أيّهما أرْفَقُ بالمسنين... الأدب أم الحياة؟

غرباء الأرض الذين تلفظهم الثورات ويتهددهم «كورونا»

مشهد من فيلم «الشيخ والبحر» 1958
مشهد من فيلم «الشيخ والبحر» 1958
TT

أيّهما أرْفَقُ بالمسنين... الأدب أم الحياة؟

مشهد من فيلم «الشيخ والبحر» 1958
مشهد من فيلم «الشيخ والبحر» 1958

لم يكن الناس في حاجة إلى تفشي وباء «كورونا»، لكي يتوجسوا خيفةً من الشيخوخة، ويعملوا جاهدين على تأجيل استحقاقات أعراضها المؤلمة. وإذا كانت العلوم المعاصرة قد نجحت إلى حد بعيد في إطالة معدلات الأعمار وتوفير أوسع الضمانات الصحية والاجتماعية والنفسية للمسنين، فإن ذلك كله لا يبدل كثيراً من حقيقة كون الشيخوخة هي خاتمة الرحلة، كما هي خط التماس المباشر مع الموت. ولعل ما عمّق شعور المسنين، في الآونة الأخيرة، بوطأة الزمن، هو تأكيد الأطباء وأهل الاختصاص على كون أجسادهم الهشة قد باتت أهدافاً مثلى لوباء «كورونا» الممعن في استشرائه. في حين أن الأجيال الأصغر سناً تستطيع، بما لديها من حيوية ومناعة عالية، أن تتجنب بنسبة أكبر تبعات الوباء ونتائجه الكارثية. ومع أن الكثير من الدراسات والبحوث المعاصرة، كانت قد غيرت الكثير من الصور النمطية للشيخوخة، وخلصت إلى الاستنتاج بأن سعادة الإنسان الحقيقية تبدأ مع بلوغه الستين، إلا أن مثل تلك الاستنتاجات ظلت مشروطة بالوضع الصحي والمادي للشخص المسن، وبما توفره المجتمعات لكهولها المتقاعدين من أسباب الراحة والأمان والعيش الكريم. كما أن السعادة المشار إليها هي سعادة مثلومة بالمأساة؛ لأنها ناجمة عن جنوح الإنسان إلى الاستكانة والتسليم، بعد أن زالت الفوارق الفاصلة بين المتاح والمتخيل، كما بين الوقائع والأحلام.
وإذا كنا لا نملك مقاربة واحدة لهذه الحقبة الحرجة من العمر، فلأن الحقيقة دائماً ملتبسة وحمالة أوجه، ولأن الرؤية إلى الشيخوخة تتفاوت بتفاوت الوضع الصحي والنفسي والذهني لأولئك الذين يخوضون هذه التجربة على أرض الواقع. فلا يمكن أن يرى إلى هذه المرحلة بعين الأمل، من يكون مقعداً وعاجزاً عن الحركة وعالة على الآخرين. أو ذلك الذي تتقهقر حواسه ويضمر جسده وتشحب ذاكرته، بحيث يصح فيه قول الآية الكريمة «ومِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ»، بما يحول المسنين إلى عمال مياومين لدى الزمن، والشيخوخة إلى مجرد مناسبة للتدرب على الموت. والأدهى من كل ذلك أن نعمة التقدم في السن لا بد أن تتحول إلى نقمة، حين ينظر المرء حواليه ليتبين له أن أحداً من الذين شاطروه رحلة العمر لم يعد على قيد الحياة، وأن القمة الزمنية التي يتربع فوقها، ليست سوى مكان للوحشة والصقيع والوساوس المتلاطمة. لكننا لن نُعدم، في الجانب الآخر من الصورة، من يرى في الشيخوخة فرصته الملائمة لاستعادة تلك الوداعة الهانئة التي سلبتها منه سنوات العراك الضاري مع الحياة، أو من يرى فيها «طفولة ثانية»، وحدائق لرغد العيش شبيهة بتلك التي أحاطت بنا في مطالع العمر. أما الكتّاب والمشتغلون بالأدب والفن، فإنهم يرون إلى المسألة من زاوية مختلفة تتعلق بنضوبهم الإبداعي أو بقدرتهم على الخلق، حيث يمكن للشيخوخة في الحالة الأولى أن تداهمهم في سن مبكرة، بينما يتمكنون في الحالة الثانية من الاحتفاظ بجذوة الشباب عصية على الانطفاء.
من الطبيعي إذن أن تشكل الشيخوخة والتقدم في السن مادة دسمة للرواية، كما للشعر وسائر الفنون الأخرى. ذلك أن الفن في جوهره لا يعمل على مقارعة فكرة الموت فحسب، بل يعمل أيضاً على تشتيت المخاوف المتصلة بالشيخوخة وتصدع الحياة وفقدان الأمل. وإذا كان من المتعذر على مقالة واحدة أن تتعقب انعكاسات الشيخوخة في الرواية والشعر، فإن هذه المقالة ستكتفي بالحديث عن الأولى، في حين سيكون الثاني محوراً لمقالة لاحقة. والحقيقة أن الرواية باعتمادها على التذكر وتتبع تفاصيل الحياة المنقضية، تمتلك مساحة أوسع مما يمتلكه الشعر، لتتبع أحوال الناس في كهولتهم وشيخوختهم المتأخرة. على أن صوَر المسنين في الروايات كانت متباينة تماماً، بحيث بدوا في بعضها كائنات ضعيفة ويائسة يتحكم به هاجس الموت، فيما بدوا في بعضها الآخر مفعمين بالحيوية ومتشبثين بأهداب الأمل ومتنكبين لكل أشكال المصاعب والمغامرات. ففي بعض الأعمال الروائية شكّل الأبطال المسنون نماذج للعيش ولمجابهة الصعاب، عمل الكثير من القراء على التماهي معها أو الاقتداء بها، كما هو حال سانتياغو، بطل همنغواي العجوز في رواية «الشيخ والبحر»، الذي يبدو لشدة مراسه وعناده شبيهاً بأبطال الأساطير والملاحم القديمة. إذ هو يلح على انتزاع رزقه من جوف المياه العمياء، ويخوض مع البحر صراعاً لا هوادة فيه. وهو إذ تتقاسم أسماك القرش لحم سمكته العملاقة، يجهد في جرّ هيكلها العظمي إلى الشاطئ، لكي يقدم للوافدين أمثولة التحدي والإصرار على المجازفة، بصرف النظر عن النتائج. وفي روايته «ناراياما» يقارب الكاتب الياباني فوكازاوا مسألة الشيخوخة من زاوية مختلفة لا تشيع فيها مناخات العزلة وأحزانها فحسب، بل هي تظهر أيضاً روح القبول القدري بالصيرورة، وبتسليم راية العيش من جيل إلى جيل. فالأرض في مناطق الأرياف الفقيرة والنائية لا تستطيع التخلي، وفق فوكازاوا، عن شبابها المفعمين بالنشاط والقادرين على حراثتها وتجديد عهدها مع الخصوبة. لكن لا يضيرها بشيء التخلص من أعدادها الزائدة الممثلة بعجائزها وشيوخها المسنين. وحيث تشحّ المحاصيل في «القرية المقابلة» ولا تكفي لسد رمق الجميع، تصبح رحلة الحج إلى جبل ناراياما المقدس بمثابة ذريعة مثلى للتخلص من هؤلاء العجائز الذين ينافسون الأبناء والأحفاد على لقمة العيش.
لكن المعتقدات البوذية الشعبية التي تلجأ إلى المقدس الديني لحل أزمة الجوع، تبتكر طريقة مثلى لحث المسنين على الصعود، حيث إن الخيرين منهم هم وحدهم الذين يتمكنون من بلوغ القمة، ليُدفنوا تحت الثلوج ويتحولوا إلى زهرة لوتس، كما حدث لأورن، الأم الطيبة والحنون. أما اللص البخيل تامايان، الذي يصطحبه ابنه الأكبر قسراً إلى رحلة الموت، فهو ما يلبث أن يسقط في منتصف الطريق ليتحول إلى وجبة دسمة للغربان الجائعة.
وقد ظهر التباين نفسه جلياً وواضحاً في الروايات التي اتخذت من قضيتي الحب والشغف محوراً لها. ولعل الرواية الأشهر التي انتصرت للحب وحولته إلى تعويذة ناجعة لقهر الزمن، هي رواية غابرييل غارسيا ماركيز الشهيرة «الحب في زمن الكوليرا»، التي يُقبل الآلاف على قراءتها في هذه الفترة، ليس فقط لأن بطلها فلورنتينو يصر على انتظار المرأة التي أحبها فتياً وحُرم منها بسبب فقره، لستة عقود من الزمن، وليس فقط لأن ذلك الغرام المشبوب تكلل أخيراً بالزواج، بل لبعدها الرمزي العميق الذي يُظهر بأن الحب ليس جريمة يعاقب عليها القانون، لكي يسقط لاحقاً بمرور الزمن، بل هو الترياق الأنجع الذي نواجه به نكوص الجسد، ونهزم بواسطته تلوث الأرض واستشراء أوبئتها. وفي «ذاكرة غانياتي الحزينات» لا يتردد ماركيز في جعل بطله التسعيني يقع في غرام مراهقة دون العشرين، كطريقة وحيدة لمراوغة الموت وتضليله. لكن المسألة هي بخلاف ذلك في نظر الياباني ياسوناري كاواباتا، الذي يرسم في رائعته الروائية «الجميلات النائمات» صورة أكثر قتامة عن حال الإنسان في شيخوخته. فالنزل الذي أنشأه البعض للتسرية عن العجائز المسنين عبر السماح لهم، لقاء أجر محدد، بتأمل الشابات العاريات والمنومات بفعل التخدير، ليس سوى طريقة كاواباتا المبتكرة لرثاء الحياة الآفلة، بعد أن فقد أصحابها أهلية المشاركة في صنعها أو تذوق ثمارها. ولأن قوانين النزل لم تكن لتسمح للمسنين بأكثر من الملامسة العابرة للأجساد المنومة، بغية استرجاع فراديس الماضي، فإن تخطي تلك القوانين الصارمة من قبل الكهل إيغوشي، كان كافياً لنسف التجربة من أساسها وتحويلها إلى مسرح كابوسي ودموي .
لم تكن الرواية العربية من جهتها بمنأى عن قضية الشيخوخة، وما يصاحبها من تغيرات جسدية ونفسية. وإذا كان ثمة الكثير من الأعمال التي جعلت من قضية الزمن محورها الأساسي، كما في روايات نجيب محفوظ على سبيل المثال لا الحصر، فقد كانت رواية الكاتب اللبناني حسن داود «أيام زائدة» إحدى أكثر الأعمال الأدبية تجسيداً لمعاناة الإنسان المسن مع المرض والعزلة وهاجس الموت. وإذ يبرع الكاتب في تصوير تقهقر الجسد وافتضاحه أمام الفتاتين اللتين تتوليان العناية به، فإن الرجل العجوز الذي يتخلى عنه أولاده، يرفض القبول بهزيمته، ويصارع حتى النهاية وحش الموت وأنيابه القاتلة. أما الكاتب التونسي الحبيب السالمي، فيحول روايته «عشاق بية» إلى مرثية للصبا الآفل، تتقاطع فيها فنون السرد والتصوير والسينما والشعر. وهو باختياره طريق المقبرة كمكان يومي للقاء الكهول الأربعة الذين يلحون في أحاديثهم على استعادة أطياف الماضي، يبدو وكأنه يعطي للمكان دلالات رمزية قاتمة، ويسهّل على العجائز سبيل الوصول إلى حتفهم الأخير. على أن إدخال الفتاة المغوية بية على خط السرد، وافتتان اثنين من العجائز بجمالها الآسر، هو الذي أعطى للعمل بعده التراجيدي، حيث ما يلبث العجائز أن يقضوا نحبهم واحداً بعد الآخر، في حين يتمكن الابن الشاب لأحد الأربعة المتولهين بالفتاة، أن يظفر بها لنفسه.
قد تكون الثورات والحروب على أنواعها، أخيراً، أشبه بمناسبات دورية لتظهير الهوة القائمة بين أجيال الشبان، الذين يتصدرونها ويخوضون غمارها، وبين الأجيال السابقة التي لا تكاد تجد موطئاً لها في ظل الاحتكام إلى قوة الجسد واندفاعته الهوجاء. كما عمل وباء «كورونا» بوقاحة قلّ نظيرها، على تذكير المسنين بحقيقة كونهم الكائنات الأكثر هشاشة وضعفاً أمام هجماته الضارية. وقد لا يكون الأدب، بوجه عام، أرفق بالمسنين من الواقع، إلا أن الأمر يختلف تماماً مع غابرييل غارسيا ماركيز الذي انتصر للحياة، وللمتقدمين في السن على نحو خاص، كما لم ينتصر أحد. فقد ارتجل صاحب «الحب في زمن الكوليرا» سفينةً من بنات خياله، أمكنه بواسطتها أن يُخرج بطليه العاشقين من دائرة الخطر، بينما لم تفلح السفينة اليابانية المنكوبة في زمن «كورونا»، أن تخلص قبل أسابيع عجوزيها المماثلين من براثن الوباء القاتل.



جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»
TT

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

بعد حيازته عام 2015 جائزة «أفضل عمل روائي لبناني» عن كتابه «غريقة بحيرة موريه»، التي منحته إياها وزارة الثقافة اللبنانية، أعلنت هيئة الشارقة للكتاب منحها جائزة «أفضل رواية عربية» للزميل الشاعر والروائي والباحث

أنطوان الدويهي

عن رائعته الأخيرة «الشتاء الكبير»، التي كانت «الشرق الأوسط» نشرت مؤخراً حواراً معه حولها.

وتشكّل هذه الجائزة للدويهي مفاجأة نظراً لبعد الكاتب عن الأضواء وتنسّكه في نشاطه الأدبي، فهو دائم الإقامة في الذات، ومنعزل منذ زمن طويل في خلوته على كتف وادي قزحيّا في أعالي جبل لبنان.

وترتكز أعمال الدويهي الأدبية والشعرية والسردية على عوالم الذات، وهي مستمدة بكاملها من «يوميات الحياة الداخلية»، المستمر في صوغها منذ سن الرابعة عشرة إلى اليوم، ولا مصدر آخر لكتاباته، بحثياً كان أم توثيقياً. ومن هنا وحدة عالمه الأدبي العميقة، وتكامله، ووحدة لغته وهواجسه ومشاعره، ورؤاه الجمالية في كل أعماله المتوالية على مدى ثلث قرن، من «كتاب الحالة» عام 1993 إلى «الشتاء الكبير» الصادر حديثاً.

ومن أهم مفاعيل هذه الجائزة أنها تلفت القراء العرب إلى أديب مختلف، بالغ الخصوصية في الآداب العربية، في غوصه في أعماق النفس البشرية وتماهيه مع روح الأمكنة والمشاهد والحالات، حيث تلتقي ذات الفرد بذات الأرض وذات الجماعة. وبهذا المعنى ذكر عنه الشاعر أنسي الحاج: «ماذا كتب؟ كتب ذات فرد وذات أرض وذات شعب». وذكر أيضاً: «يُقرأ أنطوان الدويهي كما تُفرد حبات اللؤلؤ». وبهذا المعني أيضاً كتب الأديب والصحافي سمير عطاالله: «منذ أن بدأت في قراءة الدويهي، اعتدت الانجذاب في غبطة إلى هذا الخدر الآسر الأثير. فليس أهنأ إلى نفسي من قلم له هذه التجربة في عمق الذات، وله مثل هذا الصمود في عمق النقاء».

وتأتي هذه الجائزة لتتجاوز الاتجاه الذي بات سائداً لدى عديد من الروائيين العرب، وفي الغرب أيضاً، الذي يمكن اختصاره بعبارة «أدب الموضوعات»، حيث ينتقل الروائي في كل عمل جديد من موضوع إلى آخر، يحشد له في كل مرة المعلومات البحثية والتوثيقية، وبات يشارك في صنعه في أحيان كثيرة الذكاء الاصطناعي. ويشكل هذا المنحى ابتعاداً عن عوالم الأدباء الذاتية، ونزوحاً من «أدب الكتّاب» إلى «أدب القراء» وفقاً لمنطق السوق وحركة العرض والطلب التجارية. أما أدب الدويهي، المستند إلى وحدة الحياة الداخلية في الزمان وفرادتها وذاتيتها وخصوصيتها وعمقها، فهو إعادة اعتبار للأدب الكبير، وهو النقيض الأمثل لعالم كتابي يغرق أكثر فأكثر في متاهات وسائل التواصل الاجتماعي ومؤثرات الذكاء الاصطناعي التي تقود إلى نهاية الأدب.

في «الشتاء الكبير»، يروي الدويهي عذابات سن السابعة عشرة، ويستحضر الذاكرة والمكان، بلغة عميقة وفلسفية ومتينة، تمزج بين التأمل ووصف الطبيعة واستكشاف أثر العنف والذاكرة على الإنسان. نحن أمام رواية رمزية وفلسفية تبحث في سلوك الإنسان وعلاقته بذاته، وتقوم على التأمل الذاتي الذي يعيشه الراوي، وعلى علاقته بالحياة والموت والعنف والحرب. أما الشخصيات الأخرى، فهي أقرب إلى ظلال تحيط به، ووجودها وظيفي لتحريك السرد أكثر مما هو محوري في بنية النص. وفي تأملاته العميقة، يناقش الدويهي ظواهر العنف والثأر والدم المستباح، ويربطها بالسلوك الفردي والجماعي، متسائلاً عن فكرة المسؤولية الجماعية وتأثيرها على النمط المتوارث في الثأر العائلي.


التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى
TT

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

«لا أحد يعرف كيف مات. أكانت إبرة صغيرة حقنوا بها وريده ليعجلوا له بموت رحيم، أم سكتة باغتت قلبه من فرط الوحدة؟ أم إنه انتحر، حين لم يجد للحياة محاكمة أعدل من الموت؟ هكذا ظل موته قيد القيامة، مثل حياته تماماً».

كان يمكن لهذا المقطع المتعلق بموت ميخائيل، بطل رواية جاسم سلمان «وقوفاً على الأصابع»، أن يخفف بنسبة أو بأخرى، من شغفنا بقراءة العمل الذي آثر المؤلف أن يكشف منذ اللحظة الأولى عن مآل بطله الأخير، ولكن ما حدث هو العكس تماماً. ذلك أن المفتتح الروائي الذي طُرحت من خلاله واقعة الموت، والذي يتراوح بين الإخبار والاستفهام، فضلاً عن الأسئلة المتعلقة بمعنى الوجود نفسه، وفّرا لنا كقراء دوافع عديدة لمتابعة العمل، ليس الفضول سوى واحد منها.

في الصفحات الأولى للرواية، نتعرف على المحطات الأبرز في حياة ميخائيل، العراقي المسيحي، الذي وُلد في البصرة، وفقد أباه في حرب الخليج الثانية، ثم انتقل مع أمه إلى بغداد ليقيم في أحد أحيائها الفقيرة، حيث كان البشر بمختلف طوائفهم وعصبياتهم، يتخالطون دون فوارق. ومع إنهائه المرحلة الثانوية، يقرر ميخائيل دراسة اللغة الإنجليزية، والالتحاق بقسم الترجمة التابع لكلية الآداب في الجامعة المستنصرية.

بين أروقة الجامعة، يتعرف ميخائيل إلى ماري، الطالبة الجميلة والمتوقدة ذكاءً، التي كانت هي الأخرى قد فقدت أباها وخالها في يوم واحد، بعد أن لُفقت لهما تهمة الانتماء إلى أحد الأحزاب المناوئة للزعيم القائد. وحيث لم يتأخر المتخرجان العاشقان في تتويج علاقتهما بالزواج، تدبر لهما التراجيديا العراقية فصلاً آخر من فصولها، فيفقدان المولود الذكر الذي أنجباه في تفجير كنيسة «سيدة النجاة». ومع انعدام فرص العمل أمام الزوجين، لم يجد ميخائيل بداً، ورغم صراعه الضاري مع نفسه، من التعاون مع القوات الأميركية التي قامت بغزو العراق في مطلع القرن، والتي أعلنت عن حاجتها إلى مترجمين فوريين.

غير أن المبلغ الذي كان ميخائيل يتقاضاه عن عمله مترجماً، وإن منحه شعوراً بالأمان المعيشي، إلا أنه سلب منه بالمقابل احترامه لنفسه ورضاه عن الخدمات التي يقدمها لغزاة بلاده. وهو شعور لم يخفف منه كرهه للنظام البائد وما ألحقه به وبزوجته وبالشعب العراقي بأسره من كوارث. وعلى طريقة المثل القائل «إذا خفت من شيء فقع فيه»، لم يجد المترجم الفوري ما يفعله، إزاء مئات البشر يبعثون له برسائل التهديد، سوى الهجرة إلى أميركا، رغم علمه الأكيد بأن نجاحه في الفرار من العراق، لا يعني أبداً أن العراق، الهوية والمعنى، سيكف عن ملاحقته أينما ذهب.

وتعبيراً عن شعوره العميق بخيانة شعبه وأرضه ونفسه، لم يجد ميخائيل ما يجيب به موظف الجوازات في نيويورك، وهو يسأله عن مهنته، سوى التلفظ بكلمة «خائن»، على نحو عفوي ودون تفكير مسبق. ومع أن نيويورك الزاخرة بالصخب والشبيهة بالمتاهة، لم تكن لتبدو مدينة سهلة وأليفة في عيون قاصديها، فإن ما خفف من شعور زائريها الجديدين بالغربة، هو عثورهما السريع على نماذج من البشر، يشاركونهما الهوية نفسها، والشعور إياه بثقل المنفى ووطأة التمزق. وكان بين هؤلاء جوزف، العجوز اليوناني من أصل مصري، المهتم بالكتب والمخطوطات القديمة، والذي عرض على ميخائيل مساعدته في ترجمة بعض الأعمال الأدبية والتراثية. وبينهم ليزا، زوجة جوزف، وهارون، الشاعر السوري الصعلوك الهارب من نظام «الأبد» الدموي، وروبن، بواب البناية الأميركي، الذي شارك ابنه جيمس في غزو العراق، وتزوج من فتاة عراقية، قبل أن يعود إلى بلاده مقطوع الرجلين.

وبينما يتبدى للقارئ بأن الاندماج في المنفى هو الحل الأمثل لمأزق «الهويات القاتلة»، والاغتراب الخياني عن الذات، ينعطف سلمان بعمله الملحمي نحو مسالك غير منتظرة، حيث يقرر أبطاله جوزف وليزا وميخائيل وماري وهارون، العودة ثانية باتجاه الشرق؛ بحثاً عن كتب مرجعية ومخطوطات قديمة، ليست في حقيقتها سوى إلحاح الذات المهددة في البحث عما يعصمها من الإمحاء. أما الثري التركي تيمور طابال الذي تلتقيه الزمرة القادمة إلى إسطنبول، والذي يأسره جمال ماري، فبدا إدخاله على خط السرد، محاولة لإظهار الجانب الآخر من الصورة، حيث تجد الذات المستلبة، في مراكمة الثروات والتماهي مع الغرب؛ ما يجنبها عناء الأسئلة المقلقة والتأرجح المرير بين الخيارات.

وإذ يقرر ميخائيل وهارون إكمال الرحلة باتجاه ماردين وبعض المدن الأخرى؛ أملاً في الحصول على ضالتهما المنشودة، تنتقل الحدود المتداخلة بين الشرق والغرب، إلى داخل كل منهما، حيث تعمقت على نحو مأزقي، الأسئلة المتعلقة بالهوية والتاريخ ونشوء الحضارات ومعنى الوطن والخيانة. وفي ظل هذا الوضع المأزقي، يقع هارون في غرام غجرية حسناء، ويقرر الارتماء في كنف الحرية المطلقة، بعد أن قال له صديقه الغجري «اترك كل شيء وراءك وانسحب. دعك من الأزمنة والأمكنة». ومع إصرار ميخائيل على إكمال المهمة التي جاء من أجلها، واختفائه اللاحق على نحو مبهم، لا يبقى أمام زوجته ماري وصديقيه جوزف وليزا، سوى العودة من دونه إلى نيويورك.

واللافت، أن تقدم السرد وتشعبه، لم يتسبب بترهل العمل، أو بجعله باعثاً على السأم، بل تستمر الرواية في تصاعدها، مع وقوع ميخائيل في حالة من الانشطار الهذياني بين الواقعي والمتخيل، عائداً حيناً إلى الحقبة الأندلسية، وما صحبها من ازدهار فكري وحضاري، ومتماهياً مع كريستوفر كولومببس في فتحه لأميركا حيناً آخر. ثم تتوالى المفاجآت مع تعرض المترجم العراقي للخطف من قبل المخابرات الأميركية، بعد أن وجهت إليه تهمة الخيانة، عبر تعمده ترجمة النصوص والحوارات المكلف ترجمتها بطريقة خاطئة ومحرّفة؛ الأمر الذي أدى إلى مقتل عدد من الجنود الأميركيين.

ليس من المبالغة القول إن العمل بمثابة ملحمة روائية معاصرة لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده

إثر ذلك يُحمل ميخائيل إلى أميركا، ليساق إلى المحاكمة، بحضور أصدقائه الذين تلقوا النبأ الصادم عن طريق الإعلام، وزوجته ماري التي أصابها بالذهول إزاء الحقيقة التي أُخفيت عنها طيلة سنوات. وإذ تهتف ماري بزوجها قائلة: «لماذا لم تخبرني أنك لم تخن أهلك في العراق؟»، تذكرنا بصرخة السائق في رواية غسان كنفاني «رجال في الشمس»، الذي اكتشف أن الفلسطينيين الذين خبّأهم داخل شاحنته قد قضوا نحبهم من شدة القيظ، فهتف بهم قائلاً: «لماذا لم تقرعوا باب الخزان؟». وإذ تبلغ الفانتازيا ذروتها مع التطابق التام بين الخريطتين الجينيتين لكل من كولومبس وميخائيل، يصرّ الأخير على تحويل موته لغزاً آخر، شبيهاً بحياته نفسها، حيث لا دليل واضحاً على انتحاره، أو إعدامه بكرسي كهربائي، أو وفاته الطبيعية بفعل عجز جسده عن تحمل الصدمات.

وليس من المبالغة القول بأن العمل الذي قدمه جاسم سلمان إلى قرائه، هو بمثابة ملحمة روائية معاصرة، لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده، بل هي تبلغ من الاتساع؛ ما يجعلها تلامس الأسئلة الأكثر عمقاً، التي تتعلق بنشوء الحضارات وتحولاتها، وبمعنى الهوية والانتماء وعلاقة الوطن بالمنفى، والأنا بالآخر. كما تتحول الرواية في الوقت ذاته، إلى مضبطة اتهام متعددة الوجوه لواقع العصر ومآلاته، حيث يتم تزوير القيم، ويبلغ الفساد ذروة استشرائه، ويحكم الأقوياء قبضتهم على العالم. ولم يكن أمراً بلا دلالة أن يطلب هارون من مرضاه، وقد اختار التحول إلى مدرب رياضي في إحدى المصحات، الوقوف على أصابعهم أطول مدة ممكنة؛ بهدف امتحان قدرتهم على الصبر. ذلك أن مثل هذا النشاط، الذي جعله المؤلف عنواناً لروايته، يمكن أن يعصم الأفراد والجماعات، من الوقوع في شرك الخنوع والاستسلام، ويساعدهم على اجتياز الامتحان الصعب للحرية المنشودة.

أما تساؤل المؤلف بلسان جوزف، عن معنى الخيانة، وعما إذا كان ميخائيل قد خان بلاده حقاً، أم أن بلاده هي التي خانته، فهو السؤال الأكثر التباساً وتعقيداً الذي دفع المترجم العراقي حياته ثمناً له. وهو السؤال نفسه الذي طرحه بدر شاكر السياب على نفسه وعلى العالم، حين هتف في قصيدته «غريب على الخليج» قائلاً:

إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنونْ

أيخون إنسانٌ بلاده؟

إن خان معنى أن يكونَ،

فكيف يمكن أن يكونْ؟


جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
TT

جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر

تطوّر فن النقش التصويري خلال العصر الأموي حيث اعتُمد بشكل أساسي في صوغ الحلل الزينية الخاصة بالمنشآت العمرانية المدنيّة التي شيّدها الخلفاء في نواح متعدّدة من صحاري بلاد الشام. اتضحت معالم هذا الفن في ثلاثينات القرن الماضي عند اكتشاف أطلال قصر يقع شمال أريحا، يُعرف اليوم باسم قصر هشام، قابله اكتشاف أطلال قصر آخر يقع جنوب غرب تدمر، يُعرف باسم قصر الحير الغربي. من بين أطلال هذين القصرين، خرج كمّ هائل من القطع التصويرية، دأب أهل الاختصاص على تصنيفها وتحديد موقعها الأصلي منذ اكتشافها. عرفت بعض هذه القطع شهرة واسعة، وظلّ البعض الآخر في الظل، مصدر بعضٍ منها قصر الحير الغربي، ومنها تبرز ثلاثة مجسّمات يمثّل كلّ منها قامة على عرش وثير، وفقاً لطراز كلاسيكي انتشر انتشاراً واسعاً خلال الحقبة الرومانية.

تعود هذه المجسّمات إلى القاعة التي تشكّل مدخلاً للقصر، وهي من الحجم المتوسّط، ويبلغ طول كلّ منها نحو نصف متر. التأليف الجامع واحد؛ قامة آدمية تجلس بثبات في وضعية المواجهة على عرش وثير. ارتبط هذا النموذج عند تكوينه بالتصاوير الإمبراطورية المتعدّدة، وعُرف في معجم الفنون الكلاسيكية باسم «العرش الإمبراطوري». انتقل هذا النموذج إلى الفن المسيحي في القرن الرابع، حيث ظهر المسيح مترّبعاً عليه، وظهرت أمّه السيدة مريم العذراء في وضعية مماثلة، وتحوّل هذا المثال إلى ركن ثابت من أركان الفنون المسيحية، على اختلاف أنواعها. تبنّى الفن الأموي هذا المثال كما يبدو، وأعاده إلى صفته الإمبراطورية الأولى، كما تشهد قطعة تعود إلى واجهة القصر الداخلية، سقط منها النصف الأعلى للأسف. يبلغ طول ما تبقّى من هذا النقش الناتئ متر، وعرضه 90 سنتيمتراً، وفيه يظهر العرش بقواعده، مع منصة في الوسط تستريح عليها قدما جليسه الملكي.

تُعتبر هذه القطعة من أشهر قطع قصر الحير الغربي، وهي ليست فريدة من نوعها، إذ تقابلها المجسّمات الثلاثة الأصغر حجماً. لم تصل هذه القطع بشكل كامل، وهي تتشابه من حيث التكوين، غير أنها تختلف اختلافاً كبيراً في التفاصيل، وأكملها قطعة تمثّل رجلاً ملتحياً، يجلس على عرش سقط الجزء الأسفل من قاعدته، ومعه سقطت قدما صاحبه. كتلة الرأس بيضاوية، يكلّلها شعر طويل ينسدل من خلف الأذنين، مع شق في الوسط، يفصل بين خصل الشعر التي تحد الوجه من الجهتين بشكل متناسق. العينان مفتوحتان، وجفناهما محدّدان، ويعلوهما حاجبان عريضان منفصلان. سقط الأنف الناتئ، غير أن تكوينه بقي ظاهراً. الفم صغير، وقوامه شق يفصل بين شفتين غابتا تحت شاربين عريضين تتصلان بلحية كثيفة حدّدت خصلها بشبكة من الخطوط الغائرة. يغيب الجسد تحت رداء فضفاض، يعلوه معطف يلتف حول الكتفين والصدر، كاشفاً عن ذراعين ترتفعان في اتجاه الصدر، سقطت منهما اليد اليمنى. الركبتان متباعدتان بشكل طفيف، والقدمان متلاصقتان كما يبدو. يغلب على هذا النقش الأسلوب الكلاسيكي، غير أنه يحمل مسحة محلية خاصة، تظهر في رسم ثنايا اللباس، وفقاً لأسلوب اتبع بشكل واسع في ميراث تدمر الفني.

تتكرّر صورة العرش في المجسمين الشبيهين، وتحضر في كلّ منهما امرأة، فقدت إحداهما رأسها بشكل كامل. يظهر الرأس الذي نجا على قامة فقدت ذراعيها، وتبدو ملامح وجهه تدمرية بامتياز. العينان ضخمتان وشاخصتان، مع بؤبؤ دائري غائر في وسط كلّ منهما. الحاجبان مقوّسان ومنفصلان. الفم والثغر مهشّمان. الشعر معقود حول الهامة، وخصله المرصوفة أشبه بشبكة زخرفية. اللباس بسيط، زينته عقد لؤلؤي تتدلى منه قلادة مربعة عريضة، وحزام مجدول ينعقد حول الخاصرة. الساقان متباعدتان، والقدمان ممدودتان أفقياً، وهما في وضعية جانبية.

تظهر المرأة الأخرى في وضعية مشابهة، زينتها عقد لؤلؤي تتوسّطه قلادة مستديرة تتدلّى منها ثلاثة فصوص بيضاوية، وحزام يأخذ شكل سلسلة من الحلقات المترابطة. تتميّز جليسة هذا العرش بما ترفعه ذراعاها نحو الأعلى. تنتصب اليد اليمنى عمودياً، وتحمل كتلة تبدو أشبه بكوز من الرمان، يقابلها عنقود من العنب يحتلّ طرف العرش الوثير. في المقابل، تمسك اليد اليمنى بقرن عريض، وهو في قاموس الفن الكلاسيكي «قرن الوفرة» المليء بثمار الأرض، وقد في القرن الخامس قبل الميلاد فارتبط بسيد العالم السفلي الذي عُرف باسم «هاديس»، أي «مانح الثروة»، كناية عما يحمله باطن الأرض من كنوز تشكّل جزءاً من مملكته. وارتبط في مرحلة لاحقة بسيدة الازدهار «تيكه»، سيدة الحظ السعيد والنجاح والازدهار ووفرة الغلال.

تعدّدت صور هذه السيدة ورموزها في الحقبة الرومانية، فبات لكل مدينة مزهرة «تيكه» خاصة بها. تجرّدت هذه الصورة في الحقبة البيزنطية فبقيت رمزاً لثراء الأرض الطيبة، ودخلت الفن الأموي المدني من هذا الباب، كما تشهد جداريات قصير عمرة في صحراء الأردن، حيث تحضر في الركن الذي يُعرف بـ«ركن العرش».

في الخلاصة، تُشكل مجسّمات قصر الحير الغربي من خلال هذه المقارنة صورة منقوشة موازية لهذا الحضور التشكيلي. يحضر المَلك على عرشه، وتجاوره وصيفتان تجسّدان الثراء والوفرة والعطاء، وهي المزايا التي تتميّز بها سلطته الملكية الصالحة.