سوريا من «كوليرا» الطفولة إلى «كورونا» الشيخوخة

سوريا من «كوليرا» الطفولة  إلى «كورونا» الشيخوخة
TT

سوريا من «كوليرا» الطفولة إلى «كورونا» الشيخوخة

سوريا من «كوليرا» الطفولة  إلى «كورونا» الشيخوخة

كنت طفلاً في التاسعة من عمري حين عدت إلى المنزل، وأخبرت أمي بـأن الكوليرا تسير في الشوارع وأن «مشفى الحميات» في عين التل القريب من منزلنا في حي الهلك في حلب، يغص بالجثث التي ستحرقها البلدية. كأني كنت أخبرها عن فوز فريق «الأهلي»، قبل أن يغيروا اسمه إلى «الاتحاد»، على «العربي» الذي أصبح اسمه «الحرية».
أمسكت بي وحققت معي عن مصدر معلوماتي. أشرت إليها ساخراً: «تستطيعين الذهاب إلى مشفى الحميات، وسترين هناك بأم عينيك الكوليرا وهي تتجول في ممرات مشفى العتيق»، المنفي إلى خارج المدينة قريباً من محالج القطن وأحياء الفلاحين القادمين الجدد إلى المدينة. كانت عائلتي قد سبقتهم بسنوات قليلة، مما منحها ميزة تقديم الاستشارة لمن يرغب من الأقرباء الجدد بالانتقال والاستقرار في حلب المدينة.
قبل أيام قليلة منذاك، بدأت جائحة الكوليرا السنوية، وكان «مشفى الحميات» قريباً من مدرستنا «المنصور»، التي تقع على الخط الفاصل بين منطقتي «الميدان» التي تقطنها الطبقة الوسطى من الأرمن و«الهلك التحتاني» و«الهلك الفوقاني»، الحي الشعبي العريق الذي كان مهد اليسار السوري في أواخر الستينيات وبداية السبعينيات. ساعده، خليط سكانه المؤلف من فلاحين مهاجرين إلى المدينة، وأرمن فقراء، وتركمان تحولوا جميعهم إلى صانعي أحذية، وأكراد، إضافة إلى التصاقه بمنطقة «عين التل» التي تضم أغلب محالج القطن التي احتضنت الأفكار اليسارية والمنتمين إلى فصائل المقاومة الفلسطينية، خاصة «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين».
أمي، لا تملك كما كل الأمهات، طريقة للحماية من الوباء الذي يتبختر في الشوارع، سوى نقعنا في المياه الساخنة، وفرك جلودنا بالصابون لطرد الوباء من جلودنا، بالإضافة إلى التعاويذ التي لا تتوقف أمي عن ترديدها بشكل دائم.
أثناء التحقيق، ما زلت أذكر الذعر في عيني أمي، حين أخبرتها ببساطة بأني ورفاقي تسلقنا سياج المشفى، ورأينا بأم أعيننا الكوليرا وهي تدخل أجسام المرضى وتقتلهم، ثم تأتي البلدية وتحرق الجثامين.
- 2 -
كانت الكوليرا زائراً سنوياً، يحصد عشرات آلاف الأرواح، ويمضي كقاتل محترف لا يمكن إيقافه. لم أعد أذكر متى توقف هذا الشبح عن التجول في الشوارع. أعتقد في نهايات السبعينيات. ذكرياته المرعبة ما زالت تقض مضاجعنا، وتعود من جديد مع أي وباء جديد، لكن في الأيام الماضية شعرت بأن الوباء الجديد سيقودنا حتماً إلى نهاية العالم، لم أكن أتجرأ على التفكير أو التخيل بأنه من الممكن للعالم كله أن يغلق أبوابه وتعود الأنهار تجري بجنونها المعتاد كما يريد لها الزمن والرياح، وتبني العصافير أعشاشها في أي مكان تختاره.
فكرت بإمكانية عودة الأنواع المنقرضة من الحيوانات إلى الظهور، تخيلت كيف ستتجول في شارع أكسفورد اللندني، الزرافة البيضاء التي قتل صياد محترف آخر فردين من سلالتها قبل أيام قليلة في بلد أفريقي على ما أذكر. أتخيل بأن تلك الأنواع المنقرضة قد بعثت من جديد وأصبحت تقاسمنا الطرقات والمنازل الضيقة والبارات. تعجبني صورة أن أتناول كأس كونياك مع فيل صغير مكوم على كرسي في بار يذرف دمعاً كما نفعل نحن العشاق الخاسرون.
لكن ماذا لو لم تقبل هذه الحيوانات مقاسمتنا الحياة وقررت الانتقام منا على ما فعلناه في أمها الأرض، وقررت طردنا بشكل نهائي وإعادة إنتاج سلالات جديدة من بشر مختلفين أقل قسوة مع الأرض وأكثر رحمة فيما بينهم.
رغم أنني لم أكن يوماً من هواة الحفاظ على البيئة، فإنني أشعر بنفسي مشدوداً إليهم لأبعد الخوف عن حياتي التي أشعر بأنها مهددة فعلاً خاصة أن الفيروس العظيم المبجل «كورونا»، لم يحسم خياره معنا نحن الذين غادرنا الشباب ولم نصل بعد إلى الشيخوخة أو أرذل العمر.
- 3 -
أثناء كتابتي لروايتي الأخيرة «لم يصل عليهم أحد»، قرأت في سنوات البحث وكتابتها الأحد عشرة سنة أغلب كتب تاريخ حلب، وكانت النتيجة بأنه لم يمر على حلب عقد كامل دون وباء قاتل. أخطر هذه الأوبئة كان «الطاعون» الذي أهلك البلاد والعباد، وكما يقول الحلبيون «فوق الموتة عصة القبر»، أي إضافة إلى الظروف السيئة التي تصاحب معيشة الناس، تأتي الأوبئة. لكن في حلب كان ذلك المثل يطبق في أوقات مختلفة، في زلزال 1822 الشهير، انتشر «الطاعون» بشكل رهيب في المدينة. كان ضربة قاصمة لظهر المدينة التي لم تستطع النهوض ومحو آثار هذه الكارثة قبل خمسين سنة. دمر ثلثي المدينة ومات أكثر من خمس وعشرين ألف شخص، أي ربع أو ثلث سكان المدينة تقريباً. وأي قراءة لتاريخ حلب، قد تعني بشكل أو بآخر قراءة لتاريخ الأوبئة. يتحدث التاجر الحلبي يوسف جرجس الخوري في يومياته عن حلب في كتاب «حوادث حلب اليومية 1771 - 1805»، الذي طبع منذ سنوات قليلة كاشفاً اللثام عن تاريخ مخفي لمدينته العريقة، عن «الطاعون» الذي ضرب المدينة عام 1787، ويصف المشاهد المروعة ويعدد أسماء بعض الضحايا.
لم أجد في روايتي صورة عن قسوة الأوبئة أفضل من صورة المدينة الفارغة حين يصلها حنا ورفيقه زكريا. إنها الصورة التي شكلت لي فتنة قاتلة، ولم تزل في طفولتي حين كنا محبوسين بأمر أمي، نرى العالم من وراء شقوق الباب، والكوليرا تتجول في الشوارع وتحصد ضحاياها، بينما رائحة الجثث المحترقة تفوح في فضاء المدينة والمآذن التي تبتهل برد البلاء، تعلن عجزها بدموع حارقة.
- 4 -
ما زلت أعتقد بأننا كبشر اليوم وفي كل مكان رهائن لدى الشركات الكبرى. رحبنا بنمط حياتنا في غفلة عنا، أو فرض علينا دون إذن منا. لم يسألنا أحد إن كنا نريد أن نتوقف عند «مرحلة الفاكس» أم نعبر إلى «مرحلة النت». نستطيع تعداد كل ما يحيط بنا من إنجازات تفتخر البشرية بها دون أن تسأل نفسها عن الأثمان الواجب دفعها، بالإضافة إلى أن الصورة نفسها ما زالت ثابتة، قدوم الوباء يرتبط بالندم، في وقت لا ينفع فيه الندم. وهم بأن الحياة قبل مائة سنة كانت أكثر رحمة ليس صحيحاً، الحياة دوماً كانت تمرين على القسوة المستمرة. ما نتحدث عنه، بأن الحياة المعاصرة هي نهش للذات، وابتعادنا عن السعادة باقترابنا من نمط الحياة المعاصرة القائمة على تملك الأشياء أيضاً وهم. لم تتوقف الحياة عن كونها امتحاناً مؤقتاً لا يجوز محاكمتها بمعزل عن إخفاء الحقائق عن العامة من قبل السياسيين ومجموعات البحث العلمي التي أعتقد وصلت إلى أعلى مراحل التطور. ولدي يقين كامل، بأنها قادرة على إعادة إنتاج الحياة أو إيقاف الموت. لكنها في هذه اللحظة الرهيبة تقف عاجزة أمام هذا الفيروس الذي أغلق العالم، حقيقة وليس مجازاً. نفس السياسة في إخفاء الأسرار، ما زالت سائدة ولن نجد جواباً قريباً عن سؤال: من أين أتى هذا الفيروس، كما لم نجد حتى الآن جواباً لسؤال: من أين أتى «داعش»؟ ولماذا؟ ومن سيدفع التعويض لعشرات الآلاف من ضحاياها.
مع كل وباء يصبح البشر جيفة يجب الابتعاد حتى عن جثامينها، وصور الجنازات في العالم تخبرنا ببساطة بأن الموت قد يكون فعلاً عملاً شاقاً، والعالم يقتسم مع سوريا هذه المشقة رغم اختلاف الزوايا.
- 5 -
هنا والآن. السوريون مرة أخرى ينتظرون الموت العشوائي في حلته الجديدة، وأنا واحد منهم. لقد اختبرنا كشعب كل أنواع الموت. تحت التعذيب مات عشرات الآلاف من خيرة شباب سوريا. تحت القصف، دمرت مدن سوريا. في الحرب، التي لم تنته، مات أكثر من نصف مليون سوري، عدا عن التهجير وملايين النازحين.
اليوم، يتبختر وباء «كورونا» بنسخته الجديدة، وجميعنا في سوريا ننتظره دون حول أو قوة، أو يقين، بأننا نستطيع مجابهته. في أعماقنا جميعاً، نعرف بأننا شعب فائض عن حاجة النظام الذي يستطيع العيش والاستمرار بربع عدد السكان فيما لو مات ثلاثة أرباع السكان. لن يسأل أحد لماذا لا توجد «منافس» للأكسجين كافية في مشافي سوريا، لماذا المنظومة الطبية شبه غائبة. وفي حالة فريدة، لا يوجد أحد يتلقى السؤال ويتحمل المسؤولية، لأنه في أعماق السوريين ينمو يقين غريب بأن من عبر الحرب هو ناجٍ من كل بد، ومن غرق في البحر لن يغص بالساقية. لكن من يدري، قد تتحول الساقية إلى طوفان رهيب يجرفنا جميعاً إلى الهاوية والمحرقة التي تجعل منا رماداً.
*روائي سوري


مقالات ذات صلة

باحثون: مضاد اكتئاب شائع يخفف من إجهاد «كوفيد» طويل الأمد

صحتك صورة توضيحية لفيروس «كوفيد - 19» (أرشيفية - رويترز)

باحثون: مضاد اكتئاب شائع يخفف من إجهاد «كوفيد» طويل الأمد

عقار فلوفوكسامين المضاد للاكتئاب، وهو عقار شائع الاستخدام وغير مكلف، حسن على نحو ملحوظ نوعية الحياة لدى البالغين المصابين «بكوفيد طويل الأمد».

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ سُجّل نحو 840 ألف وفاة بكورونا في شهادات الوفاة خلال عامي 2020 و2021... لكن فريقاً من الباحثين قدّر أن ما يصل إلى 155 ألف وفاة إضافية غير معترف بها ربما حدثت خلال تلك الفترة خارج المستشفيات (رويترز)

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

أظهرت دراسة جديدة أن حصيلة الوفيات في المراحل الأولى من جائحة كورونا كانت أعلى بكثير من الأرقام الرسمية في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك مكملات فيتامين «د» تبدو واعدة في تقليل خطر الإصابة بـ«كوفيد طويل الأمد» (أرشيفية- رويترز)

دراسة: مكملات فيتامين «د» قد تساعد في تخفيف أعراض «كوفيد طويل الأمد»

تشير دراسة حديثة إلى أن مكملات فيتامين «د» قد توفر مؤشرات جديدة تساعد الباحثين على فهم الأعراض التي تستمر لدى بعض المصابين بعد التعافي من «كوفيد-19».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم عاملون مختبريون يفحصون عينات فيروس «كوفيد» ميدانياً

دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى

الفيروسات تتطور بشكل عادي لدى الحيوانات، إلا أنها تتطور بشكل جذري عند إصابتها الإنسان.

كارل زيمر (نيويورك)
صحتك اللقاح يُعطى عن طريق الأنف عبر رذاذ أنفي (أرشيف - أ.ب)

لقاح أنفي قد يحمي من «كورونا» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي في آنٍ واحد

طوَّر باحثون أميركيون لقاحاً جديداً قادراً على الوقاية من عدة فيروسات في آنٍ واحد، بما في ذلك «كوفيد-19» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

لغز طائرة جزيرة ميون... مصادر تنفي وجود محاولة إنزال

جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
TT

لغز طائرة جزيرة ميون... مصادر تنفي وجود محاولة إنزال

جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.

نفت مصادر تحدَّثت مع «الشرق الأوسط» صحة وقوع محاولة إنزال لطائرة في جزيرة ميون، بعدما تضاربت أقوال المصادر اليمنية العسكرية في تسريب النبأ ونفيه، مما جعل مسألة الطائرة وتحليقها لغزاً يمنياً.

بدأت القصة عندما تحدَّث أكثر من مصدر مع «الشرق الأوسط»، يوم الأربعاء، عن محاولة هبوط طائرة عسكرية مجهولة بشكل مفاجئ في مدرج الجزيرة، غير أنَّ القوات الحكومية تصدَّت لها ومنعتها من الاقتراب؛ مما اضطرها إلى الانسحاب وفقاً لتلك المصادر.

جاء النفي اليمني الأول عن طريق مدير عام خفر السواحل بقطاع البحر الأحمر، العميد عبد الجبار الزحزوح، الذي قال وفقاً لما نشرته وكالة الأنباء اليمنية الرسمية (سبأ): «لم يتم رصد أي نشاط جوي غير اعتيادي، كما لم تُسجَّل أي محاولات إنزال من أي نوع».

النفي الثاني جاء على لسان مدير المركز الإعلامي لـ«ألوية العمالقة» الجنوبية، أصيل السقلدي، الذي قال في منشور على منصة «إكس» إن الطائرة التي حلقت في سماء باب المندب وجزيرة ميون وتعاملت معها القوات هي «طائرة مسيّرة معادية».

أهمية حديث السقلدي تتمثَّل في وجود قوات تتبع «ألوية العمالقة» في الجزيرة، وهو ما فتح باب السؤال: هل كانت هناك طائرة أو مسيّرة مثلما يقول السقلدي، أم أنَّه بالفعل لم يتم تسجيل أي نشاط جوي غير اعتيادي مثلما قال الزحزوح؟.

النفي الثالث جاء ليكون وسطاً، وعلى لسان اللواء الركن خالد القملي رئيس مصلحة خفر السواحل اليمنية الذي نفى وجود محاولة إنزال عسكري في الجزيرة، لكنه حلَّ لغز الطائرة بالقول إن ما حدث خلال اليومين الماضيين هو «مجرد تحليق لطائرة عسكرية تابعة لدولة صديقة في أجواء البحر الأحمر، وهو إجراء روتيني في ظلِّ الأوضاع الحالية».


بيانات يمنية: ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد خسائر فادحة

هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
TT

بيانات يمنية: ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد خسائر فادحة

هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)

أظهرت بيانات حكومية يمنية حديثة أن ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد الوطني خسائر فادحة، لا سيما مع استمرار منع تصدير النفط الخام وتهديد موانئه وناقلاته، الأمر الذي حرم الحكومة من أحد أهم مواردها المالية، وأدى إلى تفاقم العجز المالي وارتفاع مستويات الدين الداخلي، في وقت تحاول فيه السلطات تعزيز مسار التعافي الاقتصادي والانتقال نحو مشاريع تنموية أكثر استدامة.

وبحسب تقرير التطورات النقدية الصادر عن البنك المركزي اليمني، فإن التنفيذ الفعلي للموازنة العامة حتى نهاية عام 2025، سجل عجزاً نقدياً تجاوز 48 في المائة من إجمالي الإنفاق العام، وهو مستوى يعكس حجم الضغوط التي تواجهها المالية العامة في ظل تراجع الإيرادات السيادية.

ووفق البيانات، بلغت الإيرادات العامة نحو 1,435.2 مليار ريال يمني (نحو 870 مليون دولار)، مقابل نفقات وصلت إلى 2,773.5 مليار ريال (نحو 1.68 مليار دولار)، ما أدى إلى تسجيل عجز بقيمة 1,338.2 مليار ريال (نحو 811 مليون دولار).

ويرتبط هذا التدهور بشكل مباشر بتوقف صادرات النفط، التي كانت تمثل المصدر الرئيسي لتمويل الموازنة، قبل أن تتعرض موانئ التصدير في حضرموت وشبوة لهجمات عطّلت عمليات الشحن، وأثارت مخاوف الشركات والملاحة البحرية.

ارتفاع ميزانية البنوك اليمنية يعكس استمرار النشاط المصرفي رغم التحديات (إعلام حكومي)

وفي موازاة ذلك، أظهرت البيانات ارتفاع الدين العام الداخلي بنسبة 8.8 في المائة، ليصل إلى 8,596.7 مليار ريال يمني (نحو 5.21 مليار دولار)، مقارنة بـ7,901.2 مليار ريال في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) من العام ذاته.

ويشير التقرير إلى أن الاقتراض المباشر من البنك المركزي شكّل المصدر الأساسي لتمويل هذا الدين، بحصة بلغت 90.8 في المائة، وهو ما يعكس اعتماد الحكومة على التمويل النقدي لتغطية فجوة العجز، في ظل محدودية البدائل التمويلية الأخرى.

في المقابل، أسهمت أدوات الدين التقليدية، مثل أذون الخزانة والسندات والصكوك الإسلامية، بنسبة 9.2 في المائة فقط من إجمالي الدين، ما يبرز ضعف سوق الدين المحلية وتحديات تنشيطها في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.

مؤشرات نقدية

على صعيد المؤشرات النقدية، أظهرت بيانات البنك المركزي اليمني ارتفاع الأصول الخارجية إلى 1,933.3 مليار ريال (نحو 1.17 مليار دولار) بنهاية ديسمبر (كانون الأول)، مقارنة بالشهر السابق، في مؤشر محدود على تحسن الاحتياطيات.

كما ارتفع رصيد العملة المصدرة إلى 3,641.1 مليار ريال يمني، بزيادة طفيفة، في حين سجلت القاعدة النقدية نمواً بنحو 122 مليار ريال لتصل إلى 4,444.4 مليار ريال، وهو ما يعكس توسعاً نقدياً قد يفرض ضغوطاً تضخمية في حال عدم ضبطه. (الدولار الواحد نحو 1600 ريال يمني).

الحكومة اليمنية حرمت من أهم مواردها المالية جراء توقف تصدير النفط (إعلام حكومي)

وبالمثل، ارتفع العرض النقدي الواسع إلى 11,429.3 مليار ريال يمني، وسط مساعٍ للحفاظ على استقرار السوق النقدية، في بيئة تتسم بتحديات مركبة تشمل تراجع الإيرادات، وانقسام المؤسسات المالية، وتقلبات سعر الصرف.

في سياق متصل، ارتفعت الميزانية الموحدة للبنوك التجارية والإسلامية إلى 12,341.8 مليار ريال (نحو 7.48 مليار دولار)، ما يشير إلى استمرار نشاط القطاع المصرفي رغم التحديات، وإن كان ذلك ضمن بيئة عالية المخاطر.

توجه حكومي

في موازاة هذه التحديات، تكثف الحكومة اليمنية جهودها لتعزيز الشراكة مع المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها البنك الدولي، لدعم مسار التعافي الاقتصادي وتوسيع البرامج التنموية.

وخلال لقاء في عدن، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات المرحلة المقبلة.

وتناول اللقاء استعراض المشاريع الممولة في مجالات الخدمات الأساسية والبنية التحتية، إلى جانب الإصلاحات المؤسسية وبناء القدرات، مع التركيز على تحسين كفاءة التنفيذ وضمان تحقيق أثر مباشر على حياة المواطنين.

اللقاءات اليمنية مع البنك الدولي تركز على دعم التعافي والاستدامة (إعلام حكومي)

وأكدت الحكومة اليمنية أهمية توافق برامج البنك الدولي مع أولوياتها الوطنية، لا سيما في قطاعات الصحة والتعليم والمياه، إلى جانب دعم خلق فرص العمل وتمكين النساء اقتصادياً.

كما شددت على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية الطارئة إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع تعزيز دور المؤسسات الوطنية وتمكينها من إدارة البرامج بكفاءة واستقلالية.

من جانبه، أكد البنك الدولي أهمية تنسيق الجهود بين الحكومة وشركاء التنمية، والعمل على تحسين كفاءة استخدام الموارد، ودعم القطاعات الحيوية، خصوصاً الطاقة والبنية التحتية والتعليم، بما يسهم في تحقيق استقرار اقتصادي تدريجي.

ويأتي هذا التوجه في ظل إدراك متزايد بأن استمرار الاعتماد على المساعدات الطارئة لم يعد كافياً، وأن المرحلة تتطلب بناء أسس تنموية قادرة على الصمود، وتوفير فرص اقتصادية مستدامة، رغم التحديات التي تفرضها الأوضاع الأمنية والسياسية.


الحوثيون يتوعدون بـ«تصعيد تدريجي» بعد رابع هجماتهم نحو إسرائيل

مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يتوعدون بـ«تصعيد تدريجي» بعد رابع هجماتهم نحو إسرائيل

مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)

هددت الجماعة الحوثية بما وصفته بـ«التصعيد التدريجي»، وذلك بعد تبنّيها رابع هجماتها ضد إسرائيل، وبعد نحو أسبوع من انخراطها في الحرب إلى جانب إيران في سياق الاصطفاف مع ما يُعرف بـ«محور المقاومة» بقيادة طهران.

وفي ظلّ تصاعد خطاب القوى اليمنية الشرعية، التي تؤكد اقتراب معركة الحسم واستعادة الدولة من قبضة الجماعة، أعلنت إسرائيل أنها تتشاور مع واشنطن بشأن الرد على الهجمات الحوثية، رغم محدودية تأثيرها مقارنة بالكثافة النارية التي تواجهها من إيران و«حزب الله».

وفي بيان متلفز، أعلن المتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، مساء الخميس، أن قوات جماعته نفذت «عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية استهدفت أهدافاً حيوية للعدو الإسرائيلي في منطقة يافا المحتلة»، مدعياً أن العملية جاءت «بالاشتراك مع الإخوة المجاهدين في إيران و(حزب الله) في لبنان»، وأنها «حققت أهدافها بنجاح بفضل الله»، وفق قوله.

عناصر حوثية على متن عربة أمنية في صنعاء (أ.ف.ب)

وأضافت الجماعة في بيانها أن «تدخلها العسكري في هذه المعركة المهمة والاستثنائية هو تدخل تدريجي»، مشيرة إلى أنها «لن تتوقف عند هذا الحد من التدخل، وستتعامل مع التطورات المقبلة وفق ما يحدده العدو من تصعيد أو تهدئة».

الهجوم الأخير يُعد الرابع منذ إعلان الحوثيين انخراطهم المباشر في المواجهة الإقليمية، في تطور يعكس تصاعد التنسيق بين أطراف المحور المدعوم من طهران، والذي يضم إلى جانب الحوثيين كلاً من «حزب الله» اللبناني وفصائل عراقية مسلحة.

مشاغلة للدفاعات

كانت الجماعة الحوثية قد تبنّت، الأربعاء الماضي، هجوماً ثالثاً باتجاه إسرائيل، في وقت أعلن فيه الجيش الإسرائيلي أن أنظمة الدفاع الجوي اعترضت صاروخاً أُطلق من اليمن «دون تسجيل إصابات أو أضرار»، مؤكداً أن الرصد المبكر مكّن من التعامل مع التهديد.

ويرى مراقبون أن أقصى ما يمكن أن تحققه هذه الهجمات هو مجرد مشاغلة لمنظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية، التي تواجه بالفعل ضغوطاً نتيجة تعدد مصادر التهديد من إيران ومن «حزب الله».

وفي أول ظهور له بعد إعلان الانخراط، قدّم زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي خطبة مطولة، معلناً الانتقال من الدعم السياسي والإعلامي والدعائي لإيران إلى «الانخراط العملياتي المباشر».

زعيم الحوثيين دعا أتباعه للتعبئة والحشد بالتوازي مع الانخراط في الحرب إلى جانب إيران (أ.ب)

وأكد الحوثي أن هجمات جماعته تأتي ضمن «العمليات المشتركة لمحور المقاومة»، في إشارة إلى المحور الذي تقوده إيران، زاعماً أن المواجهة الحالية «واجب يتجاوز الحدود الجغرافية»، في محاولة لإضفاء طابع عابر للحدود على الصراع.

كما دافع عن قرار المشاركة في الحرب إلى جانب إيران، معتبراً أن الحياد «ليس خياراً مطروحاً»، في وقت تتزايد فيه المخاوف داخل اليمن من تداعيات هذا التصعيد على الأوضاع الاقتصادية والأمنية الهشة.

وشدد الحوثي على أتباعه من أجل الاستمرار في المظاهرات الأسبوعية المؤيدة لإيران والانخراط في الحرب إلى جانبها، كما حضّهم على تكثيف التعبئة وحشد طلبة المدارس إلى المعسكرات الصيفية؛ حيث تستغلها الجماعة بشكل سنوي لمزيد من الاستقطاب والتجنيد.

اقتراب الحسم

على الجانب الآخر، جاءت أحدث تصريحات عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، طارق صالح، لتأكيد أن «معركة الخلاص من الانقلاب الحوثي باتت قريبة، وأن القوات الوطنية كافة ستخوضها بروح الفريق الواحد واليد الواحدة».

تصريحات صالح -نقلها الإعلام الرسمي- جاءت خلال زيارته قيادة وأفراد اللواء الثاني مغاوير، في الساحل الغربي اليمني؛ حيث أشاد بالدور البطولي للمقاتلين، مؤكداً أن هذه القوات «تُمثل صمام أمان الجمهورية اليمنية»، في رسالة تعكس ثقة متزايدة بقدرة القوات الحكومية على استعادة زمام المبادرة.

ولم يغفل صالح البُعد الإقليمي، إذ أشار إلى أن «الاعتداءات الإيرانية السافرة على دول الخليج والأردن كشفت بوضوح أن مشروع طهران ليس إلا أداة هدم تستهدف الأمة العربية»، مؤكداً أن هذا المشروع «لم يكن يوماً موجهاً نحو إسرائيل التي اتخذتها إيران ذريعة فحسب».

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح (سبأ)

وفي ردٍّ مباشر على مزاعم الحوثيين، قال صالح إن الجماعة «تزعم مواجهة إسرائيل، وتسوّق اتهامات مفضوحة ضد القوى الوطنية... لإيجاد مبرر لقتل اليمنيين»، مذكّراً بأن الحرب ضدها بدأت منذ عام 2004، «أي قبل وقت طويل من التجاذبات الإقليمية».

ووجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني تحيةً إلى مواطنيه في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكداً أنهم «جزء أصيل لا يتجزأ من معركة الخلاص الوطني المقبلة»، في خطاب يجمع بين البُعدين العسكري والوطني، ويعكس حرصاً على توحيد الصف الداخلي.

وشدد صالح على رفع الجاهزية القتالية، وتكثيف التدريب، استعداداً «للمهام الوطنية المقبلة في سبيل استعادة الدولة والجمهورية»، في إشارة إلى مرحلة قد تكون مفصلية في مسار الصراع اليمني، خصوصاً إذا ما اختار الحوثيون العودة للحرب ورفض المسارات السلمية للتوصل إلى تسوية سياسية شاملة.