عبد الحليم خدام «يلخّص» بمناصبه وأمراضه تاريخ سوريا

بدأ «بعثياً» وكان محافظاً للقنيطرة وقت احتلالها... وعيّنه الأسد نائباً له ثم توفي في منفاه بباريس

عبد الحليم خدام بمؤتمر صحافي في بروكسل عام 2011 (رويترز)
عبد الحليم خدام بمؤتمر صحافي في بروكسل عام 2011 (رويترز)
TT

عبد الحليم خدام «يلخّص» بمناصبه وأمراضه تاريخ سوريا

عبد الحليم خدام بمؤتمر صحافي في بروكسل عام 2011 (رويترز)
عبد الحليم خدام بمؤتمر صحافي في بروكسل عام 2011 (رويترز)

تحكي مسيرة عبد الحليم خدام، جانباً مهماً من تاريخ سوريا في العقود الأخيرة. بدأ حياته «بعثياً» ثم عُيّن محافظاً لحماة، لحظة قصفها، وللقنيطرة وقت احتلالها. كان قرب «صديقه» في مرضه وعُيّن «نائب السيد الرئيس» بعد شفائه. أشرف على «ملف لبنان» وشاهد الخروج منه. أمضى السنوات الأخيرة «معارضاً» في المنفى. كان مريضاً مثل بلاده التي تركها. مات بسكتة قلبية في باريس، مع اقتراب وباء «كورونا» من مسقط رأسه ومقر سلطته السابقة.
خدام وُلد في 1932 في بانياس، حيث تعلم في مدارسها قبل أن يدرس القانون في جامعة دمشق وينضم إلى «حزب البعث» برئاسة ميشال عفلق وصلاح البيطار، الحزب الذي أصبح الحاكم بعد انقلاب مارس (آذار) 1963. وخلال الجامعة، أصبح رفيقاً «بعثياً» و«صديقاً» لحافظ الأسد الطيار في سلاح الجو السوري. جمعهما الحزب والجغرافيا على خلاف الطائفة. وعاد إلى اللاذقية وعمل محامياً مع نشاط سياسي من صلب تلك المرحلة.

حماة المحاصرة

لدى وصول «البعث» إلى الحكم، عُيّن خدام، وهو السني، محافظاً لمدينة حماة المعروفة بموقفها المعارض للنظام والرئيس أمين الحافظ. ويقول كتاب «فولاذ وحرير»، إنه في أبريل (نيسان) 1964 «شنت جماعة الإخوان المسلمين انتفاضة عسكرية انطلاقاً من حماة (...) حاول خدام حل الأزمة دبلوماسياً، لكن عندما فشل، أمر الرئيس أمين الحافظ بشن غارة جوية على المسجد المحاصر».
بعد ذلك، جرى قمع الانتفاضة في حماة، وعُين خدام محافظاً للقنيطرة في مرتفعات الجولان. لكن خدام أُجبر على تركها في 5 يونيو (حزيران) 1967 بعد الاحتلال الإسرائيلي. في تلك المرحلة الحرجة من تاريخ سوريا، كان في النظام «ثلاثة أطباء»: الدكتور الرئيس نور الدين الأتاسي، ورئيس الوزراء الدكتور يوسف الزعين، ووزير الخارجية الدكتور إبراهيم ماخوس. ونقل عن رئيس الدبلوماسية السورية قوله الشهير بعد احتلال إسرائيل الجولان في 1967: «ليس مهماً أن نخسر المدن لأن العدو هدفه القضاء على الثورة» في إشارة إلى «ثورة» آذار (مارس) التي أوصلت «البعث» إلى الحكم. ولهذه الجملة صدى في هذا الوقت، حيث تقيم في سوريا خمسة جيوش في ثلاث مناطق نفوذ.
في عام 1968، عيّن الأتاسي خدام لفترة وجيزة محافظًا لدمشق، ثم وزيراً للاقتصاد في مايو (أيار) 1969. وقتذاك، اندلع صراع في قيادة «البعث» بين الأمين العام المساعد صلاح جديد والرئيس الأتاسي وماخوس الذي قدم على أنه «يساري» من جهة، ووزير الدفاع اللواء حافظ الأسد الذي قُدم على أنه «براغماتي» من جهة أخرى. حسم الأخير المعركة لصالحه في «الحركة التصحيحية» في 17 نوفمبر (تشرين الثاني) 1970. وأودع «رفاقه» السجن، باستثناء ماخوس الذي فر إلى الجزائر.

«صديق الرئيس»

عندما استلم الأسد السلطة عام 1970، عيّن «صديق الشباب» خدام وزيراً للخارجية ونائباً لرئيس الوزراء ونائبا في مجلس الشعب (البرلمان) برئاسة الأسد من فبراير (شباط) إلى ديسمبر (كانون الأول) 1971، وكان خدام رأس حربة سياسية في مقارعة «الإخوان» نهاية السبعينات وبداية الثمانينات، وحاور مثقفين سياسيين للدفاع عن نهج النظام في ذلك.
في نوفمبر 1983، أصيب «الرفيق» الأسد بنوبة قلبية وعُيّن خدام في لجنة رئاسية عسكرية - سياسية من ستة أشخاص تشرف على إدارة شؤون الدولة لكبح طموح رفعت الأسد، شقيق الرئيس، بالإفادة من دوره العسكري في «سرايا الدفاع» ودوره في الصراع مع «الإخوان». وحين تعافى الأسد من مرضه، عيّن ثلاثة نواب له في 1984 هم: عبد الحليم خدام للشؤون السياسية، ورفعت الأسد للشؤون العسكرية، وزهير مشارقة للشؤون الحزبية.
في تلك المرحلة، بات خدام بين أبرز المقربين من الأسد، إلى جانب وزير الدفاع الراحل العماد مصطفى طلاس (توفي في منفاه في باريس في يونيو 2017). وقتذاك جرى تعيين فاروق الشرع وزيراً للخارجية لدى تسلم خدام منصب نائب الرئيس، وبرز دوره تدريجياً في «إدارة ملف لبنان» بحكم وجود القوات السورية والإشراف على العلاقة السياسية مع فصائل فلسطينية وأخرى عراقية مع ترك البعد الأمني والعسكري لشخصيات أخرى في النظام. وكان له دور خاصة بتمتين العلاقة مع طهران بعد 1979.

الخروج من العزلة

يقول كتاب «فولاذ وحرير» إن خدام لعب كوزير الخارجية «دوراً فعالاً في إخراج سوريا من العزلة الدولية» خلال سنوات «البعث» الأولى بين 1963 و1970 وعمل على تعزيز علاقات سوريا الخارجية مع جيرانها العرب، خصوصاً السعودية ولبنان والأردن والعراق. وفي مايو 1974، حشد ضد معارضي «معاهدة فك الارتباط» مع إسرائيل التي أبرمها وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر، بعد الحرب التي خاضتها سوريا ومصر في أكتوبر (تشرين الأول).
وفي 1978، ساهم في نقل رسائل من الأسد إلى قادة عرب لرفض مبادرة السلام التي وقّعها الرئيس المصري الراحل أنور السادات. وأمام عودة الضغوط على دمشق، لعب دوراً في تعزيز العلاقات مع إيران بعد سقوط الشاه محمد رضا بهلوي في فبراير 1979. وفي أغسطس (آب) 1979 زار طهران، ووصف «الثورة بأنها أهم حدث في تاريخنا المعاصر»، ثم لعب دوراً أساسياً في تنسيق «التحالف» مع زعيم «الثورة» علي خميني. لكن كان من المؤيدين لإقامة توازن عبر الحفاظ على العلاقة مع «العائلة العربية» بقيادة السعودية.

مبعوث الأسد

في أبريل 1975، أصبح خدام «المبعوث الخاص» للأسد في لبنان وتوسط بين القوى المتحاربة في بداية الحرب الأهلية اللبنانية وساهم مع قائد جهاز الاستخبارات السوري في لبنان الراحل غازي كنعان (أعلنت دمشق انتحاره في أكتوبر 2005)، ومسؤول الاستخبارات في دمشق الراحل محمد ناصيف خير بيك (توفي في يونيو 2015)، في مد النفوذ السوري في الأوساط السياسية اللبنانية. وفي عام 1985، نسق «الاتفاق الثلاثي» مقنعاً وليد جنبلاط ونبيه بري وإيلي حبيقة بـ«وقف النار والعمل لاستعادة السلام في لبنان».
وفي أكتوبر 1989 ساهمت سوريا والسعودية في صوغ «اتفاق الطائف» الذي وافق عليه معظم الأطراف اللبنانية لإنهاء الحرب الأهلية التي استمرت 17 سنة، وفاوض لاحقاً على خروج العماد ميشال عون، رئيس الوزراء اللبناني، وفي صوغ تفاهمات دولية بينها «اتفاق نيسان» بعد الغزو الإسرائيلي جنوب لبنان 1996. وهو كان معروفاً بتشدده في المفاوضات مع إسرائيل خلال عقد التسعينات.
ويقول مؤرخون إن خدام دعم بإشراف الأسد، الرئيس إلياس الهراوي، وانتخاب رئيس الوزراء رفيق الحريري في عامي 1992 و2000. وطوال التسعينات، كان خدام يُعرف في الأوساط الشعبية بأنه «حاكم لبنان» في دمشق، في إشارة إلى تأثيره على السياسة اللبنانية، إضافة إلى دور «حاكم عنجر» في إشارة إلى مقر كنعان في البقاع اللبناني.
أبقى الأسد «الملف اللبناني» في عهدة خدام إلى عام 1998 عندما تم نقله إلى نجله الدكتور بشار الأسد الذي عاد من لندن بعد وفاة باسل شقيقه الأكبر في 1994، الأمر الذي لم يكن مريحاً لخدام وحلفائه في لبنان.

«انتقال سلس»

لدى وفاة الأسد في يونيو 2000، ظهر تباين إزاء من يتسلم إدارة الأيام الانتقالية. حاول خدام لعب دور أبرز، لكنّ ضغوطاً عليه أدت إلى توقيعه مراسيم الإعداد لـ«انتقال سلس» في السلطة بين 10 و17 يونيو. وعُيّن بشار الأسد قائداً عاماً للجيش السوري بمنحه رتبة عسكرية، وفي يوليو (تموز) 2000 أصبح الأسد رئيساً وأبقى خدام في منصبه كنائب للرئيس وحاول استعادة «دوره» في لبنان و«تعزيز العلاقات» بعد حملة سبتمبر (أيلول) 2000 التي أطلقها البطريرك الماروني مار نصر الله بطرس صفير. كما حاول «التوسط» في يونيو 2001 بين الرئيس إميل لحود، ورئيس الوزراء رفيق الحريري، ورئيس مجلس النواب نبيه بري. ويقول محللون سوريون في دمشق: «تولى خدام دور الحكم بين لحود والحريري بين 2000 و2002 وفتح قنوات مع جنبلاط التي كانت علاقته بدمشق متوترة بعد وفاة الأسد».
ومع تراجع دوره السياسي، نشر في عام 2003، كتاباً عن آرائه السياسية وموقفه من الديمقراطية والحرية، بعنوان: «النظام العربي المعاصر». وخلال المؤتمر العام لحزب «البعث» في يونيو 2005 تقدم خدام باستقالة من منصبه كنائب للرئيس واحتفظ بمنصبه كعضو في القيادة المركزية لـ«البعث». بعدها، خرج إلى لبنان حيث كان في وداعه في المطار أصدقاؤه اللبنانيون، في طريقه إلى المنفى في باريس (فاروق الشرع أصبح نائباً للرئيس في بداية 2006 قبل أن يُعفى من هذا المنصب قبل سنوات. وتسلم وليد المعلم وزارة الخارجية خلفاً للشرع في 2006).
وبعد اغتيال الحريري، فُرضت عزلة على دمشق من دول عربية وغربية. وفي 30 سبتمبر أعلن خدام انشقاقه عن النظام السوري واتهمه بـ«قتل الصديق رئيس الوزراء اللبناني». كما شكّل من منفاه مع «الإخوان المسلمين» بقيادة صدر الدين البيانوني تحالف «جبهة الخلاص» لمعارضة النظام. وفي دمشق، اتُّهم بـ«الخيانة العظمى» وصودرت ممتلكاته في دمشق وبانياس مسقط رأسه على الساحل السوري.
لم يلعب خدام دوراً سياسياً بارزاً بعد انتفاضة 2011، لكن قال إنه على السوريين حمل السلاح لـ «الدفاع عن أنفسهم ما لم يتدخل العالم لحمايتهم». وفي السنوات الاخيرة، كرس وقته لكتابة مذكراته عن تاريخ سوريا ولبنان في العقود الأخيرة. وقال مقربون إن وضعه المادي أصبح سيئاً للغاية في الفترة الأخيرة، وعانى من أمراض كثيرة، حيث كانت صحته في وضع حرج إلى أن توفي بسكتة قلبية فجر أمس (الثلاثاء).



العليمي يعترف باختلالات «الوحدة» ويؤكد إنصاف الجنوب

العليمي يعترف باختلالات «الوحدة» ويؤكد إنصاف الجنوب
TT

العليمي يعترف باختلالات «الوحدة» ويؤكد إنصاف الجنوب

العليمي يعترف باختلالات «الوحدة» ويؤكد إنصاف الجنوب

دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي إلى تجاوز صراعات الماضي في بلاده، واستعادة الثقة بالدولة وتعزيز الشراكة الاستراتيجية مع السعودية، مؤكداً أن إنصاف «القضية الجنوبية» ومعالجة الاختلالات التي رافقت تجربة الوحدة بين الشمال والجنوب سيظلان «التزاماً ثابتاً لا رجعة عنه».

وقال العليمي في الخطاب الذي ألقاه لمناسبة ذكرى إعلان الوحدة اليمنية في 22 مايو (أيار) 1990 إن الوحدة مثلت حلماً وطنياً وإنسانياً حمله أبناء الشمال والجنوب معاً، غير أن المشروع تعرض لاحقاً «لانحرافات خطيرة» أفضت إلى الإقصاء والتهميش والإضرار بالشراكة الوطنية، بحسب وصفه.

وأكد رئيس مجلس القيادة اليمني أنه لا يتحدث «بمنطق الاحتفال التقليدي ولا بلغة الانتصار السياسي»، بل من موقع المسؤولية أمام شعب «أنهكته الحروب والانقسامات وانهيار المؤسسات»، مشيراً إلى أن اليمن يقف أمام «لحظة فارقة» تتطلب شجاعة الاعتراف بالأخطاء وبناء المستقبل.

ووسط ضجيج الأصوات الداعية إلى انفصال جنوب اليمن عن شماله، جدد العليمي التأكيد على أن القضية الجنوبية تمثل جوهر أي تسوية سياسية عادلة، مشدداً على التزام الدولة بجبر الضرر وضمان الشراكة العادلة في السلطة والثروة، وتمكين اليمنيين من التعبير الحر عن تطلعاتهم السياسية والاقتصادية والثقافية.

وقال إن قيادة الدولة لم تنظر يوماً إلى القضية الجنوبية بعدّها «مشكلة أمنية»، بل بوصفها مدخلاً لبناء سلام مستدام ودولة مستقرة، مؤكداً أن حلها تحت سقف الدولة يمثل شرطاً للحفاظ على التماسك الوطني واستكمال معركة إنهاء الانقلاب الحوثي.

وفي سياق حديثه عن التطورات الأخيرة في المحافظات الجنوبية والشرقية، أشار العليمي إلى أن البلاد واجهت «منعطفاً أمنياً وسياسياً خطيراً» كاد يهدد مركز الدولة القانوني ويقوض أسس الأمن الوطني والقومي. في إشارة إلى التحركات الأحادية العسكرية التي قادها ما كان يسمى المجلس الانتقالي الجنوبي قبل إعلان حله مطلع العام الحالي.

وأوضح العليمي أن السلطات الشرعية تمكنت، «بالحزم والحكمة» وبدعم من السعودية، من تجنيب البلاد الانزلاق نحو الفتنة والتشظي، والحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية في مواجهة الحوثيين والتنظيمات الإرهابية.

إسقاط ملاحقات

في خطوة بدت موجهة لاحتواء تداعيات التوترات الأخيرة الناجمة عن تصعيد «الانتقالي» المنحل، أعلن العليمي توجيه الجهات المختصة بمراجعة وإسقاط أوامر التوقيف والملاحقات المرتبطة بالأحداث الأخيرة في بعض المحافظات الجنوبية بحق شخصيات سياسية ومدنية لم يثبت تورطها في أعمال إرهابية أو قضايا فساد أو انتهاكات جسيمة.

وشدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني على إعادة الأسلحة والذخائر والمعدات العسكرية التي تم الاستيلاء عليها خلال الأحداث وتسليمها إلى مؤسسات الدولة المختصة، باعتبار ذلك خطوة ضرورية لترسيخ احتكار الدولة للسلاح.

وشدد العليمي على رفض استخدام القضية الجنوبية لتبرير «التمرد المسلح» على مؤسسات الدولة، كما رفض في المقابل توظيف شعارات الوحدة لتبرير الإقصاء والهيمنة.

وقال إن الدولة حرصت خلال الفترة الماضية على تجنب خطاب «النصر والهزيمة» ونبذ لغة التشفي والانتقام، مؤكداً أنه «لا منتصر في الصراعات الأهلية ولا رابح في خلافات شركاء الهدف والمصير».

أولويات المرحلة المقبلة

عرض العليمي ما وصفها بالموجهات الرئيسية لرؤية مجلس القيادة الرئاسي والحكومة خلال المرحلة المقبلة، وفي مقدمها استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء انقلاب الحوثيين استناداً إلى المرجعيات الثلاث، إضافة إلى استكمال الإصلاحات الاقتصادية وتعزيز الحوكمة ومكافحة الفساد.

كما شدد على أولوية بناء مؤسسات الدولة في المحافظات المحررة، وتعزيز دور السلطات المحلية، وتوحيد القرارين الأمني والعسكري، ومكافحة الإرهاب والتهريب والجريمة المنظمة.

وأكد العليمي أهمية تعزيز العلاقة مع السعودية ونقلها من مستوى «التحالف الوثيق» إلى «الشراكة الاستراتيجية الشاملة»، مع السعي إلى الاندماج التدريجي لليمن في المنظومة الخليجية.

وأثنى رئيس مجلس الحكم اليمني على الإصلاحات الحكومية الأخيرة، معتبراً أنها تمثل خطوات «شجاعة» لإعادة البناء والاعتماد على النفس، وحشد الموارد اللازمة لتغطية فاتورة المرتبات والخدمات الأساسية. في إشارة إلى قرارت حديثة لحكومة الزنداني شملت زيادة الرواتب ورفع قيمة الدولار الجمركي وتشكيل لجنة عليا للمناقصات والتشديد على تحصيل الإيرادات ومكافحة الفساد.

وأشار إلى توجيهات رئاسية لتعزيز الأداء الحكومي في القطاعات الحيوية، خصوصاً النقل والاتصالات، ورفع الجاهزية الأمنية وتسريع التكامل العسكري وبناء القدرات الدفاعية، مع التركيز على أن تكون عدن والمحافظات المحررة نموذجاً للتعافي والاستقرار.

التزام إنساني وأمني

في الشق الإنساني، رحب العليمي بالاتفاق الأخير مع الحوثيين الخاص بالإفراج عن 1750 من المحتجزين والمختطفين والمخفيين، واصفاً الخطوة بأنها «إنجاز إنساني مهم» يخفف معاناة آلاف الأسر اليمنية.

وأكد التزام الحكومة بمواصلة الجهود للإفراج عن جميع المحتجزين والمختطفين في سجون الحوثيين، وإغلاق هذا الملف بصورة شاملة، مشدداً على أن الدولة المنشودة «ليست دولة انتقام بل دولة عدالة وإنصاف».

كما تطرق العليمي إلى التحديات الأمنية في العاصمة المؤقتة عدن، متهماً «قوى الإرهاب والتخريب» بمحاولة إعادة الخوف وزعزعة الثقة بمؤسسات الدولة، لكنه أكد أن الأجهزة الأمنية تمكنت من إحباط كثير من المخططات وضبط خلايا إرهابية وإحالتها إلى القضاء.

وقال إن عدن ستظل «مدينة للسلام والتعايش والمدنية»، وإن المحافظات المحررة ستبقى مساحة للأمل والعمل المشترك رغم كل التحديات.

ودعا العليمي اليمنيين إلى جعل ذكرى الوحدة «محطة جديدة لاستعادة الثقة وتجديد العهد وتوحيد الجهود»، وفتح صفحة جديدة عنوانها «الإنصاف والشراكة والدولة المدنية العادلة والسلام والتنمية».

وأكد أن اليمنيين تمكنوا في مراحل سابقة من تجاوز ظروف أكثر صعوبة عندما تمسكوا بمشروع الدولة وقدموا المصلحة الوطنية على الحسابات الضيقة، معرباً عن ثقته بقدرة الشعب اليمني على تجاوز المرحلة الراهنة وصناعة مستقبل يليق بتضحياته.


كيف تواجه مقديشو «التغلغل الإسرائيلي» في «أرض الصومال»؟

رئيس أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)
رئيس أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)
TT

كيف تواجه مقديشو «التغلغل الإسرائيلي» في «أرض الصومال»؟

رئيس أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)
رئيس أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)

تتواصل الإدانات - لا سيما الصومالية - منذ نحو 5 أشهر، بينما تعمق إسرائيل وجودها في إقليم «أرض الصومال» الانفصالي بعد أن اعترفت به في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وبعد تسمية سفراء في أبريل (نيسان)، وصولاً لإعلان قرب تبادل افتتاح السفارات في مايو (أيار) الحالي، وسط تساؤلات حول الأدوات التي تمتلكها مقديشو في مواجهة هذا التغلغل.

وأدانت مصر بأشد العبارات، في بيان للخارجية، الخميس، «الخطوة غير القانونية والمرفوضة المتمثلة في إقدام ما يُسمى إقليم (أرض الصومال) على افتتاح سفارة مزعومة له في مدينة القدس المحتلة، في انتهاك صارخ للقانون الدولي».

كما أكدت «رفضها الكامل لأي إجراءات أحادية تستهدف تكريس واقع غير قانوني في القدس المحتلة، فضلاً عن دعمها الكامل لوحدة وسيادة جمهورية الصومال الفيدرالية وسلامة أراضيها، والرفض الكامل لأي إجراءات أحادية تمس وحدة الأراضي الصومالية أو تنتقص من سيادتها».

وأدانت جمهورية الصومال الفيدرالية، الأربعاء، إعلان إقليم «أرض الصومال» افتتاح ممثلية دبلوماسية في مدينة القدس، معتبرة الخطوة إجراءً أحادياً غير قانوني ولا يترتب عليه أي أثر سياسي أو قانوني. واعتبرت أن هذه الخطوة تمثل «استفزازاً سياسياً لا يتوافق مع الإجماع الدولي»، مؤكدة أنها لن تقر بأي إجراءات من هذا النوع، وأنها متمسكة بموقفها الثابت بشأن وحدة البلاد وسيادتها.

الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ خلال لقاء سابق مع رئيس أرض الصومال على هامش منتدى دافوس (حساب هرتسوغ على إكس)

ويعتقد خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن الرفض الصومالي المتكرر «لم يعد مُجدياً» مع استمرار التغلغل الإسرائيلي، لكنهم رجحوا أن تستنفد مقديشو كل الوسائل الدبلوماسية والسلمية كما ينص القانون الدولي، والتوجه لحل الأزمات السياسية الداخلية أولاً، وسط تباين بشأن اللجوء للخيار العسكري مع الإقليم.

المسار الدبلوماسي

ويرى نائب رئيس المجلس المصري للشؤون الأفريقية ومساعد وزير الخارجية الأسبق، صلاح حليمة، أن اتخاذ موقف دولي داعم للصومال والشرعية الدولية هو الأهم حالياً لتدعيم موقف مقديشو، مشيراً إلى أنه لا يزال أمام الحكومة إجراءات في المنابر الأفريقية والدولية ستُتخذ لدعم المسار الدبلوماسي؛ حرصاً على استقرار المنطقة ومنع تصاعد النزاعات فيها.

في حين قال المحلل السياسي الصومالي، علي كلني، إن «التوجه لتبادل افتتاح السفارة بين أرض الصومال وإسرائيل يمثل تحدياً مباشراً للموقف الرسمي الصومالي الداعم للقضية الفلسطينية والرافض لانتقاص سيادة بلاده»، مؤكداً أن التحركات الإسرائيلية داخل أرض الصومال جزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى تعزيز النفوذ الإسرائيلي في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، مستفيدة من هشاشة الأوضاع السياسية والانقسامات الداخلية التي تعاني منها البلاد منذ سنوات».

وفي مواجهة هذه التحركات، يرى كلني في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة الصومالية ستواصل اعتماد المقاربة السياسية والدبلوماسية، من خلال التأكيد المستمر على وحدة وسيادة الأراضي الصومالية، والتحرك داخل الأطر العربية والأفريقية والإسلامية لرفض أي اعتراف أو تعامل رسمي مع «أرض الصومال» باعتبارها كياناً مستقلاً.

لكن هذا التواصل الإسرائيلي في الإجراءات يشكك في مدى جدوى الاكتفاء بالمسار السلمي، في ظل ما يعتبره البعض تمدداً متصاعداً للنفوذ الإسرائيلي في منطقة شديدة الحساسية استراتيجياً، بحسب كلني.

تحذيرات وإدانات

وحذرت جامعة الدول العربية، الأربعاء، من «تعميق بؤر التوتر في القرن الأفريقي» على خلفية فتح إقليم «أرض الصومال» الانفصالي سفارة له في القدس المحتلة.

وأدان الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، ذلك الإعلان، وعدَّه خطوة «مرفوضة، وباطلة قانوناً من جميع الوجوه، ولا يترتب عليها أي أثر قانوني، كما تمثل استفزازاً مرفوضاً للعالمين العربي والإسلامي».

وحذر من أن «هذه التحركات الرامية إلى التغلغل في منطقة القرن الأفريقي تنذر بتعميق بؤر التوتر، وعدم الاستقرار».

وسبق أن أدانت دول عربية وأفريقية في أبريل الماضي، بأشد العبارات، إعلان إسرائيل تعيين مبعوث دبلوماسي لدى «أرض الصومال».

وعدّ وزراء خارجية السعودية، ومصر، والصومال، والسودان، وليبيا، وبنغلاديش، والجزائر، وفلسطين، وتركيا، وإندونيسيا، الإعلان الإسرائيلي «انتهاكاً صارخاً لسيادة جمهورية الصومال الفيدرالية، ووحدة وسلامة أراضيها».

وقال حليمة: «استخدام مسارات القوة الناعمة والقوة الخشنة والمواجهة المسلحة مسارات مكفولة أمام مقديشو للدفاع عن أراضيها»، ولم يستبعد اللجوء للخيار العسكري بعد استنفاد كل المسارات السلمية الدبلوماسية، وحل الأزمات السياسية الداخلية الصومالية.

فيما يرى كلني أنه رغم تصاعد الخطاب السياسي والإعلامي، فإن احتمالات لجوء مقديشو إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع أرض الصومال تبدو مستبعدة في المرحلة الراهنة، نظراً إلى تعقيدات المشهد الداخلي الصومالي.

وأضاف: «الحكومة الفيدرالية لا تزال تخوض حرباً مفتوحة ضد (حركة الشباب)، بالتوازي مع أزمات سياسية داخلية تتعلق بالانتقال الدستوري والانتخابات وتقاسم السلطة بين المركز والأقاليم».

ويتوقع كلني أن تواصل مقديشو الرهان على أدوات الضغط السياسي والدبلوماسي، مع تعزيز حضور الدولة الفيدرالية داخلياً وإقليمياً، بدلاً من الانجرار إلى مواجهة عسكرية واسعة قد تتجاوز كلفتها قدراتها الحالية، وتدفع البلاد نحو مزيد من التعقيد وعدم الاستقرار.


«منفذ البحر الأحمر» يفاقم التوتر بين مصر وإثيوبيا

المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية نبيات غيتاتشو خلال مؤتمر صحافي يوم الخميس (الخارجية الإثيوبية)
المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية نبيات غيتاتشو خلال مؤتمر صحافي يوم الخميس (الخارجية الإثيوبية)
TT

«منفذ البحر الأحمر» يفاقم التوتر بين مصر وإثيوبيا

المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية نبيات غيتاتشو خلال مؤتمر صحافي يوم الخميس (الخارجية الإثيوبية)
المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية نبيات غيتاتشو خلال مؤتمر صحافي يوم الخميس (الخارجية الإثيوبية)

بعد نحو أسبوع من زيارة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي لإريتريا، وإثر تأكيدات رسمية برفض وجود دول غير مشاطئة على البحر الأحمر، اتهمت إثيوبيا مصر بمحاولة عرقلة وصولها إلى منفذ على البحر؛ في خلاف متصاعد عدَّه محللون وخبراء جزءاً من رسائل للداخل الإثيوبي قبل الانتخابات المرتقبة الشهر القادم.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإثيوبية، نبيات غيتاتشو، خلال مؤتمر صحافي الخميس، إن الحكومة المصرية تحاول تطويق وعرقلة وصول بلاده إلى البحر الأحمر. ولم يحدد تفاصيل، غير أنه أكد أن بلاده ستواصل العمل جاهدة للحصول على منفذ بحري عبر طرق سلمية، ومستدامة.

وباتت إثيوبيا دولة حبيسة غير ساحلية منذ عام 1993 عندما حصلت إريتريا على استقلالها بعد حرب استمرت ثلاثة عقود، وهي تعتمد على موانئ جيرانها، لا سيما ميناء جيبوتي.

الدول المشاطئة

خلال زيارته أسمرة في 17 مايو (أيار) الجاري، التقى الوزير المصري عبد العاطي مع وزير الخارجية الإريتري عثمان صالح، وشددا على أن أمن وإدارة البحر الأحمر «يظلان مسؤولية حصرية للدول المشاطئة له، وأن مصر ترفض أية محاولات من أطراف غير مشاطئة لفرض ترتيبات أو أدوار أمنية في هذا السياق»، بحسب البيان المصري.

ولم يُسم عبد العاطي وقتها الدول المقصودة، غير أنه قال في تصريحات خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 إن مصر ترفض دخول إثيوبيا في حوكمة سواحل البحر الأحمر.

رئيس إريتريا يستقبل وزيري الخارجية والنقل المصريين خلال زيارة لأسمرة (الخارجية المصرية)

وفي حين وصف المحلل السياسي الإثيوبي عبد الشكور عبد الصمد المنفذ البحري لإثيوبيا بأنه «رئة تتنفس منها»، يرى خبير الشؤون الأفريقية بالمركز القومي لدراسات الشرق الأوسط حسين البحيري أن أديس أبابا «تتبنى سياسة خارجية تهدف إلى فرض وجودها الإقليمي عبر محاولة النفاذ إلى البحر الأحمر، وامتلاك منفذ بحري فيه».

وحذر البحيري من أن المساعي الإثيوبية «من شأنها إثارة حالة من عدم الاستقرار السياسي والأمني والعسكري في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر»، مضيفاً أن «إثيوبيا تحاول تبرير أطماعها البحرية بإلقاء اللوم على مصر، والادعاء بأنها تعرقل جهودها التنموية».

وتابع قائلاً: «التحركات الإثيوبية الحالية لا تهدد أمن دول الجوار بمنطقة القرن الأفريقي فحسب، بل تمس بشكل مباشر المصالح المائية، والأمن القومي المصري في منطقة حوض النيل، خاصة في ظل استمرار الرفض الإثيوبي للمطالب المصرية الرامية للتوصل إلى اتفاق قانوني ملزم ينظم قواعد ملء وتشغيل سد النهضة في فترات الجفاف، والجفاف الشديد».

السجال

ويأتي السجال المصري-الإثيوبي الجديد بعد زيارة أجراها مسؤولون إثيوبيون لواشنطن لتعزيز التعاون قبل أيام.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإثيوبية غيتاتشو، خلال المؤتمر الصحافي الذي عقده الخميس، إن وزير الخارجية جيديون تيموثيوس قاد وفداً إثيوبياً إلى العاصمة واشنطن، وأجرى لقاءات مهمة مع مسؤولين أميركيين، وتم توقيع اتفاقية تهدف إلى فتح آفاق أوسع للتعاون في مجالات الاقتصاد، والاستثمار، والتجارة، إلى جانب ملفات الدفاع، والأمن، والسلام الإقليمي.

ويرى عبد الشكور أن تقارب إثيوبيا والولايات المتحدة «هو من منطلق التعاون اقتصادياً وأمنياً بالنظر لتاريخ علاقات البلدين، وحاجتهما المشتركة في التعاون»، مستبعداً أن تصل المنطقة لـ«صِدام»، ومرجحاً استمرار الحملة الإعلامية الإثيوبية وتصاعدها قبل انتهاء الانتخابات المقررة في يونيو (حزيران) المقبل.

وحول احتمالات اندلاع صدام عسكري بين إريتريا، المدعومة من مصر، وإثيوبيا بسبب أزمة البحر الأحمر، يرى البحيري أن السيناريو المرجح على المدى القريب هو استمرار الاكتفاء بالتصعيد السياسي والإعلامي المتبادل دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية، لافتاً إلى انشغال إثيوبيا بالتحضير للانتخابات العامة.

«دبلوماسية الموانئ»

ومنذ توليه منصبه في أبريل (نيسان) 2018، يسعى رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد للوصول إلى البحر الأحمر، عبر ما تسمى «دبلوماسية الموانئ».

وفي مطلع عام 2024، حاولت إثيوبيا الحصول على منفذ بحري عبر ميناء بربرة في الإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، قبل أن تلاقي رفضاً من مقديشو، والقاهرة، والجامعة العربية.

وفي فبراير (شباط) الماضي شهدت جلسات قمة الاتحاد الأفريقي سجالاً غير مباشر بين مصر وإثيوبيا بشأن البحر الأحمر؛ فبينما ربط آبي أحمد استقرار منطقة القرن الأفريقي بحصول بلاده على منفذ بحري، جدد عبد العاطي تأكيد مصر أن «حوكمة البحر الأحمر مسؤولية الدول المشاطئة».