قطاع المطاعم هو الأكثر تضرراً من «كورونا»

الإغلاق وانقطاع الزبائن يهددان آلاف الوظائف

صالات فارغة في زمن الوباء القاتل
صالات فارغة في زمن الوباء القاتل
TT

قطاع المطاعم هو الأكثر تضرراً من «كورونا»

صالات فارغة في زمن الوباء القاتل
صالات فارغة في زمن الوباء القاتل

في الوقت الذي أعلنت فيه منظمة الصحة العالمية أن أوروبا أصبحت الآن بؤرة فيروس «كورونا» في العالم بدلاً من الصين، واتخذت الولايات المتحدة قرار إغلاق المجال الجوي أمام الطيران التجاري الأوروبي إلا في حالات عودة الأميركيين لبلادهم، وأزمة فيروس «كورونا» تشتد في أوروبا على نحو يومي. وكانت آخر تطورات الوضع قرارات بالإغلاق التام لبلدين على الأقل هما إيطاليا وإسبانيا، مع إغلاق جزئي لفرنسا، ومنع فتح المطاعم والمحلات الأخرى باستثناء منافذ السوبرماركت والصيدليات.
واعترف العديد من أصحاب المطاعم بأن الإمكانيات المالية المتاحة لهم لا تكاد تكفي عدة أسابيع تنتهي في شهر أبريل (نيسان) 2020، وبعدها سوف يضطر أصحاب الأعمال إلى الاستغناء عن العمال وإغلاق المطاعم، بلا أمل في إعادة افتتاحها قريباً. ووصف أحدهم الوضع بأنه «أزمة وجودية لم تشهدها الصناعة من قبل».
وفي محاولة لإنقاذ الموقف اليائس قررت المفوضية الأوروبية رصد 25 مليار يورو من أجل معالجة الانعكاسات السلبية للأزمة. وبعد مؤتمر بالفيديو بين الزعماء الأوروبيين، قال رئيس المجلس الأوروبي تشارلز مايكل، إن صحة المواطنين الأوروبيين هي الأولوية المطلقة للمجلس.
وسوف تتوجه الإعانات الأوروبية إلى القطاعات المتأثرة ومنها القطاع الصحي وقطاع الأعمال الصغيرة التي تشمل المطاعم وبهدف حماية أكبر نسبة ممكنة من العمالة.
من ناحية أخرى حذّرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية من أن الاتحاد الأوروبي قد يدخل مرحلة كساد هذا العام إذا استمر وضع «كورونا» الحالي لعدة أشهر أخرى. وخفضت المنظمة توقعات النمو إلى 0.8%. ووجّه الاتحاد الأوروبي ميزانية 140 مليون يورو من أجل إيجاد تطعيم ضد «كورونا».
في بريطانيا أعلن رئيس الوزراء بوريس جونسون، أن تطور العدوى قد يعني دخول شخص من بين خمسة أشخاص المستشفى للعلاج. وفي الأيام الأخيرة انتقلت بريطانيا من مرحلة «الاحتواء» إلى مرحلة «التأخير» في التعامل مع انتشار العدوى، فتم إغلاق المدارس وألغيت جميع التجمعات الرياضية والتجارية ومنها معارض غذائية كان مقرراً لها شهر مارس (آذار).
كما خصصت الحكومة البريطانية بعض الدعم في ميزانيتها الجديدة لهذا العام للقطاعات المتضررة منها بعض الإعفاءات الضريبية على الأعمال وسهولة الحصول على الدعم في حالات المرض. وألغت الحكومة أيضاً بعض المحاذير على مواعيد تسليم الأطعمة إلى محلات السوبرماركت، حتى تتعامل مع اختناقات الشراء بالجملة من مواطنين أصابهم الفزع من فكرة العزل المنزلي. وتصل نسبة هؤلاء الذين يخزّنون الأطعمة بلا داعٍ إلى ثلث المستهلكين في بريطانيا. وتعمل صناعة الغذاء البريطانية تحت قواعد جديدة للحفاظ على نظافة الأغذية المورَّدة لمحلات السوبرماركت وعزل العمال المصابين فوراً.
وترى شركات الأغذية بالفعل انعكاسات سلبية متعددة من جراء الوضع الحالي من نقص السلع إلى محاذير على السفر. وترى أغلبية الشركات أن الوضع سوف يتطور إلى الأسوأ قبل أن يتحسن خصوصاً في جانب اختناقات الإمدادات. ويزيد الوضع سوءاً أن الشركات كانت تتوقع الأسوأ بسبب «بريكست» وانعكاساته السلبية على الاقتصاد.
أزمة فيروس «كورونا» لا يمكن الإحساس بعمق تأثيرها إلا بعد جولات ميدانية في شوارع المدن الأوروبية. في بلدان مثل إيطاليا وإسبانيا وفرنسا تغلَق المحلات بما فيها المطاعم بحكم القانون الذي يعمم الإغلاق التام على الجميع ما عدا استثناءات قليلة للصيدليات ومنافذ السوبرماركت.
ولكن حتى في المدن التي لم يطبق عليها العزل بعد، تنتشر المطاعم الخاوية في كل الأحياء بعد لجوء قطاعات شعبية عريضة إلى فرض العزل الذاتي وعدم الخروج من المنازل. وقبل عدة أسابيع كانت المطاعم المهجورة في لندن هي المطاعم الصينية في حي سوهو، ولكن هجرة مطاعم لندن انتشرت إلى جميع المطاعم الأخرى بغضّ النظر عن الجنسية.
وتسجل المطاعم انخفاضاً ملحوظاً في الزبائن وتناقصهم يوماً بعد يوم. ويعكس هذا التراجع تفضيل الزبائن البقاء في المنازل وعدم الخروج إلى المجال العام إلا في حالات الضرورة. وأكدت هيئة «يو كي هوسبيتالتي» في تصريح لها عن أحوال المطاعم في بريطانيا أن معظم المطاعم والمقاهي سجلت نحو 15% نقصاً في الحجوزات خلال الأسابيع الأخيرة.
والغريب أن المطاعم الصينية ما زالت تعاني أكثر من غيرها بنسب تراجع في الإيرادات بلغت 40%. ورغم انتقال بؤرة المرض من الصين إلى إيطاليا فإن المطاعم الإيطالية في بريطانيا لا تعاني أكثر من غيرها. وفي بعض الحالات يقف العديد من المطاعم اللندنية على حافة الإفلاس حيث تعيش منذ فترة على موارد الماضي. وتراجعت الحجوزات بنسبة 50% في عدد 700 مطعم على الأقل من أعضاء «يو كي هوسبيتالتي».
وتشير المطاعم الصينية إلى أن نسبة كبيرة من العجز كانت بسبب هبوط حاد في السياحة الصينية إلى بريطانيا. وتعم المعاناة على المطاعم بمختلف أنواعها أيضاً بسبب تراجع النشاط السياحي الدولي إلى بريطانيا. وكانت الطامة الكبرى بعدما ضمت إدارة الرئيس ترمب بريطانيا وآيرلندا إلى قائمة منع السفر إلى الولايات المتحدة والذي يعني أيضاً توقف السفر الجوي المعاكس واختفاء السياح الأميركيين.
والمخيف في أزمة فيروس «كورونا» في بريطانيا أن الأسوأ لم يأتِ بعد. فالتوقعات هي أن الفيروس سوف ينتشر على نطاق واسع ليصيب ملايين في الشهور المقبلة، والنصيحة الوحيدة المتاحة للملايين هي غسل اليدين وفي حالات الشك بالإصابة عزل المريض نفسه لمدة أسبوعين.
وينظر البريطانيون إلى ما يحدث في دول أوروبية أخرى مثل إيطاليا وإسبانيا وفرنسا ويعرفون أن الحجر الكامل قد يكون في طريقه إلى بلادهم أيضاً. ولا تخشى هذه الدول من الفيروس والعدوى فقط وإنما من تأثيره على الوظائف والاقتصاد.
المطاعم والمحلات العامة، ما عدا منافذ السوبرماركت والصيدليات، مغلقة في هذه الدول. وتطور الأمر إلى إغلاق كامل (Lock down) ليس فقط لمدن بأسرها وإنما لبلدان كاملة. ويعني ذلك إغلاق الحدود ومنع الطيران ومنع التنقل حتى داخل البلاد. وتطبق أميركا أسلوباً مماثلاً بمنع كل رحلات الطيران من أوروبا. وقررت إدارة بلدية نيويورك إغلاق كل المطاعم لفترة غير محددة وقصر خدمات المطاعم على توصيل الطلبات إلى المنازل. وقال رئيس بلدية المدينة للإعلام الأميركي إن القرار مؤلم فعلاً لأن المطاعم والمقاهي هي قلب وروح مدينة نيويورك.
وتتكرر الصورة في العديد من المدن الأميركية، حيث أكثر من 80% من مدارس كاليفورنيا مغلقة. ونصحت الولاية كبار السن (بداية من 65 عاماً) بالبقاء في المنازل وعدم الاختلاط. ورغم استمرار عمل المطاعم في كاليفورنيا، فإن المسموح به هو نصف عدد الزبائن العاديين فقط حتى تتاح مساحات آمنة بين الزبائن. وأغلقت بوسطن كل المطاعم والمقاهي. ولكن أشد الإجراءات صعوبة كانت من بورتوريكو، حيث فرضت حظر تجول من التاسعة مساءً حتى الخامسة صباحاً مع إغلاق كل المنافذ التجارية غير الحيوية، ومنها المطاعم. وتكرر الأمر في ولاية واشنطن التي قررت إغلاق المطاعم فيها إلا في حالات التوصيل للمنازل. وفي أوهايو، قررت الولاية إغلاق المطاعم منذ منتصف مارس ولكنها تسمح بطلب الطعام للتوصيل إلى المنازل.
وتشمل الإصابات الأميركية حالياً 49 ولاية وهي تقترب من رقم 120 ألف إصابة (في منتصف شهر مارس). ولا تبقى سوى ولاية وست فرجينيا بلا إصابات حتى الآن. وناشد الرئيس ترمب الأميركيين عدم تخزين الأطعمة واللوازم المنزلية، وأشار إلى أن موردي الطعام في كبرى الشركات أكدوا له عدم وجود أي نقص في الإمدادات، وأن الرفوف الخالية في منافذ السوبرماركت هي مسألة مؤقتة إلى حين وصول إمدادات جديدة.
ولكن مهما كانت تداعيات فيروس «كورونا» السلبية في أميركا وبعض دول أوروبا، فإن أكبر معاناة دولية، بعد الصين، كانت في إيطاليا. وفي أواخر شهر مارس بلغ عدد الضحايا من «كورونا» في إيطاليا وحدها أكثر من 10 آلاف ضحية.


مقالات ذات صلة

تشاكا يعود لارتداء شارة قيادة منتخب سويسرا

رياضة عالمية غرانيت تشاكا يعود لارتداء شارة قيادة منتخب سويسرا (رويترز)

تشاكا يعود لارتداء شارة قيادة منتخب سويسرا

يعود غرانيت تشاكا لارتداء شارة قيادة منتخب سويسرا مجدداً، وذلك بعد غيابه عن آخر أربع مباريات لاعترافه بتزوير شهادات تطعيمه خلال جائحة كورونا (كوفيد - 19).

«الشرق الأوسط» (برن)
صحتك الهواء الجاف قد يؤثر في الأنف والحلق (بيكسلز)

لماذا يزيد الشعور بالتهاب الحلق في الخريف؟

إذا كنت تعاني من ألم في الحلق حالياً، يرى خبراء أن جفاف الهواء خلال فصل الخريف قد يكون وراء هذا الشعور.

«الشرق الأوسط» (لندن)
رياضة عالمية مشجع يحمل صورة للاعب تشاكا خلال مباراة سويسرا واسكوتلندا الأخيرة في دوري الأمم (أ.ب)

تغريم السويسري تشاكا بسبب تزوير شهادة لقاح كورونا

عوقب قائد المنتخب السويسري غرانيت تشاكا، الخميس، بغرامة مالية على خلفية استخدام شهادة مزورة لتلقيح ضد كوفيد خلال فترة تفشي الجائحة.

«الشرق الأوسط» (زيوريخ)
صحتك يُصاب بعض الأشخاص بالزكام أكثر من غيرهم بسبب اختلاف قوة المناعة وكثرة التعرض للفيروسات (بيكساباي)

لماذا يصاب بعض الناس بالزكام أكثر من غيرهم؟

يُصاب بعض الأشخاص بالزكام أكثر من غيرهم بسبب اختلاف قوة المناعة، وكثرة التعرض للفيروسات، ونستعرض في التقرير التالي الأسباب الأخرى.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك التهاب الحلق يُعد أحد الأعراض المميزة لـ«كوفيد-19» (بيسكاباي)

لماذا تنتشر التهابات الحلق في الخريف؟ وكيف تميّزها عن كورونا؟

تنتشر التهابات الحلق في الخريف بسبب تقلبات الطقس وزيادة انتشار الفيروسات مع قضاء وقت أطول بالأماكن المغلقة وتتشابه في الأعراض مع فيروس كورونا.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

المطاعم الراقية تحاول التخلص من الصورة النمطية الرسمية

تصميم جميل لمأكولات لذيذة (أفضل 50)
تصميم جميل لمأكولات لذيذة (أفضل 50)
TT

المطاعم الراقية تحاول التخلص من الصورة النمطية الرسمية

تصميم جميل لمأكولات لذيذة (أفضل 50)
تصميم جميل لمأكولات لذيذة (أفضل 50)

لا يزال قطاع المطاعم الفاخرة يحاول التخلص من صورته النمطية، المرتبطة بالرسمية الجامدة المتقشفة. ويبدو الواقع اليوم بعيداً كل البعد عن هذا القالب القديم. من بانكوك إلى الريف الويلزي، أصبح التحول من الأجواء الرسمية والمقيدة إلى الأجواء التفاعلية والممتعة، أمراً ملموساً بوضوح.

وتعود جذور هذا التحول إلى حركات مثل «بيسترونومي» (الطهي البيستروني)، التي جلبت أساليب الطهي العالمية الراقية والمكونات عالية الجودة، إلى الأجواء غير الرسمية. ونتيجة لذلك، اهتز احتكار المطاعم الراقية لفنون الطهي الاستثنائية، وبدأ النظر إلى هذه المطاعم باعتبارها مفرطة في التكلف.

مأكولات بتصميم رائع (أفضل 50)

من جهته، عبر حسين شهزاد، الشيف المسؤول عن مطعم «بابا» في مومباي، عن اعتقاده بأنه: «لقد نسينا حقاً لماذا يخرج الناس ورواد المطاعم لتناول الطعام في المقام الأول؛ وهي الرغبة في الترفيه، والشعور بالتميز، وأن يلاحظهم الآخرون».

ويتفق غاريث وارد، من مطعم «ينيشير» في ريف ويلز، مع هذا الطرح، مشدداً على أهمية جانب الترفيه، ويرى أن «الخروج من المنزل لتناول وجبة، أمر يتعلق برمته بالاستمتاع بقضاء أمسية خارج المنزل، وكأنك تحصل على متعتين في وقت واحد».

أما غاغان أناند، صاحب مطعم «غاغان»، الذي يحمل اسمه في بانكوك، فيعزو هذا التغيير إلى سياق أوسع، مشيراً إلى أن «الإنترنت يعمل على توحيد الطابع العام للعشاء الفاخر»، مضيفاً أنه «قضى على المفهوم التقليدي للعشاء الفاخر». وعليه، تستجيب المطاعم من خلال العمل المباشر على بناء هويات مميزة خاصة بها.

الطعام الراقي بأسلوب عصري (أفضل 50)

وقال سانتياغو لاسترا، مؤسس مطعم «كول» في لندن: «إن مطعم العشاء الفاخر العظيم ينقلك إلى مكان آخر، فهو ينقلك إلى عالمه الخاص، تماماً مثل مشاهدة فيلم سينمائي». وعليه، عكف حديثاً على تعديل تصميم المطعم، ودمج بار «ميزكاليرا» - التي كانت تُستخدم كَبارٍ في الطابق السفلي - ضمن تجربة العشاء. وتسهم الإضاءة الخافتة والأجواء الأكثر حيوية في إبقاء الضيوف منجذبين، ما يمنحهم شعوراً بأن المبنى بأكمله جزء من قصة متكاملة.

أما داخل مطعم «سموكد روم» في مدريد، فيمكن للمطبخ القائم على الطهي بالنار أن يخلق أجواء خاصة به بمفرده، مع لمسات مسرحية تتميز بألسنة النيران المشتعلة، وأطباق مستوحاة من الطهي بالنار، يجري تقديمها بالتوافق مع 20 نوعاً من النبيذ، يتولى صبها خبير النبيذ العالمي البارز لويس باسيلاغا. والهدف من ذلك إعادة إحياء الذكريات البدائية للجلوس أمام النار التي يشترك فيها البشر جميعاً. من جهته، قال كبير الطهاة ماسيميليانو ديلي فيدوفي: «إنه أمر سحري ومريح ويمنحك شعوراً بالسلام».

في الواقع، خلق عالم خيالي شيء، والحفاظ على استمراريته طوال الأمسية بأكملها شيء آخر تماماً. ويبرز في صدارة هذه الحركة مطعم «ألكيميست» في كوبنهاغن، باعتباره صاحب التعبير الأكثر تطرفاً عن هذا المفهوم؛ فهو يتيح عرضاً فنياً يمتد عبر 35 طبقاً وست ساعات وغرف متعددة مليئة بالإسقاطات البصرية والرموز.

أطباق مصممة بطريقة جذابة (أفضل 50)

ومع ذلك، فإن راسموس مونك، مؤسس المطعم، يدرك تماماً أهمية ضبط الإيقاع، وأوضح قائلاً: «من بين 35 طبقاً، ربما يكون هناك سبعة إلى ثمانية أطباق تحمل في طياتها رسائل سياسية أو بيئية قوية. ونحرص نحن على خلق مسافة بينها، لتتخللها أطباق تتميز بطابع مرح أو مفاجئ أو ببساطة مذاق لا يقاوم».

من جهته، تساءل أناند: «يملك البشر حواساً متعددة، فلماذا نقتصر على استخدام العيون والأنف والفم فقط في تجربة تناول الطعام؟». وخلال تناول وجبة في مطعم «غاغان»، الذي يضم طاولة طهي تتسع لـ14 مقعداً تحيط بمطبخ مفتوح وتتوسطه كرة ديسكو، مع قائمة تشغيل موسيقية منسقة بعناية. وأضاف أناند: «ستحصل على الصوت والأضواء والكاميرا والرشاشات والسرعة والأدرينالين ـ كلها مجتمعة معاً. ومع أول طبق تضعه في فمك، تنطلق الانفجارات».

مطعم آخر يضم كرة ديسكو «ينيشير» في الريف الويلزي. وكما الحال في «غاغان»، يسير الشريط الصوتي بالتوازي مع خدمة تقديم الطعام. إلا أن الأمر هنا متروك لمنسقي الموسيقى، الذين يتولون تشغيل مجموعة مختلفة كل ليلة، لكنهم يبدأون دائماً بالجاز الياباني لمرافقة القسم الأول من أطباق أسماك الماداي والهاماتشي والتونة زرقاء الزعنفة، قبل الانتقال إلى موسيقى «الهاوس» الحيوية، مع انطلاق أغنية «سمول تاون بوي» لفرقة «برونسكي بيت» بمجرد بدء كرة الديسكو في الدوران. وتحدث وارد عن الأمر بقوله: «لقد رأيت أشخاصاً يبكون في المطعم»، نتيجة تأثرهم بهذه «التجربة الخيالية، التي تلتقي فيها الموسيقى مع أطباق الأكل».

ليس من المستغرب أن تعمل الكثير من هذه المطاعم عبر طاولات متصلة مرتبة حول مطبخ مفتوح (مقاعد مطعم «ينيشير» الـ14 تواجه المطبخ كذلك). الحقيقة أن الانتقال من العشاء الفاخر الثابت إلى تجربة غامرة وتفاعلية يعتبر تحولاً معمارياً كذلك. إن تنمية المشاعر والبهجة وإحساس التقارب يسهل تحقيقه عندما يتحرك كل شيء بانسجام تام؛ إنه عرض فني بكل ما تعنيه الكلمة.

وفي مومباي، ينغمس مطعم «بابا» بالكامل في جانب التسلية؛ من خلال الدعابات والممازحات والاستعراضات الجانبية على الطاولات بل يُتاح للضيوف أيضاً فرصة إعداد حلوى الثلج المجروش (على طراز «كاكيغوري») بأنفسهم. وما كان لكل هذا أن يتحقق لولا تصميم المكان الذي يضم 12 مقعداً فقط، ويخلق مشهداً تفاعلياً متكاملاً. وقال شهزاد: «لم تكن الفكرة يوماً أن يظل الضيف مجرد مراقب»، فمطعم «بابا» يكسر ذلك الحاجز غير المرئي. وأضاف: «حتى بعد أن ينسوا مذاق الطعام الذي تناولوه، سيظلون دائماً يتذكرون الشعور، الذي انتابهم في تلك اللحظة».

قد يكون هذا صحيحاً، لكن هناك تقارباً واضحاً بين هذا النمط من تناول الطعام ونهج «المذاق أولاً»؛ فالطهي القائم على المفاهيم المعقدة لا يناسب هذه التجربة. وقال لاسترا: «سيبقى الناس دائماً أوفياء للنكهة». وتتطابق قائمة الطعام الحالية لمطعم «كول» مع هذا الاعتقاد. وأضاف: «الطعام يصنع لإطعام الآخرين ومنحهم المتعة».

وعبر فيدوفي عن اتفاقه مع هذا الطرح، موضحاً أن الملعقة الأولى يجب أن تقدم المتعة، وأن الضيوف طوال التجربة «يجب أن يتعرفوا إلى ما يأكلونه». ويعمد كل من وارد وشهزاد إلى استغلال الحنين إلى الماضي باعتباره خريطة طريق، ما يعتقد شهزاد أنه يوفر أساساً لإضافة طبقات متعددة من العناصر الحسية إلى تجربة تناول الطعام.

إلا أنه في النهاية، تؤدي التوقعات المتغيرة إلى إعادة كتابة القواعد من جديد؛ فمفهوم المطاعم الراقية «لم يعد يعتمد على كمية الكافيار الموجودة في الطبق»، على حد تعبيره، بل «أصبحت الرفاهية تكمن في التجربة ذاتها».


كعكات الأرز بالزبدة المقرمشة والغنية تجتاح الإنترنت

كعكات الأرز بالزبدة وجبنة كاملة ولذيذة (نيويورك تايمز)
كعكات الأرز بالزبدة وجبنة كاملة ولذيذة (نيويورك تايمز)
TT

كعكات الأرز بالزبدة المقرمشة والغنية تجتاح الإنترنت

كعكات الأرز بالزبدة وجبنة كاملة ولذيذة (نيويورك تايمز)
كعكات الأرز بالزبدة وجبنة كاملة ولذيذة (نيويورك تايمز)

بصفتي صانعة لوصفات الطعام، فإن الغوص في تفاصيل الوصفة، مكوناً تلو الآخر، هو الجزء المفضل لديّ في عملي. وفي كثير من الأحيان، يكون من السهل التنبؤ بكيفية تفاعل هذه المكونات وتعديلها بناء على ذلك؛ ومع ذلك، قد تبدو بعض الوصفات في بعض الأحيان صعبة للغاية، وهنا يأتي دور كعكات الأرز بالزبدة.

وتُعرف هذه الكعكات أيضاً باسم «موتشي الزبدة على طريقة شنغهاي» و«توك الزبدة»، وهي نوع من حلوى الموتشي تتميز بحلاوة خفيفة ونكهة غنية بالزبدة، وقد اجتاحت الإنترنت بشكل كبير، لا سيما في كوريا الجنوبية.

وكما هو الحال مع العديد من الوصفات التي تحظى بانتشار واسع للغاية، فإن تاريخ هذه الوصفة يبدو غامضاً؛ حيث تُنسب هذه الكعكات غالباً إلى المخابز المحيطة بمدينة شنغهاي، وتُرجع إحدى النظريات الفضل إلى خباز في مدينة «نانتونغ» الصينية، الواقعة شمال شنغهاي مباشرة، والذي دمج بين كعك الأرز الصيني التقليدي «نيان غاو» وحلوى «الكانيليه» الفرنسية الغنية بالكاسترد. وقد تكون هناك تأثيرات أخرى مثل «موتشي زبدة هاواي» وحلوى «البيبينكا» الفلبينية، ورغم اختلاف مكوناتها وطرق طهيها، فإن قوام عجينتها يبدو متشابهاً.

وكان ابتكار نسخة مخصصة للطهاة في المنزل تكون محمرة ومقرمشة من الخارج مع الحفاظ على قوامها المرن والغني بالزبدة من الداخل عند خبزها في قالب المافن، بمثابة طموح كبير.

في البداية، استخدمت عجيناً سائلاً مصنوعاً، جزئياً، من دقيق التابيوكا وكمية جيدة من الحليب. بيد أن تلك الكعكات انفصلت عن المقلاة ولم تتحمر بالتساوي. وعلمت حينها أنني بحاجة إلى عجين أكثر كثافة، لذا قللت كمية الحليب. وفي نهاية المطاف، استُبدلت بـ«التابيوكا» كميةً أكبر من دقيق الأرز «موتشيكو»، بناء على اقتراح من «جينيفيف كو»، محررتي الخاصة، والتي وجدت أن النتائج قد تختلف من نوع إلى آخر لدقيق التابيوكا.

ولضمان الحصول على تلك القشرة البنية المقرمشة، يُخبز العجين في قالب مدهون جيداً بالزبدة. بيد أن تحديد كمية الزبدة الواجب استخدامها بدقة كان أمراً صعباً. في بادئ الأمر، واعتقاداً مني بأن الماء الموجود في الزبدة يتبخر في قاع الكعكات، قمت بتقليل الكمية؛ وبدلاً من ذلك، تسببت كمية الزبدة القليلة للغاية في جعل القشرة صلبة، مع بقاء التحمير غير مستو. وكان الأمر يتطلب كمية سخية، بل ربما مفرطة تقريباً، من الزبدة.

ومع ذلك، فإن القطعة الأكثر أهمية في هذه الوصفة كانت قالب الخبز نفسه. فبعد إجراء الاختبارات حصرياً في قالب مافن مضاد للالتصاق، جاء التحمير الأكثر استواء من قالب غير مطلي؛ إذ تبين أن الزبدة في قالب المافن المضاد للالتصاق تكون أكثر عرضة للانتشار بشكل غير مستو.

وقد استغرق الأمر أكثر من 12 اختباراً لتأخذ الوصفة شكلها النهائي، ولكن الشعور كان رائعاً للغاية عندما تكللت بالنجاح. وتميزت حلوى الموتشي الناتجة بقشور مكرملة للغاية، وتصدر تلك القرمشة الممتعة والمثيرة للحواس، لتفسح المجال لقوامها الداخلي المرن والمطاطي. وللحصول على أفضل قوام، استمتع بتناولها وهي لا تزال دافئة، كما أن إضافة القليل من الحليب المكثف تجعلها أفضل بكثير.

* خدمة «نيويورك تايمز»


صرعات الطعام في لبنان تستلهم الغرابة

سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)
سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)
TT

صرعات الطعام في لبنان تستلهم الغرابة

سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)
سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)

لم تعد تجربة الطعام في لبنان تقتصر على اكتشاف نكهات جديدة أو زيارة مطعم يقدّم وصفات تقليدية. فمع تسارع الابتكارات في عالم المأكولات، باتت بعض الأطباق تستمدّ جاذبيتها من غرابتها، ومن قدرتها على الجمع بين مكوّنات لا تخطر على بال محبّي الطعام. وفي عام 2026، برزت موجة من التجارب التي تعيد تقديم المألوف بأساليب مختلفة، مستفيدةً من فضول الزبائن وتأثير وسائل التواصل في اختياراتهم، فتناقلها مؤثّرو الطعام، لتولّد ترندات تتصدّر المشهد الغذائي في لبنان.

بين الموضة والمذاق لا تنفصل هذه التجارب عن التحوّلات التي يشهدها عالم الطعام، حيث باتت الصورة جزءاً من تجربة التذوّق. والمنصات الرقمية تساهم في انتشار الأطباق الجديدة والتعريف بها.

يلاحظ في الفترة الأخيرة إقبال في لبنان على نكهات آيس كريم غير تقليدية، تستلهم بعضها مكوّنات محلية وأطعمة مألوفة. وهي ظاهرة تعكس رغبة المستهلكين في اكتشاف تجارب جديدة.

لكن انتشار طبق على وسائل التواصل الاجتماعي لا يعني بالضرورة نجاحه. فالمذاق يبقى العامل الحاسم، فيما تمنحه غرابته فرصة أولى لجذب الانتباه. وبين هذين العاملين، تحاول المطاعم اللبنانية إيجاد معادلة تجمع الابتكار والجودة، وتمنح الزبون سبباً إضافياً للخروج عن اختياراته المعتادة.

لا تتعلّق صرعات الطعام بتغيير المكوّنات فحسب، بل بإعادة النظر في طريقة تقديمها أيضاً. فالأطباق التي تبدو غريبة للوهلة الأولى قد تتحوّل إلى تجارب محبّبة، شرط أن تتجاوز عنصر المفاجأة إلى مذاق يستحقّ التكرار.

ومن البرغر بحلوى الداعوقية إلى السندويشات التي تستلهم قوامها من الـ«بوب كورن»، وصولاً إلى «ستيك الكنافة» الذي يثير الفضول عند سماع اسمه، تتّسع مساحة التجربة في هذا المجال.

برغر الداعوقية يعتمد على عجينة البقلاوة المقرمشة (إنستغرام)

«برغر الداعوقية»: بقلاوة العصر

يحتفظ البرغر بمكانته على قوائم الطعام، لكنه لا يتوقّف عن التجدّد. فإلى جانب الوصفات الكلاسيكية المعتمدة على اللحوم بأنواعها تحضر نسخ منه بأسلوب غريب. ويأتي «برغر الداعوقية» الذي أطلقته محلات الداعوق للحلوى هذا الصيف كواحد من أشكال الحلوى الحديثة في لبنان.

وتكمن جاذبية التركيبة من أنها مصنوعة من طبقتين لعجينة البقلاوة، يتم حشوها بحلوى الداعوقية. وهي مصنوعة من القشدة والسميد المدعوك بالقطر ويغلف المزيج بالفستق المطحون . كما يتم تغطية «البرغر» في مرحلة نهائية برشّة فستق. التركيبة بسيطة لكنها تتميز بالقرمشة التي ترافق سندويشات عديدة تعتمد عليها الوجبات السريعة. وعجينة البقلاوة المستخدمة في هذا السندويش تقوم بالمهمة. يلاقي «برغر الداعوقية» إقبالاً لافتاً من جيل الشباب الذين رأوا فيه تجدداً لحلوى ترافقهم، منذ تأسيس محلات الداعوق في ستينات القرن الماضي.

سندويش الـ«بوب كورن»

فكرة غير تقليدية تدخل السندويشات بدورها في سباق الابتكار، وتسلتهم أفكار مكوّناتها من أطعمة اعتدنا تناولها منفردة. ومن بينها سندويش الـ«بوب كورن»، الذي يقوم على إدخال حبات الذرة المنفوخة أو استخدام نكهتها وقوامها المقرمش، في تركيبة تجمع بين الخبز والصلصات ومكوّنات أخرى.

وتعتمد هذه الفكرة على مفارقة استخدام عنصرين لم نألف الجمع بينهما، لنحصل على تجربة غير مألوفة لمحبي التذوّق. واشتهر هذا السندويش إثر إطلاقه على لائحة طعام أحد المطاعم اللبنانية الجديدة (ألا مينوت) في جونية. والسندويش يتألّف من كريما الحلويات وصلصة الكراميل وحبوب البوب كورن المكرملة مع رشة ملح.

وتراوحت الآراء في هذا السندويش بين مؤيد ورافض. فالبعض عبّر عن إعجابه به في منشوراته على الـ«سوشيال ميديا». فيما اعتبر آخرون أنه من غير المجدي تذوّقه؛ لأن طعمه غير لذيذ.

«ستيك كنافة» أحدث صرعات الحلوى في لبنان (إنستغرام)

ستيك الكنافة

حين تلتقي الحلوى بالابتكار وفي عالم الحلويات، تتواصل محاولات إعادة تقديم الوصفات المعروفة بصيغ جديدة. ويأتي «ستيك الكنافة» مثالاً على هذا التوجّه، من خلال استلهام شكل الستيك بطريقة تقديم الكنافة بالجبن؛ إذ يتم لفّ الكنافة على عيدان الخشب وتغلف بالشعيرية المقرمشة وصلصة الفستق أو الشوكولاته حسب رغبة الزبون.

وتكمن جاذبية الفكرة في الجمع بين اسم يرتبط بالأطباق المالحة وحلوى شرقية لها مكانتها الراسخة على الموائد. وهي مقاربة تفتح المجال أمام الطهاة للعب على الشكل والتقديم، من دون التخلي بالضرورة عن النكهات المألوفة التي تمنح الكنافة هويتها.