مصادر حكومية لـ(«الشرق الأوسط») : السيسي ليس مضطرا لإعلان موقفه قبل 31 يناير

قوى سياسية مصرية تحدثت عن «ترتيبات» تسبق إعلان قائد الجيش لترشحه

مصريون في أحد المؤتمرات الشعبية في القاهرة أمس يطالبون بترشح قائد الجيش الفريق السيسي لمنصب الرئاسة (أ.ب)
مصريون في أحد المؤتمرات الشعبية في القاهرة أمس يطالبون بترشح قائد الجيش الفريق السيسي لمنصب الرئاسة (أ.ب)
TT

مصادر حكومية لـ(«الشرق الأوسط») : السيسي ليس مضطرا لإعلان موقفه قبل 31 يناير

مصريون في أحد المؤتمرات الشعبية في القاهرة أمس يطالبون بترشح قائد الجيش الفريق السيسي لمنصب الرئاسة (أ.ب)
مصريون في أحد المؤتمرات الشعبية في القاهرة أمس يطالبون بترشح قائد الجيش الفريق السيسي لمنصب الرئاسة (أ.ب)

كشفت مصادر حكومية مصرية لـ«الشرق الأوسط» أمس عن مفاجأة ربما تغير من ترتيب التوقعات بشأن فرص ترشح الفريق أول عبد الفتاح السيسي لانتخابات الرئاسة، وأكدت، على غير ما هو شائع في الأوساط السياسية والإعلامية المصرية، أن يوم 31 يناير (كانون الثاني) ليس موعدا نهائيا لحسم موقف قائد الجيش من الترشح للرئاسة، في وقت تحدثت فيه قوى سياسية عن ترتيبات تتعلق بضبط قوانين الانتخابات الرئاسية والبرلمانية تسبق إعلان قائد الجيش لترشحه، وقالت هذه المصادر إن الحكومة لم يصلها من الرئاسة أي مقترحات بشأن موعد نهائي لإصدار قوانين منظمة للانتخابات حتى مساء أمس.
وكشف مصدران، أحدهما مسؤول حكومي، والثاني هو مستشار رئيس الوزراء لشؤون الانتخابات اللواء رفعت قمصان، لـ«الشرق الأوسط»، عن أن ما يتردد في بعض الأوساط السياسية والإعلامية، بشأن غلق الباب أمام القيد في جداول الناخبين ينتهي بنهاية شهر يناير من كل عام «هو أمر غير صحيح»، بعد أن أدخلت تعديلات على هذا الأمر منذ ثلاث سنوات، وأصبح من حق أي عسكريين أو رجال شرطة، والذين يمنعهم القانون من ممارسة العمل السياسي انتخابا وترشحا، إدراج أسمائهم في جداول الناخبين «بشكل آلي» وممارسة حقهم السياسي، بمجرد الاستقالة وتغيير طبيعة العمل في بطاقة الهوية.
وقال المسؤول الحكومي إن هذا يعني أن الفريق السيسي ليس مطلوبا منه أن يستقيل من وزارة الدفاع قبل يوم 31 الشهر الجاري، في حال رغبته في الترشح للمنصب الرئاسي، كما يشيع البعض، وإنما يحق له الاستمرار في عمله وزيرا للدفاع؛ طالما أن اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية لم تعلن عن فتح باب الترشح لانتخابات الرئاسة، موضحا: «وبالتالي لو تحدد موعد فتح الباب لانتخابات الرئاسة في شهر مارس (آذار) المقبل، فمن حق السيسي أن يستمر في موقعه حتى قبيل حلول ذلك الموعد».
وبينما أرجأ المتحدث الرسمي باسم الحكومة، السفير هاني صلاح، التعليق على ما تردد بشأن قرب إصدار السلطات قانوني الانتخابات البرلمانية والرئاسية، قال مسؤول حكومي آخر إن «هذا لم يحدث، ولا توجد أي معلومات بشأنهما»، مشيرا إلى وجود «ترتيبات أخرى جارية لضبط هذين القانونين قبل إصدارهما». وأضاف أن الرئاسة «لم تحدد أصلا، حتى الآن، إن كانت الانتخابات الرئاسية أولا أم البرلمانية أولا».
ومن جانبه أكد اللواء قمصان أن القانون يتيح لكل مواطن أن يجري تسجيل اسمه، بشكل آلي، في جداول الناخبين حتى يمارس حقوقه السياسية، سواء كان من رجال الجيش أو الشرطة أو غيرهم: «ما لم تكن هناك انتخابات جارية، أو ما لم يعلن عن فتح باب أي من الانتخابات سواء كانت رئاسية أو برلمانية». وأضاف أن «المطلوب فقط، وفقا للقانون، لرجل الجيش أو الشرطة، فور إنهاء خدمته العسكرية، أن يغير بيان وظيفته في بطاقة الهوية في مصلحة الأحوال المدنية، في أي وقت من السنة، ما لم تكن هناك انتخابات جارية».
وتابع اللواء قمصان قائلا: «جداول قيد الناخبين فتحت بالفعل منذ يوم 16 يناير الجاري، أي بعد انتهاء الاستفتاء على الدستور، ويتوقف التسجيل في هذه الجداول مع صدور قرار بدعوة الناخبين لأي انتخابات جديدة»، مشيرا إلى أنه من حق رئيس الجمهورية أن يدعو للانتخابات البرلمانية والاستفتاء، لكن بالنسبة للانتخابات الرئاسية، فإن لجنة الانتخابات الرئاسية هي التي تعلن عن ذلك.
وعن ربط بعض السياسيين والإعلاميين لحق السيسي في الترشح للرئاسة، بقولهم إن آخر موعد له كعسكري هو 31 الشهر الجاري وأن عليه أن يستقيل من موقعه كوزير للدفاع قبل هذا التاريخ، قال اللواء قمصان: «هذا كان في القانون القديم الذي جرى تعديله منذ ثلاث سنوات، حين كان القانون يفتح باب القيد من الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) حتى يوم 31 يناير، ولمدة ثلاثة أشهر. وهذا قانون من التاريخ القديم، وولى».
واستمرت أمس التكهنات بشأن ترشح قائد الجيش للرئاسة. وعلق وزير الخارجية المصري الأسبق، محمد العرابي، رئيس حزب المؤتمر، بقوله: «أولا نحن نحتاج هذه الشخصية في المرحلة المقبلة، ولكنه ستكون له حساباته الخاصة به. إلا أن تقديري أنه لن يخذل الشعب المصري الذي يراه هو الرئيس القادم وهو الشخص الأنسب، وأعتقد أن هذا هو التحليل الطبيعي، وأنه في النهاية لن يخذل الشعب المصري».
وعما يقال عن حالة الارتباك بسبب تأخير إعلان ترشحه مع قرب موعد ذكرى 25 يناير، قال العرابي إنه توجد استحقاقات كثيرة كانت تحتاج أن تحسم في الفترة الحالية وبسرعة، مثل قانون الانتخابات وعملية الترشيح والتعديل الوزاري. وأضاف أن كل هذه الأشياء كانت تحتاج فعلا إلى إدراك أهمية الوقت فيها، لكن أعتقد أن هذا سيجري بعد 25 يناير، بما في ذلك احتمال إعلان الفريق السيسي ترشحه للرئاسة.
ومن جانبه قال الدكتور رفعت السعيد، القيادي في حزب التجمع المصري، إنه يرى أن السيسي أصبح في حكم من ترشح بالفعل للرئاسة. وأضاف بشأن تفسيره للتأخير في الإعلان عن الأمر حتى الآن بقوله إن هذا التأخير «طبيعي»؛ لأن الأمر يحتاج إلى قدر عال من الترتيبات، وربما يكون أيضا منها أن هناك حالة من الرغبة في وضع قانون انتخابات برلمانية جديد بترتيبات جديدة، لأن «العملية بالغة الدقة، والبرلمان المقبل يمكن أن يأتي ممثلا لمن يستطيع أن يشتري المقاعد، وأعتقد أنه سيكون برلمانا من المليونيرات، في وقت أصبح للبرلمان سلطات كبيرة مقارنة بصلاحيات رئيس الجمهورية (وفقا للدستور الجديد)».
وقال إن الأمر ربما يتطلب «وضع قواعد انتخابية ضامنة لأن يكون البرلمان راغبا حقا وفعلا في أن يقيم العدل الاجتماعي وأن يحقق مصالح الجماهير. وكل هذا يتحقق عبر برلمان متوازن».
وعلى الصعيد الشعبي، استمرت أمس الحشود الجماهيرية التي ترفع صور السيسي وتطالب بترشحه، والتي تنظمها عدة جبهات وأحزاب وتكتلات. وقال النائب البرلماني السابق محمد أبو حامد، رئيس «جبهة مؤيدي السيسي» وهي واحدة من الجبهات الداعمة لترشح السيسي، إن جميع الأسماء المطروحة «لا يوجد بينها شخصية واحدة تحظى بالتأييد الشعبي، إلا شخصا واحدا هو الفريق أول السيسي». وأضاف أن قائد الجيش اشترط تفويضا من القوات المسلحة ومن الشعب، وأنه في آخر مرة كان حاضرا مع قادة الجيش والأفرع الرئيسية، صفقوا له بما يوحي بتأييده لتولي الرئاسة.
وتابع قائلا إن فكرة التأييد والدعم الشعبي للسيسي أمر مفروغ منه؛ لأنه أصبحت توجد عشرات الحملات التي تكونت بعد 30 يونيو (حزيران) كوسائل لنقل رغبة الشارع لقائد الجيش بأن يترشح لرئاسة مصر، مؤكدا: «نحن نقترب من جمع 40 مليون توقيع من أجل أن يكون السيسي رئيسا».
ويأتي هذا الاتجاه العام الذي يبدو واثقا من قرب صدور قرار من السيسي بترك وزارة الدفاع والاستعداد للترشح للرئاسة، وسط تكهنات مغايرة تستند في أغلبها إلى ما يشبه التسريبات من خصوم قائد الجيش، وبالونات اختبار من بعض المرشحين المحتملة منافستهم في انتخابات الرئاسة. وقال عبد النبي عبد الستار، المتحدث باسم «حملة كمل جميلك» التي تضغط أيضا لترشح السيسي، إنه لوحظ يوم أمس مؤشرات من بعض المنافسين المحتملين تحاول الإيحاء بأنه «لا ينبغي ترشح السيسي لأنه عسكري، ويمكن أن يتسبب وجوده على رأس الدولة رئيسا في مشكلات لمصر داخليا وإقليميا ودوليا».
وتابع أن البعض الآخر يريد إزاحة السيسي من المنافسة بالقول إن «الأصلح له أن يستمر وزيرا للدفاع، لأن تركة مصر كبيرة بمشكلاتها الاقتصادية والأمنية والاجتماعية». وأضاف أن كل هذه التسريبات «أصبحت تتحطم على صخرة الشعبية الطاغية التي يحظى بها قائد الجيش».



تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
TT

تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)

حذّر تقرير دولي حديث من استمرار تفاقم أزمة انعدام الأمن الغذائي في اليمن، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، رغم مؤشرات تحسن نسبي في الاستقرار السياسي والاقتصادي بالمناطق الواقعة تحت إدارة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، مدعوماً باستئناف الدعم المالي السعودي.

وأكد التقرير أن اليمن لا يزال يواجه واحدةً من أعقد الأزمات الإنسانية عالمياً، في ظل استمرار النزاع الاقتصادي وتعثر مصادر الدخل وانخفاض مستويات التمويل الدولي.

وأوضح التقرير الصادر عن شبكة أنظمة الإنذار المبكر بشأن المجاعة أن استعادة الحكومة اليمنية سيطرتها على عدد من المحافظات الشرقية والجنوبية، إلى جانب الدعم المالي الذي قدمته السعودية، أسهما في تقليص مستوى عدم الاستقرار السياسي خلال الأشهر الأخيرة.

كما ساعدت هذه التطورات في تحقيق تحسن محدود في المؤشرات الاقتصادية، خصوصاً من خلال دعم بند الرواتب والموازنة العامة، الأمر الذي انعكس على القدرة الشرائية لبعض الأسر.

مشروع مدينة الملك سلمان الطبية التعليمية في المهرة (إكس)

وأشار التقرير إلى أن استمرار الدعم المالي الخارجي يوفر فرص عمل قصيرة الأجل ويساعد في ضخ سيولة نقدية داخل الاقتصاد المحلي، إلا أن هذا التحسن يظل هشاً ومؤقتاً، نظراً لارتباط التعافي الاقتصادي بإعادة تشغيل قطاع النفط واستئناف الصادرات، وهو سيناريو لا يبدو قريباً في ظل استمرار التوترات الأمنية والهجمات على البنية التحتية الاقتصادية.

تحديات مستمرة

على الرغم من المؤشرات الإيجابية المحدودة، أكد التقرير أن الحكومة اليمنية لا تزال تواجه تحديات هيكلية معقدة، أبرزها ضعف الموارد العامة، وتأخر صرف الرواتب في بعض القطاعات، واستمرار الانقسام الاقتصادي بين مناطق الحكومة ومناطق الحوثيين. وبيّن أن هذه العوامل تعوق ترجمة التحسن السياسي إلى نتائج اقتصادية مستدامة تنعكس مباشرة على الأمن الغذائي للسكان.

وأضاف أن مخاطر زعزعة الاستقرار لا تزال قائمة نتيجة التوترات الداخلية والصراع الاقتصادي القائم، ما يجعل التحسن الحالي عرضة للانتكاس في أي وقت.

توقف عمليات أممية حرم ملايين اليمنيين الخاضعين للحوثيين من المساعدات (الأمم المتحدة)

كما أن استمرار القيود على النشاط الاقتصادي وتراجع الاستثمارات يحدان من قدرة الحكومة على توسيع برامج الحماية الاجتماعية أو تحسين الخدمات الأساسية، وفق ما أورده التقرير.

وتوقعت الشبكة الدولية استمرار انتشار انعدام الأمن الغذائي الحاد على نطاق واسع في اليمن حتى نهاية مايو (أيار) المقبل، مع بقاء شريحة كبيرة من السكان في المرحلة الثالثة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهي مرحلة «الأزمة»، حيث تواجه أسرة واحدة على الأقل من كل خمس أسر فجوات كبيرة في استهلاك الغذاء، مصحوبة بارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد.

الأكثر تضرراً

في المقابل، أظهر التقرير أن المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين ستبقى الأكثر تضرراً من الأزمة الغذائية، خصوصاً في محافظات الحديدة وحجة، إضافة إلى أجزاء من محافظة تعز التي تشهد تقاسماً للسيطرة بين الطرفين.

ووفقاً للتقديرات، ستظل هذه المناطق ضمن مستوى «الطوارئ» (المرحلة الرابعة)، ما يعني أن أسرةً من كل خمس أسر ستواجه فجوات غذائية شديدة قد تؤدي إلى ارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد وزيادة مخاطر الوفيات.

وأرجع التقرير هذا التدهور إلى الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الحيوية للمواني الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، إلى جانب اضطرابات الحركة التجارية وتراجع الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالمواني، وهو ما أدى إلى انخفاض الطلب على العمالة وتآكل مصادر دخل الأسر الفقيرة.

وأشار إلى أن بطء تعافي القطاعات المدرة للدخل دفع العديد من الأسر إلى تبني استراتيجيات تكيف قاسية، من بينها تقليص الوجبات الغذائية أو اللجوء إلى التسول والعمل غير المستقر لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات المعيشية.

وفي السياق ذاته، أكدت تقارير أممية متقاطعة أن الأزمة الإنسانية في اليمن لا تزال ذات آثار مدمرة، خصوصاً على النساء والفتيات، حيث يؤدي النزاع والانهيار الاقتصادي وتقليص التمويل الإنساني إلى زيادة معدلات النزوح وانعدام الأمن الغذائي وارتفاع وفيات الأمهات، إضافة إلى تراجع خدمات الحماية والرعاية الصحية.

ورغم استمرار الجهود الإنسانية، أفادت بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان بأن تدخلاته خلال عام 2025 وصلت إلى نحو 2.1 مليون شخص، فإن فجوة تمويلية بلغت 44.5 مليون دولار أجبرت الصندوق على إغلاق نحو 40 في المائة من خدماته، ما ترك نحو مليوني امرأة وفتاة من دون رعاية صحية أساسية.

ويستنتج التقرير أن اليمن يقف أمام مفترق حاسم؛ فبينما أسهم الدعم المالي السعودي والاستقرار النسبي في مناطق الحكومة في تخفيف حدة الأزمة جزئياً، فإن استمرار الانقسام الاقتصادي وتعثر النشاط التجاري في مناطق سيطرة الحوثيين يهددان بتفاقم انعدام الأمن الغذائي، ما لم تُتخذ خطوات اقتصادية وسياسية أوسع تعيد تنشيط الاقتصاد وتضمن تدفق المساعدات الإنسانية دون عوائق.


غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
TT

غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)

قدّم المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، الخميس، إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن، واضعاً في صدارة حديثه التحسن النسبي في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، لكنه ربطه بتحذير صريح من هشاشة هذه المكاسب وإمكانية الانزلاق إلى صراع أوسع.

وبينما أعاد غروندبرغ التذكير بوجود 73 موظفاً أممياً في سجون الحوثيين، جدد الدعوة إلى الإفراج الفوري عنهم دون قيد أو شرط، مطالباً الجهات الإقليمية والدولية باستخدام نفوذها لتحقيق ذلك.

وأشار المبعوث إلى مؤشرات إيجابية في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، من بينها تحسن إمدادات الكهرباء وصرف رواتب القطاع العام، معتبراً أن الخطوات الرامية إلى تحسين ظروف المعيشة «تكتسب أهمية بالغة»؛ لأنها تعيد قدراً من الاستقرار وقابلية التنبؤ في حياة اليمنيين. ولفت إلى أن هذه الإجراءات، إذا ما ترسخت في مؤسسات خاضعة للمساءلة، يمكن أن تمهّد لبيئة أكثر ملاءمة لتسوية سياسية أوسع.

غير أن غروندبرغ لم يغفل عن هشاشة الوضع، محذراً من أن استمرار التوترات والحوادث الأمنية، إلى جانب المظاهرات التي شهد بعضها أعمال عنف وسقوط ضحايا، يعكس قابلية هذه المكاسب للتراجع.

المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (الأمم المتحدة)

وفي هذا السياق، حمّل المبعوث الحكومة الجديدة بقيادة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مسؤولية حماية المكاسب عبر «ترسيخها في مؤسسات معززة وإصلاحات اقتصادية»، مشدداً على ضرورة توفير بيئة تحمي مجلس الوزراء والبنك المركزي من التسييس وتعيد بناء ثقة الجمهور.

كما أشاد بتعيين ثلاث وزيرات بعد سنوات من غياب النساء عن مجلس الوزراء اليمني، معتبراً أن إشراك النساء بصورة كاملة وفعالة يعزز شرعية أي عملية سلام، ويزيد فرص استدامتها.

إطلاق عملية سياسية

انتقل المبعوث بعد ذلك إلى جوهر الإحاطة، وهي الحاجة إلى إعادة إطلاق عملية سياسية جامعة برعاية الأمم المتحدة، وأكد أن النزاع أصبح أكثر تعقيداً، مع تعدد خطوط التنازع وتداخل الديناميكيات المحلية والوطنية، فضلاً عن تأثير التوترات الإقليمية المتبادلة.

وشدد على أن الهدف المشترك لم يتغير، وهو التوصل إلى تسوية سياسية تفاوضية تنهي النزاع بشكل مستدام، لكنه دعا الأطراف إلى تبني «نهج مستقبلي» يقوم على البناء على ما لا يزال ناجعاً، وإعادة النظر في الافتراضات القديمة، وتصميم عملية تعكس واقع اليوم لا خرائط الأمس.

وطرح المبعوث ثلاث نقاط رئيسية للمضي قدماً؛ أولاها الاعتراف بتعقيدات الحرب وتطوراتها وعدم الاكتفاء بأطر سابقة لم تعد تستجيب بالكامل للتحولات، وثانيها ضرورة التعامل المتزامن مع الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، محذراً من أن معالجتها بمعزل عن بعضها لن تؤدي إلا إلى نتائج جزئية وغير مستدامة، ومؤكداً أهمية عدم ربط الانخراط في مسار بالتقدم في مسار آخر.

سيارة أممية ضمن موكب المبعوث الأممي غروندبرغ خلال زيارة سابقة لصنعاء (إ.ب.أ)

وتمثلت النقطة الثالثة في اشتراط أن تحقق أي عملية ذات مصداقية نتائج ملموسة على مستويين زمنيين؛ الأول من خلال اتفاقات قريبة المدى تخفف المعاناة وتظهر تقدماً عملياً، بما في ذلك تدابير لخفض التصعيد الاقتصادي، والثاني عبر مسار أطول أمداً يتيح التفاوض حول قضايا جوهرية مثل شكل الدولة والترتيبات الأمنية ومبادئ الحوكمة.

وفي هذا الإطار، قدّم غروندبرغ ملف الأسرى والمحتجزين نموذجاً لما يمكن أن يحققه الحوار. وأشار إلى المفاوضات المباشرة الجارية في عمّان لاستكمال قوائم المحتجزين تمهيداً للإفراج، داعياً الأطراف إلى إنجاز العناصر المتبقية «دون تأخير»، والمضي نحو التنفيذ، ولا سيما مع اقتراب شهر رمضان، بما يتيح للعائلات لمّ الشمل. كما جدد الدعوة إلى الالتزام بمبدأ «الكل مقابل الكل»، مثمّناً دور الأردن واللجنة الدولية للصليب الأحمر.

تحذير من مواجهة أوسع

من ضمن أكثر فقرات الإحاطة أهمية، تطرق غروندبرغ إلى تصاعد التوترات الإقليمية، معرباً عن أمله في خفض التصعيد، لكنه شدد على ضرورة ألا يُجرّ اليمن إلى مواجهة أوسع. كما شدد على أن مسألة السلم والحرب «في جوهرها مسألة وطنية»، لا يمكن تفويضها أو احتكارها من قبل جهة واحدة، ولا يحق لأي طرف يمني جرّ البلاد من جانب واحد إلى صراع إقليمي، وفق تعبيره.

وأكد المبعوث أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق صانعي القرار اليمنيين تجاه أمن الشعب وسبل عيشه ومستقبله، داعياً إلى أن تبقى حماية المصالح الوطنية وتطلعات جميع اليمنيين هي البوصلة في أوقات التوتر. وختم هذه الرسالة بالتشديد على أن «ضبط النفس، في هذا السياق، واجب».

ولفت إلى استمرار الحوثيين في احتجاز 73 من موظفي الأمم المتحدة، إضافة إلى آخرين من المجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي، مع إحالة بعضهم إلى المحكمة الجزائية المتخصصة في إجراءات «لا ترقى إلى مستوى الإجراءات القانونية الواجبة».

وأكد غروندبرغ أن الاستقرار الدائم يتطلب بناء مؤسسات تخدم اليمنيين على قدم المساواة، بحيث تُدار الخلافات عبر الحوار والمشاركة السياسية السلمية بدلاً من العنف.


تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
TT

تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بحماية التراث الثقافي والمعماري، تدخلت الجهات القضائية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن لوقف ممارسات عبث وتعديلات غير قانونية طالت مباني تاريخية ومعالم أثرية، في مقدمتها مواقع في حي كريتر بمديرية صيرة، إضافة إلى محاولة اعتداء على معبد هندوسي يُعد من أبرز شواهد التعايش الديني في المدينة.

ويُعد حي كريتر من أقدم أحياء عدن وأكثرها ثراءً من حيث القيمة التاريخية والمعمارية، إذ يضم عشرات المباني والمواقع التي تعكس ملامح النمط العدني الأصيل، الممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ المدينة. ومع اقتراب شهر رمضان، كثّف مختصون في الحفاظ على التراث جهودهم لترميم عدد من هذه المباني، بدعم من جهات محلية ودولية، في محاولة لإعادة الاعتبار للهوية المعمارية للمدينة القديمة.

غير أن هذه الجهود اصطدمت، حسب مصادر مختصة، بتجاوزات قام بها بعض الملاك، الذين أقدموا على إدخال تعديلات حديثة لا تنسجم مع الطابع التاريخي للمباني التي خضعت للترميم، ما استدعى تدخلاً قضائياً حاسماً لوضع حد لتلك المخالفات.

وأكدت نيابة الآثار في عدن دعمها الكامل للجهود الحكومية والمجتمعية الرامية إلى حماية المباني التاريخية؛ حيث نفّذ وكيل نيابة الآثار، عشال المسبحي، نزولاً ميدانياً إلى عدد من المواقع الأثرية لمتابعة مستوى الالتزام بالمعايير المعتمدة في الحفاظ على الطابع التراثي.

كنائس عدن شاهد على عقود من التعايش بين مختلف الديانات (إعلام محلي)

وأوضح المسبحي أن بعض المباني التي جرى ترميمها بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) تعرّضت لاحقاً لتعديلات مخالفة، أبرزها تركيب نوافذ مصنوعة من الألمنيوم بدلاً من الخشبية التقليدية، وهو ما يُعد تشويهاً مباشراً للهوية المعمارية التاريخية للمدينة القديمة.

وشدد وكيل النيابة على ضرورة التزام الملاك بإعادة تركيب العناصر المعمارية الأصلية، وفي مقدمتها النوافذ الخشبية، بما يتوافق مع الطابع العدني الأصيل، مؤكداً أن النيابة لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وأشار إلى أن بعض السكان رفضوا إزالة التعديلات غير القانونية، ما دفع النيابة إلى الشروع في استدعائهم رسمياً، مع التلويح بإحالتهم إلى القضاء في حال استمرار المخالفات، استناداً إلى القوانين النافذة الخاصة بحماية الآثار والمدن التاريخية.

منع الاعتداءات

وفي سياق متصل بهذه التطورات، ترأس وكيل نيابة الآثار فريقاً من السلطة المحلية للتصدي لمحاولة اعتداء على محيط معبد «هنجراج متاجي» الهندوسي الأثري في منطقة الخساف، بعد ادعاء أحد الأشخاص ملكيته لحرم الموقع الذي تبلغ مساحته نحو 4200 متر مربع.

وأكدت النيابة أن المعبد مسجّل رسمياً ضمن قائمة المعالم الأثرية، وأن أي محاولة للتعدي على حرمه أو الاستيلاء عليه هي مخالفة صريحة للقانون. وأوضحت أن الجهات المختصة باشرت اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتورطين، لضمان حماية الموقع وصون قيمته التاريخية.

جانب من أكبر معبد هندوسي في عدن (الشرق الأوسط)

ووفق مسؤولين محليين، رُصدت خلال الفترة الماضية أعمال عبث داخل محيط المعبد، شملت سرقة أبواب ومقتنيات واقتلاع بعض أحجار البناء، إلى جانب تراكم النفايات، في مشهد يعكس حجم التهديد الذي يواجه أحد أبرز رموز التعايش الديني في عدن. وأكدوا أن النيابة ستواصل متابعة القضية حتى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.

دور رقابي

وعلى صلة بالقضية، شدد وديع أمان، مدير مركز تراث عدن، على أن المعبد يُمثل شاهداً حياً على تاريخ التعايش الديني في المدينة، مشيراً إلى أن حماية هذا الموقع تأتي في إطار الدفاع عن هوية عدن المتعددة ثقافياً ودينياً.

وأضاف أن الجهود ستتواصل، كما حدث سابقاً في الدفاع عن معبد «جين سويتامبر»، لحماية جميع مواقع التراث الديني، كونها معالم حضارية وإنسانية تتجاوز رمزيتها البُعد الديني.

مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

وأكد مسؤولون محليون أن هذا التحرك القضائي يندرج ضمن الدور الرقابي للنيابة العامة في حماية المواقع الأثرية ومنع التعديات، وتعزيز سيادة القانون للحفاظ على الممتلكات العامة. كما أوضح مركز تراث عدن وملتقى الحفاظ على المعالم الأثرية أنهما يعملان بالتنسيق مع الجهات الرسمية لمواجهة أي تهديد يطول هذه المواقع.

يُذكر أن المعبد الهندوسي أُغلق نهائياً عام 2015 عقب سيطرة الحوثيين على عدن، وتعرّض لأعمال تدمير جزئي، شأنه شأن عدد من المباني الدينية. ويعود تاريخ بنائه إلى نحو عام 1865، خلال فترة الحكم البريطاني التي شهدت ازدهاراً للتنوع الديني والثقافي في المدينة، وهو ما تسعى عدن اليوم إلى استعادته وحمايته بوصفه جزءاً من ذاكرتها التاريخية.