في ليالي منع التجول ينتابني هاجس كوعد لإغاظة أمي!

المدينة المنورة تشهد إجراءات احترازية أكبر بعزل عدد من الأحياء بها (واس)
المدينة المنورة تشهد إجراءات احترازية أكبر بعزل عدد من الأحياء بها (واس)
TT

في ليالي منع التجول ينتابني هاجس كوعد لإغاظة أمي!

المدينة المنورة تشهد إجراءات احترازية أكبر بعزل عدد من الأحياء بها (واس)
المدينة المنورة تشهد إجراءات احترازية أكبر بعزل عدد من الأحياء بها (واس)

مدينة جدة فتاة سافرة في مراهقة لا تشيخ، وهي مدينة لا تعرف شيئاً سوى الحبور، لذا تظل في حالة غزل لأي عين متلهفة لكلمة حب، أو لقلب عاشق أضناه الهيام فحام بفضائها يشكو لوعة وجده... فلا تبخل عليه وتسكنه المهج ... كفتاة لعوب.
ليس لشيء سوى أنها مراهقة تمعن في تكذيب أسطورة (نجمة الصبح)، فتظل ساهرة إلى أن يقبل كوكب الزهرة، فتضم ضياءه بتحد: لن أنام ففعل ما تشاء !
ليلياً تمد أمواجها إلى الشواطئ، وتسرح جدائل سمائها، وتضفر جدائل شوارعها، وتكحل أهداب أركانها بإثمد السحر، وترش طيوبها بين أزقتها المنحنية، وطرقها الفاخرة، وترتدي فساتينها لكي تقابل كل عاشق باللون الذي يتغنى به . في جميع أحوالها ألفت على أن تكون جسورة في طلب الغزل، فتفتح جهاتها الأربع لزائرين من كل فجاج الأرض، وتمنح ضوء بصرها لجميع قاطنيها وزائريها.
تعلم هي أن كل من رآها ذاب عشقا فيلملمها بين الضلوع مرتهناً لدلالها، خاضعاً لجمالها كي يسير بقية العمر متيماً بحبها. هذا هو خضوع العاشق. لذا لم تخذل قلب من تعلق بها. يوميا تمنح ذاتها -كاملة- وكأنها لهذا العاشق، له لوحده... البارحة لم تف بوعدها السرمدي في أن تظل ساهرة أبد الدهر!
همى على العالم وابل ثقيل، فتلحفت الأرض وأمعنت في سربلة الغطاء على كل أعطافها.
هل جرى الزمان - في هذا المنعطف التاريخي - بمثل هذا الرعب؟
البارحة فقط أغلقت مدينة جدة منافذها، وتغطت بعباءة سوداء اسمها الليل، اكتفت بمن فيها، وحملت صندوق الذكريات لتسد بها مسامات الهلع النابت مع نبضات القلوب... البارحة ولأول مرة - في التاريخ - تقتعد تلك المراهقة عرصات تمددت جدرانها طولاً وعرضاً، وجهزت فراشها من غير غطاء، واقتعدت تراقب حمى تطوف العالم راغبة بقطف الأنفس.
هل جاءت - هذه الحمى - من غياهب الماضي لتفي بوعدها لأمي!
قبل مغادرة قريتنا لحقت بنا ونحن على سفر وضج صوتها خلفنا: لن تهربي به مني يا عائشة. لا يزال صوت تلك الحمى المتوحشة يسري في بدني فيقشعر منه كل بدني.
أنا ابن جدة ذلك الشخص المطلوب قطف أنفاسه.
كنت ذات يوم طفلاً عليلاً هربته أمه ذات ليل من أنفاس الحمى الحارقة... الآن أجزم أن تلك الحمى طافت الكون وكساحرة تبدل شكلها - في كل حين - وهي تبحث عن طفل تم تهريبه من بين براثنها، ولأنها صادقة الوعد جاءت لكي تفي بوعدها بإغاظة قلب امرأة هربت طفلاً كان من نصيبها، جاءت - الحمى- لتفي بعهد قطعته على نفسها بأن تجمعه في لحد مع أشقائه الراحلين.
هذه الحمى لا عقل لها، فكيف أخبرها أن عائشة ماتت، ولن تغيظها بقطف أنفاسي، وهذه ستقطف نفسا عاشقة لمراهقة لم تشخ بعد؟ كيف أخبرها بأنني أنا العاشق، وأنا الذي لم يتجاوز عشقي مائة أو ألف عام، كيف أخبرها؟
منذ طفولة قديمة لبست مدينة جدة كحياة، أركض في شوارعها وأزقتها وبين متاجرها وأسواقها ومبانيها ومقاهيها، ولم أكن أعرف أني أضحية لم يراق دمها بعد!
الأوبئة باقية والحياة باقية، وكما تجددت الأوبئة قابلتها الحياة بالتكاثر وخلق الملايين من الأنفس لهم جسارة المغامرين، والسير على خطى الشهداء الذين تزودوا بحسن الختام‪.
‪تشبث بالحياة أيها القروي.
كان هذا الهاجس يعاودني كلما جرت النار في دمي، كنت طفلا يأتيه ذلك الهاجس كحلم أو كوحي.
في زمن قديم عالق بالذاكرة، خرجت من رحم الموت عنوة، إذ كنت مشروع ميت في بال أمي التي فقدت أربع زهرات بسبب الحمى، ذلك السعير الذي نفخ في أجساد لأطفال لم يشبوا عن الطوق، حمى لم ترض إلا بدفن تلك الطفولة، كانت أيدي الأهالي تتوجس من جس حمى قدت من لظى النار، وكانت حمى متسامحة إزاء ذلك التأفف، لذا طافت بكل بيت من بيوت القرية، كي تقتص من ذلك التأفف بقطف نفس منه. ويبدو أنها لم تكن متسامحة مع أمي، فقد زارتها لأربع مرات، قطفت من (عشتنا) أربع أنفس، ووعدت بأخذي كآخر هدية تختم بها زيارة بيتنا، لم تكن القرية تعرف اسما لتلك الحمى سوى معرفة جلبتها فيقال :جاء زمن (الشوطة).
ربما كانت هي الكوليرا، أو الملاريا، أو حمى الوادي المتصدع، المهم أنها نار موقدة .
ففي مواسم الأمطار تبقي الأرض على الماء كذكرى أو إظهار سخائها في إقامة موطن للبعوض ودويبات الأرض، على أمل تقديم مأدبة شهية من أجساد القاطنين بالقرب من ماء الحياة. وفي كل سنة تتمدد الحمى بين الضلوع والأنفاس، لتغدو الزائرة السنوية غير المرحب بها كونها تحصد الأنفاس من غير استئذان.
أربعة من إخوتي خطفتهم من حضن أمي غير مكترثة بجزعها، وكنت الخامس الذي تركته للحمى على نية مضمرة لأخذه ذات يوم، فعشت كمشروع ميت في بال أمي، وكانت لها نية ظاهرة لإغاظة والدتي، إذ تزورني سنوياً، تعبث بأنفاسي حتى أغدو كخرقة تالفة، وتغادرني، وتتركني مهيض الجناح، كطائر تبلل حتى لم يعد قادراً على الصوصوة .
ربما عرفت والدتي بتلك النية المضمرة لحمى تشهتي إنهاك قلبها حزناً وكمداً على حشاشة فؤادها الأخير، فعزمت على ترحيلي من أرض تستقبل الأمطار وتخلف ناراً من حمى مجنونة. فهل كنت وبالاً على أهل الأرض بهذه الحمى الباحثة عني؟
وقبل رحيل أسرتي الصغيرة هرباً من حمى تتوعدني قاصدة مدينة جدة، كان التجهيز للسفر قائماً، وفي غفلة من الجميع استطاعت تلك الحمى أن تدس نفسها بين عظامي كبذرة فناء تلاحقني أينما كنت.
في أول وصولي لمدينة جدة عشت طريح الفراش من حمى غاضبة كادت أن تلغي حج والدتي. فأوكلتني لخالتي، وكما تقول والدتي إنها دعت في (الملتزم) أن ينجيني الله من حمى تتابعني كقدر.
عشت في مدينة جدة بين وقوع ونهوض، يبدو أن الحمى ربطها الدعاء بعض الشيء.
عشت حياة صاخبة بالأحداث، وحملتني شقاوة الطفولة إلى كل مكان في جدة من مينائها البحري والجوي إلى أسواقها وحاراتها وبين أفراحها وألعابها وأهازيجها ورقصاتها ومدارسها ومقاهيها وحلقات الخضار وبنقله الأسماك، وقصور الأفراح، وقبلها براحات الأعراس، وملاعب الكرة، والاستمتاع بقهوة في عمارة الملكة، أو التقاط حبات اللوز الهندي من شارع القصور السبعة، أو استغفال حرس بيت الزهد لأعود بحبات الجوافة، وفِي موسم الحج أرافق أندادي لأن نمكث في مدينة الحجاج ونتلهى بغزل أو الحصول على أدوات لم نكن نعرفها، وبدفع مبلغ زهيد تعود حاملاً ما لم يكن بالإمكان الحصول عليه.
عرفت السينما من أوقات مبكرة، ففي العصاري أحوم على أحواش تعرض أفلاماً عربية وهندية وأجنبية.
وفِي الليل تتوزع البهجة في كل منحنيات حارتنا المكتظة بكل الأعراق والعادات والأغاني والرقصات .
ليلنا سماع إذاعة العرب وتلوي مع أغنيات العشق، ولعب الورق (الكن كان) و(البلوت) ومن كان متأخراً عنهما يلعب (الكيرم) أو (الضمانة)... الحياة زاهية بكل تفاصيلها، قل دوراني أو الطواف بين معالم جدة عندما عملت صحافياً، كان الوقت قصيراً لا يفي بإحاطة مباهج جدة.
قريباً تخلصت من شرك العمل على فترتين، وعدت باحثاً عن الأماكن وبهجتها.
قلبي معبأ بفرح، ربما أستعيد جملة ناظم حكمت: الحياة جميلة يا صاحبي.
جزء يسير أو ضئيل جدا ما فعلته لهذه المعشوقة، واكتشفت - فجأة - كيف أموت وأترك سماء جدة.
هذا الشعور المباغت انتابني في ليالي الحذر.
أحس بالحمى تغزو جسدي، فأتلهى عنها نافضا من بالي ذلك الوعد الذي تعهدت به الحمى لإغاظة والدتي بقطف نفس آخر أطفالها. في منع التجول هذا، يشاغلني هم كيف أفهم هذه الحمى أن أمي توفيت، وليس هناك أي داع لإغاظة أحد؟
- روائي سعودي


مقالات ذات صلة

تقرير: الإعدامات تضاعفت في كوريا الشمالية خلال زمن «كوفيد»

آسيا جانب من حفل تأبيني للجنود المقتولين أُقيم في متحف المآثر القتالية التابع لقيادة العمليات العسكرية الخارجية في بيونغ يانغ (أ.ف.ب)

تقرير: الإعدامات تضاعفت في كوريا الشمالية خلال زمن «كوفيد»

أظهر تقرير نشرته «مجموعة العمل من أجل العدالة الانتقالية» الحقوقية أن كوريا الشمالية زادت تنفيذ أحكام الإعدام في زمن انتشار وباء «كوفيد-19».

«الشرق الأوسط» (سيول)
صحتك فيروسات «كورونا» التي تحملها الخفافيش تطور طرقاً جديدة لإصابة البشر (رويترز)

دراسة: فيروسات «كورونا» في الخفافيش تطور طرقاً جديدة لإصابة البشر

كشفت دراسة حديثة أن فيروسات «كورونا» التي تحملها الخفافيش تطور طرقاً جديدة لإصابة البشر حيث أصبحت قادرة على إصابة الخلايا البشرية عبر أكثر من مسار.

«الشرق الأوسط» (نيروبي)
صحتك صورة توضيحية لفيروس «كوفيد - 19» (أرشيفية - رويترز)

باحثون: مضاد اكتئاب شائع يخفف من إجهاد «كوفيد» طويل الأمد

عقار فلوفوكسامين المضاد للاكتئاب، وهو عقار شائع الاستخدام وغير مكلف، حسن على نحو ملحوظ نوعية الحياة لدى البالغين المصابين «بكوفيد طويل الأمد».

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ سُجّل نحو 840 ألف وفاة بكورونا في شهادات الوفاة خلال عامي 2020 و2021... لكن فريقاً من الباحثين قدّر أن ما يصل إلى 155 ألف وفاة إضافية غير معترف بها ربما حدثت خلال تلك الفترة خارج المستشفيات (رويترز)

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

أظهرت دراسة جديدة أن حصيلة الوفيات في المراحل الأولى من جائحة كورونا كانت أعلى بكثير من الأرقام الرسمية في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك مكملات فيتامين «د» تبدو واعدة في تقليل خطر الإصابة بـ«كوفيد طويل الأمد» (أرشيفية- رويترز)

دراسة: مكملات فيتامين «د» قد تساعد في تخفيف أعراض «كوفيد طويل الأمد»

تشير دراسة حديثة إلى أن مكملات فيتامين «د» قد توفر مؤشرات جديدة تساعد الباحثين على فهم الأعراض التي تستمر لدى بعض المصابين بعد التعافي من «كوفيد-19».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

روبوت يعثر على كنوز سفينة غارقة منذ 5 قرون

في الأعماق زمنٌ لم ينتهِ بعد (أ.ف.ب)
في الأعماق زمنٌ لم ينتهِ بعد (أ.ف.ب)
TT

روبوت يعثر على كنوز سفينة غارقة منذ 5 قرون

في الأعماق زمنٌ لم ينتهِ بعد (أ.ف.ب)
في الأعماق زمنٌ لم ينتهِ بعد (أ.ف.ب)

في عمق البحر الأبيض المتوسط قبالة الساحل الفرنسي، نجح روبوت موجَّه من بُعد مخصَّص للغوص في الماء، في انتشال قطع أثرية تعود إلى قرون، من بينها إبريق استقر بجوار حطام سفينة تجارية تعود إلى القرن السادس عشر.

وأوضح الضابط في البحرية الفرنسية، سبستيان، الذي لم يفصح عن هويته الكاملة لأسباب أمنية، أنّ التعامل مع الموقع يتطلب دقة فائقة؛ لتفادي إلحاق أي ضرر بالحطام أو إثارة الرواسب التي قد تعوق الرؤية.

ووفق «سي بي إس نيوز»، يُشرف سبستيان على المهمة الأولى ضمن بعثات استكشافية أثرية في أعمق حطام داخل المياه الإقليمية الفرنسية، التي تُجرى على بُعد نحو ساعتين من الريفييرا الفرنسية.

كان اكتشاف السفينة قد حدث مصادفةً خلال مسح عسكري روتيني لقاع البحر العام الماضي في منطقة قبالة ساحل راماتويل بالقرب من بلدة سان تروبيه.

ويرجّح علماء الآثار أنّ السفينة كانت في طريقها من شمال إيطاليا، محمّلةً بالآنية الخزفية وسبائك معدنية، قبل أن تلقى مصيرها في الأعماق.

بين الإنسان والعمق... وسيط من معدن (أ.ف.ب)

وقد عادت البحرية الفرنسية حالياً، بالتعاون مع قسم الآثار الغارقة تحت الماء بوزارة الثقافة، لمعاينة القطع الأثرية التي بقيت محفوظة على عمق يزيد على ميل ونصف تحت سطح البحر.

مدافع وأباريق خزفية تحت الأعماق

وتحافظ البحرية على سرّية موقع الحطام، الذي أطلقت عليه اسم «كامارا 4»، رغم أنّ الوصول إليه يتطلَّب إمكانات تقنية متقدّمة نظراً إلى عمقه الكبير.

ومع بزوغ الفجر، وصلت القاطرة البحرية التابعة للمهمّة إلى الموقع، حاملةً روبوتاً مخصّصاً للعمل تحت الماء، ومعه حاويتان كبيرتان تُستخدمان مكاتبَ ميدانية بديلة لعلماء الآثار البحرية.

ويُنزل طاقم العمل الروبوت المزوّد بالكاميرات وأذرع تشبه الكماشة إلى الأعماق، حيث يوجّه أحد المسؤولين في البحرية الروبوت نحو الأسفل عبر كابل طويل، في حين يراقب الخبراء حركته عبر الشاشات.

وبعد نحو ساعة، يبدأ الروبوت، المُصمَّم للغوص حتى عمق يصل إلى 4 آلاف متر، في الانزلاق فوق أكوام من الأباريق دائرية الشكل في قاع البحر.

وتكشف اللقطات التي ترصدها الكاميرات للفريق على السطح، عن تفاصيل الحطام، حيث تظهر مدافع إلى جانب مئات الأباريق والأطباق المزخرفة بنقوش نباتية وصلبان وأشكال أسماك.

ويلتقط الروبوت 8 صور في الثانية على مدى 3 ساعات، ممّا أتاح جمع أكثر من 86 ألف صورة تُستخدم لاحقاً لإنتاج نموذج ثلاثي البُعد دقيق للموقع.

وأعربت عالمة الآثار فرانكا تشيبيكيني عن دهشتها من وضوح الرؤية في هذا العمق، قائلةً: «بدت ممتازة، ولا يمكن تخيّل ذلك على هذا العمق». وأضافت أن السفينة كانت تجارية على الأرجح، وكانت تحمل آنية خزفية مصقولة من منطقة ليغوريا في شمال غربي إيطاليا، وربما حُمِّلت في موانئ جنوة أو سافونا.

كان خبراء قد حدّدوا سابقاً وجود مرجلين ومرساة و6 مدافع في موقع الحطام، إلى جانب نفايات حديثة، مثل علبة مشروبات وعلبة زبادي فارغة، ظهرت في بعض الصور قرب المرساة.

عينٌ آلية ترى ما عجزت عنه العيون (أ.ف.ب)

استعادة إحدى أعمق القطع

وترى رئيسة فريق التنقيب، مارين سادانيا، أنّ هذه النتائج تُمثّل مصدراً مهماً لفهم طرق التجارة البحرية في القرن السادس عشر، في ظلّ محدودية المصادر التاريخية التفصيلية المتاحة.

وخلال عملية الانتشال، راقب الفريق بحذر الروبوت وهو يخفض ذراعه لالتقاط صندوق برفق، لتفادي كسره، رغم أنّ أحد الأواني الخزفية تحطم خلال العملية.

وقد نجح الفريق في استخراج عدد من الأباريق والأطباق، إذ فُحِصت في مختبرات بمدينة مرسيليا، وأظهرت التحاليل الأولية زخارف بخطوط زرقاء داكنة وأشكال هندسية ملوّنة.

وأكدت سادانيا أن هذه القطع تُعد من أعمق القطع الأثرية التي استُخرجت من حطام سفينة في فرنسا.

يأتي هذا الاكتشاف بعد العثور عام 2019 على حطام الغواصة «لا مينيرف» قبالة مدينة تولون، على عمق 1.4 ميل، والتي غرقت عام 1968 وعلى متنها 52 بحاراً.

وفي تطور موازٍ، أعلن مسؤولون اكتشاف حطام سفينة أخرى تعود إلى القرن الـ16، عُثر عليها خلال تدريبات عسكرية قبالة ساحل السويد.


هل تكشف الكهرباء سرّ فنجان القهوة؟

في القهوة... ما يتجاوز الحواس (أ.ف.ب)
في القهوة... ما يتجاوز الحواس (أ.ف.ب)
TT

هل تكشف الكهرباء سرّ فنجان القهوة؟

في القهوة... ما يتجاوز الحواس (أ.ف.ب)
في القهوة... ما يتجاوز الحواس (أ.ف.ب)

من منظور علمي، يُعدّ فنجان القهوة لغزاً معقّداً، إذ يسهم أكثر من ألف جزيء في تشكيل نكهته، وتتأثر هذه النكهة بعوامل، منها نوع الحبوب، ودرجة تحميصها، وطريقة طحنها، وأخيراً أسلوب تحضيرها. وغالباً ما تكون النتيجة فنجاناً غير متّسق، يصعب التنبّؤ بمذاقه أو جودته، فقد يكون حامضاً أكثر من اللازم، أو ذا طعم محترق، أو ضعيف القوام.

ورغم أن الكيميائيين قادرون على استخدام أدوات متقدّمة لتحليل هذه المكوّنات وفهم كيفية تفاعلها لتشكيل المزيج المعقّد الذي يصنع نكهة القهوة، فإن هذه المقاربة لا تُعد عملية وسريعة لفحص الجودة في بيئة عمل مزدحمة مثل المقاهي.

وإنما دراسة حديثة نقلتها «واشنطن بوست» قد تُسهم في فكّ هذا اللغز؛ إذ استعان علماء بتقنية مستخدمة في بحوث البطاريات، وأظهروا أن قياس التيار الكهربائي المارّ عبر القهوة يمكن أن يوفّر طريقة سريعة لتحديد قوة المشروب ونكهته.

وفي هذا الإطار، استخدم علماء من جامعة أوريغون جهازاً يُعرف باسم «بوتنشيواستات»، يولّد جهداً كهربائياً متغيّراً، إذ وضعوا أقطابه في أكواب من القهوة، وقاسوا التيار المارّ عبر عيّنات أُعدّت من الحبوب نفسها، لكنها حُمِّصت بدرجات مختلفة، وباستخدام طريقة تحضير موحَّدة.

وأظهرت النتائج أنه كلما زادت الشحنة الكهربائية التي تمرّ عبر القهوة، زادت قوة المشروب، إذ كانت القهوة الأقوى أكثر قدرة على توصيل الكهرباء. في المقابل، كانت القهوة داكنة التحميص أقل توصيلاً عند مستوى القوة نفسه، ويُعزى ذلك جزئياً إلى تراكم جزيئات مثل الكافيين على الأقطاب.

ويُمثّل هذا الاكتشاف أحدث إضافة إلى مجال علوم القهوة، حيث يعمل خبراء في أنحاء مختلفة على دراسة أفضل الطرق للانتقال من الحبوب إلى مشروب مثالي.

تقليدياً، تعتمد صناعة القهوة على قياس «معامل الانكسار» لتحديد القوة، من خلال ما يُعرف بـ«إجمالي المواد الصلبة الذائبة»، أي كمية القهوة المذابة في المشروب. وإنما النكهة تُمثّل مزيجاً من خصائص عدّة، تشمل القوة ودرجة التحميص، ولا يمكن لهذا القياس وحده أن يعكسها بالكامل.

في هذا السكون الداكن... عالم كامل (أ.ف.ب)

وقال الكيميائي في جامعة أوريغون وقائد فريق البحث، كريستوفر هيندون، إنه يأمل أن يوفّر هذا القياس الكهروكيميائي وسيلة لمراقبة الجودة والاتساق، وهو أمر أقل أهمية عند تحضير القهوة في المنزل، لكنه يُمثّل تحدّياً كبيراً عند الإنتاج على نطاق واسع.

وأضاف: «إنها تجربة شديدة البساطة، لكن تحليلها معقّد. وما يثير حماستي هو صعوبة تصوّر أنّ خاصية كهربائية واحدة يمكن أن تختزل النكهة الكلية لمشروب يحتوي على آلاف المركّبات المختلفة».

ومع ذلك، فإنّ فهم كيفية تفاعل هذه المكوّنات لتشكيل نكهات مثل الفراولة في رشفة، أو لمسات الكراميل في أخرى، ليس بالأمر السهل. وفي نهاية المطاف، يبقى الحكم النهائي على جودة الطعم بيد اللسان البشري.

وأشار هيندون إلى أنهم تحقّقوا من دقة هذه النتائج من خلال تحليل 4 دفعات من القهوة من محمصة تُدعى «Colonna» في مدينة باث بالمملكة المتحدة، حيث تمكّنت الطريقة الكهروكيميائية من تمييز الدفعة التي استُبعِدت بعدما قيَّمها متذوّق بشري على أنها دون المستوى المطلوب. وأوضح القائمون على المحمصة لاحقاً أن تلك الدفعة رُفضت لأنها لم تُحمّص بشكل كافٍ وكانت شديدة الحموضة.

من جانبها، قالت هيذر سميث، وهي كيميائية متخصّصة في النكهات وعالمة في علوم الإدراك الحسي بجامعة كوينزلاند في أستراليا، ولم تشارك في الدراسة، إنها اطّلعت على عدد من «الأنوف الإلكترونية» التي تحاول تمييز البصمة العطرية ونكهة القهوة.

وأضافت في رسالة عبر البريد الإلكتروني: «أرى أن هذه التقنية تضيف بُعداً جديداً محتملاً، لكنها ليست حلاً متكاملاً بمفردها».

وأوضحت أن العنصر المفقود يتمثل في البيانات الحسية البشرية، لفهم مدى فائدة هذا القياس الكهروكيميائي. وقالت: «هي طريقة أسرع لقياس بصمة التركيب الكيميائي للقهوة، وستضيف مزيداً من المعلومات إلى مجموعة أدوات التحليل المستخدمة لتقييم جودة النكهة. لكن لا يمكن لأي من هذه الطرق وحدها أن تصف أو تقيس نكهة القهوة بشكل كامل؛ فالتقييم الحسّي البشري وحده قادر على ذلك».


ماسة «كوه نور»... ما قصتها؟ ولماذا تطالب الهند باستعادتها من بريطانيا؟

تاج تتويج الملكة الأم يظهر فوق نعشها في لندن عام 2002 (رويترز)
تاج تتويج الملكة الأم يظهر فوق نعشها في لندن عام 2002 (رويترز)
TT

ماسة «كوه نور»... ما قصتها؟ ولماذا تطالب الهند باستعادتها من بريطانيا؟

تاج تتويج الملكة الأم يظهر فوق نعشها في لندن عام 2002 (رويترز)
تاج تتويج الملكة الأم يظهر فوق نعشها في لندن عام 2002 (رويترز)

تعود ماسة «كوه نور» إلى واجهة الجدل الدولي بين الحين والآخر، بوصفها واحدة من أشهر الأحجار الكريمة في العالم وأكثرها إثارةً للنزاعات التاريخية والسياسية. فهذه الماسة، التي تتوسط جواهر التاج البريطاني، ليست مجرد قطعة فاخرة، بل رمزٌ معقَّد لتاريخ طويل من الاستعمار والمطالبات بالاسترداد. وقد تجدَّد النقاش حولها مؤخراً بعد دعوات جديدة لإعادتها إلى الهند، حيث استُخرجت في الأصل.

دعوة جديدة تعيد القضية إلى الواجهة

صرّح عمدة مدينة نيويورك، زهران ممداني، يوم الأربعاء، بأنه يشجِّع الملك البريطاني تشارلز على إعادة ماسة «كوه نور» - التي تزن 105.6 قيراط - إلى الهند، وذلك وفقاً لصحيفة «إندبندنت».

وجاء هذا التصريح خلال زيارة الدولة التي قام بها الملك تشارلز والملكة كاميلا إلى الولايات المتحدة، حيث أمضيا يومهما الثالث في نيويورك. وقال ممداني للصحافيين قبل لقائه بالملك: «لو تحدثتُ إلى الملك على انفراد، لربما شجَّعته على إعادة ماسة كوه نور».

وكان ممداني، وهو أميركي من أصل هندي، يتحدث قبيل مشاركته في مراسم إحياء ذكرى ضحايا هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001. ورغم لقائه لاحقاً بالملك تشارلز في المناسبة نفسها، لم يتضح ما إذا كانت هذه القضية قد طُرحت خلال حديثهما. من جهته، امتنع قصر باكنغهام عن التعليق، كما لم يؤكد مكتب العمدة حدوث أي نقاش بهذا الشأن.

وقد أعادت هذه التصريحات إحياء الجدل القديم حول الماسة، التي تطالب الهند منذ سنوات طويلة بإعادتها من بريطانيا.

موقع «كوه نور» في جواهر التاج البريطاني

تحتل ماسة «كوه نور» مكانة بارزة ضمن جواهر التاج البريطاني منذ عام 1911، عندما رُصّعت في صليب يتصدر تاج الملكة ماري. وفي عام 1937، استُبدلت بها نسخة طبق الأصل، بعد نقل الماسة الأصلية إلى تاج الملكة الأم بمناسبة تتويجها إلى جانب الملك جورج السادس.

وفي سياق متصل، اختارت الملكة كاميلا تجنُّب الجدل المرتبط بالماسة، إذ ارتدت تاج الملكة ماري بعد تعديله وإزالة النسخة المقلدة منه، لتصبح بذلك أول قرينة ملك منذ القرن الثامن عشر تعيد استخدام تاج في مراسم التتويج.

أما تاج الملكة الأم، فقد صُنع عام 1937 للملكة إليزابيث، قرينة الملك جورج السادس، لارتدائه خلال حفل التتويج في 12 مايو (أيار) من العام نفسه. ويتميَّز التاج بغطاء مخملي أرجواني وحواف من الفرو، وهو مرصّع بنحو 2800 ماسة مثبتة في إطار بلاتيني، تتوزع في أنماط من الصلبان والمستطيلات.

كما يضم التاج ماسات كبيرة أخرى، من بينها ماسة أهداها سلطان تركيا إلى الملكة فيكتوريا عام 1856. ومع ذلك، تبقى ماسة «كوه نور» الأكثر إثارةً للجدل، إذ تتوسط الصليب الأمامي للتاج على قاعدة بلاتينية قابلة للفصل.

أصل الماسة ورحلتها عبر الإمبراطوريات

استُخرجت ماسة «كوه نور» من الهند، وتُعد من أكبر الماسات المصقولة في العالم، إذ يبلغ وزنها 105.6 قيراط (21.12 غرام). ويعود أول ذكر مكتوب لها إلى عام 1628، خلال عهد الإمبراطورية المغولية، حين كانت مرصّعة في عرش الطاووس الخاص بالإمبراطور شاه جهان، إلى جانب ياقوتة تيمور.

لاحقاً، استولى الحاكم الفارسي نادر شاه على الماسة عندما غزا دلهي عام 1739 ونهب المدينة، حاملاً معه كنوزاً هائلة، من بينها عرش الطاووس.

ومنذ ذلك الحين، تنقلت «كوه نور» بين حكام آسيا الوسطى، إلى أن استقرّت في يد الحاكم السيخي رانجيت سينغ عام 1813، بحسب ما أورده كتاب «كوه نور: تاريخ أشهر ماسة في العالم» للمؤرخين أنيتا أناند وويليام دالريمبل. وقد أعاد سينغ الماسة إلى الهند قبل وفاته عام 1839.

كيف وصلت إلى بريطانيا؟

في تلك الفترة، كانت شركة الهند الشرقية البريطانية قد وسَّعت نفوذها في شبه القارة الهندية، وكانت تنظر إلى «كوه نور» بوصفها رمزاً للقوة والهيمنة الاستعمارية. غير أن البريطانيين لم يحصلوا على الماسة إلا عام 1849.

خلال هذه المرحلة، سُجِنَت راني جيندان، الزوجة الصغرى لرانجيت سينغ ووالدة آخر مهراجا، وهو ابنها دوليب سينغ الذي كان يبلغ من العمر عشر سنوات. وبعد سنوات من الاضطرابات، وجدت الأم وابنها نفسيهما الوحيدين الباقيَيْن في ترتيب ولاية عرش البنجاب.

ووفقاً لأناند ودالريمبل، أُجبر دوليب سينغ على توقيع وثيقة قانونية عدّلت معاهدة لاهور، تنازل بموجبها عن ملكية الماسة للبريطانيين، إضافة إلى التخلي عن جميع مطالباته بالسيادة. وبذلك، انتقلت «كوه نور» إلى الملكة فيكتوريا.

إعادة صقل الماسة وتغيُّر شكلها

عُرضت الماسة في «المعرض الكبير» في لندن عام 1851، لكنها لم تُثر إعجاب الجمهور بسبب بساطة مظهرها. وعلى إثر ذلك، أمر الأمير ألبرت، زوج الملكة فيكتوريا، بإعادة صقلها وتلميعها.

وقد أدى ذلك إلى تقليص حجمها إلى نحو النصف، لكنه زاد من بريقها ولمعانها، لتأخذ الشكل الذي تُعرف به اليوم.

تُقدَّر قيمة ماسة «كوه نور» بما يتراوح بين 140 و400 مليون دولار أميركي، غير أن قيمتها الحقيقية تبقى غير محددة، إذ يُنظر إليها على أنها قطعة لا تُقدَّر بثمن، نظراً لما تحمله من رمزية تاريخية وسياسية.

ومنذ استقلال الهند عام 1947، دأبت الحكومات الهندية المتعاقبة على المطالبة باستعادة الماسة. وكان آخر هذه المطالب في عام 2016، حين أعلنت نيودلهي أنها ستبذل قصارى جهدها لاسترجاعها.