي في لبنان، أبرزهم النائب والوزير فيليب بولس.

ونشأ مسعد وسط توازنات حزبية وطائفية ووجاهة سياسية؛ ما شكّل مفهومه الأول للسياسة لتغدو هذه البيئة جزءاً من شبكة علاقاته السياسية لاحقاً. وفي سن المراهقة، انتقل بولس إلى ولاية تكساس الأميركية، وحاز هناك بكالوريوس إدارة أعمال من جامعة هيوستن- داونتاون، ثم إجازة الحقوق من جامعة تكساس سوذرن، كما حصل على الجنسية الأميركية.

أيضاً، إبّان سنوات دراسة مسعد في الولايات المتحدة، بدأ اهتمامه بالسياسة الجمهورية؛ إذ تطوّع للمشاركة في حملة (الرئيس لاحقاً) جورج بوش الابن لمنصب حاكم ولاية تكساس عام 1994، ونُقل عنه قوله: «هذه أول مشاركة سياسية لي كمواطن أميركي». لكن نشاطه السياسي ظل محدوداً مقارنة بعمله التجاري الذي ارتبط بالقارة الأفريقية.

رحلة تجارة في نيجيريا

بعد إنهاء سنوات الدراسة في الولايات المتحدة، انتقل مسعد بولس إلى نيجيريا وانخرط في أعمال عائلته التجارية وأصبح المدير التنفيذي لمجموعة «سكوا نيجيريا» التي تعمل في مجال توزيع السيارات وتجميعها في غرب أفريقيا وتبلغ قيمتها مليار دولار. وهناك تزوج من سارة فضّول، وهي ابنة رجل أعمال لبناني ارتبط هو الآخر باستثمارات في القارة الأفريقية، وأنجب منها أربعة أبناء.

وبينما منحته سنوات عمله في نيجيريا فرصة تكوين علاقات في أوساط الأعمال الأفريقية، وهي علاقات سيحاول توظيفها لاحقاً في مهامه الدبلوماسية، أثارت انتقادات إعلامية، لا سيما مع نشر صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية تقريراً نهاية عام 2024 شكّكت فيه بحجم ثروته، مدعيةً إنه يمتلك حصة صغيرة جداً من شركة «سكوا نيجيريا»، التي يسيطر عليها والد زوجته.

وفي مواجهة هذه التقارير، دافع فريق ترمب عن سجلّ بولس التجاري، مؤكداً أنه شغل مناصب تنفيذية في شركات عائلية بغرب أفريقيا لأكثر من 27 عاماً. كما أوضح بولس للـ«نيويورك تايمز» أن حديثه عن قيمة تتجاوز مليار دولار كان يقصد به مجموعة شركات عائلة زوجته، وليس الشركة التي يديرها وحدها.

ومن ناحية ثانية، أثار وصف ترمب له بأنه «محامٍ بارز» تساؤلات عدة، لا سيما مع ظهور تقارير صحافية ذكرت أنه لا يحمل رخصة مزاولة مهنة المحاماة في تكساس، مع أن هذا لا ينفي حصوله على حصوله على شهادة في القانون.

في أي حال، رغم إقامة مسعد بولس لسنوات في الولايات المتحدة أو العمل في نيجيريا، فإنه بقي مرتبطاً بمسقط رأسه، ومحافظاً على علاقاته مع عائلته في لبنان، حيث كان يتردد على بلدته كفرعقّا باستمرار. ونقلت وسائل إعلام عن مصادر مقرّبة من عائلة بولس قولها إنها «أسرة متواضعة، وأصيلة، وودودة، لا تشبه في سلوكها الأغنياء الجُدد، أبواب أهله كانت دائماً مفتوحة للجميع، ولهم مكانة عالية في قلوب جيرانهم ومحيطهم». كما يوصف بولس نفسه بأنه «ابن رضي لوالديه». وإلى جانب العائلة، ارتبط بولس بعلاقات واسعة مع أطراف لبنانية متعارضة؛ ما عدّه مراقبون إشارة على قدرته على بناء علاقات وتحالفات تتجاوز الانقسامات التقليدية. وبفضل قوة علاقاته هذه، وتنوّعها، تردّد في أوساط إعلامية أنه كان مرشحاً في إحدى الانتخابات البرلمانية في لبنان، وهو ما نفاه بولس في تصريحات صحافية في ما بعد.

زواج غيّر مساره

إلا أن التحوّل الأكبر في مسيرة مسعد بولس جاء من خارج باحة السياسة التقليدية، ومن خارج لبنان أيضاً. ففي عام 2018، بدأت علاقة ابنه مايكل بتيفاني ترمب، التي تعرف إليها خلال عطلة في جزيرة ميكونوس اليونانية، قبل أن يُعلنا خطوبتهما خلال يناير (كانون الثاني) 2021، ويتم الزواج في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، وبذا دخل بولس الدائرة العائلية المحيطة بترمب.

وفق تقرير نشرته وكالة الـ«أسوشييتد برس» في يونيو (حزيران) 2024، كان بولس قد شارك بالفعل في أنشطة سياسية داعمة لترمب، لكن دوره توسّع بصورة كبيرة بعد زواج نجله. وحين بدأت حملة الانتخابات الرئاسية لعام 2024، وجد ترمب في قريبه اللبناني - الأميركي شخصية مناسبة للتواصل مع الجاليات العربية والمسلمة، لا سيما في ولاية ميشيغان المتأرجحة.

وبالفعل، استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة»، في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب بحجة أن ترمب قادر على وقف الحرب في الشرق الأوسط.

لم تكن تلك المهمة سهلة؛ إذ واجه بولس اعتراضات على سياسات ترمب نفسها تجاه المسلمين والفلسطينيين، لكنه استطاع في الوقت نفسه اجتذاب بعض التأييد للرئيس الأميركي. وحسب مراقبين، ربما كان هذا الدور هو السبب في قرار ترمب خلال ديسمبر (كانون الأول) 2024، تعيين بولس كبيراً لمستشاريه للشؤون العربية والشرق أوسطية، ووصفه إياه بأنه «رجل أعمال يتمتع بخبرة دولية وقدرة على بناء تحالفات انتخابية مع الأميركيين العرب».

وبعدها، يوم 1 أبريل (نيسان) 2025، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية تعيين بولس كبيراً لمستشاري الشؤون الأفريقية، ليبدأ بولس أولى مهامه الرسمية في أفريقيا بزيارة الكونغو الديمقراطية ورواندا وكينيا وأوغندا؛ بهدف دعم جهود السلام في شرق الكونغو وتشجيع استثمارات القطاع الخاص الأميركي.

«دبلوماسية الصفقات» ... في أفريقيا

بدأ بولس يتبنى نهجاً يتلاءم مع فلسفة ترمب القائمة على ربط التسويات السياسية بالصفقات الاقتصادية. وقال في أحد لقاءاته الصحافية، إن سياسة الإدارة الأميركية تجاه القارة ترتكز على ثلاثة مبادئ، هي: السلام والشراكات والازدهار. وظهر هذا التوجه واضحاً في ملف الكونغو الديمقراطية ورواندا، حيث قاد بولس اتصالات مع رئيسَي البلدين بشأن اتفاق لوقف الصراع في شرق الكونغو، وهي منطقة غنية بالمعادن الاستراتيجية، بينها الكوبالت والنحاس والليثيوم.

ويوم 27 يونيو 2025، وقّع البلدان «اتفاق سلام» برعاية أميركية في واشنطن، تضمّن «ترتيبات أمنية» وأسساً لتوسيع التعاون الاقتصادي وجذب الاستثمارات.

والواقع، أن الإدارة الأميركية لم تخفِ اهتمامها بالموارد المعدنية؛ بل تكلّم ترمب صراحةً عن «المكاسب» التي يمكن أن تحققها الولايات المتحدة من الوصول إلى معادن الكونغو. لكن ذلك الاتفاق لم ينهِ الصراع فعلياً؛ إذ استمرت المواجهات في شرق الكونغو، وظل تنفيذ التفاهمات موضع شكوك.

وبعد ذلك، في أكتوبر (تشرين الأول) 2026، برز تطوّر جديد مع إعلان الرئيس الكونغولي السابق جوزيف كابيلا قيادة تحالف متمرد جديد يضم حركة «إم 23»؛ ما عكس استمرار تعقيدات الأزمة.

السودان وليبيا... أصعب الاختبارات

ولكن، إذا كان ملف الكونغو قد منح مسعد بولس فرصة لتقديم نفسه وسيطاً دولياً، فإن السودان وليبيا وضعاه أمام اختبارات أكثر تعقيداً.

في السودان، انخرط بولس في جهود «الآلية الرباعية» الدولية التي تضم الولايات المتحدة، ومصر، والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة؛ لدفع الجيش السوداني وميليشيا «قوات الدعم السريع» نحو هدنة إنسانية تمهد لتسوية سياسية. وطرح بولس خطة لوقف إطلاق النار لمدة 90 يوماً، تعقبها مفاوضات أوسع لإنهاء الحرب والعودة إلى مسار الحكم المدني، غير أن مقترحه واجه اعتراضات من أطراف مرتبطة بالجيش السوداني، وحتى الآن لا يزال مسار الحل السياسي بعيداً.

أما في ليبيا، فقد دعم بولس مباحثات لتوحيد المؤسسات المنقسمة بين الشرق والغرب، وبناء شراكات تسمح بتوحيد المؤسسات والانتقال للانتخابات، لكن تعقيدات الصراع أعاقت حتى الآن الحلول السلمية.

الخلاصة، أن بولس لا يبدو دبلوماسياً أميركياً من الطراز التقليدي؛ فهو لم يأت من وزارة الخارجية، ولا من المؤسسة الأمنية أو البحثية، بل جاء من عالم الأعمال والسياسة العائلية، معتمداً على علاقات شخصية مباشرة مع الرئيس الأميركي وخبرة تجارية في القارة الأفريقية ومعرفة بالتوازنات السياسية اللبنانية، والقدرة على التواصل مع شخصيات لا تجمعها بالضرورة مواقف سياسية مشتركة. وبالتالي، مصادر قوته تمثل أيضاً نقاط ضعف تثير التساؤلات بشأنه، كما أن قدرته على الوصول إلى القادة وإطلاق المبادرات، لا تضمن وحدها نجاح تلك المبادرات أو تنفيذ ما ينتج منها من اتفاقات.


أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
TT

أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)

صراعات معقّدة وثروات هائلة...

عبارة تصف بصدق القارة الأفريقية، التي تمتلك وفق بعض التقديرات نحو 30 في المائة من الاحتياطيات المعدنية العالمية، إضافة إلى ثروات هائلة من النفط والذهب والأراضي الزراعية، لكن الصراعات المعقدة والانقسامات السياسية والحروب الأهلية تحول دون استثمارها.

والواقع أنه يعيش نحو 44 في المائة من سكان «القارة السمراء»، خاصة، جنوب الصحراء الكبرى في فقر مدقع. وبينما تتفاقم الصراعات الأفريقية الداخلية، تتزايد الأطماع الخارجية وتشتد حدة التنافس العالمي بين القوى الكبرى على استغلال موارد القارة وثرواتها.

تقديرات «لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا»، تشير إلى أنه على الرغم من امتلاك أفريقيا نحو 30 في المائة من احتياطيات المعادن العالمية، فإنها لا تحصل إلا على حصة محدودة من عوائد هذه الثروة نتيجة للاعتماد على تصدير المواد الخام وضعف التصنيع المحلي.

أيضاً، في أفريقيا نحو 65 في المائة من الأراضي الصالحة للزراعة عالمياً، بحسب التقارير الدولية. ووفق بيانات الأمم المتحدة فإن ثروات القارة تشمل نحو 7.5 في المائة من احتياطيات النفط، و8 في المائة من احتياطيات الغاز الطبيعي، و40 في المائة من احتياطيات الذهب العالمية، بجانب حصص كبيرة من الكروم والبلاتين، ويقدر رأس المال الطبيعي للقارة بنحو 7.6 تريليون دولار، وفق تقديرات البنك الأفريقي.

إلا أن كل هذه الأرقام لا تنعكس بحبوحة على سكان القارة. إذ تشير أرقام البنك الدولي لعام 2025، إلى أن نحو 584 مليون شخص في أفريقيا جنوب الصحراء يعيشون في فقر مدقع، ما يمثل نحو 44.1 في المائة من السكان. وكأمثلة، تتجاوز نسبة الفقر المدقع 80 في المائة في الكونغو الديمقراطية وموزمبيق، وتبلغ نحو 60.5 في المائة في النيجر، ويعيش 7 من كل 10 فقراء في العالم في قارة أفريقيا.

ومن ناحية ثانية، لا تنفصل الأوضاع الاقتصادية عن النزاعات المسلحة التي تضرب مناطق واسعة من أفريقيا، وتبرز الكونغو واحدةً من أبرز نماذج الصراع في أفريقيا، فالدولة الغنية بالكوبالت والنحاس والذهب والكولتان، تعد من أفقر دول القارة، وتعد النزاعات المحلية على الأرض من أزمتها. ولا يختلف الوضع كثيراً في السودان، الذي يعاني صراعاً ممتداً منذ أبريل (نيسان) 2023، بين الجيش وميليشيا «الدعم السريع»، أدى إلى نزوح وتشريد عدد كبير من السكان. أما بالنسبة لليبيا، فهي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في أفريقيا، تقدر بنحو 48 مليار برميل، لكن الانقسام السياسي والمؤسسي منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011 حال دون استثمار هذه الثروة بصورة مستقرة.

أيضاً، لا يختلف الوضع في منطقة الساحل، حيث تواجه مالي وبوركينا فاسو والنيجر تصاعداً في هجمات الجماعات المتشددة، ما يعوق التنمية والاستفادة من ثرواتها المعدنية الكبيرة من الذهب واليورانيوم. وفي القرن الأفريقي حيث تتعاظم التحديات من حرب أهلية في إثيوبيا، ونزاعات مسلحة في الصومال، وهشاشة في الأوضاع السياسية والأمنية في مختلف أنحاء «القارة السمراء».


شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
TT

شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)

منذ أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن «صفقة الديزل» مع روسيا، بدا أن الحرب الروسية - الأوكرانية دخلت منعطفاً جديداً عنوانه إعادة النظر في أولويات الأطراف الرئيسة المنخرطة فيها، بشكل مباشر أو غير مباشر، وذلك على ضوء إعلاء المصلحة الانتخابية الداخلية في الولايات المتحدة، واستعداد الإدارة الأميركية لانتهاج سياسة مختلفة عن سياسة حلفائها، وممارسة ضغط أكبر على الأوكرانيين خلال المرحلة المقبلة.

أثارت «صفقة الديزل» المُزمعة بين الولايات المتحدة وروسيا جدلاً صاخباً داخل أروقة السياسة الأميركية، واستدعت ردود فعل غاضبة في أوروبا وفي الداخل الأوكراني. لكن كان مُلاحظاً أن الكرملين لم يتسرّع في إعلان مواقف رسمية حيالها، بل اكتفى بتوجيه صامت للإدارات المعنية في البلاد بالعمل على توفير الظروف الملائمة لإنجاحها، كونها تقوّض واحداً من الأركان الأساسية للعقوبات المفروضة على قطاع النفط في روسيا.

هذا الأمر دفع وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك إلى الإعلان عن رفع الحظر المفروض على تصدير الديزل، مع محاولة طمأنة السوق الداخلية بأن الصفقة «لن تضرّ باحتياجات المستهلكين المحليين». وهذا مع الإشارة إلى أن روسيا تواجه داخلياً نقصاً كبيراً في إمدادات الوقود والديزل.

وبينما سارت موسكو خطوة ثانية نحو ترسيخ مكسبها، عبر اشتراطها رفع القيود المفروضة على شركات روسية لتنفيذ بنود الصفقة، كان هناك بُعد أهم. وتمثّل هذا البُعد في الانعكاس السياسي للصفقة، وكذلك عودة الكلام الأميركي عن «ضرورة إجراء انتخابات رئاسية لاختيار رئيس جديد لأوكرانيا». وهذا ما حدث بعد رد الفعل الغاضب للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي رأى أن صفقة الديزل «استثمار في الحرب»، وبالتالي، تعهّد بمواصلة استهداف منشآت الطاقة الروسية ما دامت موسكو تواصل استهداف البنى التحتية للطاقة في بلاده.

التأثيرات الميدانية

لقد كان متوقّعاً ألّا تصمد طويلاً «هدنة الطاقة» التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنجاح الصفقة، من دون تنسيق مع الطرفين الروسي والأوكراني.

وبعد توقف مؤقّت عن استهداف منشآت الطاقة الروسية، أعلن زيلينسكي أن الضربات على مصافي النفط ستُستأنف بسبب عدم التزام موسكو التي واصلت قصف البنى التحتية الأوكرانية. وفي المقابل، تجاهلت موسكو الهدنة، واكتفت بإشارات إلى أنها «تبحث شروطها مع الجانب الأميركي». وهكذا بدا أن الجهد الأميركي في هذا المجال يواجه اختباراً جدّياً لمدى قدرة ترمب على فرض تصوّره لآليات تنفيذ الصفقة.

المثير أن ترمب اختار الطريق الأقصر لذلك، عبر تقليص الدعم الاستخباراتي لأوكرانيا، وتجميد التعاون عبر شبكة «ستارلينك» و«ستارشيلد»، وهي النسخة العسكرية للشبكة التي كانت تتولّى توجيه التحذيرات المُسبقة للجانب الأوكراني عندما يُصار إلى إطلاق موجات صاروخية نحوه. وهو ما جعل الدفاعات الجوية الأوكرانية عمياء لعدة أيام، ومن ثم، زاد من حجم الضغوط على زيلينسكي. وفي هذا المجال، أكدت موسكو عملياً أنها تستعد للاستفادة إلى أبعد درجة مُمكنة من التدهور الحاد في علاقات القيادة الأوكرانية مع واشنطن.

القطيعة مع زيلينسكي

لقد طرح التطوّر معضلة جديدة أمام كل الأطراف الداعمة لأوكرانيا. فالقطيعة بين إدارة ترمب وزيلينسكي، الذي حمّله الرئيس الأميركي المسؤولية عن محاولة تعطيل الصفقة و«الإضرار بإمدادات الطاقة عالمياً»، دفعت نحو إطلاق واشنطن فكرة استبدال القيادة الأوكرانية.

بيد أن التطبيق العملي لهذه الفكرة يبدو احتمالاً بعيداً جداً، في ظروف الوضع الأوكراني الداخلي، وتعذّر فرص إجراء انتخابات، والموقف الأوروبي المعارض لتصعيد الضغوط على كييف و«منح موسكو جوائز»... كما علق أكثر من مسؤول أوروبي.

الانتخابات الرئاسية الأوكرانية، المؤجلة منذ سنتين، لا يُمكن إجراؤها، كما يقول الأوكرانيون، تحت النار، ولا بد من إعلان هدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل لإنجاح الاستحقاق، وفقاً لمطلب زيلينسكي.

ولكن هذا أمر يبدو مستبعداً للغاية في الظروف الحالية، لا سيما أن واشنطن فشلت حتى في فرض هدنة مؤقتة في قطاع الطاقة، فكيف ستنجح في حمل الكرملين على القبول بهدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل؟

لا تبدو موسكو اليوم متحمسة كثيراً

«للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي

على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه

المزاج الشعبي الأوكراني

من جانب آخر، اللافت أنه خلافاً للموقف المتشدّد للرئيس الأميركي حيال العلاقة مع زيلينسكي، جاء موقف الكرملين أكثر هدوءاً وتحفظاً؛ إذ بدا لافتاً في تأكيده له أنه «مهما بلغت الرغبات» تظلّ مناقشة أي تسوية سياسية من دون القيادة الحالية لأوكرانيا «أمراً مستحيلاً».

وهنا، تجدر الإشارة إلى أن موسكو التي شكّكت طويلاً بـ«شرعية» زيلينسكي، ورأت «صعوبة» في إبرام اتفاق سلام مع رجل انتهت ولايته الرئاسية منذ سنتين، ولم يعمل على تنظيم انتخابات رئاسية تجدّد الثقة به وبسياساته وتمنحه تفويضاً للتكلّم باسم الشعب الأوكراني، وجدت نفسها الآن أمام استحقاق جديد مع بلوغ الأزمة بين زيلينسكي وترمب حد القطيعة النهائية.

لكن موقف الكرملين لا يبدو، في أي حال، معزولاً عن سياقات المعركة الجارية والمزاج العام في أوروبا وفي الداخل الأوكراني.

إذ إن موسكو لا تبدو راهناً متحمسة كثيراً «للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي، على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه، ومع أن موسكو نفسها ساهمت في تعميق أزمته مع ترمب، واستثمرت في توسيع الهوة لضمان قطع المساعدات الاستخباراتية الأميركية عن أوكرانيا، وتقليص الدعم العسكري إلى أدنى درجة.

بناءً عليه، يبدو الموقف الروسي ملتبساً بعض الشيء، لكن هذا الالتباس يُخفي فهماً روسيا أعمق، وأكثر دقّة، من الفهم الأميركي للصعوبات التي تواجه التسوية السياسية. وهنا تدخل «ضرورات» التعامل مع زيلينسكي، بالنسبة إلى موسكو على الرغم من كل الاعتراضات السابقة عليه.

وفي هذا السياق، كتب معلّق روسي بارز أن «زيلينسكي الضعيف والمشكوك بشرعيته والمُحاط بالضغوط يظل (بالنسبة لموسكو) أفضل من زيلينسكي الواقف على صخرة قوية من الدعم الأوروبي، والمستند إلى دعم واضح في المجتمع الأوكراني».

وفي هذا الإطار، لا تبدو الأرقام والإحصائيات للمزاج العام في أوكرانيا مشجعة لدعم عملية انتخابية في الوقت الحالي؛ إذ يكفي إيراد بعض النتائج وفقاً لاستطلاعات الرأي الاجتماعي الحديثة في أوكرانيا (سبتمبر «أيلول» - أكتوبر «تشرين الأول» 2026).

أولاً: الرغبة في مواصلة الحرب: وفقاً لاستطلاع أجراه «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع (KIIS)»، فإن 62 في المائة من الأوكرانيين مستعدون لتحمّل الحرب ما دام الأمر لازماً. واللافت أنه في مقابل غالبية جاهزة لمواصلة تحمّل تبعات الحرب لسنوات، يقول 23 في المائة إنهم مع منح الفرصة للعسكريين لسنة إضافية أو نصف سنة. أي أنهم لا يعارضون وقف الحرب حالياً لكنهم يريدون سقفاً زمنياً محدداً لإنهاء القتال.

ثانياً: التنازلات الإقليمية: وفقاً لدراسة أجرتها مجموعة «ريتينغ» في أكتوبر 2026، فإن نحو 56 في المائة من المواطنين يقبلون، إلى حد ما، إمكانية تقديم تنازلات إقليمية مقابل تحقيق سلام طويل الأمد. لكن هؤلاء يربطون القبول بأي تنازلات بالحصول على ضمانات أمنية كاملة وموثوقة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ويرون أن الثمن يجب أن يكون قبول أوكرانيا التي تسعى للتكامل مع المنظومة الأوروبية، في مقابل وقف القتال عند خطوط التماس الحالية. واللافت هنا أن هذه الفئات لا تطالب القيادة الأوكرانية الحالية أو الجديدة - إذا أجريت الانتخابات - بإعلان «شرعية» السيادة الروسية على الأراضي، بل تبدي استعداداً للتعامل مع «أمر واقع» مفروض على الأرض.

ثالثاً: الثقة بالحكومة: تشير استطلاعات «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع» إلى أن مستوى الثقة بالرئيس فولوديمير زيلينسكي لا يزال عند نحو 54 في المائة.

والملاحظ في كل هذه النتائج أن الأرقام لم تتغير كثيراً عن نتائج استطلاعات أجريت قبل شهرين وكذلك نتائج العام الماضي.

وعلى وجه الخصوص، لم تنخفض النسبة بين سكان العاصمة كييف الذين شملهم الاستطلاع - 72 في المائة من المستجيبين مستعدّون لتحمل الحرب مهما طال الأمر (في أواخر يوليو «تموز» وأوائل أغسطس «آب»، كانت هذه النسبة 69 في المائة، وهو فرق ضمن هامش الخطأ).

الملاحظ أيضاً أن «معهد كييف الدولي للدراسات الاستراتيجية» أشار إلى أنه ينبغي الأخذ في الاعتبار أن هذا الاستطلاع أُجري بعد تصعيد الهجمات الروسية النشطة على المرافق الحيوية باستخدام الطائرات المسيّرة. ووفقاً لدراسة المعهد، فإن «هذا يعني أن هذه البيانات، على الأقل حتى الفترة من 12 إلى 21 سبتمبر، لم تُؤدِّ إلى تراجع معنويات السكان. وفي الوقت نفسه، أُنجز الاستطلاع قبل بدء الهجمات على الجسور عبر نهر الدنيبر».

غير أن كل هذا لا يعني أن الأوكرانيين يعارضون مبدأ التفاوض؛ إذ أظهرت الدراسات ذاتها أن 75 في المائة مع مبدأ التفاوض، لكن 56 في المائة كما ورد سابقاً يرفضون التنازلات الإقليمية من دون ضمانات واضحة وموثّقة لأوكرانيا. بينما يوافق 3 في المائة فقط على التنازلات دون أي شروط مسبقة.

ولدى العودة إلى مسألة الثقة بزيلينسكي، دلّت الدراسات الحديثة كلها أنه سيكون من الصعب جداً شطبه من المعادلة السياسية في البلاد.

وبالفعل، لا يزال زيلينسكي، بالإضافة فاليري زالوجني (قائد الجيش السابق) وكيريل بودانوف (رئيس مجلس الأمن) وميخائيل فيدوروف (سياسي بارز ورائد في مجال التقنيات الرقمية) يتصدّرون استطلاعات الرأي ونسب التأييد الانتخابي.

والمعنى هنا أن الانتخابات، لو أجريت الآن أو بعد وقت، فإن زيلينسكي سيكون المرشح الأوفر حظاً بالفوز... أو حتى قد تميل الكفة إلى الجناح الأكثر تشدداً منه مثل زالوجني أو بودانوف.