فالح العجمي: المشهد الثقافي في السعودية ذو لون واحد فقط

الكاتب السعودي يرى أن إتاحة النقد الحل الأنجح لمواجهة التشدد

فالح العجمي متحدثا في ندوة ثقافية
فالح العجمي متحدثا في ندوة ثقافية
TT

فالح العجمي: المشهد الثقافي في السعودية ذو لون واحد فقط

فالح العجمي متحدثا في ندوة ثقافية
فالح العجمي متحدثا في ندوة ثقافية

يرى المؤلف والكاتب السعودي الدكتور فالح بن شبيب العجمي أن الحركة الثقافية في السعودية متقدة بـ«شباب رائع ذي قدرات ذهنية على مستوى عالٍ من التفكير»، لكن المشهد الثقافي منذ التسعينات كان له لون واحد – كما يقول * فقد «كان شحيحا فيما يخص المعرفة المثمرة، لكنه بالنسبة إلى المتطرفين والمتشددين لم يكن سيئا».
ويقول أستاذ اللسانيات اللغوية بجامعة الملك سعود بالرياض، إن «الأسلوب الأمثل لمواجهة خطاب التشدد الفكري هو إتاحة النقد، وتشريع النوافذ مع الأبواب لدخول الهواء النقي، وإطلاق طاقات الشباب في ميادين شتى؛ أبرزها المسرح والفنون».
صدر للعجمي حديثا كتاب بعنوان «النص والخطاب والحياة» يناقش فيه الدراسات التاريخية للنصوص الدينية، وآليات البحث العلمي في التاريخ الإسلامي.
التقينا العجمي وناقشناه حول قضايا كتابه وشؤون المشهد الثقافي، وهنا نص الحوار:
* ذكرت في كتابك «النص والخطاب والحياة» أن كثيرا من الدراسات الدينية تجاهلت الأسئلة الملحة بسبب الثقافة التي تخلط بين التناول العلمي والقناعة الآيديولوجية.. السؤال هو كيف يمكن الفصل بين الأمرين دون أن يؤثر أحدهما على الآخر؟
ـ القضية في هذا المجال أوسع من الخلط في حقيقة الأمر، فما طرحته في كتابي «النص والخطاب والحياة» يتعلق أساسا بالتعمق الضروري في طرح القضايا الشائكة في النص المقدس، وفي الخطابات الدينية المترتبة عليه، على طاولة البحث، وذلك عندما لم أجد اهتمام دارسي ذلك النص بقضاياه الرئيسية المتعلقة بواقع النص وشواهد الواقع، وقبل ذلك طرحت بطريقة مماثلة تاريخ الحريات في شبه الجزيرة العربية، عندما لم أجد اهتماما من المؤرخين بذلك الجانب في كتابي «صراع الحريات»؛ إذ يتناقلون الأحداث، وكأنها إملاءات تصنع المفاهيم، لكن فيما يخص الخلط، طبعا هو موجود، لأن الجوهر لم يُدرس كما ذكرت.
أما كيف يمكن الفصل بين التناول العلمي والاقتناع الآيديولوجي، فهما في الأصل على طرفي نقيض، ولو نظرنا إلى ما أنتجه العلماء المؤثرون في تاريخ البشرية، لوجدناه بعيدا عن الأدلجة. أما صنّاع الشر، فهم متورطون حتى آذانهم في إلباس الآيديولوجيا بحلية العلم والخير والدين.
* هل تتفق أن الخوف هو عامل آخر يدفع نحو عدم إثارة هذه الأسئلة.. الخوف على قناعة آيديولوجية متوارثة أن تهتز بالبحث العلمي؟
ـ هذا السؤال في الصميم؛ إذ أستغرب فعلا من أمة تدّعي أنها على حق مطلق، وتتردد كثيرا في طرح الأسئلة الحساسة، كما يتبارى كبار منظّريها إلى التخويف من إثارة الشكوك، وكأن معتقداتهم ومكوناتهم الثقافية ورقية، يمكنها السقوط من أدنى هبّة ريح. طبعا، عندما تكون تلك الأبنية المتوارثة قائمة على القص واللزق، والمبالغات في وصف أوضاع طوباوية في الماضي، فالأمر طبيعي؛ أن تهزها الأسئلة البحثية العلمية العميقة والجذرية والمباشرة، وأن يشعر الملفقون بالقلق إزاء من يجرؤون على مثل ذلك التناول.
* سبق وقلت إن تاريخ الإسلام «فاتن وخطير».. لماذا هذان الوصفان؟
ـ نعم هو كذلك؛ فاتن لأنه يدعو إلى نظريات ثورية، تبدأ برفض أي نوع من الآلهة التي كانت تقدسها الجماعات البشرية، والتمرد على كل الأنماط السابقة في الحياة، والخضوع التام لمرجعيات قسرية، كما يدعو إلى تطهير الروح والزهد في الدنيا والتآخي بين الناس، والتدخل في أدق تفاصيل حياة الإنسان وخصوصياته وأطر المجتمعات وأنظمتها الثقافية والاقتصادية والسياسية. وزادت الفترات التاريخية المتنوعة، وحالات الانقسام الديني والطائفي من جاذبية بعض الفئات، أو الممارسات الروحانية لأعداد ليست قليلة من غير المسلمين إلى تلك الطقوس أو الشعائر المتميزة.
لكنه خطير، لأن تلك الثورات لم تتحقق، إلا لترجع إلى الوراء أكثر مما تقدمت، كما أن التمرد الفردي لم يتملص من شيطنة الإنسان ورغباته الحسية – كما هو متوقع من رؤية فلسفية نظرية – مما أوجد تباينا بين الواقع والنظرية، لكن الخطورة ليست هنا فحسب، بل تكمن بقوة في كون قادة الرأي فيه في كل عصر لا يرون هذا التباين إلا انعكاسا وهميا لمن يعملون ضد المبادئ الإسلامية؛ مما أوجد عقيدة خفية لدى المؤدلجين بضرورة التفتيش دوما عن المؤامرة. ومن نتائج عدم نجاح التمرد في الشخصية الإسلامية أنه أوجد أشخاصا منفلتين من كل قيد أخلاقي، ومستسلمين بصورة كاملة للغرائز، كلما أتاحت الظروف ذلك.
ومما يتعلق بهذه الازدواجية ما يتناقله بعض الناس من مقولات الإسلاميين المدافعين عن المبادئ، من خلال رفض ممارسات المسلمين غير المتطابقة معها، لكنه رفض يشمل الحركات الإسلامية والمجتمعات الإسلامية والأفراد الذين تتأذى منهم مجتمعات أخرى، وتلصق تصرفاتهم بالإسلام، فيردد أولئك المدافعون: «هؤلاء لا يمثلون الإسلام»!
* برأيك هل استطاعت الدراسات التاريخية العربية أن تجلي هذه الفتنة والخطورة.. ولماذا؟
ـ الدراسات التاريخية العربية مع بالغ الأسف! تلتفت إلى التفصيلات الصغيرة، وتضيف إليها بعض التحليلات، كما تأخذ الآراء السائدة بوصفها مسلّمات؛ لهذا خلت تماما من المواقف النقدية الجادة، إذا استثنينا بعض المؤرخين العرب الذين تعلموا في الغرب، وعرفوا معنى «نقد التاريخ»، واستخلاص الآليات من مسار الأحداث، وليست تراكمات الوقائع، وبعض المدوّنات التي تشيد بهذا الطرف أو ذاك.
وقد حاولت في كتابي: «الإنسان المسلم» تبيّن مفاصل نشأة الكيان الإسلامي، وتنوعاته من خلال تطبيقات الأفراد والمجتمعات، ثم علاقات الأفراد داخل المؤسسات العامة (سواء فيما يتعلق بالعبادة والانتماء، أو العدالة وتأطير الحياة على الأرض)، مثلما ركّزت على مفهوم المسلم لنظرية العقد الاجتماعي بوصفها تأطيرا للدولة التي يريد أو لا يريد أن يعيش في كنفها. وبالطبع لا بد من التعرض للأزمات الفكرية التي مرت في التاريخ الإسلامي القديم والحديث، وهي تترك آثارا عميقة في مخيلته، كل ذلك لا تتعرض إليه الدراسات التاريخية العربية بمجملها.
* ما تفسيرك لانبعاث التطرف الديني المستمر رغم توافر عوامل كثيرة في ظل التطور الحضاري والتقني كان المتوقع أنها ربما تساهم في إذابته وتفكيكه؟
ـ التطرف الديني في نظري لم ينشأ من فراغ، بل هو موجود وطالما وجد المنتفعون من توظيف النصوص لصالح سلوك متطرف، وكلما وجدت الجموع الجاهلة أو الغاضبة أو المستلبة، فهذا هو الثالوث المنشئ للتطرف، وبالطبع، طرفاه الأولان (النص والمنتفع) موجودان باستمرار، أما الطرف الثالث، فهو المتغير، إذا وجدت الظروف، التي تجعل الغوغاء تبلع الطعم، اشتعلت الفكرة في رؤوسهم، وأوقدوا أوار التطرف، كما تتزايد مع الأفكار المتطرفة مشاعر الكراهية لكل ما هو مختلف عن الفكرة، التي زرعها المنتفع في أذهان الأتباع.
المشكلة في قضية أفكار التطرف الديني، أن الموبوء بها لا يظن أنه كذلك، بل إنه كلما زاد تطرفا، اشتغلت عنده الحمية للفكرة الدينية أو المذهبية، بوصفه مدافعا عن النقاء من التلوث، وعن الحق أن يصيبه الباطل، وباسم الرب لئلا يغضب على الجميع، فينزل عليهم عقابه، فهو موتور ويظن بأنه مخلص، كاره للأكثرية ويظن بأنه محب لهم، وسيط بين المنتفع من جهة والمال والجاه من جهة أخرى وهو يظن بأنه وسيط بين البشر والرب.
لذلك فهو لا يخضع لعوامل التطور الحضاري، ولا حتى لمقاييس الأحاسيس البشرية بوجه عام. وبهذا لا يمكن تفكيك خطاب التطرف إلا بإبعاد رؤوس المثلث المذكور أعلاه عن الاتصال بعضها ببعض، لئلا تكتمل الدورة، ويسير تيار التطرف بين هذه الرؤوس، ليعود النص المؤول من جديد أخطر مما كان.
* شهدت السعودية اهتماما ملحوظا بالثقافة والفلسفة بين أوساط بعض الشباب، ومن ذلك إنشاء «الحلقة الفلسفية».. ما تقييمك لهذا الاهتمام.. وهل ترى أن البيئة مهيئة لإنضاج خطاب ثقافي مختلف؟
ـ نعم، السعودية فيها شباب رائع، وقدرات ذهنية على مستوى عالٍ من التفكير، وقد عرفت بعض الزملاء الذين اشتركوا في دعم هذه النواة، وبعض الشباب الذين ساروا بالمشروع قدما، وأنتجوا معرفة فلسفية لا بأس بها، والبيئة إذا خلت من عوامل التطرف قابلة للازدهار الفكري، وخلق خطابات ثقافية متنوعة. لكن ذلك مرهون أيضا بإطلاق طاقات الشباب في ميادين شتى؛ أبرزها في المسرح والفنون، التي تعيقها المؤسسات البيروقراطية بأثر من عرقلة الحقبة، التي هيمن فيها خطاب التطرف، وأخاف رموز المتشددين كل من كان يفكر في لمسة جمال فني، أو إتاحة الفرصة لإبداع الشباب وإبراز طاقاتهم.
فلم يبق لهم في الواقع سوى مجال الرياضة – وهو للذكور فقط – وحتى هذا المجال حاول أعداء الحياة محاصرته، لكن أصحاب القرار لم يستسلموا لهم، سوى في حرمان المرأة من مزاولة النشاطات الرياضية، وأتمنى أن يتم تداركه، من أجل عدم منع النساء من أبدان سليمة تنعكس آثار صحتها على وضع الأسر التي تنشئنها.
* يؤمن عدد من المنشغلين بالفلسفة أن إقرار تدريسها مادة في التعليم العام هو الحل الأنجع للقضاء على خطاب التشدد والانغلاق.. ما رأيك؟
ـ بالطبع قراءة الإنتاج الفلسفي العالمي مفيدة جدا، وتدريسها وتناولها في نقاشات فكرية أكثر فائدة أيضا، لكن الأزمة التي اقترنت بحياة المجتمع السعودي مع تفشي خطاب التطرف لم تقف عند منع الفلسفة من مناهج التعليم ومن الكتب التي تفسحها المؤسسات العامة، بل تعدى الأمر إلى تكفير الفلاسفة المسلمين، وتحريم تناول كتبهم، أو الإشادة بها في أي مناسبة.
مجابهة التشدد الذي يفتك بالعامة لن يكون بالإكثار من الجرعات الفلسفية، التي لن يفهمها القطب الثالث لخطاب التطرف (أفراد العامة البسطاء ذوو الصبغة الدينية والقدرات الذهنية المتواضعة). أما ما هو ناجع في نظري، فهو إتاحة النقد، وتشريع النوافذ مع الأبواب لدخول الهواء النقي من كل صوب، ليزيل بؤر العفن، التي لا تنشأ إلا نتيجة إقفال المنافذ، وتفشي الفطريات في الجوانب المظلمة.
كما أن لصرامة السلطة وسن الأنظمة الواضحة دورا في الحد من شراسة الخطاب المتشدد، الذي تنعشه السلطات الضعيفة المضطربة، والبيئات التي تغيب فيها الأنظمة، أو تكون متقلبة وغير قابلة للتطبيق على الجميع.
* هناك من يقول بأن المشهد الثقافي في السعودية منذ التسعينات تحديدا كان شحيحا معرفيا.. كل نتاجه عبارة عن سجالات حول المفاهيم الوافدة، وردود فعل، وصراعات حزبية، دون نتاج ثقافي متكامل؟ ما رأيك؟
ـ المشهد الثقافي منذ التسعينات له لون واحد دون شك، وبالطبع كان شحيحا فيما يخص المعرفة المثمرة، لكنه بالنسبة إلى المتطرفين وأنصاف المتشددين لم يكن سيئا، فقد عاشوا في ذلك العقد أزهى عصورهم، قمعوا في ذلك الزمن من سواهم، واستفادوا من خلاياهم التي كونوها في التعليم خلال عقد الثمانينات. وعندما سولت «القاعدة» لنفسها حرب السعودية بالتفجيرات بدءا من 2003م، شنّت السلطات حربا على مصادر تغذيتها المالية والفكرية؛ مما جعل ذلك التيار يفقد تعاطف المؤسسات الرسمية والمخلصين من المواطنين معه، فلم يبق معهم سوى «الأمميين»، الذين لم يؤمنوا بالوطن في أي حين.
نعم، هي سجالات عن غرابة العلوم والحياة بكاملها عن الدين الإسلامي، وعدم مواءمتها للشريعة، لكنها كانت من طرف واحد؛ فهم من كانوا يقولون ويكتبون، ويأمرون وينهون فيما أطلقوا عليه بصفة عامة «أسلمة العلوم»، حتى انتشرت عنهم الطرفة الخاصة بتدريس الرياضيات: «الخطان المتوازيان لا يلتقيان إلا بإذن الله، وإن التقيا فلا حول ولا قوة إلا بالله»!



ماهر شفيق فريد... ناقداً

ماهر شفيق فريد
ماهر شفيق فريد
TT

ماهر شفيق فريد... ناقداً

ماهر شفيق فريد
ماهر شفيق فريد

لم أُحصِ عدد المقالات التي كتبها ماهر شفيق فريد، الأكاديمي والمترجم والناقد المصري واسع العلم غزير الإنتاج، الذي أثرى الحياة الثقافية بإسهاماته المتنوعة منذ ستينات القرن الماضي وحتى اليوم، إذ يخطو في عقده التاسع. والأرجح أنها تُحصى بالمئات لا العشرات. فماهر شفيق هو آلة مبرمجة لأداء عملين هما القراءة والكتابة. وإن كنا نميل لاعتبار وصف الإنسان بالآلة نوعاً من التحقير، فليس أبعد من هذا عن قصدي. إنما أستعير من أوصاف الآلة النظام الصارم، ودقة العمل على مدار الساعة بغير كلل، وغزارة الإنتاج. ومن الصفات الآلية في كتابة ماهر شفيق الالتزام بتركيب أو بناء بعينه لمقالاته مهما اختلفت الموضوعات. قرأت، في الآونة الأخيرة، ما لا يقل عن مائة من مقالاته المنشورة عبر عدة عقود زمنية، ما يسمح لي بأن أستخلص بعض القواسم العامة منهجياً وفكرياً لديه في كتابة المقالة النقدية.

أول ما يعنّ لي من ملاحظات هو اتساع مجالات الاهتمام من عصر الإغريق والرومان إلى عصرنا الحديث وما بينهما. وعلى الرغم من تخصص الكاتب في الأدب الإنجليزي، فإن إحاطته بالمشهد الثقافي المصري بكل تفرعاته، منذ بداية عصر نهضتنا الحديثة في أواخر القرن التاسع عشر وحتى اليوم، مدهشة في شمولها، فهو يُعدُّ بحق نموذجاً للمثقف العام الذي ينهل من تخصصه الأجنبي ليصبّ في المجرى العام لثقافة بلده رافداً إياها في كل اتجاه. كما تنمّ مقالاته عن دراية تاريخية بالتراث الثقافي العربي والإسلامي ينضح بها محتوى كتاباته وأسلوبه ومفرداته جميعاً.

لماهر شفيق في مقالاته منهج متواتر يتمثل في التزامه شبه الدائم بالعودة إلى النماذج الأولى والمقاربات السابقة وأصول الأنواع الأدبية، وهو ضرب من ضروب الالتزام بأداة المقارنة في النقد، تُعينه عليه قراءاته الواسعة وقدرة ذاكرته الجبّارة على الاحتفاظ بما يقرأ واستدعائه حسب المقام. أما عن منهجه النقدي فأحسب أنه بقي عمره ممارساً مخلصاً للقواعد النقدية التي سار عليها ت. س. إليوت من اعتماد التحليل والمقارنة أداتين رئيسيتين للنقد، وما أضافه إلى ذلك أصحاب مدرسة «النقد الجديد» في أميركا وأضرابهم من الإنجليز الذين سيطروا على الفكر النقدي من ثلاثينات القرن الماضي إلى ستيناته. ظل ماهر شفيق في نقده على مسافة آمنة من البنيوية والتفكيكية وما بعد الكولونيالية وسائر الصراعات النقدية التي استشرت بين الأكاديميين في العقود الأخيرة وما زالت.

عنده أيضاً ما يمكن تسميته الولع الببليوغرافي. هو كاتبٌ مُحصٍ، مُعِدٌّ للقوائم، مُثبتٌ للعناوين، مُدرِجٌ لتواريخ النشر. هو حُلم كل كاتب أن تنجو أعمالُه من النسيان، حُلم كل شاعر ألا تضيع قصيدة من قصائده ولو كانت غثّة. لكن ما السر في هذا الولع الببليوغرافي عند الكاتب؟ لا أظنُّه هوساً مَرضياً، ولا أظنُّه وُلد بمورِّثات أرشيفية. الأمر عندي أن ماهر شفيق الناقد لا يحب النظر إلى كاتب أو قاصّ أو شاعر إلا باعتباره كلاً واحداً، باعتباره مجموعَ إنتاجه، وليس عدة أعمال متفرقة في مراحل حياته وكأنها صادرة عن أشخاص مختلفين، وأنه لا ينظر إلى ما كُتب عن أديب بعينه من نقد باعتباره متفرقات بلا رابط من فريق لا يجمع بين أفراده جامع، ولكن باعتباره محاولات متعددة لفهم كاتبٍ بعينه أو عمل بعينه، يسهم كل منها بشيء في محاولة الفهم. فالنقد جهد تعاضدي تراكمي.

ماهر شفيق أستاذ الإنجليزية يكتب ويترجم في لغة عربية جزلة أنيقة واضحة، لا يكتب بتقعر أكاديمي ولا ينزلق إلى وهاد المصطلحات الكهنوتية التي تفتن بعض الأكاديميين بينما تعزلهم عن المثقف العام، لكنه لا يتدنى إلى لغة الصحافة السيّارة. وهو يكتب النقد الأدبي كما لو كان يبدع الأدب، ما يُذكِّر بجيل الرواد، أمثال عباس العقاد وطه حسين ومحمد حسين هيكل ولويس عوض ومحمد مندور وحسين فوزي وغيرهم.

ومن خصائص المقالة النقدية عنده أن يختمها بتعداد أخطاء النحو والأسلوب لدى الكاتب موضوعِ النقد. قد يكون أنفق جُلَّ المقالة يعدِّد مناقبه الفكرية والأدبية وغزارة علمه وطلاوة أسلوبه وما أسَّس من مجلات عظيمة أو حبَّر من كُتب ستبقى على مر الزمن وأفضاله على الجيل وعلى هذا النوع الأدبي أو ذاك، لكن شيئاً من هذا لن ينفعه حين تحين ساعة الحساب النحوي أو التدقيق الإملائي أو الأسلوبي في آخِر المقالة.

مِن مجموع المقالات يمكنك أن تستخلص أن ماهر شفيق يمكن ضمه إلى قائمة الكُتاب المصريين الحائزين لقب «عدو المرأة»، يقفز إلى الذهن اسما عباس العقاد وتوفيق الحكيم، ولكن في حالة ماهر شفيق الأمر ليس بهذا الوضوح، فليس في المقالات المائة التي أعتمد عليها هنا مقالة واحدة مكرَّسة للهجوم على المرأة أو بخْس حقوقها، لكننا نجد إشارات وتلميحات وعبارات تُلقى جزافاً في كثير من النصوص تشي بنزعة ذكورية بطركية متعالية على النساء. انظر مثلاً كيف أنه في مقالة له عن الناقد والأكاديمي «عز الدين إسماعيل» يصف أسلوبه النقدي بأنه يتسم «بنبرة رجولية حازمة»، وهو تعبير ينم على نزعة ذكورية مستهجِنة نحو المرأة. فالحزم صفة بشرية عامة تُنسب للرجال كما تُنسب للنساء. وفي مقالة بعنوان «ثلاثة دواوين وشاعر» يُعرّض بشعراء قصيدة النثر تعريضاً عاماً، لكنه يضيف تعميماً بلا أسماء يخص فيه الإناث منهم بكونهم «أبعد ضلالاً، وأقتل لدغةً، من الذكور». وقِسْ على هذا كثيراً في ثنايا مقالاته وبعض كتبه، لكنك أيضاً ستجد مدحاً لهذه الكاتبة أو تلك، لهذه الأكاديمية أو تلك، لأستاذةٍ له من الماضي أو أخرى، ما يقطع بأن مظلته الذكورية تقبل أن تتفيأ تحتها بعض النسوة الفرادى، مُستثنَياتٍ من الاستهجان العام.

على امتداد حياته في أروقة الجامعة وفي الساحة الثقافية العامة، كان ماهر شفيق - ولا يزال - قوة إيجابية معطاءة، حمل الشعلة غير هيّابٍ من أجيال التنوير السابقة على مدى القرنين السابقين، ومثلما كانوا لا تجده محصوراً في تخصصه الأكاديمي، فهو في كل مكان، في كل عصر، في كل ثقافة، في كل لغة، يقيم الصلات ويربط الوشائج. إنه من بقايا جيل المثقفين المتلاشي الذي كان يؤمن بوحدة الثقافة الإنسانية، والذي اصطلحنا على تسميته المثقف الموسوعي، وهو ما يجعله عملةً نادرة في عصر التخصصات الدقيقة والتفتت المعرفي، تجده حريصاً على التراث قدر حرصه على التجديد، منفتحاً على الثقافة الغربية قدر حرصه على الخصوصية المصرية والعربية وقدرتها على تمثل الملقِّحات الغربية. لكن هل فينا جميعاً بذرةٌ من المحافظة والرجعية تنمو داخلنا كلما تقدَّم بنا العمر؟ ألم نشهد كثيراً من مجدِّدي الشباب يصبحون محافظي الشيخوخة؟ ألم نرَ العقاد الثائر على الإحيائيين في شبابه يرفض شعر التفعيلة في شيخوخته ويُحيل شعر صلاح عبد الصبور إلى لجنة النثر في المجلس الأعلى للآداب والفنون للاختصاص؟

انظر إلى ماهر شفيق مثلاً في مقالة له عن القصاص «إبراهيم المصري (1900-1979) رائد القصة التحليلية»، حيث يصف أسلوبه بأنه «جزل اللفظ، مستحكم القوة. إن في نثره العضلي فحولة وقوة يفتقدها المرء في قصاصي عصرنا، مثلما يفتقد في شعر حلمي سالم ومحمد آدم وعبد المنعم رمضان - أكبر ثلاثة شعراء في جيلنا - فحولة البارودي وشوقي وحافظ والجارم». تأملْ وصف الأسلوب «بالفحولة» و«العضلية»، ما يُذكِّر بوصفه أعلاه لنقد عز الدين إسماعيل «بالرجولة الحازمة». تأملْ أيضاً تعريضه مروراً بشعراء الجيل الحاضر؛ لأن لغتهم تفتقد «فحولة» جيل الإحيائيين. أحقّاً يريد لحلمي سالم وجيله أن يكتب بلغة البارودي وشوقي وحافظ الذين كانوا يكتبون بلغة شعراء العصر العباسي؟في الختام، قد نتساءل: تُرى أين يقف ماهر شفيق فريد آيديولوجياً؟ أظنُّه سؤالاً مشروعاً، فلكل إنسان، ناهيك بأن يكون كاتباً، موقف آيديولوجي معلَنٌ أو مُضمَّن. لم أجد في المقالات المائة موقفاً آيديولوجياً معلَناً. على أن ناقدنا لم يتردد، على الأقل، في إعلان صريح عما هو ليس آيديولوجيته، إذ كتب، في مفتتح مقالة له بعنوان «لطيفة الزيات والنقد الإنجليزي الحديث»: «فلأقلْ، بادئ ذي بدء (...) إني فكرياً أختلف مع منظور الالتزام اليساري الذي تُمثله كتابات لطيفة الزيات، كما تُمثله (...) كتابات سلامة موسى، ومحمد مندور، ولويس عوض، وعلي الراعي، ومحمود أمين العالم، وعبد العظيم أنيس، وعبد المنعم تليمة، وسيد البحراوي، وأمينة رشيد، وإدوار الخراط، وغالي شكري، وصبري حافظ، وفريدة النقاش، وأمير إسكندر، ورضوى عاشور، وبشير السباعي، وفاروق عبد القادر، وألفريد فرج، ورمسيس يونان... إلخ إلخ». يا لها من قائمة! مَن مِن مفكري مصر ومبدعيها ونقادها وأكاديمييها لم تشمله هذه القائمة؟ وإن كان ماهر شفيق يقف بمنأى عن كل هؤلاء، فأين يقف؟ لا أملك إلا أن أسأله: فأين إذًا تلتزم فكرياً؟ لا أراك يمينياً. كتاباتك تنضح بحب الناس وحب الحرية الفكرية وبالروح الليبرالية (ما عدا فيما يتعلق بالنساء). وأظنُّك لا تجد بأساً في العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص والتضامن الاجتماعي والفصل بين الدين والدولة. وفي ظنِّي أن مَن اجتمعت له هذه المبادئ لن يكون إلا يسارياً، وإن كره التسمية. هناك فارق بين الروح اليسارية، وبين الإيمان اليساري الكتابي أو الفقهي الذي يعيش ويفكر ويكتب بالشرائع الماركسية والسنن اللينينية وما أشبه. أعدّكَ في زمرة الروح اليسارية العامة، لا يسارياً سلفياً. وإن لم ترضَ بهذا فإني لأخشى عليك من صقيع الانعزالية.

يكتب فريد النقد الأدبي كما لو كان يبدع الأدب ما يُذكّر بجيل الرواد أمثال عباس العقاد وطه حسين ومحمد حسين هيكل


هل العربية عرقٌ أم لسان؟

هل العربية عرقٌ أم لسان؟
TT

هل العربية عرقٌ أم لسان؟

هل العربية عرقٌ أم لسان؟

لم أتقبل قط فكرة أن هناك علماً ضاراً أو علماً لا ينفع، وظللتُ وفياً لفكرة العلم بالمطلق، ولكن حدث أن سمعت مقاطعَ تتالت عليَّ مصادفة للعالم الجليل بشار عواد معروف (رحمه الله)، وكأنها تدقّ جرس تنبيه لي من غفوة علمية غلبت عليَّ العمر كله، لتكشف لي خطل ظني بأن ليس هناك علمٌ ضار.

وهنا أعدتُ النظر في قناعتي، لأرى أمامي عالماً وباحثاً جسوراً ومخلصاً لشرطه العلمي الذي نذر نفسه له وخدم التراث العربي تحقيقاً وبحثاً ودراسة، لكنه وقع في فتنة العلم، وهو ما تكشف عنه تلك المقاطع التي تصادفت كلها بأنها عن قضية واحدة حول مقولات لباحثين عرب ومستشرقين تقول إن عدد الباحثين العجم أكثرُ من العرب في خدمة القرآن واللغة العربية. والمقصود بالعجم هنا هم المستعربون ممن خدم العربية والإسلام. والقول إنهم هم الأكثر لا يثير عندي أي حساسية علمية ولا قومية، وكنت وما زلتُ أباهي بمثل هذا القول، وأراه مزية وليس مثلبة نسعى لنفيها عن سوء ظن منا بأنها تهدم هرم الثقافة العربية.

وكان بشار عواد وعمه ناجي من المتحمسين وباذلي الوقت والجهد لنفي هذه الدعوى.

وقبل الخوض في هذه الفتنة، أود التأكيد على رأيي في أن المعروفين معاً عالمان بارزان وعميقان ومخلصان، لكن تحرّجهما من أعجمية مَن خدموا لغتنا وتراثنا لن تكون إلا فتنة علمية. وأستطيع مقارنة هذه الدعوى بافتراض دعوى بأن اليهود والأفارقة هم من صنعوا أميركا؛ فتشومسكي يهودي، وكيسنجر يهودي، ومارتن لوثر كينج أفريقي، وترمب نفسه ابن مهاجرَين، أحدهما من قرية في اسكوتلندا، وزوجته (أم ترمب) من قرية في ألمانيا، وكذلك فلغة أميركا مستعارة من الإنجليز. وهذه معلومات صحيحة من جهة ومغلوطة من جهة أخرى؛ فالإنجليزية تأمركت، والشخوص المذكورون هنا تأمركوا، ولم يعد العرق ولا الدين ولا اللون ولا اللكنة تُلغِي كونهم أميركيين، وأميركا كلها قامت على المهاجرين الذين لا يمتون لها بعرق ولا لون ولا لغة. ولكن كل منجز يتحقق منهم هو منجز أميركي بالحتمية الثقافية؛ فالثقافة نسب ومعنى وجذر معنوي يصنع ويعلي كل قيمة. وقد كان لنا مثالٌ مجيد من العصر العباسي بكل نماذجه الشعرية واللغوية والفلسفية والفقهية، وكلها تتداخل فيها الأعراق وألوان الوجوه ولهجات الألسنة وتعدد المشارب داخل بنية كلية شاملة. ومنجزاتهم كلها هي منجزات عربية في حقبة عربية مجيدة. ومنهم الفارسي والرومي، ومن الأعراق القديمة من شعوب ما بين النهرين وشمال أفريقيا.

ولابن خلدون مقولات حاسمة هنا، وهي أن العرب أنواعٌ، هم كالتالي:

1 - العرب العاربة

2 - العرب المستعربة

3 - العرب التابعة للعرب

4 - العرب المستعجمة.

وعبر هذا التصنيف، فإن مَن خدم تراثنا وثقافتنا لن يخرج عن واحدة من هذه الفئات. حتى إن مصطلح المستشرقين بات اليوم يُستبعَد، ويحل محله مصطلح المستعرب، وذلك لأن كلمة مستشرق أصبحت موشومة ومرتبطة بالاستعمار، وأحياناً تتلبس بتهمة التجسس.

وأهم من ذلك الحديث الشريف «ليست العربية بأب لأحدٍ منكم أو أمّ، وإنَّما هي اللسان؛ فمن تكلم العربية فهو عربي»، وإن شكك بعض المحدّثين بصحته، فقد أثبته بعض آخر، لكن الجميع يتفقون على مطابقة معناه للقيم الإسلامية الجوهرية، ومن ثم صحته كمعنى وقيمة.

وإن كان العجم هم الأكثر، فهذا أعظم منجَز يتحقق لثقافتنا وديننا ولعقليتنا، وإن حاول بعضنا نفي ذلك، فإنهم يضعون علمهم ومهاراتهم في متاهة عبثية لا معنى لها، وهي خلط مشين لا وجه له، وهذه هي الفتنة الخادعة.

ثم لنفترض أننا طرحنا سؤالاً عن العرب الذين يغطون خريطة الجامعة العربية اليوم، وهل شعوب المنطقة كلها عربٌ بشرط العرق أم هم أجناس عرقية وثقافية متنوعة تجمعها اللغة وهوية المعنى والقيمة؟ ولو كانت العروبة بالعرق للزمنا إثبات عروبتنا بالفحص الجيني.

والواقعي أن كل باحث ومعجمي ومحدث وفقيه وفيلسوف يكتب بلغتنا ويشتغل بفكرنا فهو عربي بالانتماء الثقافي وبالمنتج العلمي. والثقافة سلوك ذهني وعملي يتجلى أبرز ما يتجلى في اللغة التي هي بوتقة صاهرة تذيب كل التمايزات العرقية واللونية والدينية، ولا معنى للسؤال عن العرق هنا.

ولا شك أن للعلم جوانبه السالبة، وقد تحدث فتنة العلم نتيجة لنوع من التخمة العلمية حين يستولي علمنا على أذهاننا، ومن هذا قصة طريفة ودالَّة عن العالم الجليل محمود شاكر، وحدثت القصة عام 1980 في مكتب صلاح عبد الصبور بـ«الهيئة المصرية العامة للكتاب»، وقد صدر وقتها العدد الأول من مجلة «فصول»، وهي مجلة متخصصة بالنظرية النقدية الحداثية، ووقعت المجلة بيد الشيخ محمود شاكر، وحين تصفحها صدمته مصطلحاتها النقدية ونظرياتها التي رآها حالة عجمة وليست حالة علمية، وجاء للمكتب وبيده المجلة، وهزَّها أمام وجه صلاح، وقال بصوته القوي والبليغ: «أنا لم أفهم كلمة واحدة مما نشرتم هنا؛ فهل تتصورون أي قارئ شاب سيفهم عنكم...؟!!»، وكانت المجلة تصدر عن «الهيئة المصرية للكتاب»، وعبد الصبور هو المسؤول عنها، واختار صلاح أن يقدّر عِلْم شاكر ومقامه فقال له: «معاك حق يا مولانا»، وحين خرج الأستاذ شاكر علق عبد الصبور على الحدث بقوله: «هذا رجلٌ أضرَّ به علمه». وقد سمعتُ القصة من صلاح فضل، حيث كان حاضراً حينها، وهو أحد أعضاء هيئة تحرير المجلة، رحم الله الجميع.

وهذه حالة خبرتها عند كثير من سلفنا من الباحثين العرب، والعنت الذي كنت أراه عندهم مع النظريات النقدية الحديثة؛ إذ ضاقت صدورهم بعلمٍ لم يألفوه فاستوحشوا منه.

تلك أمثلة توضح أن ما نكتسبه من علمٍ يتجذر فينا حتى ليستحوذ على أذهاننا ويدير رد فعنا. وكل جديد يأتي بغير ما يتسق مع أنظمتنا الذهنية، فإن هذه الأنظمة ستشكل سياجاً ضد الطارئ المتحدي لقناعاتنا العميقة. وهنا نقول عن فتنة العلم بمثل ما نقول عن فائدة العلم.


الدخول في المتاهة العراقية قبل الفتح العربي ــ الإسلامي

الدخول في المتاهة العراقية قبل الفتح العربي ــ الإسلامي
TT

الدخول في المتاهة العراقية قبل الفتح العربي ــ الإسلامي

الدخول في المتاهة العراقية قبل الفتح العربي ــ الإسلامي

أثارت الكتب الثلاثة التي ألفها المؤرخ البريطاني فيليب وود عن سوريا والعراق في نفسي، ذلك السؤال الذي ظل غائباً عن الذهن طويلاً: ماذا جرى للعراق بعد سقوط بابل على يد الإمبراطور الأخميني، قورش الكبير، عام 539 ق.م. حتى الفتح العربي - الإسلامي عام 637؟

أسأل الأستاذ فيليب: هل هناك صورة واضحة عن التنوع الإثني للعراق خلال تلك الفترة الممتدة لأكثر من ألف سنة، عدا عن كون اللغة التي سادت آنذاك هي الآرامية؟

يجيب: «أنا مهتم جداً بمعرفة الهوية الإثنية أو الدينية في ذلك الوقت، وهذا لأن الحكام الساسانيين أو المسلمين الذين أعقبوهم، لم يكونوا مهتمين بذلك الجانب».

على ضوء ذلك، يرى وود أن الدولة العراقية الحديثة (خصوصاً خلال حكم صدام حسين) كان لديها حرص على اعتبار أن العراقيين كانوا جميعاً عرباً، وهذا مخالف للواقع. «على سبيل المثال، أنت تجد أهل الحلة يتكلمون العربية القريبة للجماعات البدوية، ولكن ذلك لا ينطبق على سائر العراق، فكما تعلم أن العربية العراقية هي نفسها متنوعة داخلياً، فالعربية التي يتكلمها المسيحيون واليهود في بغداد خلال الخمسينات من القرن الماضي، كانت أقرب إلى العربية السائدة في الموصل منها إلى العربية التي يتكلم بها البغداديون المسلمون... لذلك فإن العراق كما أرى، كان متعدد الإثنيات والديانات بشكل يجعل من الصعب اليوم استكشافه... هناك بعض منها له أصواته، بينما ربما مجموعات دينية محلية كثيرة أصبحت منقرضة، بحيث أصبحت غير سهلة علينا الكتابة عنها».

ولعل الحالة مماثلة، أو أكثر قليلاً، مع اللغة الآرامية السائدة في العراق عشية الفتح العربي - الإسلامي.

تعلم اللغات المحلية

يجرنا الحديث إلى مشوار تعلمه اللغة العربية. أسأله: ما الذي دفعك إلى تعلم لغة معقدة كلغتنا؟ فكأن السؤال أثار ذكريات محببة إلى نفسه قضاها في دمشق.

خلال فترة الزمالة الدراسية التي حصل عليها لما يعرف بـ«ما بعد الدكتوراه»، تبلورت في نفسه قناعة بأنه سيحتاج إلى تعلم العربية جنباً إلى جنب مع السريانية (التي هي واحدة من لهجات اللغة الآرامية)، وإذا كان فيليب قد تعلم قسطاً مهماً من الأخيرة خلال سنوات دراسته للدكتوراه، فإنه شعر وهو يشاهد المصادر الكثيرة المترجمة عن العربية في مكتبة الكلية التي انتسب إليها خلال تلك الفترة الواقعة بين عامي 2010 و2012، بضرورة تعلم هذه اللغة، فقد أدرك أن كثيراً من الدراسات المعنية بالإرث المكتوب بالسريانية، يهمل الدراسات السياسية والثقافية الأوسع. وقد شعر فيليب وود بأن السريانية تكون مفهومة أكثر عند تحاورها مع لغة أخرى: السريانية مع الإغريقية أو السريانية مع العربية.

لذلك لم يكن أمامه خيار سوى العثور على مدرس خاص يبدأ معه أولى الخطوات: «كان بروفسوراً متقدماً كثيراً في السن، وراغباً في تعليمي قواعد العربية من دون قاموس... كان مسرفاً في التدخين، وهو مهتم فقط بالفلسفة لكنه كان لطيفاً جداً معي».

في دمشق سجل فيليب بمعهد يقع في منطقة المزة، خاص بتعليم العربية لغير الناطقين بها، لكنه كان محظوظاً بعثوره على مدرس فلسطيني. «كان شخصاً عظيماً ومدهشاً ورائعاً»، يردد مبتسماً: «قال إنه لن يعلمني الفصحى فقط؛ بل هو طلب مني أن أبدأ بالكتابة بالعربية، طلب أن أكتب عن أي موضوع أريده، لذلك كتبت شيئاً عن السياسة المعاصرة، أو اكتشاف أميركا أو عن فيلم بريطاني... كانت طريقته أن يصحح لي أسلوبي، ويجعلني أقرأ بصوت عالٍ من كتاب، ثم نبدأ بالجدال حول موضوع ما. كنت أقدم عرضاً ما فيهاجم وجهة نظري ويدفعني كي أدافع عنها... كان يدخن باستمرار... وكان عليّ دائماً أن أزيل الرماد من أوراقي».

في مساء كل خميس، كان مدرس فيليب ينظم حفلات؛ فهو عضو في تنظيم يساري، فيلتقي خلاله برفاقه الشباب. «بعد العمل، كان يطبخ، وكنت أساعده في إعداد العشاء... كان وقتاً ممتعاً جداً... درّسني العربية مدة ستة أشهر في دمشق، وكنت هناك من وقت إلى آخر».

الموسوعي أدّاي شير

أسأل: «هل يمكنك إضاءة ما دار في مدينة سِعِرْت التي ذكرها عدد من المؤرخين المسلمين؛ مثل ياقوت الحموي والمقدسي وابن الأثير، باسم آخر هو (سِعِرْد)؟».

«هي مدينة تقع في شرق أناضوليا، ومكتشف الحولية (التي كانت موضوع كتابي الثاني) رجل اسمه أدّاي شير الذي كان رئيس الأساقفة في سِعِرْت، وهو الذي نقّحها وترجمها للفرنسية، وقد أُرسلت لحسن الحظ إلى الموصل قبل مقتله خلال الإبادة الجماعية التي ارتكبت عام 1915 على يد جماعات غير نظامية من الأتراك والكرد».

«كان من المفترض أن المكتبة أخفيت في بئر داخل منشفة»، يقول فيليب، «لكن لم يتم العثور عليها... وكان شير قد وضع فهرساً لهذه المخطوطات، قبل تدميرها. وهذا الفهرس يضم ملاحظات عديدة عن تلك النفائس غير القابلة للتعويض».

«كان شير فصيحاً في العربية والفرنسية والسريانية والتركية. لهذا السبب كان ذلك عالمه. لذلك أكملت - مع صديق هو مايل بونر - ترجمة مخطوطة الفهرست والهوامش التي كتبها والتعليق عليها، وستتولى دار النشر (كرومات) إصدارها بالإنجليزية».

كأن هذا الحوار الطويل مع البروفسور فيليب وود أثار في مخيلتي صورة العراق في تلك الحقبة الفارسية - الإغريقية: نخب صغيرة متفرقة في أماكن عديدة، وتيارات دينية متعددة، ولهجات مختلفة للغة نفسها: الآرامية؛ هناك الآرامية المندائية، والآرامية السريانية، والآرامية البابلية التي كان اليهود يتحدثون بها، والآرامية المانوية. من بين الحركات الدينية الكبرى التي ظهرت خلال تلك الحقبة كانت المانوية في القرن الثالث الميلادي، كما يقول وود، وهذا يتوافق مع ما جاء في رواية أمين معلوف «حدائق النور» المكرسة لحياة ماني.

استخدم ماني اللغة الآرامية في تأليف ما عُرف بـ«التراتيل المانوية» التي قال عنها فيليب «إنها آسرة».

علق محاوري على اللهجات المختلفة للآرامية، مستنداً إلى سليمان البصري مطران مدينة البصرة في القرن الثالث عشر، الذي قال إن هناك 12 لهجة آرامية تمتد ما بين سيناء والبصرة، لكن قد تكون اللهجات التي يتحدث بها الناس في الهلال الخصيب أكبر بكثير من هذا الرقم.

وأشار فيليب وود إلى أن «اللغة الآرامية المسيحية لغة مناسبة متطورة، وهي بمثابة الفصحى بالنسبة للناس الذين يتحدثون بلغة أخرى في الحياة اليومية، وهذه العملية حدثت أيضاً للمندائية حين أصبحت اللهجات الآرامية (آرامية مندائية). والشيء نفسه مع الآرامية المانوية، ولغات غيرها كان لها تاريخ باعتبارها لغات محلية، ثم أصبحت تُعرَّف بدين محدَّد، وبذلك أصبحت صيغاً معيارية مرتبطة بجماعات دينية».

مكان تدوين حولية سِعِرْت

أسأل فيليب عن مكان تدوين الوقائع التي تضمنتها هذه الحولية بالذات. «كثير مما حدث وكُتب عنه في الحولية، كان في طيسفون (المدائن)». يجيبني البروفسور وود: «كذلك هناك كثير من النشاطات جرى على نهر دجلة. كثير من الوصف لأديرة تقع في شمال العراق، وأماكن أخرى. وأديرة كثيرة من المذكورة لا يمكننا تحديد مواقعها... طبعاً سيكون أمراً رائعاً لو كانت هناك خريطة جميلة مع أسهم ونقاط صغيرة ودقيقة أستطيع أن أحدد كل شيء بدقة عليها».

العراق الوثني

يحضرني هذا السؤال: كيف كان لقاء الفاتحين العرب الذين أغلبهم من قبائل بدوية أو شبه بدوية، بالعراقيين الذين كانوا بالدرجة الأولى فلاحين؟

«حين فتح العرب المسلمون العراق، كانوا يسخرون ممن أطلقوا عليهم بالنبط الذين هم من دون أصول قبلية مثلهم، والذين لا يستطيعون التفاهم مع أحد خارج قريتهم. كثير من السكان آنذاك كان يتحدث بلهجات مختلفة من اللغة الآرامية، مع مجموعات دينية محلية كل واحدة منها قد لا تكون لديها آصرة مع غيرها، ثم تم جمعهم على يد فاتحين متعددين، مثل الفرس ثم العرب».

يستنتج وود موضحاً: «إذن بمعنى ما نحن نتكلم عن العراقي... هذه تصنيفات استخدمها الحكام، وربما لم تكن مدرَكة من قبل السكان أنفسهم؛ إذ لم تكن هناك هوية مشتركة يقر بها الفاتحون».

مع ذلك، فأمام النظرة الفوقية للفاتحين الجدد القادم أغلبهم من البوادي والصحارى، جاء الرد عبر كتاب «الفلاحة النبطية» لابن وحشية النبطي، «حيث تكلم فيه عن معتقدات ومعرفة الكلدانيين، ووصف نفسه بأنه كلداني اعتنق الإسلام».

وتضمن كتابه، الذي زعم أنه ترجمه عن السريانية، كثيراً من تراث قديم يعود إلى ما قبل سقوط بابل قبل أكثر من ألف سنة: أي إلى العراق الوثني. غير أن المادة الأساسية فيه، كما كشفت دراسات حديثة عنه، تعود إلى فترة متأخرة تقع بين القرنين الخامس والسادس الميلاديين، فهي تعكس تقاليد عراقية متأخرة جداً عن العصور السومرية أو الأكدية أو الآشورية البائدة.

يسلط هذا الكتاب الضوء على جوانب مهمة في ابتكارات سكان وادي الرافدين القدامى بدلاً من سيرة الملوك. إنه يثير أسئلة من هذا النوع: من اكتشف الزراعة؟ ومن غرس أول نخلة؟ ومن علّم الناس الري؟ ومن صنَّف أنواع التربة؟ كأن الروايات التي تضمنها الكتاب، كما يرى البروفسور فيليب وود، تكشف عن اهتمام ابن وحشية النبطي، مؤلف العصر الوسيط في العراق، بأصول المعرفة العراقية القديمة، وتكشف ما يميز هذا الخليط الواسع من الإثنيات والأعراق التي استوطنت وادي الرافدين طويلاً، عن الفاتحين الجدد. وهذا بالضبط ما جعل مترجم الكتاب الفنلندي هامين أنتيلا، أن يعدّه محاولة لإحياء ذاكرة العراق القديم وتراثه الزراعي والحضاري.

لكأن هذا السؤال يفرض نفسه عليّ، بعد هذا الحوار الشيق مع فيليب وود أستاذ التاريخ والأديان المقارِنة: كم تغير النسيج الاجتماعي المتنوع والمعقد للعراقيين اليوم عما كان عليه في أواخر العصور القديمة؟

كم تغير النسيج الاجتماعي المتنوع والمعقد للعراقيين اليوم عما كان عليه في أواخر العصور القديمة؟