«كورونا» في الصين... اختبار جديد لعلاقة نظام الحكم بالشباب

أدوار الأجيال الصاعدة في مواجهة الفيروس تصطدم بنموذج سيطرة الحزب الشيوعي

شاب في شارع شبه خالٍ من المارة في بكين الشهر الماضي (نيويورك تايمز)
شاب في شارع شبه خالٍ من المارة في بكين الشهر الماضي (نيويورك تايمز)
TT

«كورونا» في الصين... اختبار جديد لعلاقة نظام الحكم بالشباب

شاب في شارع شبه خالٍ من المارة في بكين الشهر الماضي (نيويورك تايمز)
شاب في شارع شبه خالٍ من المارة في بكين الشهر الماضي (نيويورك تايمز)

تدفقت أعداد لا حصر لها من الطلاب على وسائل التواصل الاجتماعي لجمع تبرعات للأطباء الصينيين الذين يكافحون لمنع انتشار وباء فيروس «كورونا المستجد». كما سار العمال في الشوارع للمطالبة بتعويض عن أسابيع من البطالة خلال عمليات الإغلاق على مستوى المدينة، فيما انتقل الصحافيون الشباب إلى منصة «يوتيوب» لبث مقاطع مصورة تدعو إلى حرية التعبير.
فقد حشد تفشي فيروس «كورونا» الشباب في الصين، داعياً جيلاً لم يبد مقاومة تذكر لأجندة الحزب الشيوعي الحاكم لاتخاذ مواقف. فطيلة معظم فترات حياتهم، ظل العديد من الشباب الصينيين راضين بالتخلي عن الحريات السياسية ما دام ظل الحزب متمسكاً بغايته المتمثلة في صفقة مقايضة استبدادية مقابل توفير الوظائف والاستقرار، والآن جاء الفيروس ليكشف عن حدود تلك المقايضة.
يضغط العديد من الشباب الصينيين غاضبين ومضطربين على الحكومة لردعها عن إخفاء أخطائها ومقاومتها للسماح للمجتمع المدني بالمساعدة. وتحدث البعض عن تكلفة السرية، مع استهداف الرقابة وإسكات المبلّغين عن المخالفات، فيما استهدف آخرون عداء الحزب للجماعات المستقلة التي تتولى تنظيم المتطوعين والاحتجاجات. وسعى آخرون إلى محاسبة الجمعيات الخيرية المدعومة من الدولة من خلال الكشف عن كيفية توجيه التبرعات العامة أولاً إلى المكاتب الحكومية دون المستشفيات.
دفع تفشي المرض إلى يقظة جيلية تتشابه إلى حد كبير مع آثار الحرب العالمية الثانية أو الأزمة المالية العالمية عام 2008، ما يمكن أن يعطل الاستقرار الاجتماعي الذي يعتمد عليه الحزب الشيوعي.
وذكرت هانا يانغ (34 سنة) المقيمة في بكين، والتي أنشأت قناة عبر منصة «تلغرام» للرسائل المشفرة لنشر مقالات وتعليقات مواقع التواصل الاجتماعي المحظورة انضم إليها 14 ألف شخص، أن «الأحداث الأخيرة جعلت بعض الناس يرون بشكل أوضح أن انتقاد بلادهم لا يعني أنهم لا يحبونها». وأضافت «يوماً ما، سيروي الناس قصة الأحداث الأخيرة في الصين. على الأقل يمكننا أن نجعل الآخرين يعرفون ما حدث هنا بالضبط».
ومع استمرار انتشار الفيروس عالمياً، من المؤكد أن أسئلة مشابهة حول الثقة بالحكومة والأمن الاقتصادي وأسلوب الحياة ستثار أمام الشباب في العديد من البلدان. لكن لذلك صدى خاص في الصين، صدى غير مألوف للفقر والاضطرابات التي اتسمت بها البلاد في العقود التي تلت الثورة الشيوعية. وعلى عكس الطلاب الجامعيين الذين دفعت احتجاجاتهم المؤيدة للديمقراطية الحكومة لشن حركة قمعية في ميدان تيانانمين عام 1989، فإن هذا الجيل الذي نشأ في اقتصاد مزدحم مشبع بالدعاية الرسمية لم يظهر معارضة تذكر للوضع الراهن.
وستختبر الأشهر المقبلة ما إذا كان بإمكان الحزب تهدئة مخاوف الشباب المكتشفة حديثا، أو ما إذا كان الضغط سيترتب عليه استياء أوسع يزيل شرعية الحكومة. فقد ساعد النجاح الذي حققته الصين مؤخراً في الحد من الإصابة بفيروس «كورونا» على تجديد الحماسة القومية، على الرغم من عمليات الإغلاق الصارمة والقيود المفروضة على السفر التي فرضتها الحكومة. فإذا كان الحزب قادرا على إعادة تشغيل الاقتصاد بسرعة واستعادة زخم الحياة اليومية بينما تكافح دول مثل إيطاليا والولايات المتحدة للقيام بذلك، فإن تعزيز دولة مركزية قوية يمكن أن يكتسب المزيد من الزخم.
لكن إذا تسبب الوباء في حدوث ركود عالمي يستنزف الطلب على السلع الصينية وينهي عقودا من النمو الاقتصادي في البلاد، فإن الاستياء تجاه الحزب يمكن أن يتصاعد. وبالفعل يشعر العديد من الشباب بالقلق بشأن فرصهم الوظيفية، حيث إن تداعيات جهود الاحتواء الحكومية تهدد بالتسبب في أول انكماش للاقتصاد الصيني منذ عام 1976.
وقال جيانغ زو، عالم الاجتماع بجامعة ستانفورد الذي تناولت كتابته الحكومة الصينية: «كانت هذه الحلقة مؤلمة ومزعجة للعديد من الشباب، ودفعتهم إلى التفكير في تجربتهم وآفاقهم المستقبلية».
وتعهد الرئيس الصيني شي جينبينغ بحماية العمال وإعادة المصانع إلى مسارها، حيث تعمل حكومته على تكثيف الدعاية القومية وتصوير تعاملها مع الفيروس كنموذج للدول الأخرى. لكن حكومته تسحق المعارضة وتستهدف الصحافيين الذين سعوا لنشر روايات لم تخضع لتنقيح السلطة عن الأزمة في ووهان، وتسحق كذلك منتقدين مثل رن تشي تشيانغ، قطب العقارات المفوه الذي وصف شي بـ«المهرج» المتعطش للسلطة.
ومع ذلك، فإن تبعات الوباء الذي أودى بحياة أكثر من 3000 شخص في الصين لن تتلاشى بسهولة. كانت كارول هوانغ (28 سنة) لا تبالي بالسياسة وتقبلت حقيقة دعم غالبية الناس للحزب وللرئيس شي، لكن في الآونة الأخيرة قامت هوانغ، وهي من سكان مدينة ووهان التي انطلق منها الوباء، بمهاجمة مؤيدي الحزب عبر وسائل التواصل الاجتماعي والدفاع عن الصحافيين الصينيين الذين انتقدوا رد الحكومة لتفشي المرض. وقالت إن «الحكومة تتبنى مبدأ إما أن تنصت لي وإما أن تذهب إلى الجحيم. لا توجد منطقة محايدة. وهذا ما أحاول تغييره عبر وسائل التواصل الاجتماعي».
ووفقاً للإحصاءات الرسمية، فقد انتقد مستخدمو الإنترنت الصينيون الآخرون - نصفهم تقريبا دون سن 30 - رواية الحزب، وإن كان بطرق غير مباشرة. وأنشأ البعض، مثل يانغ في بكين، ما عرف بـ«مقابر إلكترونية» لتجميع الأخبار والتعليقات المتعلقة بالفيروس التي جرى إزالتها من الإنترنت من قبل الرقابة الحكومية. ونظم طلاب في عدة جامعات حملات جماعية عبر وسائل التواصل الاجتماعي لجمع تبرعات للمستشفيات في ووهان، ونشروا شهادات من الأطباء والممرضات تؤكد نقص الإمدادات.
قام العديد من المتطوعين الماهرين بالتكنولوجيا بتحليل بيانات من الصليب الأحمر في ووهان والجمعية العامة الخيرية هناك، وهي جمعيات خيرية تدعمها الحكومة تسيطر على التبرعات الموجهة لمكافحة تفشي الوباء. ووجدوا أن تلك المنظمات قامت بتوجيه أموال وأقنعة إلى المكاتب الحكومية أكثر من المستشفيات، وقاموا بنشر تفاصيل ذلك عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وأفاد متطوع من بكين قام بتحليل بيانات الصليب الأحمر بأن المشروع ولد جزئياً بسبب الظروف؛ إذ أجبرت عمليات الإغلاق على الصعيد الوطني الناس على البقاء في منازلهم يطلعون على الأخبار وتقارير وسائل الإعلام الاجتماعية من «ووهان»، مما جعل من المستحيل تجاهل صرخات المساعدة. وقال متطوع يعمل كمدرس طلب عدم ذكر اسمه خوفا من انتقام الحكومة: «لقد منح أهالي ووهان الناس، وأنا من منهم، حافزا للشجاعة». وأضاف أن الوباء جعل أولئك الذين حصلوا على فترات راحة من روتينهم العادي للتطوع أقرب إلى مجتمعاتهم.
*خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى

علوم عاملون مختبريون يفحصون عينات فيروس «كوفيد» ميدانياً

دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى

الفيروسات تتطور بشكل عادي لدى الحيوانات، إلا أنها تتطور بشكل جذري عند إصابتها الإنسان.

كارل زيمر (نيويورك)
صحتك اللقاح يُعطى عن طريق الأنف عبر رذاذ أنفي (أرشيف - أ.ب)

لقاح أنفي قد يحمي من «كورونا» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي في آنٍ واحد

طوَّر باحثون أميركيون لقاحاً جديداً قادراً على الوقاية من عدة فيروسات في آنٍ واحد، بما في ذلك «كوفيد-19» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

التطعيم يحمي الأم ووليدها

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)
صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.