في ليالي منع التجول ينتابني هاجس كوعد لإغاظة أمي!

المدينة المنورة تشهد إجراءات احترازية أكبر بعزل عدد من الأحياء بها (واس)
المدينة المنورة تشهد إجراءات احترازية أكبر بعزل عدد من الأحياء بها (واس)
TT

في ليالي منع التجول ينتابني هاجس كوعد لإغاظة أمي!

المدينة المنورة تشهد إجراءات احترازية أكبر بعزل عدد من الأحياء بها (واس)
المدينة المنورة تشهد إجراءات احترازية أكبر بعزل عدد من الأحياء بها (واس)

مدينة جدة فتاة سافرة في مراهقة لا تشيخ، وهي مدينة لا تعرف شيئاً سوى الحبور، لذا تظل في حالة غزل لأي عين متلهفة لكلمة حب، أو لقلب عاشق أضناه الهيام فحام بفضائها يشكو لوعة وجده... فلا تبخل عليه وتسكنه المهج ... كفتاة لعوب.
ليس لشيء سوى أنها مراهقة تمعن في تكذيب أسطورة (نجمة الصبح)، فتظل ساهرة إلى أن يقبل كوكب الزهرة، فتضم ضياءه بتحد: لن أنام ففعل ما تشاء !
ليلياً تمد أمواجها إلى الشواطئ، وتسرح جدائل سمائها، وتضفر جدائل شوارعها، وتكحل أهداب أركانها بإثمد السحر، وترش طيوبها بين أزقتها المنحنية، وطرقها الفاخرة، وترتدي فساتينها لكي تقابل كل عاشق باللون الذي يتغنى به . في جميع أحوالها ألفت على أن تكون جسورة في طلب الغزل، فتفتح جهاتها الأربع لزائرين من كل فجاج الأرض، وتمنح ضوء بصرها لجميع قاطنيها وزائريها.
تعلم هي أن كل من رآها ذاب عشقا فيلملمها بين الضلوع مرتهناً لدلالها، خاضعاً لجمالها كي يسير بقية العمر متيماً بحبها. هذا هو خضوع العاشق. لذا لم تخذل قلب من تعلق بها. يوميا تمنح ذاتها -كاملة- وكأنها لهذا العاشق، له لوحده... البارحة لم تف بوعدها السرمدي في أن تظل ساهرة أبد الدهر!
همى على العالم وابل ثقيل، فتلحفت الأرض وأمعنت في سربلة الغطاء على كل أعطافها.
هل جرى الزمان - في هذا المنعطف التاريخي - بمثل هذا الرعب؟
البارحة فقط أغلقت مدينة جدة منافذها، وتغطت بعباءة سوداء اسمها الليل، اكتفت بمن فيها، وحملت صندوق الذكريات لتسد بها مسامات الهلع النابت مع نبضات القلوب... البارحة ولأول مرة - في التاريخ - تقتعد تلك المراهقة عرصات تمددت جدرانها طولاً وعرضاً، وجهزت فراشها من غير غطاء، واقتعدت تراقب حمى تطوف العالم راغبة بقطف الأنفس.
هل جاءت - هذه الحمى - من غياهب الماضي لتفي بوعدها لأمي!
قبل مغادرة قريتنا لحقت بنا ونحن على سفر وضج صوتها خلفنا: لن تهربي به مني يا عائشة. لا يزال صوت تلك الحمى المتوحشة يسري في بدني فيقشعر منه كل بدني.
أنا ابن جدة ذلك الشخص المطلوب قطف أنفاسه.
كنت ذات يوم طفلاً عليلاً هربته أمه ذات ليل من أنفاس الحمى الحارقة... الآن أجزم أن تلك الحمى طافت الكون وكساحرة تبدل شكلها - في كل حين - وهي تبحث عن طفل تم تهريبه من بين براثنها، ولأنها صادقة الوعد جاءت لكي تفي بوعدها بإغاظة قلب امرأة هربت طفلاً كان من نصيبها، جاءت - الحمى- لتفي بعهد قطعته على نفسها بأن تجمعه في لحد مع أشقائه الراحلين.
هذه الحمى لا عقل لها، فكيف أخبرها أن عائشة ماتت، ولن تغيظها بقطف أنفاسي، وهذه ستقطف نفسا عاشقة لمراهقة لم تشخ بعد؟ كيف أخبرها بأنني أنا العاشق، وأنا الذي لم يتجاوز عشقي مائة أو ألف عام، كيف أخبرها؟
منذ طفولة قديمة لبست مدينة جدة كحياة، أركض في شوارعها وأزقتها وبين متاجرها وأسواقها ومبانيها ومقاهيها، ولم أكن أعرف أني أضحية لم يراق دمها بعد!
الأوبئة باقية والحياة باقية، وكما تجددت الأوبئة قابلتها الحياة بالتكاثر وخلق الملايين من الأنفس لهم جسارة المغامرين، والسير على خطى الشهداء الذين تزودوا بحسن الختام‪.
‪تشبث بالحياة أيها القروي.
كان هذا الهاجس يعاودني كلما جرت النار في دمي، كنت طفلا يأتيه ذلك الهاجس كحلم أو كوحي.
في زمن قديم عالق بالذاكرة، خرجت من رحم الموت عنوة، إذ كنت مشروع ميت في بال أمي التي فقدت أربع زهرات بسبب الحمى، ذلك السعير الذي نفخ في أجساد لأطفال لم يشبوا عن الطوق، حمى لم ترض إلا بدفن تلك الطفولة، كانت أيدي الأهالي تتوجس من جس حمى قدت من لظى النار، وكانت حمى متسامحة إزاء ذلك التأفف، لذا طافت بكل بيت من بيوت القرية، كي تقتص من ذلك التأفف بقطف نفس منه. ويبدو أنها لم تكن متسامحة مع أمي، فقد زارتها لأربع مرات، قطفت من (عشتنا) أربع أنفس، ووعدت بأخذي كآخر هدية تختم بها زيارة بيتنا، لم تكن القرية تعرف اسما لتلك الحمى سوى معرفة جلبتها فيقال :جاء زمن (الشوطة).
ربما كانت هي الكوليرا، أو الملاريا، أو حمى الوادي المتصدع، المهم أنها نار موقدة .
ففي مواسم الأمطار تبقي الأرض على الماء كذكرى أو إظهار سخائها في إقامة موطن للبعوض ودويبات الأرض، على أمل تقديم مأدبة شهية من أجساد القاطنين بالقرب من ماء الحياة. وفي كل سنة تتمدد الحمى بين الضلوع والأنفاس، لتغدو الزائرة السنوية غير المرحب بها كونها تحصد الأنفاس من غير استئذان.
أربعة من إخوتي خطفتهم من حضن أمي غير مكترثة بجزعها، وكنت الخامس الذي تركته للحمى على نية مضمرة لأخذه ذات يوم، فعشت كمشروع ميت في بال أمي، وكانت لها نية ظاهرة لإغاظة والدتي، إذ تزورني سنوياً، تعبث بأنفاسي حتى أغدو كخرقة تالفة، وتغادرني، وتتركني مهيض الجناح، كطائر تبلل حتى لم يعد قادراً على الصوصوة .
ربما عرفت والدتي بتلك النية المضمرة لحمى تشهتي إنهاك قلبها حزناً وكمداً على حشاشة فؤادها الأخير، فعزمت على ترحيلي من أرض تستقبل الأمطار وتخلف ناراً من حمى مجنونة. فهل كنت وبالاً على أهل الأرض بهذه الحمى الباحثة عني؟
وقبل رحيل أسرتي الصغيرة هرباً من حمى تتوعدني قاصدة مدينة جدة، كان التجهيز للسفر قائماً، وفي غفلة من الجميع استطاعت تلك الحمى أن تدس نفسها بين عظامي كبذرة فناء تلاحقني أينما كنت.
في أول وصولي لمدينة جدة عشت طريح الفراش من حمى غاضبة كادت أن تلغي حج والدتي. فأوكلتني لخالتي، وكما تقول والدتي إنها دعت في (الملتزم) أن ينجيني الله من حمى تتابعني كقدر.
عشت في مدينة جدة بين وقوع ونهوض، يبدو أن الحمى ربطها الدعاء بعض الشيء.
عشت حياة صاخبة بالأحداث، وحملتني شقاوة الطفولة إلى كل مكان في جدة من مينائها البحري والجوي إلى أسواقها وحاراتها وبين أفراحها وألعابها وأهازيجها ورقصاتها ومدارسها ومقاهيها وحلقات الخضار وبنقله الأسماك، وقصور الأفراح، وقبلها براحات الأعراس، وملاعب الكرة، والاستمتاع بقهوة في عمارة الملكة، أو التقاط حبات اللوز الهندي من شارع القصور السبعة، أو استغفال حرس بيت الزهد لأعود بحبات الجوافة، وفِي موسم الحج أرافق أندادي لأن نمكث في مدينة الحجاج ونتلهى بغزل أو الحصول على أدوات لم نكن نعرفها، وبدفع مبلغ زهيد تعود حاملاً ما لم يكن بالإمكان الحصول عليه.
عرفت السينما من أوقات مبكرة، ففي العصاري أحوم على أحواش تعرض أفلاماً عربية وهندية وأجنبية.
وفِي الليل تتوزع البهجة في كل منحنيات حارتنا المكتظة بكل الأعراق والعادات والأغاني والرقصات .
ليلنا سماع إذاعة العرب وتلوي مع أغنيات العشق، ولعب الورق (الكن كان) و(البلوت) ومن كان متأخراً عنهما يلعب (الكيرم) أو (الضمانة)... الحياة زاهية بكل تفاصيلها، قل دوراني أو الطواف بين معالم جدة عندما عملت صحافياً، كان الوقت قصيراً لا يفي بإحاطة مباهج جدة.
قريباً تخلصت من شرك العمل على فترتين، وعدت باحثاً عن الأماكن وبهجتها.
قلبي معبأ بفرح، ربما أستعيد جملة ناظم حكمت: الحياة جميلة يا صاحبي.
جزء يسير أو ضئيل جدا ما فعلته لهذه المعشوقة، واكتشفت - فجأة - كيف أموت وأترك سماء جدة.
هذا الشعور المباغت انتابني في ليالي الحذر.
أحس بالحمى تغزو جسدي، فأتلهى عنها نافضا من بالي ذلك الوعد الذي تعهدت به الحمى لإغاظة والدتي بقطف نفس آخر أطفالها. في منع التجول هذا، يشاغلني هم كيف أفهم هذه الحمى أن أمي توفيت، وليس هناك أي داع لإغاظة أحد؟
- روائي سعودي


مقالات ذات صلة

لقاح أنفي قد يحمي من «كورونا» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي في آنٍ واحد

صحتك اللقاح يُعطى عن طريق الأنف عبر رذاذ أنفي (أرشيف - أ.ب)

لقاح أنفي قد يحمي من «كورونا» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي في آنٍ واحد

طوَّر باحثون أميركيون لقاحاً جديداً قادراً على الوقاية من عدة فيروسات في آنٍ واحد، بما في ذلك «كوفيد-19» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

التطعيم يحمي الأم ووليدها

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)
صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

تمثال فؤاد حداد صاحب «المسحراتي» يزيّن «بيت الشعر العربي» بالقاهرة

تمثال فؤاد حداد في «بيت الشعر العربي» (وزارة الثقافة)
تمثال فؤاد حداد في «بيت الشعر العربي» (وزارة الثقافة)
TT

تمثال فؤاد حداد صاحب «المسحراتي» يزيّن «بيت الشعر العربي» بالقاهرة

تمثال فؤاد حداد في «بيت الشعر العربي» (وزارة الثقافة)
تمثال فؤاد حداد في «بيت الشعر العربي» (وزارة الثقافة)

زيّن تمثال للشاعر المصري الراحل فؤاد حداد «بيت الشعر العربي» في القاهرة (بيت الست وسيلة)، بعد أن أزاح المعماري حمدي السطوحي، رئيس صندوق التنمية الثقافية بوزارة الثقافة، الستار عن التمثال الذي أهداه لـ«بيت الشعر» الفنان المصري أسامة السروي.

جاء إهداء التمثال ضمن فعاليات صالون أحمد عبد المعطي حجازي الذي يقام في «بيت الشعر العربي»، وسط حضور كبير من الشعراء والمبدعين ومحبي الشعر في أمسية حملت عنوان أحد رواد شعر العامية المصرية «في حضرة فؤاد حداد» حضرها نخبة من الشعراء من بينهم أحمد عبد المعطي حجازي والشاعر أمين فؤاد حداد.

ويعد فؤاد حداد (1927 - 1985) من آباء شعراء العامية المصرية، ويأتي هذا التمثال تقديراً لقيمته بوصفه أحد أبرز رموز قصيدة العامية المصرية، وصاحب تجربة إنسانية ووطنية أسهمت في تشكيل ملامح الشعرية المصرية الحديثة، وتركت أثراً ممتداً في الوجدان الثقافي، وفق بيان لوزارة الثقافة، الاثنين.

احتفال في «بيت الشعر العربي» بتمثال فؤاد حداد (وزارة الثقافة)

ولد فؤاد حداد بحي الظاهر بالقاهرة لأب لبناني وأم سورية، وتعلم فى مدرسة الفرير ثم مدرسة الليسيه الفرنسيتين، واطلع على التراث الشعرى فى الكتب الموجودة بمكتبة والده، كذلك تعرف على الأدب الفرنسى، إثر دراسته للغة الفرنسية، مما أهله لبعض الترجمات الفرنسية، ويعد من رواد القصيدة العامية المصرية، وهو الجيل التالي في قصيدة العامية المصرية بعد بيرم التونسي.

كتب فؤاد حداد العديد من الدواوين الشعرية والأغاني التي قدمها عدد من المطربين، من أهم أعماله «المسحراتي» التي تغنى بها سيد مكاوى عام 1964، وكتب البرنامج الإذاعي «من نور الخيال وصنع الأجيال»، كما قدم لسيد مكاوي أيضاً أغنية «الأرض بتتكلم عربي»، فيما غنى له العديد من المطربين من بينهم محمد منير «الجيرة والعشرة»، وحنان ماضي «ما فيش في الأغاني كده ومش كده»، و«يالعروسة» و«صلينا الفجر فين» لعلي الحجار. وعرف بروحه المصرية الأصيلة واستلهامه التراث في الكثير من أعماله.

وقال المعماري حمدي السطوحي، رئيس صندوق التنمية الثقافية، إن إهداء تمثال فؤاد حداد لـ«بيت الشعر العربي» يحمل دلالة ثقافية عميقة، خصوصاً في هذا المكان التراثي الذي يجمع بين الفنون المختلفة ويحتفظ بقيمة معمارية وثقافية تتجاوز حدود المكان.

الفنان أسامة السروي يهدي «بيت الشعر» تمثالاً لفؤاد حداد (وزارة الثقافة المصرية)

وعدّ السطوحي «الالتقاء في هذا الفضاء بين الشعر بوصفه أحد الفنون، وبين التمثال الذي ينتمي إلى فن النحت، وبين جدران معمار تراثي قيم، يعكس طبيعة العلاقة التكاملية بين الفنون في التعبير عن روح الثقافة».

وأعلن الدكتور أسامة السروي أن تنفيذ التمثال استغرق أربعة أشهر، مؤكداً اعتزازه به لما يمثله فؤاد حداد من قيمة إبداعية استثنائية بالنسبة له.

وقال الشاعر سامح محجوب، مدير «بيت الشعر العربي»، إن فؤاد حداد حالة استثنائية في شعر العامية المصري، وهو من الآباء الكبار لفن الشعر، وجاءت أشعاره دائماً تمس نبض الشارع والبسطاء، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن الاحتفاء بفؤاد حداد وإهداء تمثال له لـ«بيت الشعر العربي» يدل على القامة الكبيرة التي يمثلها هذا الشاعر في الحركة الشعرية المصرية، على كافة المستويات، سواء الفنية أو الأسلوبية، أو حتى على مستوى الوزن والقافية والصور الجديدة النابضة بالحياة.


«لجنة الدراما» بمصر تنتقد إقحام حياة الفنانين في مسلسلات رمضان

لجنة الدراما في المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام قيّمت مسلسلات رمضان (فيسبوك)
لجنة الدراما في المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام قيّمت مسلسلات رمضان (فيسبوك)
TT

«لجنة الدراما» بمصر تنتقد إقحام حياة الفنانين في مسلسلات رمضان

لجنة الدراما في المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام قيّمت مسلسلات رمضان (فيسبوك)
لجنة الدراما في المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام قيّمت مسلسلات رمضان (فيسبوك)

انتقدت «لجنة الدراما» بالمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بمصر، إقحام حياة الفنانين الشخصية في مسلسلات رمضان، إذ رصدت اللجنة عدداً من سلبيات بعض الأعمال التي وقعت في فخ إقحام حياة الفنانين ضمن السياق الدرامي، واستخدام الحوار في بعض المسلسلات لتبادل رسائل مبطنة، إلى جانب وجود مشاهد عنف غير مبررة درامياً.

وجاء بيان «لجنة الدراما»، الأحد، بالتزامن مع جدل «الأكثر مشاهدة»، و«التلاسن العلني»، بين بعض نجوم مسلسلات الموسم الرمضاني خلال الأيام الماضية، الذي تسبب في أزمة كبيرة انتقدتها نقابة «الممثلين» المصرية، ووصفتها بأنها «حالة تراشق»، و«مهاترات»، و«معارك وهمية» غير لائقة، هدفها السعي وراء «الترند»، وأن مثل هذه السلوكيات لا تليق بتاريخ ومكانة الفن المصري.

من جانبها، قالت رئيسة «لجنة الدراما»، الكاتبة والناقدة الفنية المصرية ماجدة موريس، إن اللجنة رصدت وجود بعض مشاهد من مسلسلات درامية تم إقحام حياة الفنانين فيها دون مبرر، حيث تبين أنها رسائل شخصية يتم تمريرها لأطراف أخرى، وذلك لأول مرة في تاريخ الدراما التلفزيونية التي بدأت منذ ستينات القرن الماضي.

وأكدت ماجدة موريس في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، أن «الدراما يجب أن تكون بعيدة عن الحياة الشخصية، وأن تكون قائمة على سيناريو وكتابة جيدة، لأن المشاهد لا يشغله سوى الحكاية المحكمة التي تحتوي على رسالة توعوية أو محتوى ترفيهي».

وعدّت ما يجرى «مسؤولية فريق العمل كافة بداية من الكاتب والمخرج والمنتج، وغيرهم، ويجب الانتباه إلى هذه النقطة، وتجنب إقحام الحياة الشخصية، كما يجب على النجوم أنفسهم الانتباه لذلك، وتجنب الترويج لحياتهم على حساب الدراما».

جانب من اجتماع لجنة الدراما في المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام (فيسبوك)

وتعليقاً على أزمة «الأكثر مشاهدة»، أكدت ماجدة موريس أن الصراع الذي يجري على «السوشيال ميديا»، خلفه فرق إلكترونية تعمل على ترويج بعض المسلسلات، وأن «الأرقام التي يتم الإعلان عنها ليست دقيقة ولا تعكس الواقع، كما أن المشاهد نفسه لا يشغله هذه الصراعات، بل القصة الدرامية الجيدة»، على حد تعبيرها.

وأصدرت «لجنة الدراما» بيانها، عقب مناقشة أعمال النصف الأول من موسم رمضان، لافتة إلى وجود طفرة في عناصر الإنتاج الدرامي، مثل الديكور والتصوير والموسيقى التصويرية والإضاءة والمونتاج.

وأشادت اللجنة بتوجه عدد من المسلسلات إلى إعلاء قيمة اللجوء إلى العدالة في إطار قانوني، من بينها «عين سحرية»، و«الست موناليزا»، و«وكان يا ما كان»، و«حد أقصى»، بعد أن كانت ظاهرة «أخذ الحق باليد»، قد انتشرت في مواسم درامية سابقة، كما أشادت اللجنة بتناول الأعمال الدرامية لقضايا وطنية وقومية واجتماعية، وأبرزها القضية الفلسطينية، عبر مسلسل «صحاب الأرض».

وأشارت اللجنة في بيانها، إلى وجود ضعف في بعض السيناريوهات، خصوصاً في الأعمال التي تمتد إلى 30 حلقة، إلى جانب انتشار ظاهرة الكتابة أثناء التصوير، وضغط الوقت وسرعة وتيرة التصوير للحاق بمواعيد العرض، مما أدى إلى وقوع عدد من الأخطاء التقنية والتنفيذية.

ولفتت اللجنة إلى غياب واضح للأعمال المكتوبة عن «الروايات»، و«الأعمال الأدبية»، إلى جانب غياب الأعمال الكوميدية المتميزة.

من جهته، أكد الناقد الفني المصري سمير الجمل، أن الدراما حالياً تعاني من ظاهرة «الترند»، حيث يحاول الجميع أن يكونوا في الصدارة، وأن ما يحدث في الوقت الحالي لم يكن في السباق؛ بل كانت المسلسلات الجيدة تحظى بالاهتمام دون الحاجة إلى اللجوء لمثل هذه الأمور غير المبررة.

وأضاف الجمل في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن «بعض الأعمال الدرامية حالياً تعاني من تخبط كبير، حيث يتم اختراع أخبار وقضايا، وتسريب فيديوهات، وصراعات لتصدر (الترند)، وغياب المؤلف الحقيقي هو السبب في هذه الحالة».


أنطوان غندور يترجَّل وعبارته «صبحك بالخير ستنا بيروت» باقية في الذاكرة

آخر إطلالة له خلال تكريمه على مسرح جوزيف أبو خاطر (فيسبوك)
آخر إطلالة له خلال تكريمه على مسرح جوزيف أبو خاطر (فيسبوك)
TT

أنطوان غندور يترجَّل وعبارته «صبحك بالخير ستنا بيروت» باقية في الذاكرة

آخر إطلالة له خلال تكريمه على مسرح جوزيف أبو خاطر (فيسبوك)
آخر إطلالة له خلال تكريمه على مسرح جوزيف أبو خاطر (فيسبوك)

رحل الكاتب أنطوان غندور عن عمر ناهز 84 عاماً، نتيجة تدهور حالته الصحية. ولم يحضر جنازته سوى قلة من زملائه. فكتب المنتج إيلي معلوف، الذي كان من بينهم: «لا أعرف ماذا أكتب... عجبي أم عتبي؟ أين الوفاء لمن صنع هوية الدراما التاريخية، وصنع أبطالاً على المسرح والخشبة؟ وفي مأتمه ستة أشخاص».

ويُعدُّ غندور أول من كتب حلقة تلفزيونية لبنانية مدتها ساعة ونصف الساعة، ضمن سلسلتي «كانت أيام» و«أديب وقصة». وقد تجاوزت أعماله المائة، بين مسلسلات تلفزيونية وأعمال مسرحية وإذاعية وسينمائية، فضلاً عن أعمال وثائقية عُرضت على شاشات لبنانية وعربية. وطبع الشاشة الصغيرة بأعمال درامية حفرت في ذاكرة اللبنانيين، وأسهم في صناعة نجوم الزمن الجميل للدراما، من بينهم أنطوان كرباج، ونبيه أبو الحسن، وفيليب عقيقي، وإيلي صنيفر.

كتب غندور حبكات درامية ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بأرض الوطن، وصبغ مؤلفاته بتاريخ لبنان، ناقلاً وقائع من ذاكرته الاجتماعية والسياسية إلى الشاشة، ومحوَّلاً أحداثاً مفصلية إلى حكايات إنسانية قريبة من الناس.

سبق وكرّمته وزارة الإعلام بجائزة «رائد الدراما التاريخية» (فيسبوك)

كما عُرف بقدرته على مزج التاريخ بالدراما، فاستعاد في نصوصه محطات من التراث اللبناني وسِيَر شخصيات تركت بصمتها في المجتمع. وكان حريصاً على تقديم أعمال تُبرز الهوية اللبنانية وتوثِّق تفاصيل الحياة اليومية للناس، فبدت نصوصه أشبه بمرآة تعكس تحوّلات المجتمع وتقلباته عبر العقود. ومن أشهر مؤلفاته «بربر آغا»، و«أخوت شاناي»، و«أربع مجانين وبس»، و«رصيف البارزيانا» وغيرها. كما قدَّم للمسرح أكثر من عمل، بينها «طانيوس شاهين»، و«المير واستير»، و«القبقاب». وكانت له تجربة سينمائية لافتة من خلال فيلم «كلنا فدائيون» عام 1969.

وفي مسلسل «دويك»، من بطولة الراحل عبد الله حمصي المعروف بـ«أسعد»، حفظ اللبنانيون تحية هذه الشخصية الريفية الشهيرة للعاصمة: «صبّحِك بالخير ستنا بيروت».

نقيب الممثلين نعمة بدوي، الذي كانت تربطه علاقة وطيدة بالراحل، أشار في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه لا يمكن توجيه العتب لمن غابوا عن جنازة غندور. وقال: «في ظل الحرب التي يشهدها لبنان لا أستطيع لوم أحد لعدم مشاركته في وداع كاتب رائد. لكنني أحمل في قلبي غُصَّة لأنه رحل في جنازة خجولة بحضور محدود وغياب رسمي. فأنطوان غندور كان سيِّد النص الدرامي التاريخي على الشاشة والخشبة، وعرف كيف ينقل تاريخ لبنان إلى أجيال متعاقبة بأسلوب سلس ومشبَّع برائحة التراب. وكان يجدر بنا تقديره بما يليق بقامته الفنية. لكن البلاد برمتها منشغلة بالحرب، كما أن رحيله جاء على عجل، حتى إن ولديه لم يتمكنا من الوصول إلى لبنان لوداعه، إذ يقيمان في دول الخليج».

رحيل الكاتب أنطوان غندور عن عمر ناهز 84 عاماً (فيسبوك)

وكان الراحل أنطوان غندور قد ابتعد في السنوات الأخيرة عن الساحة بسبب تدهور حالته الصحية. وفي آخر ظهور له، خلال تكريمه من قبل «التجمع الوطني للثقافة والبيئة والتراث» في ديسمبر (كانون الأول) 2025، بدا متعباً وجالساً على كرسي متحرك أثناء تلقيه درعه التكريمي على خشبة مسرح جوزيف أبو خاطر.

ويستذكر النقيب نعمة بدوي مشواره مع الكاتب الراحل قائلاً: «تربطني به علاقة وثيقة. وكان أول من كسر حاجز بيروت الشرقية والغربية عندما طلب مني أداء بطولة مسرحية (المير واستير). يومها تعرَّض لانتقادات لأنه اختار ممثلاً من غير بيئته لتجسيد دور الأمير بشير الشهابي. لكنها كانت خطوة جريئة منه، اعتبرها جسراً لإعادة التواصل بين البيروتَين (بيروت الشرقية وبيروت الغربية) في فترة الحرب».

وُلد غندور في بلدة عين علق المتنية عام 1942، ومنذ طفولته المبكرة مال إلى القراءة والكتابة. ولم يكن قد بلغ العشرين من عمره عندما فقد والدته جميلة مراد. درس في مدرسة في جونية قبل أن ينتقل إلى جامعة الحكمة، حيث تابع دراسة علم النفس لعامين. تزوّج من زينب عازار ولهما ولدان، فادي وكريستيان. ومن أولى كتاباته سلسلة القصص «تحت شجرة الزيزفون».

نال جوائز عدة عن أعماله، بينها «صدفة» عام 2003 من بطولة تقلا شمعون، وبيار داغر، كذلك مسلسل «سقوط زهرة البيلسان» من بطولة إبراهيم مرعشلي، وجلنار شاهين، وفيليب عقيقي، وإخراج إيلي سعادة. وحاز عنه أيضاً جائزة التلفزيون الأولى في الكويت، وجائزة الحوار في جامعة الدول العربية، وعُرض على شاشة تلفزيون لبنان عام 1981.