الصحافة في زمن «كورونا»... عمل عن بُعد و«واتساب» للتواصل

إعلاميون يواصلون الظهور وجرائد تُدار من المنازل وأخرى تُعلق نسخها الورقية

من ضرورات العمل المنزلي وجود أحدث أجهزة وبرامج الكومبيوتر والاتصالات التي يعتمد عليها
من ضرورات العمل المنزلي وجود أحدث أجهزة وبرامج الكومبيوتر والاتصالات التي يعتمد عليها
TT

الصحافة في زمن «كورونا»... عمل عن بُعد و«واتساب» للتواصل

من ضرورات العمل المنزلي وجود أحدث أجهزة وبرامج الكومبيوتر والاتصالات التي يعتمد عليها
من ضرورات العمل المنزلي وجود أحدث أجهزة وبرامج الكومبيوتر والاتصالات التي يعتمد عليها

دفعت أزمة انتشار فيروس «كورونا المستجد» الصحف والمجلات العربية إلى العمل من المنازل، في تجربة وصفها بعض الصحافيين بـ«الفريدة والثرية التي أظهرت إمكانات لدى الصحافيين»، مؤكدين أنه «لا يوجد مساوئ في العمل عن بُعد؛ إلا أنه اختبار قوي لاستعدادت الصحافي في التعامل رقمياً». وإذ كانت هناك صحف قررت العمل عن بُعد، فكرت صحف أخرى في توجية طاقاتها لمواقعها الإلكترونية.
وشكل العمل عن بعد تجربة متميزة لـ«الشرق الأوسط» التي باتت تعد موادها وتجهز صفحاتها وتغذي منصاتها الرقمية، عبر فرق دؤوبة، تعمل على مدار الساعة من المنازل. ومنذ بداية انتشار «كورونا» عالمياً الشهر الماضي، وضعت «الشرق الأوسط» خطة طوارئ لضمان سلامة طواقمها المنتشرة حول العالم واستمرار الصدور بسلاسة، شملت تغييرات كبيرة على دورة العمل بالتزامن مع مراقبة دائمة لخريطة انتشار الفيروس لتقييم أوضاع فرق العمل المتوزعة على أكثر من دولة.
بدأت «الشرق الأوسط» بتشجيع منسوبيها المصنفين ضمن الفئات الأكثر عرضة للإصابة بالفيروس، على العمل من المنزل ضماناً لسلامتهم. كما حثت أفراد فريقها العائدين من دول شهدت إصابات كثيرة على العزل المنزلي. وفي موازاة ذلك، أجرت فرق العمل تدريبات متدرجة على العمل عن بعد، وصولاً إلى الصدور بالكامل من خارج المكاتب، قبل أكثر من أسبوع من إعلان الدول الإغلاق الكامل في لندن والرياض والقاهرة وبيروت التي تضم مقرات رئيسية. ورغم التحديات التي تنطوي عليها مواقف كهذه، إلا أن التغييرات التي فرضتها هذه الأزمة عززت «تسريع التحول الرقمي» الذي وضعته «الشرق الأوسط» عنواناً لعملها في 2020.
وبينما قررت بعض الدول وقف طباعة الصحف حتى إشعار آخر، من بينها، الأردن، وسلطنة عمان، والمغرب، واليمن، والكويت، وتونس، وسوريا، أوقفت صحيفة «عكاظ» السعودية نسختها الورقية مؤقتاً، وتوقفت عدة صحف جزائرية. وقرر المجلس الوطني للإعلام في الإمارات وقف تداول الصحف والمجلات والمنشورات التسويقية الورقية مؤقتاً، وسط مطالب بوقف الصحف الورقية في مصر والسودان.
وقال الكاتب الصحافي موفق النويصر، رئيس تحرير صحيفة «مكة» لـ«الشرق الأوسط»: «فعلنا نظام النشر الخاص بالصحيفة للعمل بالكامل عن بُعد بكل كفاءة، وجهزنا مجموعات (واتساب) متعددة بحسب كل قسم، لتبادل الأفكار المراد تنفيذها في العدد، وضمان إبداء الملاحظات حيالها، وتعديلها بحسب المطلوب»، مضيفاً: «لا شك أن التجربة غريبة وفريدة؛ إلا أنها ثرية ومفيدة، كونها أظهرت إمكانات لدى الزملاء، لم نكن نراها لولا هذه الأزمة، وننتظر زوال أزمة (كورونا) لنرى ما الذي يمكن استثماره من هذه التجربة لاحقاً».
وقال الكاتب الصحافي محمود حامد، مدير عام تحرير صحيفة «البوابة» الخاصة في مصر: «قررنا أن يعمل الجميع من المنزل، على أن يوجد فى المؤسسة زميل واحد من كل قسم صباحاً، وزميل مساء، مع تقليل (شيفت المبيت) إلى زميلين، والباقى يعمل من المنزل».
وتقول الإعلامية التونسية، مبروكة خضير، لـ«الشرق الأوسط»، إن «العمل عن بُعد، تجربة جديدة، سيكون لها أثر عظيم على الصحافة العالمية، وهي فرصة جديدة لترتيب المنزل الداخلي، وزيادة المساحة للترابط الأسري؛ لكنها في الوقت ذاته فرضت على الصحافي ضغوطاً غير مسبوقة، في التحقق من الأخبار، واختبار قوي لاستعدادته في التعامل رقمياً مع كل شيء».
الصحافي السوري المقيم بالإمارات، آلجي حسين، قال إن «الإعلام في مواجهة (كورونا) بمثابة معركة جديدة، وتجربة مغايرة تأثرت بها، والتجربة الإعلامية في هذه المرحلة علّمتنا الكثير حول دور الإعلام في إدارة الأزمات والأوبئة، والالتفات أكثر للقصص الإنسانية (الفيتشرات)، وكذلك الاطلاع على تجربة العمل عن بُعد، فهذا الوباء غيّر كثيراً من العادات الإعلامية، إن جاز القول»، مضيفاً: «كُل وباء يضرب العالم يحدث ثورة في مفاهيم كثيرة، ومنها الإعلام والاتصال، كجزء رئيسي في المجتمع».
وأكد الكاتب الصحافي جلال بوعاتي، من صحيفة «الخبر» الجزائرية لـ«الشرق الأوسط»، أن «بعض الصحف الجزائرية قررت إعفاء الصحافيين من الحضور إلى قاعات التحرير، والعمل من المنازل، والتواصل مع رؤساء أقسام التحرير بواسطة وسائل التواصل الاجتماعي، وتطبيقات (واتساب) و(فايبر) وغيرهما، فيما فضلت صحف أخرى توجيه طاقاتها لمواقعها الإلكترونية، واعتماد خدمة بث فيديوهات خاصة بيوميات المواطنين مع الفيروس وأخباره حول العالم».
القنوات الفضائية كان لها نصيب من خطة العمل الجديدة بسبب «كوفيد-١٩». لكن الإعلامية التونسية نوفر رمول، المذيعة بتلفزيون «دبي» قالت لـ«الشرق الأوسط»: «لستُ من بين الزملاء الذين يعملون من المنازل، فحضوري إلزامي كمقدمة ومعدة لبرنامج (قابل للنقاش) أعيش الحدث بقلق كبير تارة، وتارة بإشفاق على نفسي، وعلى المشاهدين الجالسين أمام الشاشات، وأتعامل مع كل حدث بما يستحق من الجدية والأهمية، من دون تضخيم»، مضيفة: «ألتزم بأقصى إجراءات الوقاية في البيت والعمل، وأتحمل ضغط الأحداث، فبقدر ما أربك الفيروس دول العالم، فقد كان لغرف الأخبار حظها من هذه الحالة».
وتتفق معها المذيعة منة الشرقاوي، بالتلفزيون المصري، التي تمنعها طبيعة عملها من العمل من المنزل، فهي لا بد أن تطل على المشاهدين بغاية الأناقة والاتزان النفسي ودون توتر. وتقول: «تفاصيل العمل تغيرت كلياً، وتقلصت فرق العمل التلفزيوني، وباتت علينا مغادرة المنزل مبكراً جداً للاستعداد قبل الظهور على الشاشة، حرصاً على تطهير كل شيء حتى أدوات التجميل والماكياج، كما تغير بروتوكول التعامل مع ضيوف البرامج، فأصبحت هناك مسافات كبيرة تفصلنا عنهم، وتوتر ناجم عن الخوف من العدوى»، موضحة أن «كل شيء في الاستوديو يجب أن يتم تعقيمه حتى جهاز (التابلت)، وبات علينا الحذر الشديد أثناء تبادله مع الزملاء، ويكون علينا الحذر الشديد عند العودة لمنازلنا خوفاً على أسرنا».
في غضون ذلك، وعقب شهرين من الحجر المنزلي في العاصمة الصينية، تحدث المذيع المصري محمد أسامة، مقدم برامج بالتلفزيون الصيني، عن تجربته مع الفيروس، ونشر صورته على موقع «فيسبوك» ليهنئه المتابعون على الانتصار على الفيروس. وقال أسامة المعروف باسم «مو شياو لونغ»: «تفشي الفيروس أثر كثيراً على روتين العمل الإعلامي، وتم منع النزول للشوارع، وتوقفنا عن العمل من الاستوديو دون معرفة تاريخ للعودة؛ لكن لم نشعر أن الحياة توقفت، وتزايدت وتيرة ضغوط نشرة الأخبار والروابط ومقاطع الفيديو من المنزل، وإجراء المقابلات عبر الإنترنت، وحرمنا من التواصل الشخصي مع الضيوف؛ لكن كان علينا التأقلم سريعاً على الوضع الطارئ»، لافتاً إلى أن «البرامج أصبحت تقدم كل شيء عبر الإنترنت؛ لكن من المنزل».

تجارب أجنبية... ونصائح للصحافيين
في الماضي، كان العمل من المنزل امتيازاً متاحاً لبعض الوظائف، مثل خدمات الاتصالات، لكن في عصر فيروس كورونا أصبح حتمياً تطبقه الشركات حول العالم بالقانون لمنع سرعة انتشار الفيروس والإبقاء على الإنتاجية في الوقت نفسه. وتتعامل شركات العالم مع هذا الواقع على أنه حقيقة سوف تستمر لبعض الوقت، وذلك منذ أن أعلنت منظمة الصحة العالمية أن فيروس كورونا وصل إلى مرحلة الوباء العالمي.
هناك قواعد للعمل المنزلي الذي يحتاج إلى بذل الجهد بلا رقابة بحيث يخصص العامل المساحة الخاصة للعمل وعزل المؤثرات التي تشتت التركيز، مثل الأطفال والحيوانات المنزلية. ولعل أهم القواعد على الإطلاق فتح قنوات التفاعل والاتصال برئيس العمل وفريق المكتب ومعرفة ما هو المتوقع من العمل المنزلي.
ورغم أن بريطانيا لم تطبق مبدأ الحظر على التجمعات في المكاتب إلا الأسبوع الماضي، فإن هناك بعض وسائل إعلام سبقت الأحداث وأخبرت موظفيها أن عليهم العمل من المنازل؛ حتى يمكن تجنب انتشار فيروس كورونا. من أهم وسائل الإعلام التي اتخذت هذا القرار كانت صحيفة «فاينانشيال تايمز» والمطبوعات التي تنشرها شركة «كوندي ناست». وتبدو مكاتب «فاينانشيال تايمز» في لندن شاغرة حتى إشعار آخر. وجاء القرار بعد ظهور أعراض «كورونا» على أحد الصحافيين؛ ما استدعى إخلاء طابق بأكمله وتنظيفه. وفي رسالة إلى الموظفين، قالت إدارة صحيفة «فاينانشيال تايمز» التي بادرت بالتجربة، إنها تريد خفض عدد الذين يعملون من المبنى لمدة أسابيع عدة، من أجل خفض الحاجة إلى إغلاق المكاتب أو تعريض هؤلاء الذين يتعين وجودهم في المبنى إلى العدوى.
وفي مطبوعات شركة «كوندي ناست» التي تشمل «فوغ» و«جي كيو» و«تاتلر» و«وايرد»، تم إبلاغ العاملين بأن العمل سوف يكون من المنازل حتى نهاية شهر مارس (آذار) بصفة مرحلية، مع إعادة النظر في استمرار الوضع. وسوف يبقى المبنى بالقرب من «أكسفورد سيركوس» في وسط لندن مفتوحاً لعدد قليل من الموظفين.
وفي الأيام الأخيرة أمرت شركات كبرى موظفيها بالعمل من المنزل، وكان من بينها «غوغل»، و«أوراكل»، و«مايكروسوفت»، و«تويتر»، و«آبل»، و«أمازون»، و«شيفرون» و«سبوتيفاي». وتحول العمل من المنزل إلى الوضع الطبيعي الجديد للعديد من الموظفين.
البداية كانت من شركات التكنولوجيا التي وفرت أدوات التواصل بين الأفراد والشركات عبر الإنترنت، ثم اقترحت على البعض العمل من المنزل. وانتهى الأمر بطلب عدم الذهاب إلى المكاتب، أحياناً من شبكات حول العالم مثل «أمازون»، و«لينكد إن»، و«مايكروسوفت»، و«غوغل». واعتمدت هذه الشركات على البنية التحتية والتقنيات التي تتيح لها العمل من خارج المكاتب إذا لزم الأمر.
وتسهم بعض الشركات في تسهيل التحول إلى العمل المنزلي، حيث أتاحت «مايكروسوف» برنامجها «كلاود» مجاناً للشركات الصغرى خلال الأشهر الستة المقبلة. وأسهمت شركات أخرى مثل «زووم» في حذف الحد الأقصى لمؤتمرات الفيديو المجانية إلى أطول من 40 دقيقة. وفتحت شركة «إيه تي أند تي» الأميركية الحدود القصوى لاستخدام الإنترنت لمشتركيها. وأكدت شركات الإنترنت البريطانية، أنه لا مخاوف من انهيار الشبكة أثناء الفترة الصباحية بسبب ضغوط استخدام الأعمال المكثف، حيث إن الاستخدام المسائي في مشاهدة أفلام «نتفليكس» وألعاب الفيديو ما زال يفوق الاستخدام الصباحي بنسبة 10 إلى واحد.
ومن جانبها، ترى خبيرة العمل المنزلي وأستاذة الإدارة في جامعة نورثرن في بوسطن، باربارة لارسن، أن توضيح التواصل مع مدير العمل مفيد للطرفين. وعلى العامل أن يطلب من مديره وضع خريطة لعمل اليوم من خلال مكالمة هاتفية مدتها 10 دقائق صباحاً، ومثلها في نهاية يوم العمل. وهي أفكار لا تخطر على بال معظم المديرين، على حد اعتقادها.
ومع العمل المنزلي، تنتهي سهولة التواصل مع مدير العمل الذي كانت استشارته سهلة وفورية خلال أيام العمل المكتبي. لكن مع العمل المنزلي قد لا يكون المدير معتاداً على إدارة الأشخاص عن بعد. كما قد لا تكون الشركات مستعدة بأدوات التواصل الحديثة التي تشمل مؤتمرات الفيديو، مثل «زووم» أو برامج المحادثة مثل «سلاك».
لكن، حتى مع وجود أدوات التواصل، فإن أحد التحديات للعمل المنزلي هو الشعور بالوحدة. وثبت ذلك من بحث ميداني قامت به شركة «بافر» (Buffer) الأميركية على 2500 عامل يعملون من المنازل، اتضح فيه أن التحدي الأكبر لنسبة 19 في المائة من العمال كانت الوحدة والانعزال. وتصف باربارة لارسن تأثير الوحدة بأنها تجعل الموظف أقل تحمساً للعمل وأقل إنتاجية. وتفضل لارسن أن تكون المكالمات مع مدير العمل فعالة ووجهاً لوجه عن طريق تطبيقات مثل «سكايب» أو «زووم».



مالك مكتبي: سأكمل مشواري تحت شعار «عش أفضل وفكّر أكبر»

شعاره "عش أفضل وفكّر أكبر" العنوان الرئيس الذي يتبعه في طريقه المهني (مالك مكتبي)
شعاره "عش أفضل وفكّر أكبر" العنوان الرئيس الذي يتبعه في طريقه المهني (مالك مكتبي)
TT

مالك مكتبي: سأكمل مشواري تحت شعار «عش أفضل وفكّر أكبر»

شعاره "عش أفضل وفكّر أكبر" العنوان الرئيس الذي يتبعه في طريقه المهني (مالك مكتبي)
شعاره "عش أفضل وفكّر أكبر" العنوان الرئيس الذي يتبعه في طريقه المهني (مالك مكتبي)

منذ بداياته، اختار الإعلامي اللبناني مالك مكتبي خطاً مهنياً مختلفاً، فغاص في القضايا الاجتماعية والإنسانية حتى العمق. وحاور الكبار، والصغار، وكشف من خلال لقاءاته قصصاً تختلط فيها الأفراح بالآلام.

مالك اشتهر ببرنامجه التلفزيوني «أحمر بالخط العريض» على شاشة «المؤسسة اللبنانية للإرسال» (LBCI)، حيث خاض رحلات إنسانية بحثاً عن الحقيقة. وسعى إلى سبر أغوار ضيوفه، وفهم خبايا تجاربهم، كما لعب في محطات كثيرة دوراً في لمّ شمل عائلات فرّقتها الظروف، مقدّماً نموذجاً للإعلام الهادف والرصين الذي يضع الإنسان في مقدمة اهتماماته.

منذ سنوات عدة، وجد مالك مكتبي نفسه، كما يقول لـ«الشرق الأوسط»، عند مفترق طرق. فالإعلام المرئي بات يواجه تحدّيات كبيرة في ظل انتشار واسع لوسائل التواصل الاجتماعي، وشعر بأن عليه مواكبة عصر مختلف تماماً عن ذلك الذي عرفه قبل عقدين.

من هنا انطلق في رحلة جديدة عبر منصّته الرقمية، فأطلق بودكاست «إحكي مالك»، والذي تحوّل إلى سلسلة حوارات يستضيف فيها شخصيّات عربية تروي قصص نجاحها، وتجاربها الحياتية. ثم تفرّعت منه عناوين أخرى، من بينها «احكي قصتي»، لتوسّع دائرة المحتوى الذي يقدّمه.

وأخيراً حقق نجاحاً لافتاً انعكس في عدد متابعيه الذين تجاوزوا 25 مليون شخصٍ عبر حساباته الإلكترونية المختلفة. فمنذ مطلع عام 2026 يقدّم سلسلة «إحكي طب» التي يستضيف فيها نخبة من الأطباء اللبنانيين، والعرب، متناولاً أحدث المقاربات الطبية، وأساليب العلاج، والوقاية. ومن خلال منشوراته على «إنستغرام» و«فيسبوك» -وغيرهما من المنصات- يبدو واضحاً مدى تأثره بالمحتوى الذي يقدّمه في هذه الحلقات. حتى إن متابعيه أطلقوا عليه لقب «دكتور مالك»، نظراً إلى إلمامه الواسع بالمواضيع الصحية، وقدرته على تبسيطها، ونقلها إلى الجمهور بأسلوب سلس، ومفهوم.

البودكاست ظاهرة إيجابية

يعدّ مالك مكتبي البودكاست ظاهرة إيجابية «لأنه يوفّر للجيل الشاب مساحة للانشغال بمحتوى مفيد، بدلاً من الانغماس في أمور قد تقوده إلى مسارات غير بناءة».

ويضيف في لقاء مع «الشرق الأوسط» قائلاً: «بعد سنوات طويلة من العمل وجدت نفسي أقف عند مفترق طرق. كنت أبحث عمّا أستكمل به مسيرتي بالشكل الذي يليق بها، فرأيت في البودكاست فرصة تعيد نبض الشغف المهني إلى حياتي. أنا اعتبرته وسيلة فعالة لإيصال محتوى مفيد إلى الناس. وكان لا بد من إيجاد فكرة بسيطة وعملية يستوعبها الجمهور بسهولة، لأن التحدّي الأكبر بالنسبة إليّ يكمن في قدرة المستمع أو المشاهد على استيعاب ما أقدّمه له».

يشير مالك مكتبي إلى أن فكرة التوجّه نحو المحتوى الطبي والعلمي راودته منذ سنوات. ويشرح: «كنت أتابع برامج تتناول هذه المواضيع، لكنها لم تقنعني يوماً، لأنها لم تترك أثراً حقيقياً لديّ، وغالباً ما كان محتواها سطحياً. لذا ترددت في خوض هذا المجال. لكنني بعد اطلاعي على عدد كبير من الدراسات العلمية اكتشفت أن الكثير من المعلومات المهمة لا تصل إلى الجمهور العربي. وعندها سألت نفسي: لماذا لا تصل إلينا نتائج الأبحاث الصادرة عن جامعات عالمية مرموقة، مثل هارفارد وغيرها؟ عندها أدخلت خبرتي الإعلامية على الخط، وقرّرت أن أتحمّل مسؤولية نقل هذه المعرفة، وأكون بمثابة جسر تواصل بين هذه الدراسات وعالمنا العربي».

يتابع مكتبي اليوم نحو 25 مليون شخص عبر منصاته الرقمية (مالك مكتبي)

قصص الحياة هي هدفي

وعندما سألت «الشرق الأوسط» مكتبي عما إذا كان الإعلام هو الذي قاده إلى هذا المكان أم أنه يسعى إلى أخذ الإعلام نحو وجهة جديدة؟»، أجاب: «طوال سنوات عملي كان هدفي الاستماع إلى قصص الناس، والمساهمة في إلهامهم، وإضاءة جوانب من حياتهم، ثم أنقل هذه القصص بأسلوبي الإعلامي لتترك أثراً في الآخرين. ففي النهاية نحن في الوطن العربي نتشابه أكثر مما نختلف. ولا يوجد ما هو أثمن من الصحة وجودة الحياة كهدف نسعى إليه جميعاً. من هنا جاء المحتوى الطبي ليجمع الناس تحت سقف واحد».

النجاح الإعلامي لا يأتي من الفراغ

افتتح مالك مكتبي حلقات «إحكي طب» مع الدكتور حسين درويش، الطبيب المتخصص بجراحة الأعصاب، وتطرّق في الحوار إلى مواضيع دقيقة تتعلق بصحة الدماغ. وهنا يعلّق مكتبي شارحاً: «بالفعل هذه الحلقة الافتتاحية حققت نجاحاً لافتاً، ما منحني دافعاً قوياً للاستمرار في مشروعي. لكن النجاح لا يأتي من فراغ، بل يتطلّب جهداً كبيراً، وعمل فريق متكامل. فإعداد حلقة واحدة يستغرق مني نحو ست ساعات. وأيضاً يدرك الأطباء اليوم أن الكثير مما كانوا يحاولون إيصاله لم يكن يصل بالشكل الصحيح، بسبب غياب الإعداد المناسب لطرح هذه المواضيع».

ويتابع أنه بعد حلقة الدكتور درويش توالت الحلقات مع أطباء متخصّصين في مجالات متعددة، بينهم أطباء قلب، وسموم إكلينيكية، وطب الأسرة، وخبراء في الطب التكاملي، والوظيفي. وحسب قوله: «تمكّن البرنامج من كسر العديد من المحرّمات الطبية، وكشف ما وصفه باللغة السرّية لأجسادنا، بما يساهم في تقليل المعاناة مع الأمراض، والحدّ من مخاطرها. كما تناول مواضيع مثل القلق، وإمكانية النوم خلال دقائق معدودة، ليحقق ما نسمّيه (ضربة المعلم) في تبسيط العلوم الطبية، وتقديمها بأسلوب جذاب، وسهل».

المثابرة مفتاح النجاح

من ناحية ثانية يذكر مكتبي أنه انسحب تدريجياً من الشاشة التقليدية، بحثاً عن محتوىً عربي يصل إلى جمهور أوسع في المنطقة، وبعيداً عن القيود المحلية. ويستطرد: «كنت أريد أن يصل صوتي إلى الجميع من دون استثناء»، قبل أن يعترف بأنه مرّ بفترات من الإحباط، والانكسار، وصلت حدّ فقدان الأمل.

ومن ثم يقول: «طرحت على نفسي علامات استفهام كثيرة، لكن الشغف لم يتوقّف. مهنتي علمتني رفض الاستسلام، فانطلقت في حوارات خارج لبنان، وبالأخص في المملكة العربية السعودية، ودول الخليج. صحيح أنني اقتربت من الاستسلام، لكنني انتفضت عليه بفضل الشغف، لأن المثابرة هي مفتاح النجاح».

هذا، وخلال حواراته مع الأطباء اكتشف مكتبي تفاصيل حياتية صغيرة قد تضرّ بالإنسان، أو تحسّن صحته بشكل كبير. إذ ينبّه: «هناك خمس مناطق تعرف بـ(الزرقاء) في العالم يتمتع سكانها بنمط حياة صحي مميّز. وبعد البحث في أسباب ذلك تبيّن أن الرابط الأساسي بينهم هو علاقتهم الوثيقة مع الطبيعة. لهذا أفكر جدّياً بالانتقال إلى إحدى هذه المناطق لأخوض تجربة العيش فيها. وربما تكون جزيرة إيكاريا في اليونان الأقرب جغرافياً إليّ، حيث يُلاحظ ارتفاع نسبة المعمّرين هناك».

نمط الحياة الصحي هذا يُعزى إلى النظام الغذائي المتوسطي الغني بالخضار، والأعشاب البرّية، والأسماك الطازجة، وزيت الزيتون، إضافة إلى النشاط البدني المستمر، والهدوء النفسي. ومن ثم يؤكد مكتبي على أهمية الرياضة، مشيراً إلى أن بناء العضلات لا يقل أهمية عن صحة أي عضو آخر في الجسم. ويلفت إلى أن الوحدة قد توازي ضرر تدخين 15 سيجارة، وحتى الجينات تتأثر بنمط الحياة، والغذاء. ولذا يشدّد على أهمية التنفس السليم في التخلص من التوتر، وضرورة الابتعاد عن السكر، لما له من تأثير سلبي على جودة الحياة، والصحة.

وعمّا إذا كان برنامجه «إحكي طب» ينبع من خوفه من التقدم في العمر، جاء رده: «لا أخاف التقدم في السن، لكن أمراض الشيخوخة تثير قلقي. لذلك أبحث عن نمط حياة يحميني من أمراض مثل ألزهايمر. لست مثالياً في أسلوب حياتي، لكنني أحاول تغيير الكثير من العادات، خصوصاً السلبية منها».

عش أفضل وفكّر أكبر

وبالفعل يتّخذ مكتبي شعاراً ثابتاً في حياته ينطلق منه في مشاريعه الإعلامية، والإنسانية: «عش أفضل وفكّر أكبر». ويضيف: «سأواصل طريقي بهذا الشعار حتى إشعار آخر، لأن ما أحارب من أجله يستحق هذا النوع من التفكير. أخطط لمشاريع إنسانية جديدة ترتكز على قصص حياة غير مألوفة، وأعتقد أن القصة المقبلة ستكون من أجمل ما التقيته في مسيرتي».

مكتبي: البودكاست ظاهرة إيجابية لأنه يوفّر للجيل الشاب مساحة للانشغال بمحتوى مفيد


مخاوف على «الخصوصية» بعد تحديث «ميتا» خدمة الذكاء الاصطناعي

مخاوف على «الخصوصية» بعد تحديث «ميتا» خدمة الذكاء الاصطناعي
TT

مخاوف على «الخصوصية» بعد تحديث «ميتا» خدمة الذكاء الاصطناعي

مخاوف على «الخصوصية» بعد تحديث «ميتا» خدمة الذكاء الاصطناعي

جدد إعلان شركة «ميتا» عن تحديث جديد لخدمة الذكاء الاصطناعي المخاوف بشأن «خصوصية بيانات المستخدمين». ودعا خبراء إلى «ضرورة استخدام أدوات تصفح تركز على الخصوصية».

شركة «ميتا» أعلنت الأسبوع الماضي عن تحديث جديد يستهدف «جعل توصيات ظهور المحتوى للمستخدم في منصاتها، وردود الذكاء الاصطناعي أكثر ارتباطاً بنشاطات المستخدم واهتماماته عبر دمج البيانات التي تجمعها من شركائها الإعلانيين ضمن خوارزمياتها».

وأوضحت الشركة في بيان نشرته على موقعها، أنها «تعمل على تحديث الطريقة التي تستخدم بها المعلومات التي تشاركها بالفعل شركات أخرى». وتابعت أنها «تستخدم هذه البيانات حالياً، التي تتعلق بالألعاب التي يلعبها المستخدم أو المشتريات التي يشتريها، لربط الإعلانات التي يراها المستخدم باهتماماته، لكنها ستعمل في المستقبل على استخدام هذه المعلومات لتطوير المحتوى الذي يظهر للمستخدم على الصفحة الرئيسية وردود الذكاء الاصطناعي».

في لقاء مع «الشرق الأوسط»، رأت ليلى دومة، الباحثة الجزائرية في علوم الإعلام والاتصال، هذا التحديث «جزءاً من استراتيجية (ميتا) لتعزيز تخصيص منصاتها وتحسين أداء أنظمة الإعلان والذكاء الاصطناعي». وأوضحت أنه «من خلال ربط الأنشطة على مواقع وتطبيقات خارجية بالسلوكيات الملاحظة على «فيسبوك» و«إنستغرام» مثلاً تحصل الشركة على صورة أشمل بكثير لاهتمامات كل مستخدم وعاداته ومسح كامل له، وتتيح هذه البيانات الوفيرة تقديم توصيات محتوى وإعلانات وأدوات ذكاء اصطناعي أكثر دقة.

إلا أن دومة أشارت أيضاً إلى أن «هذا التطور يثير مخاوف جدية بشأن الخصوصية... لأن عديداً من المستخدمين لا يدركون أن زياراتهم مواقع معينة، أو عمليات البحث التي يجرونها -بل حتى بعض عمليات الشراء- يمكن إرسالها إلى (ميتا) عبر أدوات التتبع مثل (ميتا بيكسل)، وهو عبارة عن متتبع لكل خطوات الإنسان».

وأضافت أنه «رغم أن (ميتا) تدّعي أنها لا تجمع فئات جديدة من البيانات وتُتيح إعدادات للتحكم؛ فإن تجميع هذه المعلومات يسمح بإنشاء ملفات تعريف رقمية مفصلة للغاية، وتحديد بروفايل خاص بكل شخص مهما كان سنه أو جنسه».

وتابعت الباحثة الجزائرية القول: «في عصر الذكاء الاصطناعي، يجب على المستخدمين تبني نهج استباقي لحماية بياناتهم تحديداً، يمكّنهم من مراجعة إعدادات خصوصية حساباتهم، والحد من الأنشطة المشاركة مع (ميتا)، وتعطيل خيار الأنشطة غير التابعة للشركة، ومراجعة أذونات التطبيقات، واستخدام أدوات تصفح تركز على الخصوصية». وأردفت أنه «من الضروري أيضاً قراءة إعدادات الموافقة بدلاً من قبول الخيارات المقترحة تلقائياً... إذ إن هذا التحديث يشكل تحدياً رئيسياً في العصر الحالي؛ يتمثل في إيجاد توازن بين مزايا التخصيص التي يوفرها الذكاء الاصطناعي من جهة، واحترام الحق الأساسي في الخصوصية». وتابعت: «كلما ازدادت الأنظمة ذكاءً ازدادت أهمية مسألة التحكم في البيانات الشخصية في النقاش العام».

وفق بيان «ميتا»، سيصار إلى جمع البيانات من شركائها في الإعلانات لـ«المساعدة على تخصيص المحتوى الإعلاني، بما في ذلك المعلومات التي تمرَّر عبر كود (ميتا بيكسل) الخاص بالمواقع الإلكترونية، والذي يشارك بيانات نشاط زوار المواقع». وذكرت «ميتا» أن «التحديث يستهدف عرض إعلانات أكثر ملاءمة استناداً إلى سلوك المستخدم خارج منصاتها».

الصحافي المصري المتخصص في الإعلام الرقمي، محمد فتحي، عدّ تحديث «ميتا» الجديد بمنزلة «خطوة استراتيجية تتجاوز الإعلانات التقليدية إلى بناء ما يمكن تسميته ملفاً سلوكياً شاملاً للمستخدم، وهو ما يتماشى مع سياسات الذكاء الاصطناعي».

وقال فتحي لـ«الشرق الأوسط»، إن «(ميتا) كانت تعتمد على ما يفعله المستخدم داخل منصاتها، أما الآن فهي تريد الاستفادة أيضاً من البيانات التي تصل إليها من مواقع وتطبيقات وشركات أخرى متعاونة معها، مثل عمليات الشراء والزيارات الإلكترونية واستخدام التطبيقات المختلفة، من أجل تخصيص المحتوى وليس الإعلانات فقط، بهدف تحسين خوارزميات الذكاء الاصطناعي، وزيادة مدة بقاء المستخدم داخل المنصات».

وأشار إلى أن «التحديث يأتي في إطار تعويض تراجع ملفات تعريف الارتباط بعد تشديد قوانين الخصوصية، وقيود (أبل) و(غوغل) على التتبع، مما جعل الشركات بحاجة إلى طرق جديدة لفهم المستخدمين».

وحسب فتحي فإن «البيانات أصبحت المحرك الرئيسي للذكاء الاصطناعي، والمستخدم يدفع ثمن الخدمات المجانية ببياناته الشخصية وسلوكه الرقمي، وهو ما يعرِّضه لانتهاك الخصوصية حسب حرية كل شخص وما يريد تصديره للعالم».

وشدد من ثم على «ضرورة مراجعة إعدادات النشاط خارج (ميتا)، ومراجعة الجهات التي تشارك بيانات النشاط، ومسح النشاط السابق، وتقليل التخصيص الإعلاني واستخدام متصفحات أكثر حماية للخصوصية، مثل حظر ملفات التتبع الخارجية وملفات تعريف الارتباط من الطرف الثالث، مع مراجعة أذونات التطبيقات بانتظام، والتفكير قبل مشاركة البيانات مع أدوات الذكاء الاصطناعي».

وأكد فتحي أخيراً أن «أي معلومات يجري إدخالها في مساعدات الذكاء الاصطناعي قد تُستخدم لتحسين النماذج أو تخصيص الخدمات مستقبلاً وفق السياسات المعمول بها، لذلك يجب تطبيق مبدأ الحد الأدنى من البيانات بحيث لا تُشارَك إلا المعلومات الضرورية فقط، لأن البيانات التي لا تُجمع أساساً لا يمكن إساءة استخدامها مستقبلاً».


«البنتاغون» والصحافة... حين تتحول «غرفة الأسئلة» مساحةً محظورة

البنتاغون... مقروزارة الحرب الأميركية (آ ب)
البنتاغون... مقروزارة الحرب الأميركية (آ ب)
TT

«البنتاغون» والصحافة... حين تتحول «غرفة الأسئلة» مساحةً محظورة

البنتاغون... مقروزارة الحرب الأميركية (آ ب)
البنتاغون... مقروزارة الحرب الأميركية (آ ب)

في أحدث فصل من التوتر المتصاعد بين وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) ووسائل الإعلام، قرّر «البنتاغون» منع الصحافيين من دخول مكتبه الصحافي، بعد إعادة تصنيفه مساحةً سرّية أو منشأة معلومات حساسة.

القرار، الذي جاء في ظل قيادة الوزير بيت هيغسيث، وتنفيذاً للنهج الإعلامي الأوسع لإدارة الرئيس دونالد ترمب، لا يبدو إجراءً إدارياً معزولاً، بل هو حلقة إضافية في سلسلة قيود بدأت منذ عام 2025، وشملت فرض مرافقين على الصحافيين داخل مبنى البنتاغون، وتقييد حركتهم. ثم الدخول في معارك قضائية مع صحف وجهات إعلامية أخرى مثل صحيفة الـ«نيويورك تايمز» ووكالة الـ«أسوشييتد برس» للأنباء.

الوزارة تقول إن الإجراء مرتبط بحماية المعلومات «المصنّفة» (أي السرّية وشبه السرّة)، خصوصاً بعد نقل كتّاب خطابات يتعاملون مع مواد سرّية إلى المكتب الصحافي؛ ما يتطلّب تجهيز المكان بشبكة آمنة مثل «شبكة توجيه بروتوكول الإنترنت السرية». إلا أن منتقدي القرار يرون فيه تضييقاً عملياً على حق الصحافة في الوصول إلى المسؤولين، وعلى حق الجمهور في معرفة كيف تُدار واحدة من أكبر المؤسسات الفيدرالية وأكثرها إنفاقاً وتأثيراً في الأمن والسياسة الخارجية.

إعادة تعريف العلاقة مع الصحافة

تاريخياً، لم يكن مكتب الصحافة في «البنتاغون» - الذي هو مقر وزارة الحرب - مجرد غرفة إدارية، بل كان مساحة عمل مفتوحة نسبياً يستطيع الصحافيون المُعتمَدون دخولها، وطرح الأسئلة على مسؤولي الشؤون العامة، والحصول على توضيحات خلفية، ومتابعة ما لا يظهر دائماً في المؤتمرات الرسمية.

هذه المساحة غير الرسمية كانت جزءاً من آلية رقابة يومية، لا تقل أهمية عن البيانات المكتوبة أو الإحاطات المتلفزة.

بيد أن القرار الجديد يغيّر هذه القاعدة. وإذا كان الصحافيون قد خسروا سابقاً حرية الحركة داخل معظم أروقة «البنتاغون» وردهاته، فإن منعهم من دخول المكتب الصحافي نفسه يضيف حاجزاً جديداً حتى أمام التواصل المهني مع الناطقين باسم الوزارة. وعملياً، تصبح العلاقة أكثر رسمية وأقل عفوية: موعد مسبق، ومرافقة، وأسئلة مضبوطة، وإجابات تمرّ عبر قنوات محدّدة.

من وجهة نظر «البنتاغون»، الحجة واضحة، وهي أن المؤسسة العسكرية تتعامل يومياً مع معلومات حساسة، وبالتالي، فأي اختلاط غير مضبوط بين صحافيين ومساحات تُستخدم لمعالجة مواد سرّية قد يخلق أخطاراً أمنية.

لكن قوة هذه الحجة لا تلغي السؤال الأوسع... هل كان الحل الوحيد هو تحويل المكتب الصحافي كله مساحةً محظورة؟ أم كان ممكناً الفصل بين العمل الإعلامي والعمل المصنّف داخل مكاتب مختلفة؟

هنا بالضبط يبدأ الجدل؛ لأن المسألة لا تتعلّق فقط بالمكان، بل بالرسالة السياسية والمؤسّسية التي يحملها القرار.

مدخل مبنى الـ«نيويورك تايمز» (رويترز)

أمن قومي... أم تقليص الرقابة؟

بطبيعة الحال لا توجد دولة جادّة تسمح بتسريب أسرار عسكرية عملياتية أو معلومات قد تعرّض عسكرييها للخطر. لذلك؛ لا يمكن التعامل مع كل قيود «البنتاغون» على أنها بالضرورة تشكّل اعتداءً على الصحافة. ولكن في المقابل، يرى المنتقدون أنه لا يمكن أيضاً اعتبار شعار «الأمن القومي» تفويضاً مفتوحاً لإبعاد الإعلام عن المؤسسة العسكرية.

بكلام آخر... الفارق بين حماية الأسرار ومنع الرقابة قد يكون دقيقاً، لكنه حاسم في نظام ديمقراطي.

سياق تراكمي

المشكلة أن القرار يأتي ضمن سياق تراكمي. ففي أكتوبر (تشرين الأول) 2025، سلّم عدد كبير من صحافيي «البنتاغون» بطاقاتهم بدلاً من التوقيع على سياسة كانت تُلزمهم بالإحجام عن السعي وراء معلومات غير مُصرّح بنشرها.

وفي مارس (آذار) 2026، حكم قاضٍ فيدرالي ضد قيود رئيسة في تلك السياسة، معتبراً أنها تنتهك حقوقاً دستورية متّصلة بحرّية الصحافة والإجراءات القانونية الواجبة. ومن ثم، واصل «البنتاغون» الاعتماد على «سياسة مؤقتة» تلزم الصحافيين بالمرافقة داخل المبنى، وسمحت محكمة استئناف باستمرارها مؤقّتاً إبان النزاع القضائي.

لاحقاً، في مايو (أيار) 2026، رفعت الـ«نيويورك تايمز» دعوى ثانية للطعن تحديداً في شرط المرافقة، معتبرة أنه يحدّ من القدرة على التغطية المستقلة للشؤون العسكرية. أما «البنتاغون» فردّ بأن الصحافيين لا يملكون «حقاً مطلقاً» في التجوّل داخل مبنى عسكري، وأن القيود مصمّمة لمنع الوصول غير المشروع إلى معلومات «مصنّفة».

هذه هي نقطة التوازن الصعبة: الوزارة محقّة في أن «البنتاغون» ليس مبنىً عاماً عادياً؛ لكن الصحافة محقّة أيضاً في أن المؤسسة العسكرية، بحجم إنفاقها وسلطتها، لا ينبغي أن تتحوّل صندوقاً مُغلقاً لا يُرى إلا من خلال بياناته الرسمية.

صحافة أضعف وجمهور أقل معرفة

الخطر الأبرز هنا لا يكمن فقط في منع دخول غرفة بعينها، بل أيضاً في الأثر التراكمي لهذه السياسات على العمل الصحافي.

ذلك أن الصحافة التي تغطي «البنتاغون» لا تعتمد فقط على المؤتمرات الرسمية، بل على بناء مصادر، وفهم خلفيات القرارات، ومقارنة الروايات، وكشف التناقضات بين الخطاب السياسي والواقع الميداني أو المالي. وهذا ينعكس مباشرة على المواطن.

ثم أن «البنتاغون»، حسب المنتقدين، ليس مجرد وزارة أخرى... بل إنه يدير ميزانيات ضخمة، ويشن حروباً، ويشرف على قواعد عسكرية، ويمتلك عقود تسليح، ويعتمد سياسات تمسّ حياة الجنود والمدنيين في الداخل والخارج. وحين تصبح المعلومات أكثر ندرة، يصعب على الجمهور معرفة ما إذا كانت القرارات مبرّرة، أو مكلفة أكثر من اللازم، أو منسجمة مع القانون والمصلحة العامة.

في المقابل، يحتاج الإعلام أيضاً إلى الاعتراف بأن الثقة لا تُبنىَ بمجرد المطالبة بالوصول. فعليه، حقاً، أن يميّز بوضوح بين حقه في السؤال والبحث، وبين تحاشي نشر معلومات قد تسبّب ضرراً أمنياً مباشراً.

لذلك؛ يبدو قرار تصنيف المكتب الصحافي «مساحةً سرّية» أكثر من تعديل مكاني. إنه اختبار جديد للعلاقة بين المؤسسة العسكرية والصحافة في الولايات المتحدة. وإذا بقيت القيود تتوسّع من دون ضوابط، فقد لا تكون النتيجة حماية أفضل للأسرار.

الصحافة التي تغطي «البنتاغون» لا تعتمد فقط على المؤتمرات الرسمية... بل تهتم بالمصادر وفهم خلفيات القرارات