مستقبل المنطقة العربية بعد وباء «كورونا»

امرأة تخيط أقنعة للوقاية من «كورونا» في بنش في ريف إدلب (أ.ف.ب)
امرأة تخيط أقنعة للوقاية من «كورونا» في بنش في ريف إدلب (أ.ف.ب)
TT

مستقبل المنطقة العربية بعد وباء «كورونا»

امرأة تخيط أقنعة للوقاية من «كورونا» في بنش في ريف إدلب (أ.ف.ب)
امرأة تخيط أقنعة للوقاية من «كورونا» في بنش في ريف إدلب (أ.ف.ب)

تعصف أزمة انتشار «كورونا» في العالم ومنطقة الشرق الأوسط، مهددة مجتمعات واقتصادات وحكومات كثير من البلدان. وجاء الوباء في لحظة، كانت تواجه عدد من الدول العربية حركات احتجاج غير مسبوقة من أجل تغيير واقعها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.
تضع هذه الجائحة الدول في المنطقة والنظام الإقليمي برمته أمام تحديات أمنية وسياسية وجودية، إذ تضرب في وقت تواجه فيه دول عربية أزمات اقتصادية عميقة تراكمت آثارها وسط ركود اقتصادي عالمي، فيما صارت أخرى ضمن عداد الدول الفاشلة أو غير الفاعلة، حيث تدور حروب داخلية وتدخلات عسكرية خارجية على أرضها. وتعمق أزمة الوباء تعثر النظام الإقليمي وتزيد من إخفاقاته.
وتنشر «الشرق الأوسط» بالتعاون مع «معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية» في الجامعة الأميركية في بيروت، آراء مفكرين مؤثرين وقادة رأي من لبنان والمنطقة حول تأثير «كوفيد -19» على البلدان العربية، على الصعد السياسية والاقتصادية والصحية والاجتماعية، محاولين تقييم مدى وكيفية استجابة الحكومات لهذه الجائحة ومستقبل المنطقة بعيد احتواء تفشي هذا الوباء. تناول الخبراء مستقبل الدولة الوطنية والأمن الإقليمي ومنظومة التعاون من أجل تحقيقه، إضافة إلى تأثير مكافحة الجائحة على حركات التغيير وتحقيق العدالة الاجتماعية والتأثيرات الاقتصادية المتوقّعة. كما تناول الخبراء الأنظمة الصحية والسياسات الاجتماعية والاقتصادية.

- مصير الدولة الوطنية
طارق متري
في تسعينيات القرن الماضي، عند تسارع التغيرات العميقة التي شهدها العالم، شاع قول إن «الدول الوطنية باتت أصغر لجهة القدرة على معالجة المشكلات الكبيرة وأكبر من حيث التعامل مع المشكلات الصغيرة». وصحّ هذا القول بنسب متفاوتة في غير منطقة من العالم. أما في بلادنا العربية، فبدت دولنا أعجز مما كانت في التصدي للمسائل الكبيرة والصغيرة، إلا ما يتعلق منها بالأمن وسياسات السيطرة.
بعد انفجار الثورات العربية، ازدادت دولنا الوطنية هشاشة، وفي بعض الحالات انهارت مؤسساتها أو تفكّكت. وباتت أضعف من حيث قيامها بأدوارها الأساسية في سياسة شؤون الجماعة الوطنية وحفظ حياة المواطنين وصون حقوقهم. غير أنها، وفي بلدان عدة، استعادت إمكاناتها في إخضاع المجتمع بحجّة محاربة العنف، إرهابياً كان أم سياسيا أو اجتماعياً، ومحاذرة الانزلاق إلى الفوضى التي يخشاها الناس.
وبدل أن تخطو بلادنا نحو تميّز أكبر ضروري بين الدولة والسلطة، ازداد استحواذ الأخيرة على الأولى. فتمادت بعض السلطات في اعتمادها، إلى جانب القوة العارية، على العصبيات ما دون الوطنية، طائفية أو قبلية أو جهوية أو سواها مما تلده المصالح الفئوية. ووصلت بعض الأنظمة إلى حدّ التعامل مع المصالح العامة كأنها ملكٌ خاص، مستندة بذلك إلى نوع من التماهي بين المحكومين والحاكم، وهو مفروض على المجتمع بوسائل مختلفة. وفي مواصلة استبدادها، أو استحداث أنماط استبدادية متجددة، وكما في السابق، جاهرت بانشغالها بالدفاع عن الكرامة الوطنية فيما تقلّل في الواقع من قيمة الكرامة الشخصية.
وفي الأيام الحاضرة، حيث يفرض انتشار الوباء ومخاطره الكبيرة ابتعادا وانكفاء عن بعض الشؤون العامة، تبرز الحاجة على نحو قاس لدولة تحمي مواطنيها وترعاهم وتغلّب الصالح العام على الأغراض الصغيرة، وأولها شهوة السلطة وطلبها لذاتها، بصرف النظر عما ترغب به أو تستطيعه. ولا تنحصر الحاجة هذه في مجال ضبط المجتمع وفرض انتظامه تداركاً لاتساع المضار الكثيرة. فالضبط المتوخى، إن لم يتلازم مع سياسة اجتماعية رشيدة تُعنى بمن هم أضعف وأفقر، سرعان ما ينزع إلى تبرير مصادرة الفضاء العام وتعطيل السياسة وتقييد الحريات.
بعد انحسار الأزمة الخطيرة الحاضرة، سنجد بلادنا مجددا أمام معضلة بناء الدولة الوطنية، بوصفها نصابا محايدا غير مضاف إلى المجتمع أو قابض عليه، أي دولة تكتسب شرعيتها الفعلية لا من احتكار العنف فحسب بل من مسؤوليتها في رعاية مصالح الناس.
ولعلّ السير في طريق بناء الدولة الوطنية، التي بيّنت أحوال العالم الحاضرة أن لا بديل منها، يستدعي مراقبة السلطة ومحاسبتها والمطالبة لا بنظام قوي في سيطرته بل فاعل في تحقيق صالح مواطنيه العام. فنحول بذلك دون تكرار تجربة عرفناها منذ سنوات حين ارتضى بعض الناس تسلّط السلطات، خشية من استمرار الانفلات والضياع والخيبة، فتوهّمت بعض الأنظمة أن المطالبة ببناء الدولة بمثابة دعوة لإدامة استبدادها.
- الممثل الأسبق للأمم المتحدة في ليبيا، وزير لبناني سابق
ورئيس جامعة «القديس جاورجيوس»- بيروت

- تمكين المرأة اقتصادياً وتشريعياً واجتماعياً
فاديا كيوان
في خضم العاصفة التي یحدثها التفشي العالمي لـ«كورونا» القاتل، یعود الحدیث عن تداعیات هذه الكارثة على النساء في العالم العربي. إذ تشكّل النساء في الأحوال العادیة الحلقة الأضعف في المجتمع لجهة عدم حصولها على خدمات الحمایة والوقایة الصحیة والاجتماعیة.
إن أنظمة الضمان الصحي والاجتماعي تغطي بخدماتها الفئات العاملة دون سواها وذلك حتى سن التقاعد، متغاضية عن حمایة الفئات غیر العاملة وتلك التي تجاوزت سن العمل. وتشكّل النساء جزءا كبيرا من هاتین الفئتین. ولا يستفيد من هذه الخدمات إلا العاملون في القطاع الاقتصادي الرسمي من دون أن تغطي القطاع الاقتصادي الهامشي، حیث تعمل نسبة كبيرة من النساء في عالمنا العربي.
في ضوء ما تقدم، یمكن الجزم بأن الأزمات الصحّیة والاقتصادیة والمجتمعیة الناتجة عن انتشار «كورونا»، سيكون لها تداعیات كبرى على النساء بصورة خاصة. أضف إلى ذلك، وجود ملایین اللاجئين من الحروب والنزاعات المسلحة في أغلب الدول العربیة، الذين لا يحصلون على خدمات صحیة وقائیة كافیة وأغلبيتهم من النساء والأطفال.
من هنا، تكمن أهمية دعم النساء في العالم العربي وبخاصة في مرحلة تفشي الوباء، كونهن يلعبن دورا رئيسياً في تماسك الأسرة والحرص على بقاء أفرادها في البیوت. كما تساهم النساء في تعزيز الأمان النفسي لكل أفراد الأسرة وهن ضابط إیقاع لكل ما یجري في البیت وبخاصة في شؤون التوعیة على النظافة والتعليم.
قد تؤدي هذه الأزمة أيضاً إلى تنامي دور النساء في الحیاة الاقتصادیة بعد انتهاء فترة الوباء والسعي للنهوض الاقتصادي.
أدّت السیاسات الحكومية المشجعة للفتیات والنساء على الالتحاق المدرسي والجامعي وعلى الانخراط في العمل المنتج اقتصادیاً إلى تعزيز قدرات النساء في العالم العربي. لذلك يجب العمل على تعزیز التشریعات التي تحمي المرأة والفتاة من العنف وبخاصة العنف الأسري والذي من المتوقّع أن يزداد بفعل الأزمة الخانقة وبقاء الجمیع في البیت. كذلك، على السیاسات العامة التي ستعتمد في مختلف الدول العربیة لتعزیز الصمود في زمن الكوارث، أن تعتمد مقاربات حسّاسة للمساواة في الفرص بین الجنسین، بحیث تستفید النساء مباشرة من برامج التوعیة والتثقیف والتمكین الهادفة إلى تعزیز قدرات المجتمع بكامله على الصمود والتصدي للكوارث بأدنى كلفة ممكنة.
إننا نمرّ بتجربة استثنائیة على الصعيد العالمي، علینا الاستفادة من دروسها لنكون أقوى وأكثر صموداً أمام كل أنواع التحدیات. والعبرة هي أنه بدعم النساء تتضاعف قوة مجتمعاتنا.
- المديرة العامّة لـ«منظّمة المرأة العربيّة»

- أي صمود للأمن الإقليمي؟
كريم حجاج
رغم أنّه قد يكون مُبكراً تقييم الآثار الأمنيّة الإقليميّة لـ«كورونا» على منطقة الشرق الأوسط، ينظر المُراقبون إلى بداية انتشار الوباء باعتباره الحدث الأجدّ ضمن سلسلة الصدمات التي هزّت الشرق الأوسط على مدى العقدَين الماضيين. إذ أنّ الغزو الأميركي للعراق، والانتفاضات العربيّة، والحروب الأهلية في سوريا واليمن وليبيا، وظهور «داعش» وزواله، قد جعل بلدان المنطقة في تصنيف الدول الفاشلة. يضاف إلى ذلك، الصراعات الإقليميّة، والكوارث الإنسانيّة، وأزمة الشرعيّة في أنماط الحكم السائدة في المنطقة.
من المتوقع أن يؤدي انتشار «كورونا» على الأقلّ، إلى تنامي هذه الديناميات، كما سيشكّل اختبارا قاسيا لمرونة وقدرة صمود ليس فقط دول المنطقة على الصعيد الفردي إنمّا النظام الإقليمي ككلّ. إنّ المهمّة المعقّدة لإدارة الجوانب السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والأمنيّة للأزمة ستشكلّ تحدياً كبيراً لحكومات الدول الإقليميّة، التي إذا فشلت في إدارتها لهذه الأزمة ستواجه أزمة شرعيّة. كما أن هناك اعتماداً كبيراً على قدرة أنظمة الصحّة العامّة في المنطقة على مواجهة الأزمة، علما بأن الكثير من بين هذه الدول سجّل مستوى أقلّ من المتوسط في مؤشر الأمن الصحّي العالمي.
سيكون تأثير الوباء أكثر حدّة في الدول الضعيفة أو الدول التي توشك على الانهيار إذ أنّها تقع في صميم محاور الصراع المتعدّدة داخل المنطقة. وهذا سيغذي حتما حلقة مفرغة من الصراع، واحتمال تجدّد موجات الإرهاب والتمرّد، والتدخّل الإقليمي، الأمر الذي سيؤدّي بدوره إلى خسائر فادحة لدى السكّان في مناطق الصراع المنكوبة.
كل هذا سيزيد، بلا شك، من الضغط على البيئة الأمنيّة الإقليميّة المجهدة أصلاً. لكن رغم ذلك، تقدّم الأزمة فرصة لتقليل التوترات الإقليميّة. إن عرض دول عربية تقديم المساعدة الطبية وغيرها لإيران وتأييد السعودية وقف النار الذي أعلنته الأمم المتحدة في اليمن من أجل التصدّي لتفشي الفيروس، يقدّم دلائل على وجود الأمل في أنّ الشرق الأوسط يمكنه على الأقلّ، أن يقلل من تأثير هذه الصدمة الأخيرة للنظام الإقليمي.
- دبلوماسي مصري سابق وأستاذ في الجامعة الأميركية بالقاهرة

- تكامل إقليمي لتطوير نظم الصحة
بلقاسم صبري
يشكل الوباء العالمي المستجد تحدياً للتنمية بمختلف أوجهها وللنظم الصحية في كل البلدان وخاصة في شرق المتوسط. تشير الدراسات الاستشرافية إلى التأثيرات السلبية على مختلف الاقتصادات العالمية من خلال الركود وتراجع النمو الاقتصادي وفقدان ملايين الوظائف ما يحدّ من تمويل النظم الصحية ويؤثر سلباً على مخرجات النظم الصحية وطنياً وإقليمياً وعالمياً.
إن حوالي 90 في المائة من سكان الإقليم يعيشون في الدول ذات دخل متوسط وضعيف ما يتسبب في ضغوطات مالية على النظم الصحية التي تشكو من نقص التمويل وعدالته أصلاً. كما تجدر الإشارة إلى أن إقليمنا يأوي أكبر عدد من اللاجئين والمهجّرين الذين يعيشون في ظروف اقتصادية واجتماعية غاية في الصعوبة.
إن الدروس الأولية المستخلصة من تجارب الدول في التعامل مع هذه الجائحة أبرزت قوّة وسرعة انتشار الوباء حتى تجاوز في بعض البلدان الغنية مثل إيطاليا وفرنسا الإمكانيات المتاحة، ويهدد في حال عدم تراجعه بانهيار المنظومات الصحية بكاملها.
كما وقع التركيز على الاستراتيجيات الاستباقية للتعامل مع الوباء وتطوير آليات المشاركة الفردية والمجتمعية في الوقاية وتعزيز الصحة، من أجل تفادي الضغوطات الكبيرة على الخدمات العلاجية، بخاصة في ظروف ندرة الموارد المادية والبشرية.
أما على المستوى الإقليمي، فأظهرت هذه الجائحة الصحّية أهمية الاستثمار في البنية الصحّية وفي تقوية النظم الصحّية لتطوير الاستجابة للحاجات المستجدة والتعامل مع الأوبئة العالمية. وأثبتت أهمية الوظيفة الاجتماعية للدولة المتمثلة في حماية الأمن الصحي وكذلك الدور المحوري للقطاع الصحي العمومي نظرا لشموليته وقلّة العراقيل المالية للحصول على خدماته مقارنة بالقطاع الخاص.
يحدو الأمل الجميع في تحويل الوباء إلى فرصة متاحة لدول الإقليم لتطوير التآزر والتضامن بينها في الميدان الصحي وفي السعي نحو دعم الاستثمار في التنمية الصحية ونحو تحقيق هدف التغطية الشاملة بنظم صحية عادلة تحقق الهدف النبيل للصحة للجميع.
- وزير تونسي سابق ورئيس الجمعية التونسية للدفاع عن الحق في الصحة

- آثار مكافحة الوباء على حركات التغيير
نديم حوري
لا يمكن لأحد أن يتنبّأ بالتأثير الكامل لوباء «كورونا» الذي ينتشر في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لكن هناك ثلاث قضايا تستحق الاهتمام. كانت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالفعل أكثر المناطق التي تعاني من اللامساواة مقارنة بباقي الأجزاء من العالم.
رغم أن الفيروس لا يميّز بين الأشخاص على أساس ثروتهم، فإن مستوى الدخل يؤثّر على آليّات التكيّف المتاحة. إذ لا يتمتّع العمّال ذوي الدخل المنخفض، في جميع أنحاء المنطقة، بالقدرة على إنجاز عملهم عن بُعد (في المنزل) ولا يحصلون على رواتبهم إذا تغيّبوا عن عملهم. ومع استمرار الحجر المنزلي ودخول الاقتصادات في مرحلة الركود، ستتضرّر شرائح المُجتمع الأكثر فقراً - التي تشكّل غالبيّة المواطنين - بشكلٍ غير متساوٍ. إذ سيجد اللاجئون والعمّال المُهاجرون أيضاً أنّه من المستحيل التعامل مع تداعيات هذا الوضع. ومع ذلك، لا يبدو أن أياً من حكومات المنطقة لديها خطّة حول كيفيّة تقليل الضرر الاقتصادي أو معالجة الانقسام المتزايد في مجتمعاتها.
سيكون لـ«كورونا» أيضاً تأثير سياسي أبعد بكثير مما يمكن أن يتوقّعه المرء في أجزاء أخرى من العالم. فقد نجح الوباء في تفريغ شوارع المتظاهرين في الجزائر ولبنان والعراق، ورأينا جُيوش المنطقة تستعيد الساحات العامّة بحجة تنفيذ إجراءات «الحجر المنزلي». والخوف يكمن في أن تستخدم الأنظمة الاستبداديّة الوباء لتعزيز السيطرة الاجتماعيّة من خلال الإجراءات التي يتمّ الترويج لها تحت ضغط الضرورة للسيطرة على الفيروس، لتتتبّع أيضاً حركة المتظاهرين والمعارضين.
أخيراً، لا تزال المنطقة تعاني من ثلاثة صراعات نشطة في ليبيا وسوريا واليمن، والتي دمّرت بدورها البنى التحتيّة الصحيّة وأدّت إلى تشريد الملايين، وفي حال انتشار الفيروس في هذه البلدان، سيعمّ الخراب. يمكن للمرء الذي يواجه هذا العدو غير المرئي الاعتقاد بأن الأطراف المتحاربة وداعميها الإقليميين والدوليين سيغتنمون اللّحظة لمُحاولة إنهاء الصراعات. قد يبدو هذا ساذجاً بشكلٍ ميؤوس منه، لكن ربما سينجح الفيروس في تركيز عقول «أمراء الحرب» في المنطقة بطرق لم تتمكّن معاناة الشعوب لسنوات طويلة من أن تحقّقه.
- المدير التنفيذي لـ«مبادرة الإصلاح العربي»

- نظام صحي يؤمن بالخلاص الجماعي
غسان أبو ستة
أظهرت هذه الجائحة أن مجموعة من الشركات الصحيّة الربحيّة، مهما كبر حجمها وكثر عددها لا تصنع نظاماً صحيا، وستبقى إلى الأبد شركات متنافسة تتاجر في سلعة، وهي صحّة الإنسان. فلا يمكننا مكافحة هذا الوباء، أو أي وباء آخر قد يظهر مستقبلاً، إلّا بالقضاء على ظاهرة تسليع صحّة الإنسان، وهذا يتطلب تغييرا في عقلية النظم السياسية، ذلك أن تلك الأنظمة التي لا تؤمن بالخلاص الجماعي وتؤمن بالخلاص الفردي، لن تكون قادرة حتماً على محاربة هذه الجائحة.
كما أن هذه الأنظمة التي نتحدث عنها هي تلك الرأسمالية التي دائما كانت تضحي بفئات مجتمعيّة (تصل حدّ الإبادة) أكانت عرقيّة أو اجتماعيّة (نساء، أطفال، أقليّات عرقيّة) للخلاص من أزماتها البنيويّة، وهي الآن ما فتأت تروّج لفكرة «مناعة القطيع» والتضحية بكبار السن لإنقاذ الاقتصاد من العواقب المدمرّة. وبالتالي، لن يكون تقديس الحلول التكنولوجيّة السريعة مثل اللقاحات، كوسيلة للهروب من هذه الضرورة التاريخيّة، إلا تعمية عن المشكلة الأساسية، كما لن يؤدّي ذلك إلّا إلى إطالة أَمَد المُعاناة الإنسانيّة وزيادة حصيلة الوفيّات.
ولعل فشل دول الغرب المتحالفة في إظهار الحدّ الأدنى من التضامن مع دولة غربيّة أساسيّة كإيطاليا، رغم انخراطها بمنظومة المساعدات الدوليّة للعالم الثالث، يُظهر جلياً الفرق الشاسع بين «العون» و«التضامن» كمنظومة أخلاقيّة.
لقد أثبتت النيوليبراليّة والرأسماليّة المتقدّمة أن ازدهارها مرتبط بتدمير جميع أشكال التضامن بين أفراد المجتمع. وهنا تحديدا تكمن أزمة هذه النظم البنيويّة في مواجهة هذه الجائحة، ذلك أن التضامن المجتمعي شرط لمواجهة هذا الوباء. ويضاف إلى ذلك، ضرورة إيجاد نظام صحي فعّال وقادر على سرعة الاستجابة في مثل هذه الظروف، مع التشديد على أن الطب الفعّال والناجح هو نتاج الأنظمة الجيّدة وليس نتاج المؤسّسات الطبية الثريّة، أو التكنولوجيا المتقدّمة.
- طبيب ميداني فلسطيني ومؤسس «برنامج طب النزاعات» في الجامعة الأميركية في بيروت

- مراجعة لمنظومة الأمن البيولوجي
الشريف ناصر بن ناصر
لدى معظم الدول والمجتمعات العربية القدرة الهائلة على الصمود بوجه التحديات، ذلك ربما نتيجة تجربة الدول العربية المريرة مع الحروب والنزاعات والأزمات المتعاقبة خلال العقود الماضية. وتتميز المجتمعات العربية أيضاً بفزعتها لبعضها البعض خلال فترة الأزمات، متجاهلة المخاطر التي قد تلحق بها بسبب ذلك.
ومع أنه لا يجب إنكار دور هذه العوامل في قدرة الدول على التصدي لتفشي «كورونا»، فإن التعامل الأمثل مع الحوادث البيولوجية يتطلب العديد من العوامل والقدرات والتي تعتبر غالبا مواطن ضعف في معظم الدول العربية، ومنها التخطيط والتجهيز المسبق، والتعاون والتنسيق والتواصل ما بين المؤسسات الرسمية المدنية من جهة والمدنية والعسكرية والأمنية من جهة أخرى. وذلك إضافة إلى التعاون والتنسيق والتواصل بين الحكومات والقطاع الخاص والمجتمع المدني.
لا يتم طرح هذه الأفكار من باب جلد الذات أو إلقاء اللوم على جهة ما، بل من أجل تحديد بعض الدروس المستفادة المحتملة مستقبلاً عند تجاوز هذه الأزمة. فهذا قد يكون حافزا لمراجعة جدّية لمنظومة الأمن والسلامة البيولوجية في العديد من الدول العربية وبشكل منهجي بهدف تعزيز القدرات والإمكانيات لمواجهة المخاطر البيولوجية المستقبلية.
أما التغاضي عن هذا الأمر والاستمرار في بناء السياسات على أفضل السيناريوهات أو الاعتقادات المتفائلة غير المبرّرة باعتبار أن هذا هو آخر تفشٍ ممكن حصوله، فهو أمر غير عملي.
- مدير «معهد الشرق الأوسط العلمي للأمن»

- إدراج اللاجئين في الخطط الوطنية للاستجابة
شادن خلاف
يقول الشاعر جبران خليل جبران: «شيئان يغيران نظرتك للحياة، المرض والغربة».
حظر تجول، إغلاق للمحال، منع من السفر، انفصال عن الأسرة، نقص في المواد التموينية، قلق وهلع وخوف. هذا حال العالم اليوم مع جائحة «كورونا». لكن هذا هو واقع الملايين من اللاجئين من رجال ونساء وأطفال أجبروا على مواجهة الحروب والصراعات المسلحة في جميع أنحاء العالم، والمشهد يبدو أكثر حدة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مقارنة مع باقي العالم.
هناك تحديات جمة تواجه اللاجئين وأولئك الذين تقطعت بهم السبل؛ ابتداءً من الظروف المعيشية الصعبة، التكلفة الباهظة للحصول على الخدمات الصحية، مروراً بالفقر والاعتماد على المساعدات أو الأجور اليومية، وصولاً إلى نقص في الحماية القانونية وسبل الاقتراض المحلي وحرمان الأطفال من فرص التعليم. علاوة على هذا كله، فإنهم الآن يواجهون، مع العالم بأسره، تحدي الوباء العالمي الجديد.
إن الوتيرة السريعة لانتشار «كورونا»، تجعل الوضع مقلقاً بشكل خاص لأولئك الذين لا يستطيعون الوصول إلى خدمات وأدوات النظافة الأساسية، أو لا يستفيدون من الاستجابة للأوضاع الخاصة بالمرأة اللاجئة، أو للمهمشين الذين يعانون ظروفاً صحية صعبة، والتي هي، في كثير من الأحيان، الصبغة السائدة لأوضاع اللاجئين التي من شأنها أن تضاعف من معاناتهم.
ولكن هناك فرصة. يجب الاستمرار في بذل جهود جماعية ومتضافرة كمجتمع ككل: مؤسسات مجتمع مدني، مؤسسات دينية، قطاع خاص، أكاديميين، فنانين وكل من يؤثر في الرأي العام، من أجل إيجاد حلول شاملة للملايين في المنطقة والاستفادة من الخبرات الطويلة لإدارة الأزمات. لذلك تعكف المنظمات الإنسانية بخاصة «المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين» في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وشركاؤها على دعم نظم الصحة العامة والوقاية والاستجابة، كما على إدراج اللاجئين في الخطط الوطنية للاستجابة لهذه الأزمة. إن استبعاد اللاجئين من الوصول للخدمات الأساسية أو التهميش - بسبب نقص شبكات الأمان الاجتماعي والاقتصادي – سيؤدي إلى تدهور أوضاعهم الحالية بشكل واضح.
- مسؤولة في «المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين»

- الرابحون والخاسرون على الصعيد الاقتصادي
سامي محروم
إذا كان من عبرة يمكن استخلاصها من تجربة كل من الصين أو هونغ كونغ أو سنغافورة أو تايوان في التعامل مع انتشار الفيروس، فهي أن أي بلد بحاجة إلى ما لا يقل عن ثلاثة أشهر كمعدل زمني للسيطرة على انتشار الفيروس.
وهذا مع الافتراض أن هذا البلد يستطيع أن يحتوي تفشي الوباء بشكلٍ فعّال. في الواقع، ورغم نجاحها النسبي، لم تتمكّن أي من هذه الدول من القضاء على تفشي الوباء بشكلٍ جذري حتى الآن. وإذا تمّ اتّخاذ تجارب هذه البلدان كمثال، فإنّ التوقّعات المُتفائلة تُشير إلى أن الشرق الأوسط قد يتمكن من احتواء تفشّي الوباء بحلول يونيو (حزيران) تقريباً، أي في الفترة الزمنية نفسها لتوقع احتواء أوروبا للوباء. أمّا أميركا، فقد تضطر إلى الانتظار حتى نهاية الصيف لتدخل في مرحلة السيطرة على انتشار الفيروس، نسبة لمساحتها الشاسعة ونظام حكمها اللامركزي.
ستدُير أجزاء مُختلفة من العالم «عاصفة الفيروس» بمُستويات مُتفاوتة من الفعاليّة والسرعة. إذ أنّ البلدان ذات الموارد المحدودة ستكافح لفترة أطول وستظلّ تشكّل خطراً على انتشار الوباء في بقيّة العالم. ونتيجة لذلك، نرجّح أن يحتاج العديد من البلدان في أفريقيا وآسيا وأميركا اللّاتينيّة والشرق الأوسط إلى فترة أطول لمُكافحة «كوفيد - ١٩». في الواقع، وبالنسبة للعديد من البلدان، إن أزمة الفيروس لن تنتهي إلا باكتشاف واستخدام اللقاح.
سيكون لهذا الجدول الزمني المتوقع آثار اقتصاديّة كبيرة على الاقتصاد العالمي، وبخاصّة على النشاطات الاقتصاديّة ذات الطابع الموسمي مثل السياحة. إذ تعدّ السياحة في الشرق الأوسط، خارج الاقتصادات الغنيّة بالنفط، النشاط الاقتصادي الأكثر تأثّراً بالتدفقات الدوليّة وبالتالي الأكثر تأثرا.
ومع ذلك، هناك احتمال لبروز بعض الفائزين أيضاً. على سبيل المثال، قد يخاطر سكان دول الخليج العربي، حيث تصل درجات الحرارة في الصيف إلى نحو ٤٠ درجة مئويّة، بالسفر إلى الخارج لكن خياراتهم ستظل محدودة. وهنا، قد تكون بعض البلدان خارج المنطقة التي لم تسجّل عدداً كبيراً من حالات كوفيد - ١٩، مثل موريشيوس وسيشيل وجهات محتملة لهؤلاء وبالتالي، يمكن لهذه الدول أن تستفيد بشكل واضح من هذه الأزمة. لكنّ الوجهات التقليديّة الأخرى للسيّاح الخليجيين، مثل لبنان، الذي لم يسجلّ عدداً كبيراً من الحالات حتى الآن، قد يحصد الاستفادة الكبيرة كذلك إذا تمكن من الخروج من «عاصفة كوفيد -١٩» في الوقت المناسب، أي قبل بدء موسم العطلة الصيفيّة.
- أستاذ في «جامعة بروكسل الحرّة»


مقالات ذات صلة

دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى

علوم عاملون مختبريون يفحصون عينات فيروس «كوفيد» ميدانياً

دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى

الفيروسات تتطور بشكل عادي لدى الحيوانات، إلا أنها تتطور بشكل جذري عند إصابتها الإنسان.

كارل زيمر (نيويورك)
صحتك اللقاح يُعطى عن طريق الأنف عبر رذاذ أنفي (أرشيف - أ.ب)

لقاح أنفي قد يحمي من «كورونا» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي في آنٍ واحد

طوَّر باحثون أميركيون لقاحاً جديداً قادراً على الوقاية من عدة فيروسات في آنٍ واحد، بما في ذلك «كوفيد-19» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

التطعيم يحمي الأم ووليدها

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)
صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

وزراء الإعلام العرب يحذرون من «الخلط» بين اعتداءات إيران وصراعها مع أميركا وإسرائيل

دعوة لوسائل الإعلام العربية للتضامن مع الدول التي تتعرض لاعتداءات (الهيئة الوطنية للإعلام)
دعوة لوسائل الإعلام العربية للتضامن مع الدول التي تتعرض لاعتداءات (الهيئة الوطنية للإعلام)
TT

وزراء الإعلام العرب يحذرون من «الخلط» بين اعتداءات إيران وصراعها مع أميركا وإسرائيل

دعوة لوسائل الإعلام العربية للتضامن مع الدول التي تتعرض لاعتداءات (الهيئة الوطنية للإعلام)
دعوة لوسائل الإعلام العربية للتضامن مع الدول التي تتعرض لاعتداءات (الهيئة الوطنية للإعلام)

أكد مجلس وزراء الإعلام العربي على أهمية قيام وسائل الإعلام العربية بدورها في توعية الرأي العام بحقائق «العدوان الإيراني السافر» على بعض الدول العربية، محذراً من الخلط بين الاعتداءات الإيرانية على دول عربية وبين صراع طهران مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

وفي بيان صدر الأحد بعدما تقدمت به وزارة الدولة للإعلام في مصر ووافقت عليه الدول العربية، حذر المجلس من «الانسياق وراء ما يتم ترويجه من مغالطات تستهدف الوقيعة وإثارة الفتن بين الشعوب العربية وبعضها البعض».

ووجَّه المجلس التحية لوسائل الإعلام العربية التي نقلت تطورات الأحداث «بمهنية وشرف والتزام بالثوابت القومية العربية، وجسدت تماسك وقوة المجتمعات والدول العربية الشقيقة التي تعرضت لهذه الاعتداءات، ونقلت حالة الإجماع الرسمي والشعبي العربي على التضامن مع شعوب الدول العربية وإقرار حقها في الدفاع الشرعي عن النفس، والإدانة الكاملة للعدوان عليها».

وناشد البيان جميع وسائل الإعلام العربية، التقليدية والرقمية، المسموعة والمقروءة والمرئية، القيام بدورها في توعية الرأي العام العربي والعالمي بشأن حقائق التطورات الجارية، مع التأكيد على أن ما تتعرض له بعض الدول العربية من هجمات إيرانية هو «اعتداء غاشم غير مبرر على دول مسالمة لم تبادر بالاعتداء على أي طرف، ولم تستخدم قواتها العسكرية في توجيه أي هجمات لإيران أو لأي طرف في الصراع الجاري».

وأكد البيان على أهمية اطلاع الرأي العام على حقيقة أن الهجمات الإيرانية على بعض الدول العربية «قد استهدفت في معظمها مرافق مدنية، والبنية التحتية المدنية، ومقدرات الشعوب العربية وثرواتها، وإلحاق الضرر بأمن مواطنيها».

«خلط متعمد أو مغلوط»

وشدد البيان على ضرورة تجنب وقوع وسائل الإعلام «في الخلط المتعمد أو المغلوط بين الموقف من العمليات العسكرية والصراع المسلح بين إيران وكل من إسرائيل والولايات المتحدة، وبين الهجمات الإيرانية العدوانية على بعض الدول العربية».

وتابع: «أياً كان الموقف من الصراع بين إيران وكل من إسرائيل والولايات المتحدة، فإنه لا يبرر مطلقاً الخلط بينه وبين عدوان إيراني صريح وواضح على أهداف في دول عربية لم تستخدم قواتها في مهاجمة إيران، ولم تمس أراضيها أو أهدافها العسكرية أو المدنية».

كما ناشد المجلس مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي من أبناء الشعوب العربية «عدم الانسياق وراء ما يتم ترويجه من شائعات مدسوسة على هذه الوسائل، تستهدف الوقيعة بين الشعوب العربية».

وأشار إلى أن الظروف الراهنة «تتطلب من كل مواطن عربي التعبير عن التضامن العربي الكامل مع الشعوب التي تتعرض للعدوان، والحفاظ على وحدة الموقف العربي الثابت في وجه كل مساس بأي شعب عربي مسالم».

ودعا المجلس إلى تعاون وسائل الإعلام العربية العامة والخاصة في نقل الحقائق إلى الرأي العام العربي استناداً إلى البيانات والمعلومات الرسمية التي تصدر عن الدول العربية التي تتعرض للاعتداءات الإيرانية، «لقطع الطريق على ما يتم ترويجه من أكاذيب متعمدة بشأن أهداف ونتائج هذه الاعتداءات».

كما دعا إلى «تعاون عربي شامل لاطلاع الرأي العام العالمي بحقائق الأمور بشأن الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية وانتهاك سيادتها، والتواصل مع وسائل الإعلام الدولية الكبرى وتزويدها بالحقائق وتصحيح ما يتم ترويجه من مغالطات وأكاذيب».

المعلومات الموثقة

عميدة كلية الإعلام بجامعة القاهرة سابقاً، ليلى عبد المجيد، قالت لـ«الشرق الأوسط» إن من الطبيعي أن يقف أي عربي مع الدول العربية الشقيقة «لأننا كتلة واحدة نؤثر ونتأثر ببعضنا البعض، وبالتالي من البديهي أن يصدر وزراء الإعلام العرب بياناً تضامنياً وداعماً للدول التي تتعرض لاعتداءات من إيران».

وأضافت أن البيان تضمن لغة الخطاب التي حددت مجموعة من الأمور الأساسية المتفق عليها، «فكلنا ضد ما تتعرض له دول عربية من ضربات إيرانية رداً على الحرب من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل عليها».

واستطردت: «يمكن أن نحقق ما جاء في البيان من خلال وسائل الإعلام المهنية مثل الصحف والإذاعات والقنوات التلفزيونية والمواقع الإلكترونية».

ثم قالت: «الإشكالية تكمن في مواقع التواصل الاجتماعي التي ينشط عليها بعض الشخصيات غير المسؤولة والذين ليس لديهم معلومات موثقة أو رؤية واضحة ويتحدثون بشكل غير مسؤول لا يعكس وعياً بحقيقة الأمر».

وتابعت: «أتصور أن تكون هناك توعية لمن يوجدون على وسائل التواصل الاجتماعي العربي، كما أن هناك حسابات كثيرة مزيفة تحاول بث الفرقة ونشر الشائعات يجب التصدي لها، وفي المقابل هناك بعض الصحافيين المهنيين يحاولون توضيح الأخبار المزيفة ويعطون المعلومات الحقيقية للجمهور».


مصر تطالب باستحداث «آليات أمنية فاعلة» لحماية مقدرات الدول العربية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب باستحداث «آليات أمنية فاعلة» لحماية مقدرات الدول العربية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)

ركزت الدبلوماسية المصرية خلال الأيام الماضية على تعزيز التعاون والتنسيق العربي في مجالات الأمن والدفاع مع التطورات المتلاحقة التي تشهدها المنطقة واستمرار الاعتداءات الإيرانية، ما كان دافعاً لطرح وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مسألة استحداث «آليات أمنية فاعلة» لحماية مقدرات الدول العربية.

جاءت دعوة عبد العاطي خلال اتصال هاتفي أجراه، الأحد، مع نظيره الأردني أيمن الصفدي، حيث أشار إلى «ضرورة تفعيل أطر العمل العربي المشترك واستحداث آليات أمنية فاعلة، في مقدمتها تشكيل القوة العربية المشتركة، لضمان صون الأمن القومي العربي، وحماية مقدرات دول الإقليم من أي تهديدات مستقبلية، وتوفير بيئة مستدامة للاستقرار».

وتطرق وزير الخارجية المصري خلال اتصاله بنظيره الأردني إلى الترتيبات المستقبلية في المنطقة، حيث أكد «الأهمية القصوى لبلورة رؤية واضحة للترتيبات الإقليمية والأمنية عقب انتهاء الحرب».

وجدد عبد العاطي «إدانة مصر القاطعة للاعتداءات التي تستهدف أمن واستقرار الدول العربية»، مشدداً على الرفض التام «لأي ذرائع لتبرير هذه الانتهاكات التي تخرق قواعد القانون الدولي، وتهدد بدفع المنطقة بأكملها نحو فوضى شاملة».

وسبق أن شددت مصر في أكثر من مناسبة خلال الأيام الماضية على ضرورة تشكيل «قوة عربية مشتركة» قادرة على التعامل الفعّال مع التهديدات القائمة والمخاطر التي تواجه الدول العربية. كما طالبت بسرعة تفعيل معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي لجامعة الدول العربية لعام 1950.

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير رؤوف سعد، أن الطرح المصري بشأن استحداث «آليات أمنية فاعلة» لحماية الأمن القومي العربي تبرهن على أن الموقف المصري من التصعيد الحالي بالمنطقة «يتجاوز مسألة الإدانات ويبحث عن أطر للتعاون بين الدول العربية»، بالتوازي مع اتصالات مع الجانب الإيراني لوقف الاعتداءات والوصول إلى نقطة تهدئة التصعيد ووقف الحرب.

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الحديث عن تفعيل معاهدة الدفاع المشترك أو استحداث آليات أمنية فاعلة «لا يعني تشكيل جيش عربي موحد بالمعنى التقليدي، وإنما آليات مختلفة من الممكن أن تكون استخباراتية أو معلوماتية وتعزيز التعاون الأمني بين الدول العربية بما يساهم في الصمود بوجه الاعتداءات التي قد تتعرض لها».

وأضاف أن الموقف المصري يهدف لأن تكون هناك ترتيبات مشتركة بين الدول العربية لعدم الانزلاق إلى الصراع القائم في المنطقة وتجنيب البلدان العربية مزيداً من الخسائر، بما في ذلك مصر التي قال إنها تأثرت سلباً نتيجة التداعيات الاقتصادية للحرب الحالية.

وكان عبد العاطي قد ذكر خلال اجتماع مجلس الوزراء المصري، الثلاثاء الماضي، أن بلاده تقود حالياً مبادرات لتشكيل قوة عربية مشتركة تهدف إلى حماية الأمن القومي العربي، وأكد في هذا السياق رفض «فرض أي ترتيبات أمنية إقليمية على الدول العربية، سواء من جانب دول إقليمية غير عربية، أو من أطراف خارج الإقليم».

وتوافق وزيرا خارجية مصر والأردن على «ضرورة الوقف الفوري للحرب الراهنة والعمليات العسكرية المتصاعدة»، وحذرا من التداعيات الكارثية لاستمرار نهج التصعيد.

وأكد عبد العاطي، وفق بيان صادر عن الخارجية المصرية، أن تغليب المسار الدبلوماسي ولغة الحوار يمثل الخيار الأوحد لاحتواء الأزمة الحالية، وتجنيب شعوب المنطقة ويلات الصراع الممتد.

وقبل أن يبدأ جولة خليجية استهلها من قطر، أجرى عبد العاطي اتصالاً هاتفياً، الأحد، مع نظيره الكويتي الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح «للتشاور وتنسيق المواقف إزاء التطورات الأمنية المتسارعة التي تعصف بالمنطقة».

وتطرق الاتصال إلى الانعكاسات المباشرة للتصعيد العسكري الجاري على حركة الملاحة الجوية والترتيبات اللوجيستية في الإقليم، حيث أعرب عبد العاطي «عن تفهم مصر ودعمها للإجراءات الاحترازية والسيادية التي اتخذتها دولة الكويت، بما في ذلك إغلاق مجالها الجوي، لضمان أمن وسلامة أراضيها ومواطنيها في ظل التهديدات المحيطة».


عبد العاطي يبدأ جولة خليجية لتعزيز التضامن المصري وتنسيق المواقف

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني بالدوحة يوم الأحد (االخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني بالدوحة يوم الأحد (االخارجية المصرية)
TT

عبد العاطي يبدأ جولة خليجية لتعزيز التضامن المصري وتنسيق المواقف

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني بالدوحة يوم الأحد (االخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني بالدوحة يوم الأحد (االخارجية المصرية)

تزامناً مع جولة خليجية بدأها وزير الخارجية المصري، الأحد، لتعزيز التضامن وتنسيق المواقف مع دول الخليج في مواجهة التطورات المتسارعة بالمنطقة، أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال اتصالات هاتفية، الأحد، مع قادة قطر والإمارات والأردن «استعداد بلاده لتقديم كل أشكال الدعم الممكنة حفاظاً على أمن الخليج والمنطقة»، بحسب بيان للرئاسة المصرية.

ووصل عبد العاطي، الأحد، إلى العاصمة القطرية الدوحة، في مستهل جولة خليجية تستهدف «التنسيق والتشاور إزاء التطورات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، وتوجيه رسالة تضامن مع الأشقاء العرب، والعمل المشترك لخفض التصعيد، وتغليب المسار الدبلوماسي لصون السلم والأمن الإقليميين»، وفق إفادة رسمية لـ«الخارجيّة المصرية» لم تحدد الدول التي ستتضمنها الجولة.

وزير الخارجية المصري خلال لقائه وأمير قطر في مستهل جولة خليجية (وزارة الخارجية المصرية)

من جانبه، قال مصدر دبلوماسي مصري لـ«الشرق الأوسط» إن القاهرة تكثف جهودها وتتواصل مع جميع الأطراف المعنية من أجل خفض التصعيد، وتعزير التعاون العربي في مواجهة التحديات الأمنية، وإنشاء قوة عربية مشتركة.

وأكد المصدر أن التطورات المتلاحقة في المنطقة والتهديدات المتكررة أثبتت أنه لا سبيل لتحقيق الأمن سوى تعزيز آليات التعاون العربي.

الأمن القومي العربي

وفي أولى محطات الجولة، التقى عبد العاطي وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، حيث نقل رسالة من السيسي تؤكد «دعم مصر الكامل قيادة وحكومة وشعباً لدولة قطر ووقوفها وتضامنها مع الأشقاء في قطر في هذا الظرف الدقيق على إثر الاعتداءات الإيرانية الآثمة المتكررة»، بحسب المتحدث باسم «الخارجية المصرية» السفير تميم خلاف.

وقال خلاف إن أمير قطر «ثمَّن الدور المحوري الذي تضطلع به القاهرة في الحفاظ على استقرار المنطقة والدفاع عن الأمن القومي العربي».

وأكد وزير الخارجية المصري موقف بلاده الرافض وإدانتها الكاملة «للاعتداءات التي تتعرض لها من جانب إيران، وتستهدف المساس بسيادة دولة قطر وأمنها القومي ومقدرات شعبها»، مشدداً على أنه «لا يمكن قبول أي ذرائع أو مبررات أو مسوغات لهذه الاعتداءات السافرة التي تمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني ومبادئ ميثاق الامم المتحدة».

وقال إن «أمن دولة قطر ودول الخليج العربي هو جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري والأمن القومي العربي».

وأكد مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير محمد حجازي أن «الرسالة الأهم في جولة عبد العاطي هي التأكيد على وقوف مصر بشكل قاطع وداعم لدول الخليج، وتقديم كل ما من شأنه دعم أمنها وقدراتها، وإدانة الاعتداءات الإيرانية على أراضيها».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن الجولة «تأتي في مرحلة مفصلية وشديدة التعقيد وفي توقيت بالغ الحساسية تمر به المنطقة، ما يجعل من التحرك الدبلوماسي المصري أمراً ضرورياً ومطلوباً للحفاظ على الاستقرار الإقليمي، وبذل المساعي وتبادل الأفكار لتنسيق المواقف». وأشار إلى أن أحد الملفات المطروحة خلال المباحثات هو مرحلة ما بعد الحرب ومقترح تشكيل قوة عربية مشتركة.

العمل المشترك

وتزامناً مع جولة عبد العاطي، أجرى الرئيس المصري اتصالات هاتفية، الأحد، مع أمير قطر ورئيس دولة الإمارات، وملك الأردن، أكد خلالها أن بلاده تُجري اتصالات وتحركات دولية وإقليمية مكثفة لوقف الحرب في أقرب وقت ممكن»، بحسب المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية السفير محمد الشناوي.

وشدد السيسي، بحسب بيان الرئاسة المصرية، على أن «مصر ودول الخليج يجمعهما مصير واحد، وأن مصر تنظر إلى الأمن القومي الخليجي بوصفه امتداداً للأمن القومي المصري»، كما أنها ترى أن أمن الأردن «جزء لا يتجزأ من أمنها القومي، وأن المصير المشترك يفترض تعزيز التعاون العربي، وتوحيد الصفوف لمواجهة التحديات».

وأكد السيسي «ضرورة تعزيز العمل المشترك لمواجهة التحديات الراهنة وتجاوزها، وتفعيل مفهوم الأمن القومي العربي الجماعي بما يضمن التصدي لأي اعتداءات تستهدف الدول العربية»، مشدداً على أن «وحدة الصف العربي هي السبيل الأمثل لمواجهة التحديات الراهنة، وصون استقرار المنطقة».

بدوره، قال مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير رخا أحمد حسن، إن جولة عبد العاطي الخليجية لها 3 أهداف، أولها هو «تأكيد التضامن مع دول الخليج في مواجهة الاعتداءات غير المبررة».

أما الهدف الثاني، بحسب تصريحات حسن لـ«الشرق الأوسط»، فيتمثل في «تنسيق المواقف في إطار استعداد مصر للوساطة من أجل إيقاف الحرب، في ضوء الاتصال الهاتفي الأخير بين الرئيس المصري ونظيره الإيراني».

أما الهدف الثالث فهو «العمل على تفعيل آليات العمل العربي المشترك، وإنشاء قوة عربية مشتركة قادرة على حماية الأمن الإقليمي».

وزير الخارجية المصري مجتمعاً مع أمير قطر ووزير خارجيتها بالدوحة يوم الأحد (الخارجية المصرية)

وتلقى الرئيس المصري اتصالاً هاتفياً، الجمعة، من نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، أكد خلاله على «استعداد مصر للاضطلاع بكل جهد للوساطة، وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمة الراهنة»، بحسب إفادة رسمية للرئاسة المصرية.

وكان عبد العاطي قد أكد خلال اجتماع طارئ لوزراء الخارجية العرب، الأسبوع الماضي، «أهمية تفعيل مفهوم الأمن القومي العربي للحفاظ على أمن الدول العربية، وصون سيادته»، مشيراً في هذا السياق إلى «ضرورة تفعيل أطر التعاون العربي المشترك للتعامل الفعال مع التهديدات القائمة».