سكالي: أنا لا أتسول و«كورونا» عجّل حساب الكرة الإنجليزية

رئيس نادي غيلينغهام يحث أندية الدوري الممتاز على دعم الفرق الضعيفة

غيلينغهام (أزرق) في مواجهة ويمبلدون في نهاية فبراير الماضي
غيلينغهام (أزرق) في مواجهة ويمبلدون في نهاية فبراير الماضي
TT

سكالي: أنا لا أتسول و«كورونا» عجّل حساب الكرة الإنجليزية

غيلينغهام (أزرق) في مواجهة ويمبلدون في نهاية فبراير الماضي
غيلينغهام (أزرق) في مواجهة ويمبلدون في نهاية فبراير الماضي

حث رئيس نادي غيلينغهام الذي يلعب في دوري الدرجة الثانية الإنجليزي، بول سكالي، أندية الدور الممتاز في بطولة الدوري الإنجليزي على تقديم 2.5 مليون جنيه إسترليني من كل نادٍ منها لصالح صندوق تضامن بهدف تقديم العون إلى الأندية الأضعف على مستويات الدوريات الإنجليزية، في وقت تناقش السلطات المعنية بكرة القدم سبل التأقلم مع التداعيات المالية لأزمة فيروس كورونا.
وقال سكالي، إن الأموال المقترحة من شأنها مساعدة أندية دوري الدرجتين الثانية والثالثة في الصمود أمام خسائر غير مسبوقة في الإيرادات، وأعرب عن اعتقاده بأن الأزمة الراهنة تعتبر بمثابة «وقت الحساب» لرياضة كرة القدم. في الوقت ذاته، لا تزال تجري مناقشات بين مسؤولي اتحاد الكرة والدوري الممتاز والدوريات الإنجليزية الأدنى ورابطة اللاعبين المحترفين بهدف التوصل إلى حلول واقعية ومستدامة. وقبل انعقاد الاجتماع الطارئ لمسؤولي الدوريات الإنجليزية الأدنى من الدوري الممتاز الأسبوع الماضي، بعث سكالي بخطاب إلى رئيس هذه الدوريات، ريك باري، اقترح خلاله ضرورة الضغط على أندية الدوري الممتاز كي تسهم في التخفيف من الأعباء المالية التي سببها قرار إيقاف جميع المباريات.
جدير بالذكر، أن غيلينغهام الذي يشارك في دوري الدرجة الثانية يضم نحو 300 عامل، وتبلغ فاتورة الرواتب الشهرية لديه 400 ألف جنيه إسترليني. وقال سكالي إنه لا يتوقع أن يلعب الفريق أمام جماهيره في غضون الفترة ما بين الأشهر الثلاثة والستة التالية. ويتقاضى أعلى اللاعبين أجرا في غيلينغهام نحو ثلاثة آلاف جنيه إسترليني أسبوعياً، بينما يتقاضى اللاعب الأقل أجراً 250 جنيهاً إسترلينياً.
من جانبهم، وافق مسؤولو الدوريات الأدنى من الدوري الإنجليزي الممتاز على تقديم حزمة إغاثة مالية بقيمة 50 مليون جنيه إسترليني تضم المتبقي من أموال البث التلفزيوني وعقود الرعاية، إلى الأندية نهاية الموسم، وأتاحوا إمكانية الحصول على قروض لسداد الدفعة الأولى من المستحقات المالية للموسم القادم. من ناحيته، قال باري إنه «لا يؤيد ثقافة التسول»، لكن سكالي يصر على ضرورة طلب الأندية المشاركة بأدوار أدنى من الدوري مزيداً من المساعدات المالية.
وقال سكالي «أحد الحلول الممكنة التواصل مع مسؤولي الدوري الممتاز وطلب من كل ناد بالدوري الممتاز دفع 2.5 مليون جنيه إسترليني لصندوق تضامن موجه لدعم أندية الدورين الثاني والثالث بالدوري». وأضاف «هذا سيوفر لنا نحو 2.5 مليون جنيه إسترليني وبهذه الأموال ربما تتمكن أندية الدورين الثاني والثالث من اجتياز الأشهر الثلاثة المقبلة بالنظر لحجم الخسائر التي تتكبدها». وأضاف سكالي «عندما يتراوح دخلك بين 150 و250 مليون جنيه إسترليني أو أكثر، فأنا واثق من أن مبلغ 2.5 مليون جنيها إسترليني من كل ناد سيساعد هرم كرة القدم في اجتياز هذه الفترة العصيبة للغاية دون انهيار. وأنا على ثقة من أن ريك باري سيناقش هذا الأمر مع رئيسي الدوري الممتاز واتحاد الكرة».
وأكد «لا أسعى هنا إلى التسول، فهذا ليس ما ينبغي أن يفعله - واتفق مع ريك بهذا الشأن لأنه يتعين علينا رعاية شؤوننا وإيجاد سبيل لدعمها - لكن حتى بعد تعديل أعمالنا ستظل الحقيقة أنه لا دخل لدينا. لست أسعى هنا إلى التسول، وإنما أتطلع فحسب نحو أولئك المشاركين في صناعتنا الذين بإمكانهم تقديم الدعم لنا وباستطاعتهم بوجه دعم الأندية التي تدير شؤونها على النحو اللائق ولا تهدر أموالها على أشياء حمقاء». وأشار سكالي، الذي يترأس غيلينغهام منذ عام 1995، إلى أن أندية الدوري الممتاز ليست بمأمن عن الأزمة. وأضاف «إذا استثنيت الأندية الستة الأولى بالدوري الممتاز، أعتقد أنك ستجد الصورة ليست بالوردية تماماً مثلما يصور البعض». وحذر من أن أزمة «كورونا» تهدد كذلك بتداعيات خطيرة فيما يخص الأندية ذات الإنفاق الضخم في دوري الدرجة الأولى.
وقال «في بعض الجوانب، الآن الوقت الذي نحتاج خلاله إلى النظر إلى كرة القدم كصناعة؛ لأن الأمر خرج تماماً عن نطاق السيطرة، خاصة في دوري الدرجة الأولى. ويضم دوري الدرجة الأولى ملاك أندية رضوا بأن يخسروا بصورة جماعية 700 مليون جنيه إسترليني على مدار السنوات الثلاث أو الأربع الماضية. وهذا نموذج لا يمكن أن يصبح مستديماً. ولو كان الموقف المروع الحالي به أي جانب إيجابي، فيما يخص كرة القدم كصناعة، فهو أن الوقت ربما حان لأن ننظر إلى أعمالنا ونقول لأنفسنا «حان الوقت لتعديل أعمالنا وتحويلها إلى صورة طبيعية»، إذا كانت «طبيعية» هي الكلمة المناسبة؛ لأنه «من الواضح أن خسارة أندية 50 مليون جنيه إسترليني سنوياً ليس بأمر طبيعي».
وأوضح «أعتقد هذا يوم الحساب ووقت محاسبة كرة القدم. وكثيراً ما يقال إن الناس يحتاجون إلى أزمة كي يدركوا النقطة التي يقفون عندها في الحياة، وربما هذا الوقت الذي تحتاج إليه كرة القدم كي تمعن النظر إلى نفسها من أعلى إلى أسفل وتعيد ترتيب أوضاعها. أحمل بداخلي خوفاً حقيقياً تجاه كرة القدم، لكن في أي أزمة يمكنك دوماً الخروج أقوى على الصعيدين الجماعي والفردي، وآمل أن يحدث هذا معنا».
في الوقت ذاته، رحب سكالي بمبلغ الـ50 مليون جنيه إسترليني التي قدمها الدوري الإنجليزي، لكنه حذر من أن التعجيل بدفع عائدات آجلة مجرد حل قصير الأمد. وقال «الحقيقة أن 80 في المائة من هذه الأموال تذهب لأندية دوري الدرجة الأولى و12 في المائة إلى أندية دوري الدرجة الثانية و8 في المائة إلى أندية دوري الدرجة الثالثة، لكن في النهاية هذه أموالنا بالفعل - أموال مسجلة في التدفقات النقدية الخاصة بأنديتنا خلال أبريل (نيسان) ومايو (أيار) ويونيو (حزيران)». وشرح «لقد قرروا دفع هذه الأموال مقدماً إلينا كي نتمكن من اجتياز الشهر الخالي، لكن هذا يعني كذلك أننا في أبريل ومايو ويونيو لن نحصل على تلك الأموال، وبالتالي ستكون تلك الأشهر الثلاثة صعبة للغاية. إن الخطوة تبدو جيدة من جانب مسؤولي الأندية الأدنى من الدوري الممتاز لمعاونتنا على اجتياز الشهر الحالي، لكن الـ50 مليون جنيه إسترليني تلك لم يجلبوها من الهواء، ولا يعني ذلك أننا سنستفيد كثيراً بتدفق مالي هائل».
وفي وقت سابق، طلبت رابطة لاعبي كرة القدم المحترفين في إنجلترا إجراء مشاورات عاجلة مع رابطتي الدوري الممتاز («رميرليغ) و«إي إف إل» (المشرفة على الدرجات الثلاث الأدنى)، للبحث في حماية رواتب اللاعبين في ظل توقف المباريات بسبب فيروس كورونا المستجد. وعلقت منافسات كرة القدم الإنجليزية حتى 30 أبريل على الأقل بسبب تفشي «كوفيد - 19»، ويبدو في ظل الوضع الصحي الراهن العالمي والقيود المفروضة لمكافحة الوباء، أن هذا الموعد قد يمدد لفترة إضافية. وتبدي الأندية خشيتها من تأثير فترة التوقف على إيراداتها المالية، لا سيما في ظل غياب مداخيل المباريات وعائدات البث التلفزيوني. ونظراً لتراجع الإيرادات لا سيما في الدرجات الثلاث الأدنى في بطولة إنجلترا، تشير التقارير إلى أن الأندية بدأت تدرس حسم نسب معينة من الرواتب لحين عودة الأمور إلى طبيعتها.
وبحسب التقارير، بات برمينغهام (الدرجة الأولى) أول فريق يطلب من لاعبيه الذين ينالون راتباً أسبوعياً يفوق ستة آلاف جنيه إسترليني، الموافقة على حسم مؤقت بنسبة 50 في المائة.
وأشارت رابطة اللاعبين إلى أنه «كما في المجالات الأخرى، أزمة فيروس كورونا الراهنة تتسبب بتأثير بالغ على الوضع المالي للعبة... الكثير من الأندية بدأت بالتواصل مع اللاعبين لتطرح تأخير الرواتب». وأضافت في بيان «من أجل التعامل مع هذا الوضع، دُعينا إلى اجتماع طارئ مع رابطتي الدوري الممتاز (البريمرليغ) وأندية الدوريات الأدنى (إي إف إل)».
وفي حين يتوقع أن تكون الأندية الصغيرة المتضرر الأكبر من تراجع الإيرادات المالية للمباريات، باتت الأندية الكبيرة حتى تبحث في اتخاذ إجراءات بشأن الرواتب. وتفيد التقارير الصحافية بأن لاعبي أندية ألمانية أبرزها بايرن ميونيخ وبوروسيا دورتموند وافقوا على خفض رواتبهم، وأن أندية أوروبية أخرى مثل برشلونة الإسباني، تفاوض لاعبيها للغرض ذاته.
وكان نائب الرئيس التنفيذي لرابطة اللاعبين المحترفين في إنجلترا، بوبي بارنز، قد أفاد في تصريحات هذا الأسبوع، بأنه «في ظل الظروف الملائمة ومع الضمانات المناسبة، إجراءات معينة مثل تأجيل دفع الرواتب هي أمر قد يطرح على طاولة البحث». لكنه حذّر من أن تأثير إجراء من هذا النوع سيكون أشدّ على لاعبي الدرجات الأدنى «إذ إن رواتبهم ليست عالية كغيرها». ورأى بارنز أن اللعب من دون جمهور في الفترة الأولى بعد استئناف المباريات سيكون أقل سوءاً من عدم اللعب على الإطلاق، موضحاً «في عالم مثالي نريد أن نلعب أمام المشجعين. لكننا لسنا في عالم مثالي، والتأكيد فإن اللاعبين الذين تحدثت إليهم يتفهمون أنه إذا كانت ثمة حاجة إلى القيام بذلك (اللعب دون جمهور)، فسنقوم بذلك».


مقالات ذات صلة


كبرياء لا ينحني… كيف أفلتت 7 قلاع أوروبية من مقصلة الهبوط عبر التاريخ؟

ملعب ريال مدريد (رويترز)
ملعب ريال مدريد (رويترز)
TT

كبرياء لا ينحني… كيف أفلتت 7 قلاع أوروبية من مقصلة الهبوط عبر التاريخ؟

ملعب ريال مدريد (رويترز)
ملعب ريال مدريد (رويترز)

في عالم كرة القدم العاصف، حيث تتبدل موازين القوى وتتهاوى إمبراطوريات كروية في لحظة غفلة، تبدو فكرة الخلود في الدرجة الممتازة إعجازاً حركياً وإدارياً حقيقياً. ليست القصة مجرد حصد عابر للألقاب، بل هي ثقافة مؤسسية صلبة ترفض الانكسار وترى التراجع خطيئة كبرى في حق التاريخ. وفي هذا السياق، نجحت سبعة أندية أوروبية عملاقة في تحدي غدر المستديرة، وعاصرت فصول اللعبة عبر العقود دون أن تجلس يوماً واحداً في مقاعد الدرجة الثانية، لتصنع لنفسها هالة من الحصانة الفنية والرموزية الفاخرة.

تظل قلاع كروية كبرى على غرار ريال مدريد، وبرشلونة، وبايرن ميونيخ، وباريس سان جيرمان، وأياكس، وبورتو وبنفيكا نماذج استثنائية في عالم الساحرة المستديرة، حيث نجحت في حفر أسمائها بمداد من ذهب، محتفظة بمقاعدها في الدرجة الممتازة دون أن تذوق مرارة الهبوط مطلقاً عبر تاريخها. يرتكز صمود هذه الأندية على إدارات صارمة، مدارس إنتاج مواهب مستدامة، وهيمنة اقتصادية وفنية ضمنت بقاءها في القمة عبر عقود من الزمن.

الثنائية الإسبانية المقدسة وإرث الليغا المستمر

منذ تأسيس الدوري الإسباني عام 1929، لم يغادر ريال مدريد وبرشلونة (إلى جانب أتلتيك بيلباو) دوري الأضواء مطلقاً. يرتكز صمود القطبين على قوة اقتصادية جبارة وهوية سياسية واجتماعية تتجاوز حدود الرياضة...

ريال مدريد (97 عاماً من الصمود)

احتفالات نادي ريال مدريد بكأس دوري إسبانيا (أ.ف.ب)

منذ اللحظة الأولى لانطلاق الدوري الإسباني، فرض ريال مدريد نفسه قطباً لا يمكن زحزحته عن عرش الصدارة. لم يكن صمود النادي الملكي وليد المصادفة، بل جاء نتاج إدارة صارمة على مر العصور عرفت كيف تطوع المال لجلب المجد، وتحول النادي إمبراطوريةً اقتصادية ورياضية عالمية. حقق الميرنغي خلال هذه الرحلة الطويلة ستة وثلاثين لقباً في الدوري المحلي وخمسة عشر لقباً في دوري أبطال أوروبا، وهذا رقم قياسي إعجازي، مدفوعاً بأقدام أساطير غيروا مجرى اللعبة مثل ألفريدو دي ستيفانو، وفيرينتس بوشكاش، وراؤول غونزاليس وزين الدين زيدان، وصولاً لهدافه التاريخي كريستيانو رونالدو.

برشلونة

لامين يامال (يسار) وكأس السوبر الإسباني بعد الفوز على ريال مدريد (أ.ف.ب)

على الجانب الآخر من الصراع الأزلي، يقف برشلونة شريكاً في هذا الصمود التاريخي منذ عام 1929. يرتكز الكيان الكاتالوني على مدرسة لاماسيا العريقة وفلسفة الهوية التي تتجاوز حدود الرياضة لتلامس أبعاداً سياسية واجتماعية لإقليم بأكمله. نجح البلوغرانا في تدوين اسمه بحروف من ذهب، محققاً سبعة وعشرين لقباً في الليغا، وواحداً وثلاثين لقباً في كأس الملك؛ بفضل عبقرية نجوم صاغوا أسلوب التيكي تاكا الثوري، يتقدمهم الهولندي يوهان كرويف، البرازيلي رونالدينيو، والأسطورة الأرجنتينية ليونيل ميسي.

الصرامة البافارية ونموذج الهيمنة الذي لا يموت

بايرن ميونيخ يحتفل بالتتويج بكأس ألمانيا (إ.ب.أ)

على عكس المتوقع، لم يكن بايرن ميونيخ عضواً مؤسساً في البوندسليغا عند انطلاقها، لكنه منذ صعوده الأول والوحيد عام 1965، التهم الأخضر واليابس في الكرة الألمانية. يمثل الشعار البافاري الشهير «نحن من نحن» عقلية إدارية واقتصادية صارمة تعتمد على صفر ديون وإسناد القيادة لأبناء النادي الماليين والفنيين؛ ما وفر للفريق حصانة مطلقة ضد الأزمات الحادة التي تعصف بالمنافسين وتودي بهم إلى غياهب الدرجات الأدنى.

ترجم بايرن ميونيخ هذه السيطرة المطلقة إلى أرقام مرعبة في بلاد الماكينات، حيث توّج بلقب الدوري الألماني ثلاثاً وثلاثين مرة، بالإضافة إلى ستة ألقاب في دوري أبطال أوروبا. تعاقبت الأجيال الذهبية على ملعب أليانز أرينا، لتبقى أسماء القيصر فرانز بيكنباور، والمدفعجي غيرد مولر، وكارل هاينز رومينيغه، وصولاً إلى الحارس المعجزة مانويل نوير، شواهد حية على إمبراطورية كروية ترفض التراجع وترى البقاء في القمة قدراً محتوماً.

سطوة العاصمة الفرنسية وجاذبية المليارات المستمرة

احتفالات عناصر نادي باريس سان جيرمان عقب الفوز على آرسنال (إ.ب.أ)

تأسس باريس سان جيرمان عام 1970 ككيان حديث الولادة مقارنة بعمالقة القارة العجوز، لكنه اقتحم الدرجة الأولى عام 1974 ولم يغادرها أبداً، ليصبح صاحب أطول سلسلة بقاء متتالٍ في تاريخ الكرة الفرنسية. ورغم فترات التذبذب الرياضي العنيف التي عاشها النادي في تسعينات القرن الماضي، فإن كبرياء العاصمة ظل صامداً في وجه رياح الهبوط الدائرية التي عصفت بأندية فرنسية تاريخية أخرى.

أخذت مسيرة النادي منحى إعجازياً مع التحول الاستثماري الضخم في العقد الأخير؛ ما منحه حصانة مالية وفنية مطلقة جعلت من فكرة التراجع ضرباً من الخيال. وبفضل هذه السطوة، تربع باريس على عرش الكرة الفرنسية باثني عشر لقباً في الدوري، مدعوماً ببريق نجوم عالميين مرُّوا بحديقة الأمراء، مثل السويدي زلاتان إبراهيموفيتش، والبرازيلي نيمار والهداف التاريخي للنادي كيليان مبابي، وصولاً إلى المغربي أشرف حكيمي الذين ثبَّتوا أقدام النادي في مصاف الكبار.

مصنع أياكس الأبدي وابتكار الكرة الشاملة

لاعبو أياكس أمستردام الهولندي خلال احتفالهم باللقب (إ.ب.أ)

منذ انطلاق الدوري الهولندي الممتاز بنظامه الحديث عام 1956، ظل أياكس أمستردام العنوان الأبرز والملهم الأول للكرة الأوروبية الحديثة ومبتكر كرة القدم الشاملة. لا يكمن سر صمود أياكس في الشراء والصفقات المليونية، بل في أكاديمية دي توكومست الأسطورية التي لا تتوقف عن تفريخ العباقرة، حيث يعوض النادي رحيل نجومه إلى الأندية الثرية بتصعيد جيل جديد يعيد النادي فوراً إلى منصات التتويج ويحميه من تقلبات الزمن.

حصد أياكس خلال مسيرته الطويلة ستة وثلاثين لقباً في الدوري الهولندي وأربعة ألقاب في دوري أبطال أوروبا، مقدماً للعالم نجوماً غيَّروا تكتيك اللعبة بالكامل. ويظل يوهان كرويف الأب الروحي لهذه الفلسفة المستدامة، يليه عباقرة من طراز ماركو فان باستن، ودينيس بيركامب، وباتريك كلايفرت، ولويس سواريز والمغربي حكيم زياش والذين جعلوا من اسم أياكس مرادفاً للتميز الكروي العصي على السقوط.

صراع العروش البرتغالية وعقلية الاستثمار الذكي

منذ انطلاق الدوري البرتغالي عام 1934، احتكر بورتو وبنفيكا (برفقة سبورتينغ لشبونة) المشهد الكروي تماماً. بنفيكا يمثل الامتداد الشعبي الأكبر، وبورتو يمثل القوة الشمالية الصارمة. اعتمد الناديان على استراتيجية عبقرية في «الكشافة» وشراء المواهب اللاتينية الرخيصة وصقلها؛ ما وفَّر لهما تدفقاً مالياً مستداماً وتفوقاً فنياً ساحقاً جعل بقاءهما في القمة قدراً محتوماً.

بنفيكا

لاعبو بنفيكا يرفعون كأس السوبر البرتغالية (إ.ب.أ)

شكَّل بنفيكا حائط صد منيعاً ضد أي اهتزاز قد يؤدي إلى ترك الدرجة الممتازة. يعتمد نادي بنفيكا، الذي يمثل الامتداد الشعبي الأكبر في العاصمة لشبونة، على سياسة كشافة عبقرية في أسواق أميركا الجنوبية؛ ما يضمن له تدفقاً مالياً وفنياً مستداماً أثمر عن تحقيق ثمانية وثلاثين لقباً محلياً ولقبين في دوري الأبطال، تحت راية أساطير خالدين، مثل الفهد الأسود إيزيبيو وروي كوستا.

بورتو

لاعبو بورتو يحتفلون بالتتويج (أ.ف.ب)

في المقابل، يمثل بورتو كبرياء الشمال الصارم في مواجهة هيمنة العاصمة، وهو الصراع الجهوي الذي خلق ثقافة قتالية شرسة داخل جدران النادي. نجح التنانين في صياغة نموذج اقتصادي يدرَّس يجمع بين الفوز بالبطولات والربح المالي الفاحش من بيع النجوم، محققين ثلاثين لقباً في الدوري ولقبين في دوري الأبطال، ومقدمين للعالم أسماء رنانة مثل فرناندو غوميش، والحارس فيتور بايا، والنجم الجزائري رابح ماجر صاحب الهدف الشهير بالكعب.

في نهاية المطاف، يظل بقاء هذه القلاع السبع في دوري الأضواء طوال تاريخها دليلاً قاطعاً على أن العظمة في عالم المستديرة لا تُشترى بالصدفة، بل تُبنى بالاستدامة المؤسسية والعقلية الصارمة. أندية لم تحجز مكانها في الدرجة الأولى فحسب، بل حفرت هويتها في الوجدان الكروي رموزاً حية لقمة تأبى السقوط وتثبت أن الكبرياء في عالم كرة القدم هو الضمان الأوحد للخلود.


حكيمي وزياش في الصدارة... تعرف على قائمة الأسود الأكثر خوضاً للمباريات في كأس العالم

المنتخب المغربي (الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم)
المنتخب المغربي (الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم)
TT

حكيمي وزياش في الصدارة... تعرف على قائمة الأسود الأكثر خوضاً للمباريات في كأس العالم

المنتخب المغربي (الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم)
المنتخب المغربي (الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم)

تُعدّ المشاركات المغربية في بطولة كأس العالم لكرة القدم فصلاً مضيئاً من فصول الريادة الرياضية الأفريقية والعربية. منذ الإطلالة الأولى لـ«أسود الأطلس» عام 1970 في المكسيك، وحتى الإعجاز التاريخي في نسخة قطر 2022 وبلوغ المربع الذهبي كأول منتخب عربي وأفريقي يحقق هذا الإنجاز، تعاقبت أجيال من الرموز الكروية التي حفرت أسماءها بمداد من ذهب في الذاكرة العالمية. وعبر هذه الرحلة الطويلة التي بلغت سبع مشاركات مونديالية (1970، 1986، 1994، 1998، 2018، 2022، وسلسلة تصفيات 2026)، شهد البساط الأخضر بزوغ نجوم تفوقوا في عدد مبارياتها وصنعوا أرقاماً قياسية يصعب تكرارها.

صدارة تاريخية مشتركة... أشرف حكيمي وحكيم زياش

في طليعة الأسود يتربع الظهير الأيمن الفذ أشرف حكيمي والمايسترو حكيم زياش على عرش اللاعبين المغاربة الأكثر ظهوراً في تاريخ المونديال، برصيد 10 مباريات لكل منهما.

قائد الأسود أشرف حكيمي ألهم أجيالاً بعده لاختيار المغرب (رويترز)

دوَّن هذا الثنائي اسميهما في نسختين متتاليتين، الأولى كانت في روسيا عام 2018 (3 مباريات في دور المجموعات)، والأخرى في الملحمة القطرية عام 2022، حيث خاضا 7 مباريات كاملة قادا فيها المنتخب إلى احتلال المركز الرابع عالمياً في إنجاز استثنائي.

حكيم زياش (إكس)

قوة حكيمي الهجومية والدفاعية وإبداع زياش على الأطراف جعلاهما الركيزة الأساسية لجيل حقق قفزة نوعية في تاريخ الكرة المغربية.

كتيبة خط الوسط والهجوم... عصب الصمود بـ8 مباريات مونديالية

خلف الصدارة مباشرة، بوجود ثلاثي ركيزي خاض كل منهم 8 مباريات عبر مشاركتين في نسختي 2018 و2022. يأتي في مقدمتهم محرك خط الوسط وصمام الأمان سفيان أمرابط الذي أبهر العالم بروح قتالية عالية في ملاعب قطر (7 مباريات، ومباراة واحدة في روسيا).

سفيان أمرابط كان الركيزة الأساسية في خط الوسط المغربي (غيتي)

وإلى جانبه صخرة الدفاع والقائد الشجاع رومان سايس الذي شارك في مباراتين بـ2018 و6 مباريات بـ2022 متحاملاً على إصاباته لحماية العرين.

المغربي رومان سايس (أ.ف.ب)

كما يبرز القناص يوسف النصيري بـ8 مباريات أيضاً، والذي أصبح الهداف التاريخي للمغرب في المونديال، وصاحب القفزة الإعجازية الشهيرة في شباك البرتغال التي أهَّلت الأسود للمربع الذهبي.

يوسف النصيري (رويترز)

هندسة التتويج التاريخي... 7 مباريات ثبّتت الأقدام في المربع الذهبي

سفيان بوفال (رويترز)

لعب الثلاثي المكون من سليم أملاح، والساحر الحريف سفيان بوفال ومهندس خط الوسط عز الدين أوناحيدوراً محورياً في صياغة الأمجاد التاريخية للمغرب. شارك كل لاعب من هذا الثلاثي في 7 مباريات مونديالية، جاءت جميعها خلال مشاركتهم الفردية الوحيدة في نسخة قطر 2022

عز الدين أوناحي (رويترز)

امتاز أوناحي بلياقته العالية وبناء الهجمات السلس الذي أثار إعجاب كبار مدربي العالم، في حين شكَّل بوفال جبهة يسارية هجومية استعراضية وفعالة، بينما تولى أملاح ضبط إيقاع خط الوسط البدني والتكتيكي طوال البطولة لضمان تفوق المنتخب على عمالقة أوروبا.

حراس العرين وبواسل الدفاع... 6 مواجهات دوَّنها السجل الذهبي

تضم قائمة اللاعبين الذين خاضوا 6 مباريات في نهائيات كأس العالم أسماء بارزة من أجيال مختلفة. ويتقدمهم الأسطورة مصطفى حجي الذي شارك في نسختي 1994 و1998، وصاحب الأهداف والمراوغات الخالدة في الملاعب الفرنسية

مصطفى حجي (وكالة المغرب العربي للأنباء)

وينضم إليه من الجيل المعاصر حارس المرمى ياسين بونو الذي ذاد عن عرينه ببسالة في 6 مباريات ببطولة 2022، محققاً شباكاً نظيفة في عدة أدوار إقصائي.

ياسين بونو حارس منتخب المغرب (فيفا)

وفي المنظومة الدفاعية والظهير، يبرز كل من المقاتل جواد الياميق والظهير الأيسر العصري يحيى عطية الله بـ6 مباريات أيضاً في نسخة 2022، حيث كانا صمام الأمان والبديل الاستراتيجي الناجح الذي لم يشعر الجماهير بأي غياب في التشكيل الأساسي.

جواد الياميق (غيتي)

وفي الانتظار، تبقى العيون شاخصة صوب نهائيات كأس العالم 2026، التي لن تكون مجرد محطة تنافسية جديدة لأسود الأطلس، بل ستتحول مسرحاً لإعادة كتابة التاريخ الرقمي.

وسيكون المونديال المقبل كفيلاً بفض الشراكة في الصدارة، وتحديد من سينفرد بالعرش المونديالي، ومن سيتراجع ترتيبه أمام زحف الجيل الحالي، في ملحمة كروية مرتقبة ستكشف عن أسماء جديدة ستدخل نادي الصفوة وتحطم الأرقام القياسية لتثبيت ريادة الكرة المغربية.


طوارئ المونديال تمنح القبلة الدولية لسعدان والسباعي... رحلة «الوافدين الجدد» لتعويض أكرد والزلزولي

طوارئ المونديال تمنح القبلة الدولية لسعدان والسباعي... رحلة «الوافدين الجدد» لتعويض أكرد والزلزولي
TT

طوارئ المونديال تمنح القبلة الدولية لسعدان والسباعي... رحلة «الوافدين الجدد» لتعويض أكرد والزلزولي

طوارئ المونديال تمنح القبلة الدولية لسعدان والسباعي... رحلة «الوافدين الجدد» لتعويض أكرد والزلزولي

في غمرة التحضيرات النهائية واللحظات الحرجة التي تسبق انطلاق نهائيات كأس العالم 2026، تلقى الشارع الرياضي المغربي صدمة مزدوجة وموجعة تمثلت في استبعاد المدافع الصلب نايف أكرد والجناح المهاري عبد الصمد الزلزولي من القائمة النهائية للمنتخب إثر تعرضهما لإصابات مفاجئة.

نايف أكرد (رويترز)

وأمام هذا الموقف المعقد، تحرك الطاقم الفني لـ«أسود الأطلس» بقيادة الناخب الوطني محمد وهبي بسرعة لملء الفراغ، موجهاً الدعوة لثنائي جديد يحمل طموحات مختلفة، المدافع الخبير مروان سعدان والجناح المتألق أمين السباعي

.

عبد الصمد الزلزولي تعرض لإصابة في مباراة النرويج الودية (أ.ف.ب)

هذا التحول الفجائي يضع اللاعبين أمام مسؤولية تاريخية لإثبات الذات في أضخم محفل كروي عالمي بعد نيلهما شرف ارتداء قميص الأسود في الأمتار الأخيرة.

مروان سعدان... صخرة الخبرة الفتحاوية تعوض غياب أكرد بالقميص رقم 5

جاء استدعاء المدافع المخضرم مروان سعدان، البالغ من العمر 34 عاماً (من مواليد 17 يناير «كانون الثاني» 1992 بمدينة المحمدية)، ليمثل طوق النجاة للخط الخلفي المغربي. سعدان، الذي ينشط حالياً في صفوف نادي الفتح السعودي ويقدم معه مستويات لافتة في منطقة التغطية الدفاعية، ليس غريباً تماماً عن الأجواء الوطنية؛ إذ سبق له قيادة محور دفاع المنتخب المغربي المحلي في منافسات كأس العرب، تحت قيادة طارق السكيتوي، وصناعة اسم مميز هناك. وسيرتدي سعدان رسمياً القميص رقم 5 الخاص بنايف أكرد، مستنداً إلى طوله الفارع (187 سم) وخبرته الطويلة في الملاعب العربية والخليجية ليكون صمام أمان موثوق تكتيكياً في الخط الخلفي.

أمين السباعي... موهبة أنجيه الفرنسي لتعويض توهج الزلزولي بالرقم 17

على الجانب الهجومي، شكل انضمام الجناح الأيسر أمين السباعي المفاجأة الأبرز في عرين الأسود. السباعي، الذي يبلغ من العمر 25 عاماً، يعيش أفضل فترات مسيرته الكروية رفقة نادي أنجيه الفرنسي في دوري الدرجة الأولى، حيث نجح خلال موسم (2025 - 2026) في خوض 25 مباراة، مسجلاً 3 أهداف ومقدماً تمريرة حاسمة، مما جعله محط أنظار الإدارة الفنية للمنتخب بفضل جاهزيته البدنية العالية وقدرته على اللعب كجناح أو صانع ألعاب ذكي.

وسيحمل السباعي، وهو الشقيق الأصغر للاعب الدولي السابق صلاح الدين السباعي، القميص رقم 17 ليعوض غياب الزلزولي، مراهناً على مهاراته الاستثنائية في المراوغة لتقديم الإضافة الهجومية المطلوبة.

أرقام ومسارات... مقارنة تحليلية بين الوافدين لعرين الأسود

تظهر الأرقام والمسارات الرياضية تبايناً واضحاً في النضج الكروي والخصائص الفنية بين الثنائي المستدعى، مما يمنح المنظومة التكتيكية للمنتخب المغربي توازناً استراتيجياً فريداً بين عنصر الخبرة والحيوية الشابة.

ففي الشق الدفاعي، يبرز سعدان كعنصر خبرة متكامل، مستنداً إلى مسيرته الطويلة في الملاعب الخليجية والمحلية، وجاهزيته لشغل مركز المدافع المحوري بالقميص رقم 5.

وفي المقابل، يمثل السباعي طاقة هجومية متجددة، مدعوماً بتكوينه الأوروبي وتألقه الحديث في الملاعب الفرنسية، حيث يمنح المدرب وهبي حلولاً مرنة كجناح أيسر. هذا التنوع بين صلابة سعدان الدفاعية الناضجة والنزعة الهجومية المهارية للسباعي يمثل توليفة استثنائية لتعويض الغيابات المؤثرة في توقيت حرج للغاية.