إيران... من دومينو «كورونا» إلى دومينو السيول

الوفيات تقترب من ألفي حالة

زحمة السير في معبر شالوس الذي يربط العاصمة بمحافظة مازنداران وسط مخاوف من رحلات النوروز أمس (فارس)
زحمة السير في معبر شالوس الذي يربط العاصمة بمحافظة مازنداران وسط مخاوف من رحلات النوروز أمس (فارس)
TT

إيران... من دومينو «كورونا» إلى دومينو السيول

زحمة السير في معبر شالوس الذي يربط العاصمة بمحافظة مازنداران وسط مخاوف من رحلات النوروز أمس (فارس)
زحمة السير في معبر شالوس الذي يربط العاصمة بمحافظة مازنداران وسط مخاوف من رحلات النوروز أمس (فارس)

سجل «دومينو» فيروس «كوفيد – 19» أكبر إصابات يومية في إيران بنحو 1800 إصابة مؤكدة، في حين لامس عدد الوفيات ألفي حالة في نهاية الأسبوع الخامس على تفشي الوباء، لكن الأزمة مرشحة للتفاقم مع تقدم السيول في محافظات إيرانية عدة في وقت أثار رفض الحكومة مساعدة منظمة «أطباء بلا حدود» انتقادات داخلية واسعة.
وأودى فيروس كورونا المستجد بحياة 1934 شخصاً، بحسب آخر حصيلة رسمية أعلنتها وزارة الصحة أمس؛ إذ أكدت تسجيل 122 حالة وفاة جديدة، في الساعات الـ24 الماضية، وسجلت 1762 حالة إصابة جديدة، في رقم قياسي للإصابات في يوم واحد؛ ما رفع العدد الإجمالي للمصابين إلى 24811 شخصاً. وأفادت وكالة «إيسنا» الحكومية نقلاً عن جهانبور، أن عدد الوفيات في العاصمة طهران ارتفع بنسبة 13 في المائة، مشيراً إلى أن النسبة في بعض المحافظات أقل أو أكثر، وقال جهانبور، إن الوفيات تخطت في بعض المناطق المائة، مشدداً على أن تسجيل حالة وفاة بين كل 10 إلى 12 دقيقة. ودعت السلطات السكان إلى البقاء في بيوتهم «قدر الإمكان»» لمنع تفشي الفيروس، رغم رفض الحكومة فرض الحجر الصحي وتقييد الحركة.
وبينما يكافح الإيرانيون الفيروس ضربتهم سيول منذ الأسبوع الماضي، 19 من أصل 31 محافظة إيرانية. وقالت وسائل إعلام إيرانية، إنها سيول خلفت 12 قتيلاً و21 جريحاً، وحاصرت عشرات المدن والقرى وقطعت الطريق بينها. وقالت منظمة الهلال الأحمر الإيرانية، أمس، إنها قدمت مساعدات لـ9 آلاف إيراني تضرروا جراء موجه السيول.
إضافة إلى ذلك، تتزايد المخاوف من تأثير حركة السفر المكثفة بسبب عطلة رأس السنة الإيرانية التي تستمر حتى 3 أبريل (نيسان). واتخذت إيران تدابير وقائية أخرى مثل إغلاق المراكز التجارية. وبعد خمسة أيام عطلة، كان مقرراً أن تفتح الإدارات العامة أبوابها الثلاثاء، لكن جهانبور أعلن تقليص نشاط مؤسسات الدولة. ونقلت عنه وكالة الصحافة الفرنسية، أنه «سمح فقط لربع الموظفين العمل في مكاتبهم، وذلك يتعلق حصراً بالمهمات الإدارية الحيوية بالنسبة للسكان»، مضيفاً أن على العاملين الالتزام بمبدأ «المسافة الاجتماعية» في العمل.
وأفادت «رويترز» عن التلفزيون الإيراني، بأن الرئيس حسن روحاني أصدر تعليمات تسمح لنصف عدد الموظفين الحكوميين تقريباً بالبقاء في المنازل في إطار إجراءات احتواء تفشي فيروس كورونا. وقال، إنه تقرر أيضاً تمديد الإفراج المؤقت عن بعض السجناء إلى 18 أبريل، أو نحو ذلك لمكافحة الوباء.
وكان النائب الإصلاحي، محمود صادقي، قد وجّه انتقادات لاذعة لروحاني بسبب عدم إغلاق الدوائر. وقال في تغريدة، إن «نظرية المؤامرة أهم سبب في اتخاذ قرار المسؤولين، بينما يطالب الخبراء بما فيهم لجنة إدارة (كورونا) في طهران، باستمرار إغلاق الدوائر، لاحتواء (كورونا)، الرئيس لن يخضع للإغلاق من أجل هزيمة مؤامرة الأعداء للإضرار باقتصاد البلد». وسخر النائب في تغريدته من أول تعليق لروحاني بعد تفشي الوباء في إيران.

- الحكومة ترفض مساعدات «أطباء بلا حدود»
وأثار تراجع الحكومة الإيرانية عن ترخيص مستشفى متنقل لمنظمة «أطباء بلا حدود» انتقادات داخلية في إيران، بعد يوم من رفض المرشد الإيراني علي خامنئي مساعدات أميركية.
وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» الفرنسية، أمس، لوسائل الإعلام منعها من مواصلة العمل في إيران، غداة إعلان وزارة الصحة الإيرانية عدم حاجتها إلى مساعدات المنظمة الفرنسية.
وجاء الإعلان غداة تأكيد السفير الإيراني في باريس، بهرام قاسمي، إرسال المنظمة معدات وأجهزة طبية وأدوية لإقامة مستشفى متنقل بمدينة أصفهان في إطار مساعدات ترسلها جهات دولية، لمساندة الإيرانيين في مواجهة الوباء الذي انتشر على مدى خمسة أسابيع في أنحاء البلاد. وقالت المنظمة، الأحد، إنها تعمل على إقامة مركز طوارئ في محافظة أصفهان، يسع 50 سريراً، لعلاج الحالات الحرجة، على أن يعمل فيه 9 من أعضائها من فريق الرعاية الطبية الفائقة، مؤكدة قلقها البالغ من حجم الوباء في إيران.
أول من أمس، قال مستشار وزير الصحة، علي رضا وهاب زاده، عبر حسابه في «تويتر»، إنه «مع تنفيذ التعبئة الوطنية واستخدام طاقات القوات المسلحة كافة، لا حاجة في الوقت الحاضر إلى إقامة مستشفى على يد قوات أجنبية، هذا الحضور يتم إلغاؤه».
أتى ذلك، غداة رفض خامنئي عرضاً أميركياً بتقديم مساعدات إنسانية لإيران، متهماً واشنطن بـ«إنتاج» الفيروس. وعدّ أن جزءاً من الفيروس «مصمم خصيصاً لإيران...»، وقال محذراً «قد ترسل أشخاصاً كأطباء ومعالجين، ربما يريدون القدوم إلى هنا ورؤية تأثير السم الذي أنتجوه شخصياً».
وقال النائب محمود صادقي عبر حسابه على «تويتر»، إن «حساسية المتشددين إزاء حضور (أطباء بلا حدود)، على خلاف مزاعمهم، ليست بسبب مخاوف من مؤامرة الحرب البيولوجية؛ إنما هواجسهم أن يؤدي التعاون الدولي إلى تصدع جدار العقوبات».
وانتقد ممثل خامنئي ورئيس تحرير صحيفة «كيهان»، حسين شريعتمداري «ترخيصاً» حكومياً، بدخول للمنظمة الفرنسية إلى إيران، قائلاً، إن نشاطها «غطاء لأهداف غير إنسانية». وطالب شريعتمداري بمساءلة المسؤولين الذين وافقوا على إيفاد هذه المجموعة، وقال «يجب مساءلتهم... في حين فرنسا أثبتت عداءها (...) مرات عدة ضد الشعب الإيراني، ما هي ضمانات السادة الذين سمحوا لهذه الوفد دخول بلادنا؟». وأضاف «قد يكون تصوراً متشائماً... لكنه يأتي من الحذر. ليس غير لائق فحسب إنما شرط العقل».

- استمرار الدعوات الدولية لإرسال مساعدات
في الأثناء، طلبت مفوضة الأمم المتحدة العليا لحقوق الإنسان، ميشال باشليه، أمس «تخفيف أو تعليق» العقوبات الدولية المفروضة على إيران ودول أخرى خلال هذه «المرحلة الحاسمة» في مواجهة الوباء. وقالت وكالة الصحافة الفرنسية، إن باشليه «أشارت خصوصاً إلى حالة إيران». ونقلت عن باشيله، أن تقارير من منظمات مدافعة عن حقوق الإنسان شددت مرات عدة قبل انتشار الفيروس، على تأثير العقوبات على إمكانية الحصول على أدوية ومعدات طبية في هذا البلد، بما في ذلك أجهزة مساعدة على التنفس ومستلزمات الوقاية للطواقم الطبية. وشددت على أن الوباء في إيران يمتد ليصيب أفغانستان المجاورة ما يمارس ضغوطاً إضافية على نظامها الصحي الهش في الأساس.
قبل ذلك بساعات، قال وزير خارجية الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، إن الاتحاد سيدعم طلباً إيرانياً للحصول على قرض من صندوق النقد الدولي، داعياً في الوقت نفسه إلى إرسال مساعدات إنسانية إلى ايران لمساعدتها في محاربة الوباء، مؤكداً أن مثل هذه الخطوات لا تنتهك العقوبات الأميركية.
وقال بوريل بعد محادثات مع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي «سندعم هذا الطلب؛ لأن هذه الدول في وضع صعب للغاية لأسباب، من أهمها العقوبات الأميركية التي تمنعها من الحصول على الدخل عبر بيع نفطها». وأضاف «يجب إعادة التأكيد على ذلك؛ لأن الكثيرين يعتقدون أنه إذا شاركوا في هذا النوع من التجارة الإنسانية فيمكن أن يعاقبوا». وأضاف «هذا ليس صحيحاً، لكن وجب التأكيد عليه حتى يفهم الجميع أنه يمكنهم المشاركة في هذا النوع من المساعدة الإنسانية».
ويستعد الاتحاد لإرسال مساعدات إنسانية بقيمة 20 مليون يورو (21.5 مليون دولار) إلى ايران، حيث أودى الوباء بحياة أكثر من 1800 شخص.
ويختلف الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بشأن إيران منذ أن انسحب الرئيس دونالد ترمب فجأة من الاتفاق النووي الإيراني في 2018 وأعاد فرض العقوبات.
وقال وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو على «تويتر»، إن واشنطن لا تؤيد منح ايران قرض من صندوق النقد الدولي كانت طلبته إيران لمواجهة فيروس كورونا المستجد. وتملك الولايات المتحدة حق النقض في هذا المجال. واتهم ايران بتمويل «الإرهاب في الخارج»، كما اتهم السلطات الإيرانية بـ«الكذب» بشأن الوباء بعدما رفضت عرضاً أميركياً بالمساعدة.


مقالات ذات صلة

لقاح أنفي قد يحمي من «كورونا» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي في آنٍ واحد

صحتك اللقاح يُعطى عن طريق الأنف عبر رذاذ أنفي (أرشيف - أ.ب)

لقاح أنفي قد يحمي من «كورونا» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي في آنٍ واحد

طوَّر باحثون أميركيون لقاحاً جديداً قادراً على الوقاية من عدة فيروسات في آنٍ واحد، بما في ذلك «كوفيد-19» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

التطعيم يحمي الأم ووليدها

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)
صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«الحرس الثوري» الإيراني يؤكد قدرته على خوض «حرب ضارية» لـ6 أشهر

انفجار إثر غارات جوية بالقرب من مطار مهر آباد الدولي في طهران يوم أمس (ا.ف.ب)
انفجار إثر غارات جوية بالقرب من مطار مهر آباد الدولي في طهران يوم أمس (ا.ف.ب)
TT

«الحرس الثوري» الإيراني يؤكد قدرته على خوض «حرب ضارية» لـ6 أشهر

انفجار إثر غارات جوية بالقرب من مطار مهر آباد الدولي في طهران يوم أمس (ا.ف.ب)
انفجار إثر غارات جوية بالقرب من مطار مهر آباد الدولي في طهران يوم أمس (ا.ف.ب)

قال «الحرس الثوري» الإيراني، اليوم (الأحد)، إنه قادر على مواصلة «ستة أشهر على الأقل من حرب ضارية» ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، وإنه ضرب حتى الآن أكثر من 200 هدف أميركي وإسرائيلي في المنطقة.

ونقلت وكالة «فارس» عن الناطق باسم الحرس الثوري علي محمد نائيني قوله، إن «القوات المسلحة للجمهورية الإسلامية الإيرانية قادرة على مواصلة حرب ضارية لمدة ستة أشهر على الأقل بالوتيرة الحالية للعمليات».


أفريقيا وحرب إيران... «تحوط استراتيجي» خشية «الاصطفاف الكامل»

دخان يتصاعد بعد غارة جوية على وسط طهران 6 مارس 2026 (إ.ب.أ)
دخان يتصاعد بعد غارة جوية على وسط طهران 6 مارس 2026 (إ.ب.أ)
TT

أفريقيا وحرب إيران... «تحوط استراتيجي» خشية «الاصطفاف الكامل»

دخان يتصاعد بعد غارة جوية على وسط طهران 6 مارس 2026 (إ.ب.أ)
دخان يتصاعد بعد غارة جوية على وسط طهران 6 مارس 2026 (إ.ب.أ)

رغم بُعد ساحة الحرب الإيرانية الدائرة حالياً عن أفريقيا، فإن تداعياتها تمتد لمساحات جغرافية أبعد لتُعقد أزمات القارة أمنياً واقتصادياً، وتسهم بحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» في اتخاذ مواقف يغلب عليها «التحوط الاستراتيجي» خشية «الاصطفاف الكامل» مع أي من الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، أو طهران على الجانب الآخر.

وفور بدء الحرب، دعا رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، محمود علي يوسف، في بيان، إلى «ضبط النفس»، مُعرباً عن «قلقه البالغ»، إزاء ما وصفه بـ«التصعيد الخطير في الأعمال العدائية». وحذّر الاتحاد الأفريقي من تداعيات التصعيد التي «تُهدّد بزعزعة استقرار الاقتصاد العالمي واضطراب أسواق الطاقة، ما ينعكس سلباً على الأمن الغذائي». كما حذرت المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) من «عواقب وخيمة على السلام العالمي وسلاسل الإمداد» نتيجة «تفاقم عدم الاستقرار الإقليمي».

التحوط الاستراتيجي

بحسب الباحث المتخصص في الشؤون الأفريقية المقيم في الولايات المتحدة، إبراهيم إدريس، فإن «علاقات إيران الوثيقة مع بعض الدول الأفريقية تخلق شبكة مُعقّدة من التفاعلات التي تجمع بين الضغوط الدولية، والحسابات الأمنية، والتوازنات الاقتصادية، والعوامل الاجتماعية الداخلية». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن حرب إيران «لن تبقى محصورة في نطاقها الجغرافي، بل تحوّلت إلى مُتغيّر يُعيد تشكيل بيئة صنع القرار في أفريقيا، ويجبر الدول على إعادة تقييم موقعها في خريطة الاصطفافات الدولية».

وأوضح أن «الدول الأفريقية التي ترتبط مع إيران بعلاقات تاريخية أو اقتصادية تجد نفسها أمام معادلة دقيقة؛ الحفاظ على قنوات التعاون مع طهران من جهة، وتجنب الاصطدام مع القوى الغربية من جهة أخرى»، لافتاً إلى أن «هذا الوضع يدفع دولاً مثل تنزانيا وأوغندا إلى تبنِّي سياسة الحذر، بينما قد ترى زيمبابوي في عزلة إيران فرصة لتعميق التعاون معها، وإن كان ذلك محفوفاً بمخاطر العقوبات الثانوية».

أما جنوب أفريقيا، ذات الإرث الطويل في التعاون مع طهران، فتواجه معضلة أكثر تعقيداً تتعلق بضرورة الحفاظ على استقلالية قرارها الخارجي دون الإضرار بمصالحها الاقتصادية الواسعة مع الغرب، وفقاً لإدريس. وأكد «أن التطورات الراهنة تدفع العديد من الدول إلى تبنِّي سياسة التحوّط الاستراتيجي بدلاً من الاصطفاف، في محاولة للحفاظ على أكبر قدر من المرونة في بيئة دولية مضطربة».

وغلبت صيغة التحذير والإدانة والدعوة لضبط النفس على بيانات العواصم الأفريقية المختلفة، فأدانت كينيا والصومال وإثيوبيا الضربات الإيرانية على دول الخليج. وأعلنت السنغال رفضها استخدام العنف، داعية إلى «ضبط النفس وتغليب لغة الحوار». بينما أعربت جنوب أفريقيا عن «قلقها البالغ إزاء التصعيد»، ودعا رئيسها سيريل رامافوزا، في بيان، إلى الالتزام بمبادئ القانون الدولي. وقال إن «الدفاع عن النفس لا يُسمح به إلا في حالة تعرُّض دولة لغزو مسلح. أما الدفاع الاستباقي عن النفس، فهو غير مسموح به بموجب القانون الدولي، ولا يمكن أن يستند إلى افتراضات أو توقعات».

ودعت نيجيريا وغانا إلى ضبط النفس وخفض التصعيد، كما حثت أوغندا رعاياها على مغادرة الأراضي الإيرانية، بينما أوصت تنزانيا رعاياها في المناطق المتأثرة بالتوتر بممارسة أقصى درجات اليقظة والحذر.

دعوات لضبط النفس

وقال إدريس إن «التوتر في البحر الأحمر والقرن الأفريقي يؤدي إلى ارتفاع تكلفة التجارة وتعريض الممرات البحرية للخطر، ما يؤثر على اقتصادات تعتمد على هذه الممرات مثل إثيوبيا وتنزانيا»، مشيراً إلى أن «المشهد يزداد تعقيداً، مع الأخذ في الحسبان وجود تيارات متعاطفة مع إيران في غرب أفريقيا؛ ما قد يؤدي لتوترات داخلية حال تصاعد الصراع».

ردود الأفعال الأفريقية تراوحت ما «بين الدبلوماسية والدعوة إلى ضبط النفس، على مستوى المؤسسات القارية والإقليمية وبعض البلدان، واختارت دول موقف الحزم ضد طهران، بينما اختارت أخرى مبدأ القانون والنظام والسوابق الدولية، وعمدت ثالثة إلى مبدأ التحوط»، بحسب تقرير نشره دكتور مجدي محمد محمود آدم في مجلة «قراءات أفريقية»، أشار فيه إلى «حرص الدول الأفريقية على اختيار كلماتهم بعناية محاولين تجنّب استعداء أيٍّ من الطرفين».

لقاء بين رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد والرئيس الإسرائيلي إسحاق هرستوغ (حساب الرئيس الإسرائيلي على منصة إكس)

ويؤكد الرئيس التنفيذي لمركز (BRCSOM) للدراسات الاستراتيجية في الصومال، شافعي يوسف عمر، أن «تأثير الحرب لن يتوقف عند إيران، بل سيمتد حتماً ليغير خريطة شرق أفريقيا، ويخلق كيانات وهمية على الحدود، تمهيداً للسيطرة على الممرات المائية الاستراتيجية». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن هذا «أسوأ سيناريو كارثي كان بالإمكان تجنبه بالكامل لو توفرت الإرادة السياسية الدولية». وأضاف: «نحن في أفريقيا لسنا طرفاً في صنع هذه الحرب، ولم نُستشر في قراراتها، لكننا مع الأسف أول ضحاياها وأكثر المتضررين منها».

تداعيات اقتصادية وخيمة

منذ اندلاع الحرب، تتوالى التحذيرات في دول القارة من تداعياتها الاقتصادية على الأسعار وعلى سلاسل الإمداد الغذائي، لا سيما مع ارتفاع أسعار الوقود والتخوف من أزمة طاقة عالمية والتأثير في ممرات الملاحة الدولية.

«على الصعيد الاقتصادي، تؤدي الحرب إلى اضطراب أسعار الطاقة وارتفاع تكاليف الشحن؛ ما ينعكس مباشرة على الدول الأفريقية المستوردة للنفط، كما أن التوتر في البحر الأحمر يهدد سلاسل الإمداد، ويزيد هشاشة الاقتصادات الأفريقية»، بحسب إدريس.

بدوره، يلفت عمر إلى «تأثير الحرب على الصومال التي تعاني من موجة جفاف قاسية تهدد حياة 6.8 مليون إنسان، ترافقت مع ارتفاع الأسعار بفعل تأثير الحرب على سلاسل الإمداد»، كما يشير إلى أن «الحرب قد تزيد من عمق الصراعات الداخلية في إثيوبيا»، محذراً من استغلال التوتر الحالي في «إشعال المنطقة». وقال إن «الدول الفقيرة هي أول من يدفع الثمن عبر ارتفاع جنوني في الأسعار، وشُحّ في السلع الأساسية، وانهيار في سلاسل التوريد، وفوق هذا كله جفاف يضرب القرن الأفريقي، ويهدد ملايين البشر بالمجاعة».

وفي رأي الباحث المتخصص في الشؤون الأفريقية، فإن «تأثير الحرب الإيرانية لا يمكن فهمه بمعزل عن التداخل بين العوامل الخارجية والداخلية. فالدول الأفريقية ليست مجرد أطراف متلقية للضغوط الدولية، بل فاعلون يحاولون إعادة صياغة مصالحهم في بيئة عالمية مضطربة».


تخبط إيراني حول استهداف دول الجوار

ألسنة لهب وأعمدة دخان تتصاعد بكثافة من محيط مطار مهر آباد في غرب طهران(شبكات التواصل)
ألسنة لهب وأعمدة دخان تتصاعد بكثافة من محيط مطار مهر آباد في غرب طهران(شبكات التواصل)
TT

تخبط إيراني حول استهداف دول الجوار

ألسنة لهب وأعمدة دخان تتصاعد بكثافة من محيط مطار مهر آباد في غرب طهران(شبكات التواصل)
ألسنة لهب وأعمدة دخان تتصاعد بكثافة من محيط مطار مهر آباد في غرب طهران(شبكات التواصل)

برزت مؤشرات على تخبط داخل مؤسسات الحكم في طهران بشأن استهداف دول الجوار، بعدما أعلن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان اعتذاراً لتلك الدول مع دخول الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران أسبوعها الثاني.

وتعهد بزشكيان وقف الهجمات على دول الجيران ما لم تستخدم أراضيها لشن هجمات على إيران، في حين واصلت القيادات العسكرية إطلاق تهديدات بتوسيع الأهداف. وأقر بأن «الحرس الثوري» اتخذ قرارات ميدانية بعد مقتل المرشد علي خامنئي وعدد من القادة في بداية الحرب.

وأثار الاعتذار سجالاً سياسياً داخل طهران؛ إذ شدد رئيس السلطة القضائية وعضو مجلس القيادة المؤقت، غلام حسين محسني إجئي على أن «الهجمات الشديدة ستستمر» لأن «جغرافيا بعض دول المنطقة وُضعت في خدمة العدو». كما تمسكت غرفة عمليات هيئة الأركان بمواصلة الهجمات، قائلة إن أي نقطة تُستخدم لشن هجوم على إيران «ستعد هدفاً مشروعاً»، وهو ما كرره رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف.

تزامن ذلك مع تصعيد ميداني واسع وغارات إسرائيلية مكثفة على طهران ومدن إيرانية أخرى، قابلها إطلاق صواريخ ومسيّرات إيرانية باتجاه إسرائيل وقواعد في المنطقة.

وتوعد الرئيس الأميركي دونالد ترمب طهران بضربات أشد و«قوية جداً»، قائلاً إن واشنطن تدرس استهداف «مناطق وأشخاص لم يكن يجري النظر في استهدافهم». وقال إن اعتذار بزشكيان لدول الجوار يعكس تراجعاً تحت ضغط الضربات، مضيفاً أنه «اعتذر واستسلم لجيرانه ووعد بعدم استهدافهم».

ميدانياً، شنّت إسرائيل موجة غارات شاركت فيها أكثر من 80 طائرة مقاتلة استهدفت مواقع عسكرية ومنشآت صاروخية في طهران وأصفهان، بينما دوت انفجارات في مطارات مهرآباد وشيراز وأصفهان وهمدان، وشملت الضربات أجزاء من مصفاة طهران.

وأطلقت إيران دفعات صاروخية باتجاه إسرائيل، فيما أعلن «الحرس الثوري» إطلاق صواريخ «فتاح» و«عماد» و«خيبر»، مستهدفاً مصفاة حيفا، فيما اتهم وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الولايات المتحدة باستهداف محطة تحلية مياه في جزيرة قشم، محذراً من «عواقب وخيمة».